يجب القصاص فيما دون النفس من الجروح والاعضاء، والدليل عليه قوله تعالى وكتبنا عليهما فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالاتف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص) وروى أنس ﵁ " أن الربيع بنت النضر بن أنس كسر ثينه جارية فعرضوا عليهم الارش فأبوا، وطلبوا العفو فأبوا، فأتوا النبي ﷺ فأمر بالقصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر فقال: يارسول الله أتكسر ثنية الربيع؟ والذي بعثك بالحق لا تكسر ثيتها، فقال النبي ﷺ " كتاب الله القصاص " قال فعفا القوم ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لابر قسمه " ولان ما دون النفس في الحاجة إلى حفظه بالقصاص فكان كالنفس في وجوب القصاص
(فصل)
ومن لا يفاد بغيره في النفس لا يقاد به فيما دون النفس، ومن اقتيد بغيره في النفس اقتيد به فيما دون النفس لانه لما كان ما دون النفس كالنفس في وجوب القصاص كان كالنفس فيما ذكرناه
(فصل)
وإن اشترك جماعة في إبانة عضو دفعة واحدة وجب عليهم القصاص، لانه أحد نوعي القصاص، فجاز أن يجب على الجماعة بالجناية ما يجب على واحد كالقصاص في النفس وإن تفرقت جناياتهم بأن قطع بعض العضو وأبانه الآخر لم يجب القصاص على واحد منهما، لان جناية كل واحد منهما في بعض العضو، فلا
يحرز أن يقتص منه في جميع العضو (الشرح) حديث أنس ﵁ أخرجه البخاري في التفسير عن عبد الله ابن منير وفي الصلح وفي الديات عن الانصاري وعن محمد بن سلام أخرجه مسلم في الحنود عن أبى بكر واخرجه أبو داود في الديات عن مسدد وأخرجه النسائي
[ ١٨ / ٣٩٨ ]
في القود عن محمد بن المثنى وعن أحمد بن سليمان وعن حميد بن مسعدة واسماعيل ابن مسعود: وأخرجه ابن ماجه في الديات عن محمد بن المثنى وعن ابن أبى عدى والربيع مضى ضبطها في الربيع بنت معوذ وهو بالتصغير وهى أم حارية بنت سراقة المستشهد بين يدى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ صاحبة حديث: أخبرني عن حارثة إن كان في الجنة صبرت الخ الحديث أما الاحكام فقد قال الشافعي ﵀: والقصاص فيما دون النفس سار.
جرح يستوفى، وطرف يقطع وقال العمرانى أن القصاص يجب فيما دون النفس من الجروح والاعضاء، لقوله تعالى (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس - إلى قوله تعالى - والجروح قصاص) أه.
ولما روت الربيع أنها كسرت ثنية جارية من الانصار فعرضوا عليهم الارث فلم يقبلوا، فطلبوا العفو فأبوا، فأتوا النبي ﷺ فأمر بالقصاص، فقال أنس بن النضر: والذي بعثك بالحق لا يكسر ثنيتها، فقال النبي ﷺ كتاب الله القصاص فعفا القوم فقال ﷺ: ان من عباد الله من لو قسم على الله لابره " ولان القصاص في النفس انما جعل لحفظ النفس، وهذا موجود فيما دون النفس إذا ثبت هذا فكل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما فيما دون النفس، فتقطع يد الحر المسلم بيد الحر المسلم ويد الكافر بيد الكافر
ويد المرأة بيد المرأة، وهذا اجماع وتقطع يد المرأة بيد الرجل ويد الرجل بيد المرأة، ويد العبد بيد الحر والعبد عِنْدَنَا.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ " إذا اختلف الشخصان في الدية لم يجر القصاص بينهما فيما دونهما كالحرين المسلمين.
وان اشترك جماعة في ابانة عضو أو جراحة يثبت بها القصاص ولم يتميز فعل بعضهم عن بعض، مثل أن أجرى جماعة سيفا في أيديهم على يد رجل أو رجله فقطعوها أو على رأسه فأوضحوه (١) قطعت يد كل واحد منهم وأوضح كل واحد منهم
_________________
(١) أوضحوه أي أوضحوا بياض العظم
[ ١٨ / ٣٩٩ ]
وبه قال ربيعة ومالك وأحمد.
وقال الثوري وأبو حنيفة: لا يقتص منهم بل ينتقل حق المجني عليه إلى الدية.
دليلنا ماروى أن رجلين شهدا عند علي ﵁ على رجل بالسرقة فقطع يده ثم أتيا برجل أخر وقالا: هذا الذي سرق وأخطأنا في ذلك، فلم يقبل شهادتهما على الثاني وغرمهما دية ويد وقال: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما، وروى لقطعتكما، ولا مخالف له في الصحابة، ولان كل جناية وجب بها القصاص على الواحد وجب بها على الجماعة كالنفس، وإن قطع أحدهما بعض العضو وأبانه الثاني، أو وضع أحدهما السكين على المفصل ووضع الاخر عليه السكين من الجانب الاخر ثم قطعاه وأباناه لم يجب على أحدهما قصاص في إبانة العضو، لان جناية كل واحد منهما قطعة مميزة في بعض العضو فلا يقتص منه في جميعه.
(فرع)
ويعتبر في المجني به على ما دون النفس ما يعتبر في النفس، فإن رماه بحجر كبير يوضحه مثله في الغالب فأوضحه وجب عليه القود، وإن لطمه وورم
وانتفخ فصار موضحة فلا قود فيها وفيها الدية.
وإن رماه بحجر صغير لا يوضح مثله في الغالب فأوضحه لم يجب عليه القود ووجب عليه الدية كما قلنا في النفس.
وحكى ابن الصباغ في الشامل أن الشيخ أبا حامد قال إذا كان الحجر مما يوضح غالبا فإنه يجب القصاص في الموضحة، فإذا مات لم يجب القصاص.
قال ابن الصباغ وهذا فيه نظر لان من أوضح غيره بحديدة فمات منها وجب عليه القود، فإذا كانت هذه الالة توضح في الغالب كانت كالحديد.
قال المصنف ﵀:
(فصل)
والقصاص فيما دون النفس في شيئين في الجروح وفي الاطراف، فأما الجروح فينظر فيها فان كانت لا تنتهى إلى عظم كالجائفة وما دون الموضحة من الشجاج، أو كانت الجناية على عظم ككسر الساعد والعضد والهاشمة والمنقلة، لم يجب فيها القصاص، لانه لاتمكن المماثلة فيه ولا يؤمن أن يستوفى أكثر من الحق فسقط، فان كانت الجناية تنتهى إلى عظم - فان كانت موضحة في الرأس أو
[ ١٨ / ٤٠٠ ]
الوجه - وجب فيها القصاص، لانه تمكن المماثلة فيه، ويؤمن أن يستوفى أكثر من حقه، وان كانت فيما سوى الرأس والوجه كالساعد والعضد والساق والفخذ وجب فيها القصاص.
ومن أصحابنا من قال لا يجب لانه لما خالف موضحة الرأس والوجه في تقدير الارش خالفهما في وجوب القصاص والمنصوص هو الاول، لانه يمكن استيفاء القصاص فيها من غير حيف لانتهائها إلى العظم، فوجب فيها القصاص كالموضحة في الرأس والوجه.
(فصل)
وان كان الجناية موضحة وجب القصاص بقدرها طولا وعرضا لقوله ﷿ " والجروح قصاص " والقصاص هو المماثلة، ولاتمكن المماثلة
في الموضحة الا بالمساحة في الطول والعرض، فان كانت في الرأس حلق موضعها من رأس الجاني وعلم على القدر المستحق بسواد أو غيره، ويقتص منها، فان كانت الموضحة في مقدم الرأس أو مؤخره أو في قزعته وأمكن أن يستوفى قدرها في موضعها من رأس الجاني لم يستوف في غيرها، وان كان قدرها يزيد على مثل موضعها من رأس الجاني أستوفى بقدرها، وان جاوز الموضع الذي شجه في مثله لان الجميع رأس.
وان كان قدرها يزيد على رأس الجاني لم يجز أن ينزل إلى الوجه والقفا لانه قصاص في غير العضو الذي جنى عليه ويجب فيما بقى الارش لانه تعذر فيه القصاص فوجب البدل، فان أوضح جميع رأس ورأسه ورأس الجاني أكبر فللمجنى عليه أن يتدئ بالقصاص من أي جانب شاء من رأس الجاني، لان الجميع محل للجناية.
وأن أراد أن يستوفى بعض حقه من مقدم الرأس وبعضه من مؤخره فقد قال بعض أصحابنا انه لا يجوز، لانه يأخذ موضحتين بموضحة.
قال الشيخ الامام ويحتمل عندي أنه يجوز لانه لا يجاوز موضع الجناية ولاقدرها الا أن يقول أهل الخبرة أن في ذلك زيادة ضرر أو زيادة شين فيمنع لذلك.
وان كانت الموضحة في غير الوجه والرأس وقلنا بالنصوص أنه يجب فيها القصاص اقتص فيها على ما ذكرناه في الرأس، فان كانت في الساعد فزاد قدرها على ساعد الجاني لم ينزل إلى الكف ولم يصعد إلى العضد، وان كانت في الساق
[ ١٨ / ٤٠١ ]
فزادت على قدر ساق الجاني لم ينزل إلى القدم ولم يصعد إلى الفخذ كما لا ينزل في موضحة الرأس إلى الوجه والقفا
(فصل)
وإن كانت الجناية هاشمة أو منقبلة أو مأمومة فله أن يقتص في الموضحة لانها داخلة في الجناية يمكن القصاص فيها، ويأخذ الارش في الباقي،
لانه تعذر فيه القصاص فانتقل إلى البدل.
(الشرح) الاحكام: يجب القصاص فيها دون النفس في شيئين: الجروح والاعضاء، والجروح ضربان، جرح في الرأس والوجه وجرح فيما سواهما من البدن، فأما الجروح في الرأس والوجه ويسمى الشجاج.
قال الشافعي ﵁ وهي عشرة.
(أولها) الحارصة وهى التي تقشط الجلد قشطا لا يدمى، ومنه يقال حرص القصار الثوب إذا قشط درنه ووسخه (١) وبعدها الدامية وهى التي قشطت الجلد وخرج منها الدم، وبعدها الباضعة وهى التي تبضع اللحم، أي تشقه بعد الجلد وبعدها المتلاحمة وهى التي تنزل في اللحم ولا تصدع العظم، وبعدها السمحاق وهى التي وصلت إلى جلدة رقيقة بين اللحم والعظم وتسمى تلك الجلدة السمحاق وبعدها الموضحة وهى التي أوضحت عن العظم وكشفت عنه، وبعدها الهاشمة وهى التي هشمت العظم، وبعد المنقلة - قال الشيخ أبو حامد ولها تأويلان
(أحدهما)
أن ينقل العظم من موضع إلى موضع
(والثانى)
أنه في تداويه لابد من إخراج شئ من العظم منه، وبعدها المأمومة وتسمى الآمة بالمداسم فاعل والمأمومة اسم مفعول، وجمع الآمة أوام، مثل دابة ودواب، وجمع المأمومة على لفظها مأمومات وهى التي تصل إلى أم الدماغ وقال في البيان: وهى التي قطعت العظم وبلغت إلى قشرة رقيقة فوق الدماغ وبعده الدامغة وهى التي بلغت الدماغ.
وحكى عن أبى العباس بن سريج أنه زاد الدامغة بعد الدامية وقال الدامية التي يخرج منها
_________________
(١) في المصباح: حرص القصار الثوب شقه، ومنه قيل للشجة تشق الجلد حارصة.
[ ١٨ / ٤٠٢ ]
الدم ولا يجرى، والدامغة مايخرج منها الدم ويجرى.
قال الازهرى، الدامغة قبل الدامية، وهى التي يخرج منها الدم بقطعه والدامية هي التي يخرج منها أكثر إذا ثبت هذا فان الشَّافِعِيَّ ﵁ قَالَ فِي الْأُمِّ لا قصاص فيما دون الموضحة من الشجاج ونقل المزني لو جرحه فلم يوضحه اقتضى منه بقدر عاشق من الموضحة.
