لا تجوز المزارعة على بياض لا شجر فيه لما روى سليم بن بشار أن رافع بن خديج قال: كنا نخابر عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذكر أن بعض عمومته أتاه فقال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن أمر كان لنا نافعا وطاعة الله ورسوله أنفع لنا وأنفع.
قلنا وما ذاك؟ قال رسول الله صلى الله عليه: من كانت له أرض فليزرعها ولا يكرها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمى.
فأما إذا كانت
[ ١٤ / ٤١٦ ]
الارض بين النخل لا يمكن سقى الارض إلا بسقيها نظرت فإن كان النخيل كثيرا
والبياض قليلا جاز أن تساقيه على النخل وتزارعه على الارض لما روى ابْنِ عُمَرُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر وزرع فان عقد المزارعة على الارض ثم عقد المساقاة على النخل لم تصح المزارعة لانها إنما أجيزت تبعا للمساقاة للحاجة ولا حاجة قبل المساقاة، وإن عقدت بعد المساقاة ففيه وجهان
(أحدهما)
لا تصح لانه أفرد المزارعة بالعقد فأشبه إذا قدمت
(والثانى)
تصح لانهما يحصلان لمن له المساقاة، وان عقدها مع المساقاة وسوى بينهما في العوض جاز لان النبي ﷺ عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر وزرع، فإن فاضل بينهما في العوض ففيه وجهان، أحدهما: يجوز وهو الصحيح لانهما عقدان فجاز أن يفاضل بينهما في العوض، والثانى لا يجوز لانهما إذا تفاضلا تميزا فلم يكن أحدهما تابعا للآخر، فان كان النخل قليلا والبياض كثيرا ففيه وجهان
(أحدهما)
يجوز لانه لا يمكن سقى النخل الا بسقي الارض فأشبه الكثير
(والثانى)
لا يجوز لان البياض أكثر فلا يجوز أن يكون الاكثر تابعا للاقل.
(الشرح) حديث رافع بن خديج راه البخاري ومسلم بلفظ " كنا أكثر الانصار حقلا فكنا نكرى الارض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه فنهانا عن ذلك.
فأما الورق فلم ينهنا " وفى لفظ للبخاري " كنا أكثر أهل الارض مزدرعا، كنا نكرى الارض بالناحية منها لسيد الارض قال فربما يصاب ذلك وتسلم الارض، وربما تصاب الارض ويسلم ذلك فنهينا.
فأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ " وفى لفظ عند مسلم وأبى داود والنسائي " انما كان الناس يؤاجرون عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بما على الماذيانات (١)
_________________
(١) الماذيانات: حكى القاضى عياض عن بعض الرواة فتح الذال في غير صحيح مسلم، وهى ما ينبت على حافة النهر ومسايل الماء، وليست عربية لكنها سوادية، وهى في الاصل مسايل المياه فتسمية النابت عليها باسمها، كما وقع في بعض الروايات يؤاجرون على الماذيانات مجاز مرسل والعلاقة المجاورة والمحلية والاربعاء جمع ربع وهو النهر الصغير كنبى وأنبياء.
[ ١٤ / ٤١٧ ]
وأقبال الجداول وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا ولم يكن للناس كرى إلا هذا فلذلك زجر عنه فأما شئ معلوم مضمون فلا بأس به.
وفى رواية عند أحمد والبخاري والنسائي عن رافع قال " حدثنى عماى أنهما كانا يكريان الارض عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بما ينبت على الاربعاء وبشئ يستثنيه صاحب الارض قال: فَنَهَى النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ ".
وفى رواية عند أحمد " إن الناس كانوا يكرون المزارع فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ بالماذيانات وما يسقى الربيع وشئ من التين فكره رسول الله ﷺ كرى المزارع بهذا ونهى عنها ".
وقد حكى في الفتح الحافظ بن حجر عن الجمهور أن النهى محمول على الوجه المفضى إلى الغرر والجهالة، لا عن إكرائها مطلقا حتى بالذهب والفضة قال: ثم اختلف الجمهور في جواز إكرائها بجزء مما يخرج منها فمن قال بالجواز حمل أحاديث النهى على التنزيه قال: ومن لم يجز إجارتها بجزء مما يخرج قال: النبي عن كرائها محمول على ما إذا اشترط صاحب الارض ناحية منها أو شرط ما ينبت على النهر لصاحب الارض لما في كل ذلك من الغرر والجهاله.
وفى رواية رافع عند البخاري أنه قال: ليس بها بأس بالدينار والدرهم، قال ابن حجر: يحتمل أن يكون رافع قال ذلك باجتهاده، ويحتمل أن يكون علم ذلك
بطريق التنصيص على جوازه أو علم أن النهى عن كرى الارض ليس على إطلاقه بل بما إذا كان بشئ مجهول ونحو ذلك فاستنبط من ذلك جواز الكرى بالذهب والفضه ويرجح كونه مرفوعا بما أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح عَنْهُ قَالَ " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن المحاقله والمزابنة وقال: إنما يزرع ثلاثة رجل له أرض ورجل منح أرضا، ورجل اكترى أرضا بذهب أو فضة " لكن بين النسائي من وجه آخر أن المرفوع منه النهى عن المحاقلة والمزابنه، وأن بقيته مدرج من كلام سعيد بن المسيب.
[ ١٤ / ٤١٨ ]
وقد أخرج أبو داود والنسائي ما هو أظهر في الدلالة على الرفع من هذا، وهو حديث سعد بن ابى وقاص " إن أصحاب المزارع فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كانوا يكرون مزارعهم بما يكون على السواقى وما صعد بالماء مما حول النبت فجاءوا رسول الله ﷺ فاختصموا في بعض ذلك فنهاهم