واختلف أصحابنا فيه فقال الخراسانيون هل يجب القصاص فيما دون الموضحة من الشجاج؟ فيه قولان، قال أكثر أصحابنا البغداديين، لا يجب القصاص فيما دون الموضحة، وما نقله المزني فيه سهو، لان القصاص هو المماثلة ولا يمكن المماثلة فيما دون الموضحة، فلو أوجبنا فيها القصاص لم يأمن أن تؤخذ موضحة بمتلاحمة، لانه قد يكون رأس المجني عليه غليظ الجلد كثير اللحم، ويكون رأس الجاني رقيق الجلد قليل اللحم، فإذا قدرنا العمق في المتلاحمتين ورأس المجني عليه وأوجنا قدره في رأس الجاني فربما بلغت إلى العظم وذلك لا يجوز وقال الشيخ أبو حامد يمكن عندي القصاص فيما دون الموضحة من الشجاج على ما نقله المزني بأن يكون في رأس المجني عليه موضحة وفي رأس الجاني موضحة فينظر إلى المتلاحمة التي في رأس المجني عليه، وينظركم قدرها من الموضحة، فإن كان قدر نصفها نظر كم قدر الموضحة التي في قدر رأس الجاني فنقص منه نصف موضحته التي في رأسه، والمشهور أنه لا قصاص في ذلك، وأما الموضحة فيجب فيها القصاص لان المماثلة فيها ممكنة من غير حيف، فيقدر الموضحة بالطول والعرض ويعلم عليه بخيط أو سواد ولا يعتبر العمق، لانه يأخذ إلى العظم.
وان كانت الشجة في الرأس وعلى موضعها في رأس الجاني شعر فالمتسحب أن يحلق ذلك الشعر لانه أسهل في الاستيفاء، وإن اقتص ولم يحلق الشعر جاز، لانه لا يأخذ إلا قدر حقه.
(فرع)
إذا شج رجل رجلا في رأسه شجة فلا يخلو إما أن يستوى رأساهما في الصغر والكبر أو يختلفا - فإن استوى رأسهما في الصغر أو الكبر - فإنه يستوفى مثل موضحته بالطول والعرض في موضعتها إما في مقدم الرأس أو مؤخره
[ ١٨ / ٤٠٣ ]
أو بين قرنيه، وان اختلفا نظرت - فإن كان رأس الجاني أكبر ورأس المجني عليه أصغر فجنى عليه موضحة إلى منبت الشعر فوق الاذن وكان قدر طولها وعرضها في رأس الجاني ينتهى إلى أعلا من ذلك الموضع لسعته، فليس للمجني عليه أن يأخذ الا قدر موضحته طولا وعرضا لا يزيد عليه، ولكن له أن يبتدئ بالقصاص من أي الجانبين شاء.
وإن أوضح جميع رأسه فللمجنى عليه أن يقتص قدر موضحته طولا وعرضا في أي وقت شاء من رأس الجاني لانه قد جنى عليه في ذلك الموضع في رأسه فإن أراد أن يقتص بعضها في مقدم رأس الجاني وبعضها في مؤخر رأس الجاني ويكون بينهما فاصل ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يجوز له ذلك لانه يأخذ موضحتين بموضحة
(والثانى)
وهو قول المصنف أنه يجوز لانه لا يأخذ إلا قدر حقه إلا أن قال أهل الخبرة ان في ذلك زيادة ضرر أو زيادة شين فيمنع من ذلك، وإن كان رأس المجني عليه أكبر من رأس الجاني فأوضحه موضحة في مقدم رأسه وكان قدر طولها وعرضها في رأس الجاني يزيد على ذلك الموضع ففيه وجهان
(أحدهما)
أن للمجني عليه أن يقتص في مقدم رأس الجاني ويستكمل قدر طول موضحته وعرضها مما يلى ذلك من مؤخر رأس الجاني لانه عوض واحد فإن زادت موضحته على قدر الرأس لم يكن له أن يستوفى باقيها في الوجه ولا في القفا وهو ما نزل عن منبت شعر الرأس من العين لانهما موضعان آخران
والوجه الثاني أنه لا يجوز له أن يتجاوز عن سمت موضع الشجة لانه غير موضع الشجة فلم يتجاوزه، كما لا يجوز أن يتجاوز عن موضع الرأس إلى الوجه والقفا فعلى هذا ان كانت الموضحة في مقدم الرأس وزاد قدرها على مقدم رأس الجاني لم ينزل إلى مؤخره، وان كانت بين قرنى الرأس وهما جانباه وزاد قدرها على مابين قرنى رأس الجاني فللمجنى عليه أن يقتص إلى ما فوق الاذنين لانه في سمتها وليس له أن يستوفى في مقدم الرأس ولا في موخره لانه في غير سمته (فرع)
وأما الهاشمة والمنقلة والمأمومة فله أن يقتص في الموضحة وليس له أن يقتص فيما زاد عليها لان كسر العظم لا يمكن المماثلة فيه لانه يخاف فيه الحيف
[ ١٨ / ٤٠٤ ]
وإتلاف النفس، وأما الجراحة في غير الرأس والوجه فيظر فيها - فإن وصلت إلى عظم وجب فيه القصاص.
ومن أصحابنا من قال لا يجب فيها القصاص لانها لما خالفت موضحة الرأس والوجه في تقدير الارش خالفتها في وجوب القصاص والمنصوص هو الاول، لانه يمكن القصاص فيها من غير حيف فهي كالموضحة في الرأس والوجه.
فعلى هذا إن كانت في موضع عليه شعر كثير، فالمستحب أن يحلق موضعها ويعلم على موضعها سواد أو غيره، ويقدر الطول والعرض على ما ذكرناه في موضحة الرأس.
وإن كانت الجراحه في العضد فزيد قدرها على عضد الجاني لم ينزل في الزيادة على عالى الساعد، وإن كانت في الفخذ وزاد قدرها على فخذ الجاني لم ينزل في الزيادة إلى الساق، وإن كانت في الساق وزاد قدرها على ساق الجاني لم ينزل في الزيادة إلى القدم كما لا ينزل في موضحة الرأس إلى الوجه والقفا، وإن كانت فيما دون الموضحة لم يجب فيها القصاص على المشهور من المذهب، لانه لا يمكن المماثلة فيه
وعلى ما اعتبره الشيخ أبو حامد وحكاه الخراسانيون فيما دون الموضحة من الجراحات على الرأس في الوجه يكون ههنا مثله وإن كانت الجراحة جائفة أو كسر عظم لم يجب القصاص فيها، لانه لا يمكن المماثلة فيها ويخاف فيها الحيف، بل إن كانت في موضع وصلت إلى عظم ثم كسرت أو أجافت وجب القصاص فيها إلى العظم ووجب الارش فيما زاد
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وأما الاطراف فيجب فيه القصاص في كل ما ينتهى منها إلى مفصل فتؤخذ العين بالعين لقوله تعالى " وكتبنا عليهم فيه أن النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص " ولانه يمكن المماثلة فيها لانتهائها إلى مفصل فوجب فيها القصاص، ولايجوز أن يأخذ صحيحة بقائمة لانه يأخذ أكثر من حقه، ويجوز أن يأخذ القائمة بالصحيحة لانه يأخذ دون حقه.
وان أوضج رأسه فذهب ضوء عينه، فالمنصوص أنه يجب فيه القصاص،
[ ١٨ / ٤٠٥ ]
وقال فيمن قطع أصبح رجل فتأكل كفه إنه لا قصاص في الكف، فنقل أبو إسحاق قوله في الكف إلى العين ولم ينقل قوله في العين إلى الكف فقال في ضوء العين قولان
(أحدهما)
لا يجب فيه القصاص لانه سراية فيما دون النفس فلم يجب فيه القصاص كما لو قطع أصبعه فتأكل الكف
(والثانى)
يجب لانه لا يمكن إتلافه بالمباشرة فوجب القصاص فيه بالسراية كالنفس ومن أصحابنا من حمل المسئلتين على ظاهرها فقال يجب القصاص في الضوء قولا واحدا ولا يجب في الكف، لان الكف يمكن إتلافه بالمباشرة فلم يجب القصاص فيه بالسراية بخلاف الضوء.
(فصل)
ويؤخذ الجفن بالجفن لقوله تعالى " والجروح قصاص " ولانه يمكن
القصاص فيه لانتهائه إلى مفصل فوجب فيه القصاص ويوخذ جفن البصير بجفن الضرير وجفن الضرير يجفن البصير لانهما متساويان في السلامة من النقص وعدم البصر نقص في غيره.
(فصل)
ويؤخذ الانف بالانف لقوله تعالى " والانف بالانف " ولا يجب القصاص فيه إلا في المارن لانه يتنهى إلى مفصل، ويؤخذ الشام بالاخشم، والاخشم بالشام لانهما متساويان في السلامة من النقص، وعدم الشم نقص في غيره، ويوخذ البعض بالبعض، وهو أن يقدر ما قطعه بالجزء كالنصف والثلث ثم يقتض بالنصف والثلث من مارن الجاني، ولا يؤخذ قدره بالمساحة لانه قد يكون أنف الجاني صغيرا وأنف المجني عليه كبيرا، فإذا اعتبرت المماثلة بالمساحة قطعنا جميع المارن بالبعض، وهذا لا يجوز.
ويؤخذ المنخر بالمنخر والحاجز بين المنخرين بالحاجز، لانه يمكن القصاص فيه لانتهائه إلى مفصل، ولا يؤخذ مارن صحيح بمارن سقط بعضه بجذام أو انخرام لانه يأخذ أكثر من حقه، فإن قطع من سقط بعض مارته مارفا صحيحا فللمجنى عليه أن يأخذ الموجود وينتقل في الباقي إلى البدل لانه وجد بعض حقه وعدم البعض، فأخذ الموجود وانتقل في الباقي إلى البدل وان قطع الانف من أصله اقتص من المارن لانه داخل في الجناية يمكن القصاص فيه، وينتقل في الباقي إلى الحكومة لانه لا يمكن القصاص فيه فانتقل فيه إلى البدل
[ ١٨ / ٤٠٦ ]
(الشرح) قوله " بقائمة " وهي التي بياضها وسوادها صحيحان غير أن صاحبها لا يبصر ولعلها الواقفة، من قولهم.
قام زيد إذا وقف وقوله " المارن " أي ما لان من الانف وموصل إلى القضيب، والاخشم من الخشم، أي أصيب بداء في أنفه منعه الشم
أما الاحكام فإن الاطراف يجب فيها القصاص في كل ما ينتهى منها إلى مفصل فتؤخذ العين بالعين لقوله تعالى (والعين بالعين) الآية.
ولانها تنتهى إلى مفصل إذا ثبت هذا فإنه تؤخذ العين الصحيحة بالعين الصحيحة والقائمة بالقائمة، وهى التي ذهب ضوؤها وبقيت حدقتها - وهي التي انفصلت شبكتيها - وهو الطبقة المبطنة لكرة العين من أسفل أو التي انفصل أو ضمر العصب البصري لها وهو الذي يتلقى المرئيات من الشبكية لنقلها إلى المخ، أو المياه الزرقاء التي تتكون في العدسة الداخلية للعين، أو ما شابه ذلك مما لا يظهر على شكل العين فتبدو كأنها مبصرة وليس فيها ابصار، فإنه لا تؤخذ صحيحة بقائمة، وهي التي وصفناها طبقا لعلم التشريح البصري ان شاء الله، وذلك لانه يأخذ أكثر من حقه، ويجوز أن يأخذ القائمة بالصحيحة لانه يأخذ أقل من حقه باختياره (فرع)
إذا أوضح رأسه فذهب ضوء العين، أي انفصلت الشبيكة أو نهتك عصب الابصار، فالمنصوص أنه يجب القصاص في الضوء.
وقال الشافعي ﵁ فيمن قطع أصبع رجل فتأكل الكف وسقط انه لا يجب عليه القصاص في الكف.
واختلف أصحابنا في ضوء العين، فنقل أبو إسحاق جوابه في الكف إلى العين، وجعل في ضوء العين قولين
(أحدهما)
أنه لا يجب فيه القصاص لانه سراية فيما دون النفس فلم يجب فيه القصاص كالكف.
(والثانى)
يجب فيه القصاص بالسراية كالنفس، وقال أكثر أصحابنا لا يجب القصاص في الكف بالسراية قولا واحدا، والفرق بينهما أن الكف يمكن اتلافه بالمباشرة فلم يجب فيه القصاص بالسراية، والضوء لا يمكن إتلافه بالمباشرة بالجناية، وانما يتلف بالجناية على غيره فوجب القصاص فيه بالسراية كالنفس.
(فرع)
قال المصنف ويؤخذ الجفن بالجفن لقوله تعالى " والجروح قصاص "
[ ١٨ / ٤٠٧ ]
وهذا صحيح لانه ينتهى إلى مفصل فيوخذ جفن البصير بجفن الضرير وجفن الضرير بجفن البصير لانهما متساويان في السلامة، وعدم البصر نقص في غيره (مسألة) قوله تعالى " والعين بالعين والانف بالانف " قرأ نافع وعاصم والاعمش وحمزة بالنصب في جميعها على العطب، ويجوز تخفيف (أن) ورفع الكل بالابتداء والعطف، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلا الجروح، وكان الكسائي وأبو عبيد يقرءان " والعين بالعين " وهكذا بالرفع فيها كلها.
قال أبو عبيد: حدثنا حجاج عن هرون عن عباد بن كثير عن عقيل عن الزهري عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص " والرفع من ثلاث جهات بالابتداء والخبر وعلى معنى على موضع " أن النفس " لان المعنى قلنا لهم " النفس بالنفس " والوجه الثالث قاله الزجاج يكون عطفا على المضمر في النفس، لان الضمير في النفس في موضع رفع لان التقدير أن النفس هي مأخوذة بالنفس، فالاسماء معطوفة على هي.
قال ابن المنذر: ومن قرأ بالرفع جعل ذلك ابتداء كلام حكم في المسلمين، وهذا أصح القولين عند القرطبى في جامعه، وذلك أنها قراءة رسول الله ﷺ والخطاب للمسلمين أمروا بهذا.
ومن خص الجروح بالرفع فعلى القطع مما قبلها والاستناف بها، كأن المسلمين أمروا بهذا خاصة، وما قبله لم يواجهوا به إذا ثبت هذا فإن الانف الكبير يؤخذ بالصغير والغليظ بالرقيق والاقنى بالافطس لان الاطراف يجب القصاص فيها وان اختلفت بالصغر والكبر.
ولا يجب
القصاص في المارن وهو اللبن.
وأما القصبة فلا يجب فيها القصاص لانها عظم، ويؤخذ أنف الشام بأنف الاخشم وأنف الاخشم بأنف الشام، لان الخشم ليس بنقص في الانف، وإنما هو لعلة في الدماغ والانفان يتساويان في السلامة، ويؤخذ الانف الصحيح بالانف المجذوم ما لم يسقط بالجذام شئ منه، لان الطرف الصحيح يؤخذ
[ ١٨ / ٤٠٨ ]
بالطرف العليل، فإن سقط من الانف شئ لم يؤخذ به الصحيح لانه يأخذ أكثر من حقه، فإن قطع من سقط بعض مارنه مارنا صحيحا قطع جميع ما بقى من مارن الجاني وأخذ منه من الدية بقدر ماكان ذهب من مارنه، فإن قطع بعض مارن غيره نظركم القدر التي قطع - فإن كان نصف المارن أو ثلثه أو ربعه أقتص من مارنه نصفه أو ثلثه أو ربعه، ولا يقدر بالمساحة بالطول والعرض كما قلنا في الموضحة، لانه قد يكون أنف الجاني صغيرا وأنف المجني عليه كبيرا، فلو قلنا يقطع من أنف الجاني قدر ما قطع من أنف المجني عليه بالمساحة طولا وعرضا لم يأمن أن يقطع جميع أنفه ببعض أنف المجني عليه، ويؤخذ المتحد بالمتحد، والحاجز بينهما بالحاجز، فإى قطع المارن والقصبة اقتص من المارن وأخذ الحكومة في القصبة لانه لا يمكن القصاص فيها
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وتؤخذ الاذن بالاذن لقوله ﷿ " والاذن بالاذن " ولانه يمكن استيقاء القصاص فيه لانتهائه إلى حد فاصل، وتؤخذ أذن السميع بأذن الاصم، وأذن الاصم بأذن السميع، لانهما متساويان في السلامة من النقص، وعدم السمع نقص في غيره.
ويؤخذ الصحيح بالمثقوب، والمثقوب بالصحيح، لان الثقب ليس بنقص، وإنما تثقب للزينة، ويؤخذ البعض بالبعض على
ما ذكرناه في الانف، ولا يؤخذ صحيح بمخزوم، لانه يأخذ أكثر من حقه، ويؤخذ المخزوم بالصحيح، ويؤخذ معه من الدية بقدر ما سقط منه لما ذكرناه في الانف.
وهل يؤخذ غير المستحشف بالمستحشف؟ فيه قولان
(أحدهما)
أنه لا يؤخذ كما لا تؤخذ اليد الصحيحة بالشلاء
(والثانى)
يؤخذ لانهما متساويان في المنفعة، بخلاف اليد الشلاء فإنها لا تساوى الصحيحة في المنفعة، فإن قطع بعض أذنه وألصقه المقطوع فالتصق لم يجب القصاص، لانه لا يمكن المماثلة فيما قطع منه، وإن قطع أذنه حتى جعلها معلقة على خده وجب القصاص، لان المماثلة فيه ممكنة بأن يقطع أذنه حيت تصير
[ ١٨ / ٤٠٩ ]
معلقة على خده، وإن أبان أذنه أبان أذنه فأخذه المقطوع وألصقه فالتصق لم يسقط القصاص لان القصاص يجب بالابانة، وما حصل من الالصاق لا حكم له لانه يجب إزالته ولا تجوز الصلاة معه.
وإن قطع أذنه فاقتص منه وأخذ الجاني اذنه فألصقه فالتصق لم يكن للمجني عليه أن يطالبه بقطعه، لانه أقتض منه بالابانة، وما فعله من الالصاق لا حكم له لانه يستحق إزالته للصلاة، وذلك إلى السلطان وإن قطع أذنه فقطع المجني عليه بعض أذن الجاني فألصقه الجاني فالتصق فللمجنى عليه أن يعود فيقطعه لانه يستحق الابانة ولم يوجد ذلك.
وإن جنى على رأسه فذهب عقله أو على أنفه فذهب شمه أو على أذنه فذهب سمعه لم يجب القصاص في العقل والشم والسمع، لان هذه المعاني في غير محل الجناية فلم يمكن القصاص فيها.
(فصل)
وتؤخذ الشفة بالشفة وهو مابين جلد الذقن والخدين علوا وسفلا ومن أصحابنا من قال لا يجب فيه القصاص لانه قطع لحم لا ينتهى إلى عظم فلم
يجب فيه القصاص كالباضعة والمتلاحمة والضجيج والاول لقوله تعالى " والجروح قصاص " ولانه ينتهى إلى حد معلوم يمكن القصاص فيه فوجب فيه القصاص (الشرح) الصمم فقدان السمع بسبب من الاسباب الآتية، ١ - انسداد القناة السمعية وهى المدخل الظاهرى في فتحة الاذن ٢ - تهتك الغشاء الرقيق المسمى (الطلبة) وهو الذي يستقبل الذبذبات الصوتية الداخلة من القناة السمعية فينقلها بدوره إلى ثلاثة عظيمات في الصماخ وهذه العظيمات (بالتصغير لصغرها ودقتها) تكبر الصوت بالذبذبات التي تحدث عن طريق تحرك هذه العظيمات عند اصطدام الذبذبات الصوتية بها ٣ - توقف العظيمات عن الحركة ٤ - انفصال العصب السمعى أو تيبسه أو تهتكه، وهو الذي يأخذ الصوت من مكبر الصوت (العظيمات) لينلقه إلى المخ.
والاخرم المثقوب الاذن، وقد انخرم ثقبه أي انشق، والمستحشف المنقبض اليابس، مأخوذ من حشف التمر وأول الشجاج الحارصة، سميت حارصة لانها تشق الجلد، يقال حرص القطار الثوب
[ ١٨ / ٤١٠ ]
إذا شقه، وحرص المطر الارض إذا قشرها، والباضعة التي تقطع الجلد وتشق اللحم وتدمى: من بضعت اللحم إذا قطعته قطعا صغارا، والبضعة القطعة وقد سقناها آنفا في عشرة أنواع وفيها المتلاحمة والسمحاق والهاشمة.
أما الاندمال فهو برء الجرح.
يقال اندمل الجرح إذا تماثل، وأصله الاصلاح، ودملت بين القوم أصلحت، ودملت الارض بالسرحين أصلحتها أما الاحكام فإنه يجب القصاص في الاذن لقوله تعالى " والاذن بالاذن " ويؤخذ منها الكبير بالصغير والعكس لما ذكرناه في الانف، ويوخذ المثقوب بالصحيح وبالعكس، والاصم بالسميع وبالعكس، وإن قطع من أذنه مخرومة
أذنا صحيحة اقتص منه المجني عليه في المخرومة وأخذ من دية أذنه بقدر ما أنخرم من أذن الجاني، وتؤخذ الاذن المستحشفة وهي الاذن اليابسة بالاذن الصحيحة لانه ياخذ أنقص من حقه باختياره، وهل تؤخذ الاذن الصحيحة بالاذن المستحشفة؟ فيه قولان
(أحدهما)
لا يؤخذ بها كما لا يجوز أخذ اليد الصحيحة باليد الشلاء.
(والثانى)
تؤخذ بها لان الاذن المستحشفة تساوى الاذن الصحيحة في المنفعة فأخذت الصحيحة بها بخلاف اليد الشلاء فإنها لاتساوى الصحيحة في المنفعة (فرع)
وإن قطع بعض أذنه اقتص منه، ويقدر ذلك بالجزء كالنصف والثلث والربع، ولا يقدر بالمساحة بالطول والعرض لما ذكرناه في الانف.
وحكى ابن الصباغ عن القاضى أبى الطيب أنه لا يثبت القصاص في بعض الاذن والاول أصح لانه يمكنه القصاص فيها وقول المصنف هنا: إذا قطع بعض أذنه وألصقه فالتصق لم يجب القصاص لانه لا يمكن المماثلة فيما قطع منه.
ولعله أراد إذا اندمل القطع بنحو خياطة طبية فاختفى القطع.
وإن قطع أذنه حتى جعلها معلقة فله أن يقطع كذلك لان المماثلة ممكنة.
وان قطع أذنه وأبانها فأخذها المجني عليه فألصقها فالتصقت لم يكن للمجني عليه أن يطالبه بإزالتها، لانه قد استوفى حقه، والازالة إلى السلطان، وإن قطع أذنه وأبانها وقطع المجني عليه بعض أذن الجاني فألصقه الجاني فالتصق فللمجنى عليه أن
[ ١٨ / ٤١١ ]
يعود ويقطعه، لان حقه الابانة ولم يوجد.
وإن جنى على رأسه فذهب عقله أو شمه أو سمعه أو ذوقه أو نكاحه أو إنزاله لم يجب القصاص، لان هذه الاشياء ليست في موضع الجناية فيمكن القصاص فيها.
(مسألة) يجب في الشفتين القصاص، ومن أصحابنا من قال: لا قصاص فيهما لانه قطع لحما من لحم غير منفصل، والاول هو المنصوص لقوله تعالى " والجروح قصاص " ولان الشفتين هما اللحم الجافي من لحم الذقن والشدق، مستدير على الفم طولا وعرضا، وطولهما ما تجافى عن لحم الذقن ألى أصل الانف وذلك من لحم له حد معلوم فوجب القصاص فيه واختلف أصحابنا في القصاص في اللسان، فمنهم من قال يجب القصاص في جميعها وفي بعضها، لان له حدا ينتهى إليه فهو كالانف والاذن.
وقال أبو إسحاق لاقصاص فيه، واليه ذهب بعض أصحاب أبى حنيفة، واختاره ابن الصباغ وأما المصنف فذكر أن القصاص يثبت في جميعها على وجهين
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويؤخذ السن بالسن لقوله تعالى (والسن بالسن) ولما رويناه في أول الباب في حديث الربيع بنت النضر بن أنس، ولانه محدود في نفسه يمكن القصاص فيه فوجب فيه القصاص، ولا يؤخذ سن صحيح بسن مكسور لانه يأخذ أكثر من حقه، ويؤخذ المكسور بالصحيح، ويؤخذ معه من الدية بقدر ما انكسر منه لما ذكرناه في الانف والاذن، ويؤخذ الزائد إذا اتفق محلهما لانهما متساويان، وان قلع سنا زائدة وليس للجاني مثلها وجبت عليه الحكومة لانه تعذر المثل فوجب البدل، وإن كان له مثلها في غير موضع المقلوع لم يؤخذ كما لا يؤخذ سن أصلى بسن أخرى.
وان كسر نصف سنه وأمكن أن يقتص منه نصف سنه اقتص منه، فإن لم يمكن وجب بقدره من دية السن، وان وجب له القصاص في السن فاقتص ثم نبت له مكانه سن آخر ففيه قولان
(أحدهما)
أن النابت هو المقلوع من جهة الحكم لانه مثله في محله فصار كما
[ ١٨ / ٤١٢ ]
لو قلع سن صغير ثم نبت فعلى هذا يجب على المجني عليه دية سن الجاني لانه قلع سنه بغير سن.
والقول الثاني: إن النابت هبة مجددة لان الغالب أنه لا يستخلف فعلى هذا وقع القصاص موقعه ولا يجب عليه شئ للجاني، وإن قلع سن رجل فاقتص منه ثم نبت للجاني سن في مكان السن الذي اقتص منه.
فإن قلنا إن النابت هبة مجددة لم يكن للمجني عليه قلعه لانه استوفى ماكان له.
وإن قلنا إن النابت هو المقلوع من جهة الحكم فهل يجوز للمجني عليه قلعه؟ فيه وجهان
(أحدهما)
أن له أن يقلعه ولو نبت ألف مرة، لانه أعدمه السن فاستحق أن يعدم سنه.
(والثانى)
ليس له قلعه لانه يجوز أن يكون هبة مجددة ويجوز أن يكون هو المقلوع فلم يجز قلعه مع الشك
(فصل)
ويؤخذ اللسان باللسان لقوله تعالى (والجروح قصاص) ولان له حدا ينتهى إليه فاقتص فيه فلا يؤخذ لسان الناطق بلسان الاخرس لانه يأخذ أكثر من حقه، ويؤخذ لسان الاخرس بلسان الناطق لانه يأخذ بعض حقه وان قطع نصف لسانه أو ثلثه أقتص من لسان الجاني في نصفه أو ثلثه وقال أبو إسحاق لايقتص منه لانه لا يأمن أن يجاوز القدر المستحق، والمذهب أنه يقتص منه للآية ولانه إذا أمكن القصاص في جميعه أمكن في بعضه (الشرح) حديث الربع بنت النضر مضى تخريجه في فصل قبله، أما الاحكام فقد قال الشافعي ﵁: وإن قلع سن من أثغر قلع سنه، وإن كان المقلوع سن لم يثغر أوقف حتى يثغر وجملة ذلك أن القصاص يجب في السن لقوله تعالى " والسن بالسن " ولما روى أن الربيع كسر سن جارية فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بكسر سنها، فقال
أنس بن النضر أتكسر سن الربيع؟ لا والله لا تكسر، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القصاص فعفا الانصاري فقال رسول الله إن من عاد الله من لو أقسم على الله لابوه " إذا ثبت هذا فإنه يقال للصبى إذا سقطت رواضعه، وهي الاسنان التي تنبت له
[ ١٨ / ٤١٣ ]
وقت رضاعه ثغر فهو مثغور، فإذا نبت له مكانها قيل له أثغر واتغر لغتان.
هكذا أفاده العمرانى وقال الفيومى: والثغر المبسم ثم أطلق على الثنايا، وإذا كسر ثغر الصبى قيل: ثغر ثغورا بالبناء للمفعول، وثغرته أثغرته من باب نفع كسرته، وإذا نبتت بعد السقوط قيل أثغر أثغار مثل أكرم إكراما، وإذا ألقى أسنانه قيل الثغر على افتعل.
وقال في كفاية المتحفظ: إذا سقطت أسنان الصبى قبل ثغر، فإذا نبتت قيل اثغر واتغر بالتاء والثاء مع التشديد.
فإذا قلع سن غيره فلا يخلو المقلوع إما أن يكون لم يثغر أو كان قد ثغر، فإن كان لم يثغر فإن القصاص لا يجب على الجاني في الحال، لان العادة جرت أن سن من لم يثغر تعود إذا قلعت، وما كان يعود إذا قلع لا يجب فيه القصاص كالشعر ويسأل الاطباء كم المدة التي تعود هذه السنة في مثلها، وينتظر إلى تلك المدة، فإذا جاءت تلك المدة ولم يعد السن وجب على الجاني القصاص، لانه قد أيس من عودها، فإن نبتت للمجني عليه سن مكانها في تلك المدة أو أقل منها - فإن كانت الثانية مثل الاولة من غير زيادة ولا نقصان لم يجب على الجاني قصاص ولا دية.
وهل يجب عليه حكومة الجراح الذي جعل بقلعه؟ ينظر فيه، فإن جرح موضعا آخر غير الموضع الذي فبه السن بالقلع وجبت عليه فيه الحكومة، وإن لم يجرح إلا الموضع الذي قلع منه السن ففيه وجهان
(أحدهما)
يجب عليه الحكومة: لانه لما قلع السن أدمى، فإذا أدمى وجبت فيه الحكومة.
(والثانى)
لا تجب الحكومة، لان الحكومة انما تجب إذا جرح وأدمى فأما إذا أدمى من غير جرح فلا حكومة عليه، كما لو لطمه فرعف، فإنه لا تجب عليه لخروج الدم بالرعاف حكومة.
وان كانت السن التي نبتت مكانه المقلوعة أنقص من التي تليها، وجب على الجاني من ديتها بقدر ما نقص منها لان الظاهر أنها نقصت لجنايته.
وان كانت السن التي نبتت أزيد من التي قبلها ففيه وجهان: من أصحابنا من قال
[ ١٨ / ٤١٤ ]
لا يجب على الجاني شين، لان الزيادة لا تكون من الجناية.
وقال المصنف يلزمه حكومة الشين الحاصل بالزيادة كما يلزمه الشين الحاصل بالنقصان، لان الظاهر أن ذلك من جنايته.
وإن كانت النابتة خارجة من صف الاسنان، فإن كانت بحيث لا ينتفع بها وجبت عليه حكومة بالشين الحاصل بها، وإن نبت له سن صغير أو خضراء أو سوادء - وكانت المقلوعة بيضاء - وجب على الجاني للشين الحاصل باللون، وإن مات المجني عليه بعد مضى المدة التي يرجى فيها عود السن قبل أن يعود، فلوليه أن يقتص من الجاني، لانه مات بعد استقرار القصاص.
وهل تجب له دية سن؟ حكى الشيخ أبو إسحاق فيها قولين، وحكاهما الشيخ أبو حامد وابن الصباغ وجهين:
(أحدهما)
تجب دية السن، لانه قلع سنا لم تعد، والاصل عدم العود.
(والثانى)
لا يجب لان الغالب أنها قد كانت تعود، وإنما قطعها الموت، وأما إذا قلع سن من ثغر - فإن قال الاطباء انها لا تعود - وجب له القصاص في
الحال، وإن قالوا انها تعود إلى مدة فهل له القصاص قبل مضى تلك المدة؟ فيه وجهان بناء على أنه هل يسقط القصاص أو الدية إذا عاد سنه فيه قولان، فإن قلنا يسقط ينتظر والا فلا.
وقال الشيخ أبو حامد: ليس له أن يقتص قبل مضي تلك المدة كما قلنا فيمن قلع سن صبى لم يثغر.
وقال ابن الصباغ: له أن يقتص بكل حال، أو اقص منه بعد الاياس من عودها ثم نبتت للمجني عليه سن في موضع السن المقلوع ففيه قولان
(أحدهما)
أن هذا السن من نبات السن المقلوع من هذا الموضع، لان مثله في موضعه فصار كما لو نتف شعره ثم نبت، كما لو قلع سن صبى لم يثغر ثم نبت مكانه سن، وكما لو لطم عينه فذهب ضوؤها ثم عاد، فعلى هذا لا يجب على المجني عليه القصاص للجاني في السن التي اقتص منه بها لانه قلعها، وكان يجوز له قلعها، وانما يجب عليه دية سن الجاني.
وان كان المجني عليه عفا عن القصاص وأخذ دية سنه وجب عليه رد الدية إلى الجاني.
والقول الثالث أن السن النابت هبة مجددة من الله تعالى للمجني عليه، لان
[ ١٨ / ٤١٥ ]
العادة أن سن من ثغر إذا قلعت لا تعود، فإذا عادت علمنا أن ذلك هبة من الله له، فعلى هذا ان كان المجني عليه قد اقتضى من الجاني أو أخذ منه الارش فقد وقع ما فعله موقعه ولا شئ عليه للجاني.
وان قلع سن رجل فقلع المجني عليه سن الجاني ثم نبت للجاني سن مكان سنه الذي اقتص منه ولم تعد للمجني عليه مثلها - فإن قلنا ان النابت هبة من الله مجددة - فلا شئ للمجني عليه، وان قلنا إن النابت هو من الاول ففيه وجهان
(أحدهما)
أن للمجني عليه أن يقلعه، ولو نبت مرارا، لانه أعدم سنه فاستحق أن يعدم سنه.
(والثانى)
ليس له أن يقلع سنه لانه يجوز أن يكون من المقلوع، ويجوز أن يكون هبة مجددة، وذلك شبهة فسقط بها القصاص، فعلى هذا للمجني عليه دية سن على الجاني، فإن خالف المجني عليه وقلع هذا السن للجاني وجب عليه ديتها ويتقاصان، وان قلع سنه فاقتص منه فعاد للمجني عليه سن مكان سنه ولم يعد للجاني ثم عاد الجاني فقلعها وجب عليه ديتها لانه ليس لها مثله، فإن قلنا انه من الاول فقد قلنا ان على المجني عليه دية سن الجاني فيتقاصان.
وان قلنا ان النابت هبة مجددة فلا شئ على المجني عليه للجاني هذا ويؤخذ السن الكبير بالصغير والصغير بالكبير كما قلنا في الانف والاذن ولا يؤخذ سن صحيح بمكسور لانه يأخذ أكثر من حقه، ويؤخذ المكسور بالصحيح، لانه أنقص منه، ويأخذ من دية سنه بقدر ما ذهب من سن الجاني وان كسر بعض سنه من نصفها أو ربعها فهل يجب بها القصاص؟ اختلف الشيخان، فقال الشيخ أبو إسحاق ان أمكن أن يقتص اقتص، وان لم يمكن لم يقتص وقال الشيخ أبو حامد لايقتص منه لان القصاص بالكسر لا يجب باتفاق الامة وما روى في خبر الربيع أنها كسرت ثنية جارية فعال النبي ﷺ: تكسر ثنيتها، أراد بالكسر القلع لا الكسر من بعضها (فرع)
وان قلع لرجل سنا زائدا وللجاني سن زائد في ذلك الموضع يساوى السن الذي قلع وجب فيها القصاص لانهما متساويان، وإن لم يكن للجاني سن
[ ١٨ / ٤١٦ ]
زائد لم يجب عليه القصاص، لانه ليس له مثلها، وإن كان له سن زائد في غير ذلك الموضع لم يجب فيه القصاص لانه ليس له مثلها، وإن كان له سن زائد في ذلك الموضع إلا أنه أكبر من سن المجني عليه ففيه وجهان
(أحدهما)
وهو قول أكثر أصحابنا لا يجب فيها القصاص، لان القصاص
في العضو الزائد إنما يجب بالاجتهاد، فإذا كانت سن الجاني أزيد كانت حكومتها أكثر فلم يجب قلعها بالتي هي أنقص منها، بخلاف السن الاصلية فإن القصاص يثبت بالنص فلا يعتبر فيها التساوى، والثانى حكاه ابن الصباغ عن الشيخ أبى حامد واختاره أنه يجب فيها القصاص، لان ما ثبت بالاجتهاد يجب اعتباره بما ثبت بالنص، والاول هو المنصوص (مسألة) ويؤخذ اللسان باللسان لقوله تعالى " والجروح قصاص " ولان له حدا ينتهى إليه فاقتص منه كالعين، ولا نعلم في هذا خلافا، ولا يؤخذ لسان ناطق بلسان أخرس لانه أفضل منه، ويؤخذ الاخرس بالناطق لانه بعض حقه ويؤخذ بعض اللسان ببعض لانه أمكن القصاص في جميعه فأمكن في بعضه كالسن ويقدر ذلك بالاجزاء ويؤخذ منه بالحساب.
هذا وتؤخذ الشفة بالشفة، وهى ما جاوز الذقن والخدين علوا وسفلا، لقول الله تعالى " والجروح قصاص " ولان له حدا ينتهى إليه يمكن القصاص منه فوجب كاليدين
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وتؤخذ إليه باليد والرجل بالرجل والاصابع بالاصابع والانامل بالانامل لقوله تعالى (والجروح قصاص) ولان لها مفاصل يمكن القصاص فيها من غير حيف فوجب فيها القصاص، وإن قطع يده من الكوع اقتص منه لانه مفصل، وإن قطع من نصب الساعد فله أن يقتص من الكوع لانه داخل في جناية يمكن القصاص فيها ويأخذ الحكومة في الباقي لانه كسر عظم لا تمكن المماثلة فيه فانتقل فيه إلى البدل.
وإن قطع من المرفق فله أن يقتص منه لانه مفصل، وإن أراد أن يقتص من الكوع ويأخذ الحكومة في الباقي لم يكن له ذلك لانه يمكنه أن يتسوفى جميع حقه بالقصاص في محل الجناية فلا يجوز أن يأخذ القصاص
[ ١٨ / ٤١٧ ]
في غيره، وان قطع يده من نصف العضد فله أن يقتص من المرفق ويأخذ الحكومة في الباقي وله أن يقتص في الكوع ويأخذ الحكومة في الباقي لان الجميع مفصل داخل في الجناية ويخالف إذا قطعها من المرفق وأراد أن يقتص من الكوع لان هناك يمكنه أن يقتص في اجميع في محل الجناية وههنا لا يمكنه أن يقتص في موضع الجناية.
وان قطع يده من الكتف وقال أهل الخبرة أنه يمكنه أن يقتص منه من غير جائفة اقتص منه لانه مفصل يمكن القصاص فيه من غير حيف، وان أراد أن يقتص من المرفق أو الكوع لم يجز لانه يمكنه أن يقتص من محل الجناية فلا يجوز أن يقتص في غيره.
وان قال أهل الخبرة انه يخاف أن يحصل به جائفة لم يجز أن يقتص فيه، لانه لا يأمن أن يأخذ زيادة على حقه، وله أن يقتص في المرفق ويأخذ الحكومة في الباقي، وله أن يقتص في الكوع ويأخذ الحكومة في الباقي لما ذكرناه، وحكم الرجل في القصاص من مفاصلها من القدم والركبة والورك، وما يجب فيما بينهما من الحكومات حكم اليد وقد بيناه
(فصل)
ولا تؤخذ يد صحيحه بيد شلاء، ولا رجل صحيحه برجل شلاء لانه يأخذ فوق حقه، وان أراد المجني عليه أن ياخذ الشلاء بالصحيحة نظرت فإن قال أهل الخبرة أنه ان قطع لم تنسد العروق ودخل الهواء إلى البدن وخيف عليه لم يجز أن يقتص منه، لانه يأخذ نفسا بطرف وان قالوا لا يخاف عليه فله أن يقتص لانه يأخذ دون حقه، فإن طلب مع القصاص الارض لنقص الشلل لم يكن له، لان الشلاء كالصحيحة في الخلقة، وانما تنقص عنها في الصفة فلم يؤخذ الارش للنقص مع القصاص، كما لا يأخذ ولى المسلم من الذمي مع القصاص ارشا لنقص الكفر.
وفي أخذ الاشل بالاشل وجهان: أحدهما: انه يجوز لانهما متساويان والثانى: لا يجوز، وهو قول أبى اسحاق، لان الشلل علة والعلل يختلف تأثيرها في البدن فلا تتحقق المماثلة بينهما
[ ١٨ / ٤١٨ ]
(الشرح) تقطع اليد باليد والرجل بالرجل والاصابع بالاصابع والانامل بالانامل لقول تعالى (والجروح قصاص) ولان لها مفاصل يمكن القصاص فيها من غير حيف.
إذا ثبت هذا فإن قطع أصابعه من مفاصلها فله أن يقتص، وإن قطع يده من وسط الكف فليس له أن يقتص من وسط الكف لان كسر العظم لا يثبت فيه القصاص لاجماع الامة، فإن أراد أن يقتص من الاصابع من أصولها كان له ذلك، لان الاصابع يمكن القصاص فيها.
فإن قيل فكيف يضع السكين في غير الموضع الذي وضعه الجاني عليه؟ قلنا لانه لا يمكن وضعها في الموضع الذي وضعها الجاني فيه، فإذا اقتص من الاصابع فهل له أن يأخذ حكومة فيما زاد على الاصابع من الكف؟ فيه وجهان يأتي بيانهما وإن قطع يده من الكوع كان له أن يقتص من ذلك الموضع لانه مفصل، وان قطع يده من بعض الذراع فليس له أن يقتص من بعض الذراع لانه كسر عظم وإن أراد أن يقتص من الكوع ويأخذ الحكومة فيما زاد عليه كان له ذلك لانه داخل في الجناية يمكن القصاص فيه، وان قطع يده من المرفق فله أن يقتص من المرفق فإن أراد أن يقتص من المرفق ويأخذ الحكومة فيما زاد كان له ذلك.
وان أراد أن يقتص من الكوع ويأخذ الحكومة فيما زاد فقد اختلف أصحابنا فيه، وقال الشيخ أبو إسحاق له ذلك لان الجميع مفصل داخل في الجناية
وقال ابن الصباغ في الشامل والطبري في العدة: ليس له ذلك لانه يمكنه أن يقطع من المرفق، ومتى أمكنه استيفاء حقه قصاصا لم يكن له أن يستوفى بعضه قصاصا وبعضه أرشا، كما لو قطع يده من الكوع وأراد أن يقتص من الاصابع ويأخذ الحكومة فيما زاد فليس له ذلك لانه يمكنه استيفاء حقه قصاصا وإن قالا أنه يخاف من الاقتصاص الجائفة (١) لم يكن له أن يقتص من
_________________
(١) قال في اللسان. وفي الحديث " في الجائفة ثلث الدية " هي الطعنة التي تنفذ إلى الجوف، يقال جفته إذا أصبت جوفه وأجفته الطعنة وجفته بها وقال ابن الاثير: والمراد بالجوف ههنا كل ماله قوة محيلة كالبطن والدماغ
[ ١٨ / ٤١٩ ]
الكتف لانه لا يؤمن أن يأخذ زيادة على حقه، فإن أراد أن يقتص من المرفق ويأخذ الحكومة فيما زاد كان له ذلك وإن أراد أن يقتص من الكوع ويأخذ الحكومة فيما زاد على ذلك فقال الشيخ أبو إسحاق له ذلك.
وعلى ما قال ابن الصباغ إذا قطع يده من بعض العضو وأراد أن يقتص من المرفق ليس له أن يقتص ههنا من الكوع لانه يمكن استيفاء حقه قصاصا من المرفق، ومتى أمكنه أن يأخذ حقه قصاصا فليس له أن يستوفى بعضه قصاصا وبعضه أرشا، وحكم الرجل إذا قطعت أصابعها أو من مفصل القدم أو الركبة أو الورك أو مابين ذلك حكم اليد في القصاص على ما مضى.
(فرع)
قال الشافعي ﵁: إذا قطع يده من المفصل فتعلقت بالجلد وجب القصاص فتقطع إلى أن تبقى معلقة بمثل ذلك.
ويسئل أهل الطب، فإن قالوا المصلحة في قطعها قطعناها، وإن قالوا المصلحة في تركه تركناها (مسألة) إذا قطع من له يد صحيحة يدا شلاء لم يكن للمجني عليه أن يقتص بل له الحكومة.
وقال داود بن علي له أن يقتص.
دليلنا أن اليد الشلاء لا منفعة فيها، وإنما فيها مجرد جمال فلا يأخذ بها يدا فيها منفعة، وإن قطع من له يد شلاء يدا صحيحة فاختار المجني عليه أن يقطع الشلاء بالصحيحة.
قال الشافعي ﵁ القصاص قال أصحابنا يرجع إلى عدلين من المسلمين من أهل الخبرة، فإن قالا: إذا قطعت هذه الشلاء لم يخف أكثر مما يخاف عليه إذا قطعت لو كانت صحيحة فللمجنى عليه أن يقتص، وإن قالا يخاف عليه أكثر من ذلك بأن تبقى أفواه العروق منتفخة فتتخللها الجراثيم فيحدث من جراء ذلك تسمم كامل فتتلف النفس لم يكن له أن يقتص لانه أخذ نفس بيد، وهذا لا يجوز، وهل يجوز أخذ اليد الشلاء باليد الشلاء؟ والرجل الشلاء بالرجل الشلاء؟ فيه وجهان
(أحدهما)
يجوز لانهما متماثلان
(والثانى)
لا يجوز لان الشلل علة، والعلل يختلف تأثيرها في البدن فلا تتحقق المماثلة بينهما ولا يتصور الوجهان إلا إذا قال أهل الخبرة إنه لا يخاف على الجاني، واتخذ الاطباء أسباب الوقاية من
[ ١٨ / ٤٢٠ ]
تلوث الدم أو حدوث نزيف فيه يفضى إلى وقت وقف القلب عن النبض، فإذا لم يمكن الاحتياط وخيف على الجاني فلا يجوز القصاص وجها واحدا على ما مضى في أخذ الشلاء بالصحيحة
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
ولا تؤخذ يد كاملة الاصابع بيد ناقصة الاصابع، فان قطع من له خمس أصابع كف من له أربع أصابع، أو قطع من له ست أصابع كف من له خمس أصابع، لم يكن للمجني عليه أن يقتص منه لانه يأخذ أكثر من حقه وله أن يقطع من أصابع الجاني مثل أصابعه لانها داخلة في الجناية ويمكن استيفاء القصاص فيها، وهل يدخل أرش ما تحت الاصابع من الكف في القصاص؟ فيه
وجهان
(أحدهما)
يدخل كما يدخل في ديتها
(والثانى)
وهو قول أبى اسحاق انه لا يدخل بها بل يأخذ مع القصاص الحكومة لما تحتها " والفرق بين القصاص والدية أن الكف يتبع الاصابع في الدية ولا يتبعها في القصاص، ولهذا لو قطع أصابعه وتآكل منها الكف واختار الدية لم يلزمه أكثر من دية الاصابع، ولو طلب القصاص قطع الاصابع وأخذ الحكومة في الكف، وتؤخذ يد ناقصة الاصابع بيد كاملة الاصابع، فان قطع من له أربع أصابع كف من له خمس أصابع، أو قطع من له خمس أصابع كف من له ست أصابع للمجني عليه أن يقتص من الكف ويأخذ دية الاصبع الخامسة أو الحكومة في الاصبع السادسة لانه وجد بعض حقه وعدم البعض، فأخذ الموجود وانتقل في المعدوم إلى البدل، كما لو قطع عضوين ووجد أحدهما
(فصل)
ولا يؤخذ أصلى بزائد، فان قطع من له خمس أصابع أصلية كف من له أربع أصابع أصلية وأصبع زائدة لم يكن للمجني عليه أن يقتص من الكف لانه يأخذ أكثر من حقه، ويجوز أن يقتص من الاصابع الاصلية لانها داخلة في الجناية، ويأخذ الحكومة في الاصبع الزائدة وما تحت الزائدة من الكف يدخل في حكومتها.
وهل يدخل ما تحت الاصابع التي اقتص منها في قصاصها؟ على الوجهين، ويجوز أن يأخذ الزائد بالأصلي، فان قطع من له أربع أصابع أصلية
[ ١٨ / ٤٢١ ]
وأصبع زائدة كف من له خمس أصابع أصلية، فاللمجنى عليه أن يقتص من الكف لانه دونه حقه ولا شئ له لنقصان الاصبع الزائدة، لان الزائدة كالاصلية في الخلقة.
وإن كان لكل واحد منهما أصبع زائدة نظرت فإن لم يختلف محلهما أخذ إحداهما بالاخرى لانهما متساويان.
وان اختلف محلهما لم تؤخذ إحداهما بالاخرى لانهما مختلفان في أصل الخلقة.
(الشرح) إذا كان لرجل يد لها ستة أصابع فقطع كف رجل لها خمس أصابع نظرت في الاصبع الزائدة للجاني، فإن كانت خارجة عن عظم الكف كان للمجني أن يقتص من كف الجاني، لانه يمكنه أن يأخذ مثل كفه من غير أن يتناول الزائدة وإن كانت ثابتة على الكلب أو ملتزقة بإحدى الاصابع أو على أصابع اليد لم يكن لة أن يقتص من الكف لانه يأخذ أكثر من حقه فيكون المجني بالخيار بين أن يأخذ دية يده وبين أن يقتص من الاصابع الخمس إذا كانت الزائدة على سن الاصابع غير ملتزقة بواحدة منهن ولا نابتة على إحداهن، فإذا اقتص منها فهل يتبعها ما تحتها من الكف في القصاص؟ فيه وجهان
(أحدهما)
يتبعها كما يتبعها في ديتها
(والثانى)
لا يتبعها، بل يأخذ مع القصاص الحكومة، لان الكف تتبع الاصابع في الدية، ولا تتبعها في القصاص، ولهذا لو قطع أصابعه فتأكل منها الكف واختار الدية لم يلزمه أكثر من دية الاصابع.
ولو طلب القصاص قطعت الاصابع وأخذ الحكومة في الكف.
وان كانت الاصبع الزائدة نابتة على أنملة من الاصابع الخمس، فليس للمجني عليه أن يقتص من الكف، وله أن يقتص من الاصابع التي ليس عليها الزائدة وأما الاصبع التي عليها الزائدة - فإن كانت على الانملة العليا لم يكن له أن يقتص منها، وان كانت على الوسطى فله أن يقتص من الانملة العليا، ويجب له ثلثا دية أصبع، وان كانت على الانملة السفلى فله أن يقتص من الانملتين العلويتين وله ثلث دية أصبع ويتبعها ما تحتها من الكف، وهل يتبع ما تحت الاصابع الاربع ما تحتها من الكف في القصاص؟ على الوجهين
[ ١٨ / ٤٢٢ ]
وان قطع من له خمس أصابع كف يد لها أربع أصابع لم يكن لها أن يقتص
من الكف لانه يأخذ أكثر من حقه، وله أن يقتص من أصابع الجاني الاربع المماثلة لاصابعه المقطوعة، وهل يتبعها ما تحتها من الكف في القصاص؟ أو يجب له مع ذلك حكومة؟ على الوجهين.
(فرع)
إذا كان لرجل كف فيه خمس أصابع أصلية فقطع كف يد فيه أربع أصابع أصلية وأصبع زائدة، وانما يحكم بأنها زائدة إذا كانت مائلة عن بقية الاصابع ضعيفة، فليس للمجني عليه أن يقتص من كف الجاني لانه ليس له أن يأخذ أكمل من يده، فإن اختار الارش كان له دية الاربع الاصابع الاصلية وحكومة في الزائدة وان أراد أن يقتص من الاربع الاصابع الاصلية كان له ذلك ويأخذ مع ذلك حكومة في الزائدة يتبعها ما تحته من الكف في الحكومة، وهل يتبع ما تحت الاصابع الاصلية ما تحتها من الكف في القصاص؟ أو يجب له فيه حكومة على الوجهين.
وان قطع كفا له خمس أصابع أصلية ويد القاطع لها أربع أصابع أصلية وأصبع زائدة فإن اختار المجني عليه أن يقطع كف الجاني كان له ذلك، لانه أنقص من كفه.
قال المزني في جامعه.
انما يجوز له ذلك إذا كانت الزائدة في محل الاصلية.
فأما إذا كانت في غير محلها فليس له أخذها وهذا صحيح وكذلك إذا كانت الزائدة أكثر أنامل لم يؤخذ بالاصليه.
وان قطع يدا وعليها أصبع زائد وللقاطع يد عليها أصبع زائدة فإن اتفق محل الزائدتين وقدرهما كان للمجني عليه أن يقتص من الكف لتساويهما، وان اختلفا في المحل لم يكن له أن يقتص من الكف لانه يأخذ أكثر من حقه، وان كانت أقل أنامل كان له أن يقتص ويأخذ في الزيادة الحكومة وبكل ما قلنا قال العلماء كافة إلا ما ذكرناه من خلاف داود بن علي
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان قطع من له يد صحيحة كف رجل له أصبعان شلا وان
لم يقتص منه في الكف لانه يأخذ كاملا بناقص ويجوز أن يقتص في الاصابع الثلاث الصحيحة لانها مساوية لاصابعه ويأخذ الحكومة في الشلاوين لانه
[ ١٨ / ٤٢٣ ]
لا يجد ما يأخذ به ويدخل في حكومة الشلاوين أرش ما تحتهما من الكف وهل يدخل أرش ما تحت الثلاثة في قصاصها على الوجهين
(فصل)
ولا تؤخذ يد ذات أظفار بيد لا أظفار لها لان اليد بلا أظفار ناقصة فلا تؤخذ بها يد كاملة وتؤخذ يد لا أظفار لها بيد لها أظفار لانه يأخذ بعض حقه.
(فصل)
فإن قطع أصبع رجل فتأكل منه الكف وجب القصاص في الاصبع، لانه أتلفه بجناية عمد، ولا يجب في الكف، لانه لم يتلفه بجناية عمد لان العمد فيه أن يباشره بالاتلاف ولم يوجد ذلك ويجب عليه دية كل أصبع من الاصابع لانها تلفت بسبب جنايته ويدخل في دية كل أصبع أرش ما تحته من الكف لان الكف تابع للاصابع في الدية وهل يدخل ما تحت الاصابع التي اقتص منها في قصاصها على الوجهين (الشرح) إذا قطع كفا له ثلاث أصابع صحيحة وأصبعان شلا وان كان كف القاطع صحيحة الاصابع فليس للمجني عليه أن يقتص من الكف لانه يأخذ أكمل من يده، وان رضى الجاني بذلك لم يجز لان القصاص لم يجب فيها فلم يجز بالبدل كما لو قتل حر عبدا ورضى أن يقتل به، وللمجنى عليه أن يقتص من الاصابع الثلاث الصحيحة، فإذا اقتص منها فهل يتبعها ما تحتها من الكف في القصاص؟ أو تجب فيها الحكومة؟ فيه وجهان.
وأما الاصبعان الشلاوان فله فيهما حكومة، وان كانت كف المقطوع صحيحة الاصابع وكف للقاطع فيها أصبعان شلاوان فالمجني عليه بالخيار بين أن يأخذ
دية يده وبين أن يقتص من كف الجاني، لانها أنقص من كفه، ولا شئ للمجني عليه لنقصان كف الجاني بالشلل، أما إذا اختار الدية فله دية يده لا نعلم فيه خلافا لانه عجز عن أستيفاء حقه على الكمال بالقصاص فكانت له الدية كما لو لم يكن للقاطع يد، وهذا قول أبى حنيفة ومالك وأحمد.
وان قطع كفا له خمس أصابع وكف القاطع فيها ثلاث أصابع لا غير وأصبعان مفقودتان فللمجنى عليه أن يقتص من كف الجاني ويأخذ منه دية الاصبعين،
[ ١٨ / ٤٢٤ ]
وقال أبو حنيفة: هو بالخيار بين أن يأخذ دية يده وبين أن يقتص من يد الجاني ولا شئ له.
دليلنا قوله تعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) ويد الجاني ليست مثل يد المجني عليه، ولانه استوفى بعض حقه فكان له أرش ما لم يستوفه كما لو قطع له أصبعين ولم يجد له إلا واحدة (فرع)
وإن قطع ذو يد لها أظفار يد من لا أظفار له لم يجز القصاص لان الكاملة لا تؤخذ بالناقصة، فإن سقطت أظافره قطعت ولو لم يكن لواحد منهما أظافر حالة القطع يقتص منه، فلو ثبت للقاطع أظافر قبل أن يقتص منه لايقتص لطروء الزيادة، ويجوز أن يأخذ اليد التي لاأظفار لها باليد التي لها أظفار، لانها أنقص من يده (فرع)
وإن قطع أنملة لها طرفان - فإن كانت أنملة القاطع لها طرفان من تلك الاصبع بتلك اليد فللمجنى عليه قطعها لانها مثل حقه، وإن كانت أنملة القاطع لها طرف واحد فللمجنى عليه أرش الانملة، فإن قال المجني عليه أنا أصبر على القصاص إلا أن تسقط الانملة الزائدة وأقتص في الاصلية - كان له ذلك، لان له تأخير القصاص، هذا ترتيب البغداديين كما أفاده صاحب البيان وقال المسعودي: إن علمت الاصلية منهما قطعت إحداهما ويغرم الجاني
التفاوت ما بين سدس دية أصبع وثلثها (فرع)
وإن قطع أنملة من سبابة رجل وقطع الانملة الوسطى من تلك الاصبع من رجل آخر - فإن جاء المجني عليهما - قطعت العليا لصاحب العليا وقطعت الوسطى لصاحب الوسطى، وإن جاء صاحب الوسطى أولا وطلب القصاص لم يكن له ذلك، لانه لا يمكن قطعها من غير قطع العليا، ويكون بالخيار بين أن يأخذ دية الانملة وبين أن يصير إلى أن يقتص صاحب العليا لو سقط بأكلة - وهى ما تسمى الغنغرينة - وهكذا إن عفا صاحب العليا عن القود ولم يقطع الانملة العليا من إنسان لكن قطع الانملة الوسطى من رجل جاء صاحب الوسطى يطلب النقصان وللجاني الانملة العليا والوسطى، فلمجنى عليه أن يصبر إلى أن تقطع العليا أو تسقط ثم يقتص من الوسطى.
وقال أبو حنيفة لا قصاص له لانه حين قطعها لم يجب القصاص عليه فيها
[ ١٨ / ٤٢٥ ]
لتعذر استيفائها، فإذا لم تجب حال الجناية لم تجب بعد ذلك.
دليلنا أن القصاص إنما تعذر لمتصل به، فإذا زال ذلك المتصل كان له استيفاء القصاص، كما لو قتلت حامل غيرها ثم ولدت - فإن لم يصبر صاحب الوسطى وقطع الوسطى والعليا فقد فعل مال لا يجوز له على المقتص منه فيجب عليه ديتها، وقد استوفى القصاص في الوسطى، فإن قطع العليا من أصبع زيد، وقطع العليا والوسطى من تلك الاصبع من عمرو، فإن حضرا معا وطلبا القصاص اقتص زيد من العليا لانه اسبق واقتص عمرو من الوسطى وأخذ دية العليا.
وكذلك إن حضر زيد وحده فله أن يقتص من العليا، وإن حضر عمرو فليس له أن يقتص لان حق زيد تعلق في العليا قبله، وإن خالف واقتض من العليا والوسطى فقد أساء بذلك، ولكنه يصير مستوفيا لحقه، ويكون لزيد دية الانملة العليا على الجاني.
(فرع)
ذكر الطبري في العدة: لو كان المجني عليه أربع أنامل في أصبع فله أربعة أحوال: أحدها: أن يقطع من له ثلاث أنامل أنملة من الاربع فلا قصاص عليه.
وان قطع أنملتين من الاربع قطع من الجاني أنملة ويغرم الجاني التفاوت فيما بين النصف والثلث من دية الاصبع، وان قطع له ثلاث أنامل قطع منه أنملتين ويغرم ما بين ثلثى دية أصبع وبين ثلاثة أرباع ديتها، وإن قطع له أربع أنامل قطعت أنامل القاطع الثلاث ووجب عليه مع ذلك زيادة حكومة، فأما إذا كان للقاطع أربع أنامل وللمقطوع ثلاث أنامل فله ثلاثة أحوال، أن قطعت أنملة منه قطعت أنملة منه ويغرم الجاني ما بين ثلث دية أصبع وبين ربعها، وهو خمسة أسداس بغير، وان قطع أنملتين قطع منه أنملتين ويغرم التفاوت بين نصف دية الاصبع وثلثيها.
وإن قطع جميع أنامله قطع منه ثلاث أنامل ويغرم التفاوت بين ثلاثة أرباع دية الاصبع وجميع ديتها - وهو بعيران ونصف - فعل هذا لو بادر فقطع أصبعه عزر ولا شئ عليه من الدية.
وفيه وجه أن له قطع أصبعه بخلاف اليد التي لها ست أصابع، لان تلك الزيادة ظاهرة في منفصلات كاليدين.
[ ١٨ / ٤٢٦ ]
(مسألة) إذا قطع أصبع رجل فتأكل منها الكف وسقط فللمجنى عليه القصاص للاصبع المقطوعة وله دية الاصابع الاربع وما تحت الاصابع الاربع من الكف يتبعها في الدية وما تحت الاصبع التي اقتص فيها، هل يتبعها في القصاص أو يجب له حكومة؟ فيه وجهان.
هذا مذهبنا وقال أبو حنيفة: لا يجب له القصاص في الاصبع المقطوعة دليلنا قوله تعالى (والجروح قصاص) وقوله تعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا
عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وقد اعتدى بقطع الاصبع فوجب أن يقطع منه.
ولانها جناية لو لم يستوجب فيها القصاص فوجب إذا سرت إلى الاقتصاص فيه أن لا يسقط القصاص كالمرأة إذا قطعت يد المرأة فأسقطت جنينا فلا يسقط القصاص في اليد.
(فرع)
قال القفال: لو كان له قدمان على ساق واحد يمشى عليها أو يمشى على إحداهما والاخرى زائلة عن سنن منبت القدم فقطعها رجل له قدم قطعت رجله وطولب بحكومة للزيادة، وإن قطع إحداهما - فإن قطع الزائدة - فعليه حكومة، وإن استويا في المنبت وكان يمشى عليها ففي المقطوعة ربع الدية وزيادة حكومة، وإن كان الجاني هو صاحب القدمين - فإن عرفنا الزائدة من الاصلية وأمكن قطعها من غير أن تتلف الزائدة - قطعت وان لم تعرف أو عرفت: ولا يمكن قطعها الا بإتلاف الاخرى لم تقطع وعليه دية الرجل المقطوعة
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وتؤخذ الاليتان بالاليتين وهما النائتان بين الظهر والفخذ.
وقال بعض أصحابنا لا تؤخذ، وهو قول المزني رحمة الله عليه لانه لحم متصل بلحم فأشبه لحم الفخذ، والمذهب الاول لقوله تعالى (والجروح قصاص) ولانهما ينتهيان إلى حد فاصل فوجب فيهما القصاص كاليدين
(فصل)
ويقطع الذكر بالذكر لقوله تعالى والجروح قصاص، ولانه ينتهى إلى حد فاصل يمكن القصاص فيه من غير حيف فوجب فيه القصاص ويؤخذ بعضه ببعضه.
[ ١٨ / ٤٢٧ ]
وقال أبو إسحاق: لا يؤخذ بعضه ببعض كما قال في اللسان والمذهب الاول لانه إذا أمكن القصاص في جميعه أمكن في بعضه، ويؤخذ ذكر الفحل بذكر
الخصى لانه كذكر الفحل في الجماع وعدم الانزال لمعنى في غيره، ويقطع الاغلف بالمختون لانه يزيد على المختون بجلدة يستحق إزلاتها بالختان، ولا يؤخذ صحيح بأشل لان الاشل ناقص بالشلل فلا يؤخذ به كامل
(فصل)
ويقطع الانثيان بالانثيين لقوله تعالى (والجروح قصاص) ولانه ينتهى إلى حد فاصل يمكن القصاص فيه فوجب فيه القصاص.
فإن قطع إحدى الانثيين وقال أهل الخبرة إنه يمكن أخذها من غير إتلاف الاخرى اقتص منه، وإن قالوا انه يؤدى قطعها إلى اتلاف الاخرى لم يقتص منه، لانه يقتص من أنثيين بواحدة (الشرح) قول المصنف ﵁ " وتؤخذ الاليتان بالاليتين " وهما اللحمان النائتان بين الظهر والفخذين وقد صنعهما الله تعالى كالمخدتين لحماية ما تحتهما من مفاصل الفخذ والحقو وفتحة الدبر وعجب الذنب ومنبت الفقرات الظهرية، وهما كالمقعد يعتمد عليهما الانسان في قعوده فتبارك الله أحسن الخالقين، فكان على من حرم أخاه هذه النعمة أن يحرم منها قصاصا.
هذا ومن أصحابنا من قال لا تؤخذ، وهو قول المزني لانه لحم متصل بلحم فأشبه لحم الفخذين، والمذهب الاول لانهما ينتهيان إلى حد فاصل فهما كاليدين (مسألة) يقطع الذكر بالذكر لقوله تعالى " والجروح قصاص " ولانه عضو ينتهى إلى مفصل فوجب فيه القصاص كاليد إذا ثبت هذا فيقطع ذكر الرجل بذكر الصبى، ويقطع ذكر الشاب بذكر الشيخ لان كل عضو جرى القصاص فيه بين الرجل والرجل جرى فيه القصاص بين الصبى والرجل كاليد والرجل، ويقطع ذكر الفحل بذكر الخصى والعنين.
وقال مالك وأحمد ﵄ لا يقطع به ولنا أنهما متساويان في السلامة، وانما عدم الانزال والجماع لمعنى في غيره
فلم يمنع القصاص، كأذن السميع بأذن الاصم، ولا يقطع الذكر الصحيح
[ ١٨ / ٤٢٨ ]
بالذكر الاشل لانه لا يساويه، مثل أن كان لا ينمو بنمو صاحبه فبقى كما هو، فلو شل وصاحبه في العاشرة من عمره لوقف نموه ولا ينتصب ولا يجامع وقد تنسد فتحته فلا يبول ويعمل له الاطباء فتحة أخرى يبول منها فمثل هذا لا يقطع به ذكر سليم، وان قطع بعض ذكره انتقض منه وقال أبو إسحاق لايقتص منه كما قال في اللسان، والاول أصح، لانه إذا أمكن في جميعه أمكن في بعضه: فعلى هذا يعتبر المقطوع بالحد كالنصف والثلث والربع كما قلنا في الاذن والانف.
قال الشافعي: ويقاد ذكر الا غلف بذكر المختون، كما تقطع اليد السمينة بالمهزولة، ولان تلك الجلدة مستحقة بالقطع فلا يمنع من القصاص (فرع)
وان قطع أنثييه اقتص منه لقوله تعالى " والجروح قصاص " ولانه طرف يمكن اعتبار المماثلة في أخذ القصاص به فشابه سائر الاطراف، فإن قطع احدى أنثييه قال الشافعي ﵁: سألت أهل الخبرة - فإن قالوا يمكن أن يقتص من أحدى البيضتين من القاطع ولا تتلف الاخرى - اقتص منه، وان قيل تتلف الاخرى لم يقتص منه - لانه لا يجوز أخذ اثنتين بواحدة - ويجب له نصف الدية.
وهل يبتعها جلدتها أو تفرد بحكم؟ فيه وجهان حكاهما في الفروع.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
واختلف أصحابنا في الشفرين، فمنهم من قال لاقصاص فيهما.
وهو قول الشيخ أبى حامد الاسفراينى ﵀ لانه لحم وليس له مفصل ينتهى إليه فلم يجب فيه القصاص كلحم الفخذ.
ومنهم من قال يجب فيه القصاص، وهو
المنصوص في الام، لانهما لحمان محيطان بالفرج من الجانبين يعرف انتهاؤهما فوجب فيهما القصاص.
(فصل)
وان قطع رجل ذكر خنثى مشكل وأنثييه وشفريه وطلب حقه قبل أن يتبين حالة أنه ذكر أو أنثى نظرت فان طلب القصاص لم يكن له لجواز أن يكون امرأة فلا يجب لها عليه في شئ من ذلك قصاص، وان طلب المال
[ ١٨ / ٤٢٩ ]
نظرت فإن عفا عن القصاص أعطى أقل حقيه وهو حق امرأة، فيعطى دية عن الشفرين وحكومة في الذكر والانثيين، فإن بان أنه امرأة فقد استوفت حقها وإن بان أنه رجل تمم له الباقي من دية الذكر والانثيين وحكومة عن الشفرين، فإن لم يعف عن القصاص وقف القصاص إلى أن يتبين لانه يجوز أن يكون امرأة فلا يجب عليه القصاص.
وأما المال ففيه وجهان
(أحدهما)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه لا يعطى لان دفع المال لا يجب مع القود وهو مطالب بالقود فسقطت المطالبة بالمال.
والوجه الثاني وهو قول أكثر أصحابنا بأنه يعطى أقل ما يستحق مع القود لانه يستحق القود في عضو والمال في غيره فلم يكن دفع المال عفوا عن القود فيعطى حكومة في الشفرين ويوقف القود في الذكر والانثيين وقال القاضى أبو حامد المروروذى في جامعه: يعطي دية الشفرين.
وهذا خطأ، لانه ربما بان أنه رجل فيجب القود في الذكر والانثيين، والحكومة في الشفرين.
(الشرح) هذا البحث قائم على سؤال: هل يجب القصاص في الشفرين؟ وهما اللحم المحيط بالفرج، فيه وجهان
(أحدهما)
يجب.
لقوله تعالى " والجروح قصاص " ولانهما لحمان محيطان بالفرج من الجنين يعرف انتهاؤهما فوجب فيهما
القصاص
(والثانى)
لا يجب، وهو قول الشيخ أبى حامد لانه لحم وليس له مفصل ينتهى إليه فلم يجب فيه القصاص كلحم الفخذ، والاول هو المنصوص في الام.
(فرع)
إذا قطع ذكر خنصى مشكل وأنثييه وشفريه فلا يخلو القاطع إما أن يكون رجلا أو امرأة أو خنثى مشكلا - فإن كان القاطع رجلا - لم يجب عليه القصاص في الحال لجواز أن يكون الخنثى امرأة بالذكر والانثيان فيه زائدات، فلا تؤخذ الاصليان بالزائدين.
وقيل له أنت بالخيار بين أن تصبر إلى أن يبين حالك فيجب لك القصاص إن بان أنك رجل، وبين أن تعفو وتأخذ المال.
فإن قال أعطوني ما وجب لى من المال نطرت - فإن عفا عن القصاص
[ ١٨ / ٤٣٠ ]
في الذكر والانثيين، أو لم يكن للجاني ذكر ولا أنثيين إن كان قد قطعا.
قال أصحابنا البغداديون: فإنه يعطى دية الشفرين، وحكم الذكر والانثيين لا يبلغ ديتها لانه يستحق ذلك بيقين ويشك في الزيادة.
وإن قال: لاأقف ولا أعفو عن القصاص وطلب المال فهل يعطى شيئا؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ.
لَا يعطى لانه مطالب بالقود، ولا يجوز أن يأخذ المال وهو مطالب بالقود.
وقال أكثر أصحابنا يعطى، وهو الاصح لانه يستحقه بيقين، فإذا قلنا بهذا فكم القدر الذي يعطى؟ اختلف أصحابنا فيه فقال القفال يعطى حكومة في الشفرين لانه يستحق ذات بيقين وقال القاضى أبو حامد: يعطى دية الشفرين: لانا لانتوهم وجوب القصاص فيهما.
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال يعطى أقل الحكومتين في آلة الرجال أو آلة النساء لان ذلك هو اليقين.
ومن أصحابنا من قال: يعطي الحكومة في الذي قطعه آخر.
والاول أصح.
وان كان القاطع امرأة - فإن قلنا بقول الشيخ أبى حامد وأنه لاقصاص في الشفرين - فإنا لانتوهم وجب القصاص، فيعطى حكومة في آله الرجل وحكومة في آلة النساء، فإن بان رجلا تمم له دية الذكر والانثيين وحكومة الشفرين، وإن بان امرأة تمم له دية الشفرين وحكومة للذكر والانثيين.
وان قلنا بالمنصوص وأنه يجب القصاص فيهما فإنه لا يجب للخنثى القصاص في الحال لجواز ان يكون رجلا فلا يجب القصاص على المراة في الفرج الزائد، فإن طلب المال نظرت - فإن عفا عن القصاص أو لم يعف ولكن ليس للقاطعة شفراوان فعلى قول البغداديين من أصحابنا يعطى دية الشفرين وحكومة عن الذكر والانثيين فإن بان امرأة فقد استوفت حقها وان بان امرأة فقد استوفت حقها وان بان رجلا تمم له دية الذكر ودية الانثيين وحكومة الشفرين، وعلى قول الخراسانيين يعطى حكومة للشفرين وحكومة للذكر والانثيين.
وان لم يعف عن القصاص وكان للقاطعة شفرتان فعلى قول أبى علي بن هريرة لا يعطى وعلى قول أكثر أصحابنا يعطى، فإذا قلنا بهذا فكم يعطى؟ وعلى قول القفال يعطى حكومة في الذكر والانثيين وعلى قول القاضى أبى حامد يعطى دية الذكر
[ ١٨ / ٤٣١ ]
والانثيين، وعلى قول بعض أصحابنا الخراسانيين يعطى أقل الحكومتين في آلة الرجال وآلة النساء، وإن كان القاطع خنثى مشكلا فإنه لا يجب القصاص في الحال لانا لا نتيقن عين الزائد من الاليتين فيهما ولا عين الاصلى، فلو أوجبنا القصاص في الحال لم نأمن أن يأخذ أصليا بزائد وذلك لا يجوز، فإن طلب حقه من المال نظرت - فإن عفا عن القصاص - قال أصحابنا البغداديون: أعطى دية الشفرين وحكومة للذكر والاليتين لانه يستحق ذلك بيقين وقال الخراسانيون: يعطى الحكومة في الذكر والانثيين والشفرين، وان
لم يعف عن القصاص فهل يعطى شيئا؟ إن قلنا بقول علي بن أبى هريرة لا يعطى شيئا إذا كان القاطع رجلا أو أمرأة فههنا أولى أن لا يعطى.
وإن قلنا هناك يعطى فها هنا وجهان:
(أحدهما)
لا يعطى وهو قول القفال لان القصاص متوهم في جميع الآلات
(والثانى)
يعطى أقل الحكومتين في آلة الرجال والنساء، والصحيح أنه لا يعطى شيئا.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وما وجب فيه القصاص من الاعضاء وجب فيه القصاص، وان اختلف العضوان في الصغر والكبر والطول والقصر والصحة والمرض، لانا لو أعتبرنا المساواة في هذه المعاني سقط القصاص في الاعضاء، لانه لا يكاد أن يتفق العضوان في هذه الصفات فسقط اعتبارها
(فصل)
وما انقسم من الاعضاء إلى يمين ويسار كالعين واليد وغيرهما لم تؤخذ اليمين فيه باليسار ولا اليسار باليمين، وما انقسم إلى أعلى وأسفل كالشفة والجفن لم يؤخذ الاعلى بالاسفل ولا الاسفل بالاعلى، ولا يؤخذ سن بسن غيرها ولا أصبع بأصبع غيرها ولا أنملة بأنملة غيرها لانها جوارح مختلفة المنافع والاماكن فلم يؤخذ بعضها ببعض، كالعين بالانف واليد بالرجل وما لا يؤخذ
[ ١٨ / ٤٣٢ ]
بعضه ببعض ما ذكرناه لا يؤخذ: وان رضى الجاني والمجني عليه، وكذلك ما لا يوخذ من الاعضاء الكاملة بالاعضاء الناقصة، كالعين الصحيحة بالقائمة، واليد الصحيحة بالشلاء، لا يؤخذ وإن رضى الجاني والمجني عليه بأخذها، لان الدماء لاتستباح بالاباحة.
(فصل)
وإن جنى على رجل جناية يجب فيها القصاص ثم قتله وجب القصاص
فيهما لانهما جنايتان يجب القصاص في كل واحدة منهما، فوجب القصاص فيهما عند الاجتماع كقطع اليد والرجل (الشرح) كل عضو وجب فيه القصاص فإنه يجب فيه، وان اختلف العضوان في الصغر والكبر، والصحة والمرض، والسمن والهزال، لقوله تعالى (والعين بالعين والاذن بالاذن والسن بالسن) ولم يفرق، ولانا لو اعتبرنا هذه الاشياء لشق وضاق فسقط اعتباره كما سقط اعتبار ذلك في النفس، وما كان من الاعضاء منقسما إلى يمين ويسار كالعينين والاذنين واليدين والرجلين لا يجوز أخذ اليمنى منه باليسرى ولا اليسرى منه باليمنى.
وقال ابن شبرمة يجوز.
ولنا أن كل واحد منهما يختص باسم ينفرد به فلا يوخذ بغيره، كما لا يؤخذ اليد بالرجل، وكذا لا يؤخذ الجفن الاعلى بالجفن الاسفل، ولا العكس، وكذلك الشفتان مثله، ولا يؤخذ سن بسن غيرها، ولا أصبع بأصبع غيرها، ولا أنملة بأنملة غيرها، كما لا تؤخذ نفس بجنايتة نفس غيرها ولا يؤخذ أي شئ من ذلك وإن رضى كل من الجاني والمجني عليه، وكذلك إذا رضى الجاني بأن يؤخذ العضو الكامل بالناقص، والصحيح بالاشل، لم يجز لان الدماء لاتستباح بالاباحة (مسألة) إذا قطع يد رجل ثم عاد فقتله كان له أن يقطع يده ثم يقتله، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: ليس له إلا القتل.
دليلنا قوله تعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وهذا قد اعتدى بقطع اليد فلم يمنع من قطع يده، ولانهما جنايتان يجب القصاص في كل واحدة منهما إذا انفردت فوجب القصاص فيهما عند الاجتماع كقطع اليد والرجل
[ ١٨ / ٤٣٣ ]
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(فصل)
وإن قتل واحد جماعة أو قطع عضوا من جماعة لم تتداخل حقوقهم لانها حقوق مقصودة لآدميين فلم تتداخل كالديون، فإن قتل أو قطع واحدا بعد واحد اقتص منه للاول، لان له مزية بالسبق، وإن سقط حق الاول بالعفو اقتص للثاني، وان سقط حق الثاني اقتص للثالث، وعلى هذا.
وإذا اقتص منه لواحد بعينه تعين حق الباقين في الدية، لانه فاتهم القود بغير رضاهم، فانتقل حقهم إلى الدية، كما لو مات القاتل أو زال طرفه، وإن قتلهم أو قطعهم دفعة واحدة أو أشكل الحال أقرع بينهم فمن خرجت له القرعة اقتص له لانه لامزية لبعضهم على بعض فقدم بالقرعة كما قلنا فيمن أراد السفر ببعض نسائه، فإن خرجت القرعة لواحد فعفا عن حقه أعيدت القرعة للباقين لتساويهم وإن ثبت القصاص لواحد منهم بالسبق أو بالقرعة فبدر غيره واقتص صار مستوفيا لحقه.
وإن أساء في التقدم على من هو أحق منه، كما قلنا فيمن قتل مرتدا بغير إذن الامام أنه يصير مستوفيا لقتل الردة، وإن أساء في الافتيات على الامام.
وإن قتل رجل جماعة في المحاربة ففيه وجهان
(أحدهما)
أن حكمه حكم ما لو قتلهم في غير المحاربة (والثاني) أنه يقتل بالجميع لان قتل المحاربة لحق الله تعالى، ولهذا لا يسقط بالعفو فتداخل كحدود الله تعالى
(فصل)
وإن قطع يد رجل وقتل آخر قطع للمقطوع ثم قتل للمقتول تقدم القطع أو تأخر، لانا إذا قدمنا القتل سقط حق المقطوع، وإذا قدمنا القطع لم يسقط حق المقتول، وإذا أمكن الجمع بين الحقين من غير نقص لم يجز إسقاط أحدهما، ويخالف إذا قتل اثنين لانه لا يمكن إيفاء الحقين فقدم السابق، وإن قطع أصبعا من يمين رجل ثم قطع يمين آخر قطع الاصبع للاول ثم قطعت اليد للثاني ويدفع إليه أرش الاصبع، ويخالف إذا قطع ثم قتل حيث قلنا إنه يقطع للاول ويقتل للثاني ولا يلزمه لنقصان اليد شئ لان النفس لا تنقص بنقصان
اليد، ولهذا يقتل صحيح اليد بمقطوع اليد، واليد تنقص بنقصان الاصبع، ولهذا لا تقطع اليد الصحيحة بيد ناقصة الاصابع.
[ ١٨ / ٤٣٤ ]
وان قطع يمين رجل ثم قطع أصبعا من يد رجل آخر قطعت يمينه للأول لان حقه سابق، ويخالف إذا قتل رجل ثم قطع يد آخر حيث أخرنا القتل، وإن كان سابقا، لان هناك يمكن إيفاء الحقين من غير نقص يدخل على ولى المقتول بقطع اليد، وههنا يدخل النقص على صاحب اليد بنقصان الاصبع.
(فصل)
وإن قتل رجلا وارتد، أو قطع يمين رجل وسرق، قدم حق الآدمى من القتل والقطع، وسقط حق الله تعالى، لان حق الآدمي مبنى على التشديد، فقدم على حق الله تعالى (الشرح) إذا قتل واحد جماعة قتل بواحد وأخذ الباقون الدية، وقال أبو حنيفة ومالك يقتل بالجماعة - فإن بادر واحد وقتله - سقط حق الباقين، وبه قال أصحابنا الخراسانيون.
وقال أحمد ﵀: إن طلبوا القصاص قتل لجماعتهم، وان طلب بعضهم القصاص وبعضهم الدية قتل لمن طلب القصاص وأعطى الدية من طلبها.
وقال عثمان البتي: يقتل بجماعتهم ثم يعطون الدية في باقيهم فيقسمونها بينهم، مثل أن يقتل عشرة، فإنه يقتل ويعطون تسع دياث ويقسمونها بين العشرة.
ودليلنا قوله ﷺ " فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية " ولانها حقوق مقصودة لآدميين يمكن استيفاؤها فوجب أن لا يتداخل كالديون وقولنا مقصودة إحتراز من آجال الدين.
وقولنا لآدميين احتراز من حقوق الله تعالى وهي الحدود في الزنا وشرب الخمر
إذا ثبت هذا فإن قتل واحدا بعد واحد اقتص للاول، فإن عفا الاول اقتص للثاني، وإن عفا الثاني اقتص للثالث.
وان كان ولى الاول غائبا أو صغيرا انتظر قدوم الغائب وبلوغ الصغير.
وان قتلهم دفعة واحدة بأن هدم عليهم بيتا أو جرحهم فماتوا معا أقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة قتل به وكان للباقين الدية.
وقال بعض أصحابنا الخراسانيين: يقتل بالجيمع ويرجع كل واحد من الاولياء بحصته من الدية.
وإن قتلهم واحدا بعد واحد إلا أنه أشكل الاول منهم
[ ١٨ / ٤٣٥ ]
فإن أقر القاتل لاحدهم أنه الاول قبل إقراره وقتل به، وان لم يقر أقرعنا بينهم لاستواء حقوقهم، فإن بادر أحدهم وقتله فقد استوفى حقه وانتقل حق الباقين إلى الدية.
وحكى الخراسانيون من أصحابنا أنه إذا قتل واحدا بعد واحد، وكان ولى الاول غائبا أو مجنونا أو صغيرا قولين: أحدهما يستوفى ولى الثاني والثاني لا يستوفي بل ينتظر حضور الغائب وإفاقة المجنون وبلوغ الصغير.
وإن قتل جماعة في قطع الطريق وقلنا بالمشهور من المذهب انه يقتل بواحد في غير قطع الطريق فهاهنا وجهان.
وحكاهما الخراسانيون قولين
(أحدهما)
حكمه حكم ما لو قتلهم في غير قطع الطريق لما ذكرناه هناك (والثاني) يقتل بالجميع ولا شئ للباقين لانه يقتل حدا، بدليل أنه لا يصح العفو فيه، وان قطع عضوا من جماعة فحكمه حكم ما لو قتل جماعة على ما مضى (مسألة) وان قطع يد رجل وقتل آخر، قطعت يده للمقطوع ثم قتل للمقتول سواء تقدم قطع اليد أو تأخر، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ، وَقَالَ مَالِكٌ يقتل للمقتول ولا تقطع يده للمقطوع، دليلنا قوله تعالى (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين) الاية.
فأخبر أن النفس تؤخذ بالنفس والطرف بالطرف، فمن قال غير هذا فقد خالف الاية، ولانهما جنايتان على شخصين فلا يتداخلان كما لو قطع يدى رجلين، وانما قدمنا القطع ههنا، وان كان متأخرا لانه يمكن إيفاء الحقين من غير نقص على أحدهما، ومتى أمكن إيفاء الحقين لم يجز إسقاط أحدهما.
وان قطع أصبعا من يمين رجل ثم قطع يمين آخر قطعت أصبعه للاول، ثم قطعت يده للثاني ولزمه أن يغرم للثاني دية أصبعه التي لم يقتص منها، ويخالف إذا قتل رجل مقطوع اليد لرجل غير مقطوع اليد - فإنه لا يغرم شيئا له - لان اليد تنقص بنقصان الاصبع، ولهذا لا تؤخذ يد كاملة الاصابع بيد ناقصة الاصابع والنفس لا تنقص بنقصان اليد، ولهذا يقتل من له يدان بمن له يدان بمن له يد واحدة، وان قطع يمين رجل ثم قطع أصبعا من يمين آخر قطعت يمينه للاول، وأخذ الاخر دية أصبعه المقطوعة، ويخالف إذا قطع يمين رجل ثم قتل آخر حيث قلنا
[ ١٨ / ٤٣٦ ]
يقدم القطع، وان كان متأخرا، لان اليد ينقص بنقصان الاصبع: والنفس لا تنقص بنقصان اليد (فرع)
إذا قتل رجلا وارتد أو قطع يمين رجل وسرق، قدم حق الادمي من القتل والقطع لانه مبنى على التشديد، وحق الله مبنى على المسامحة.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: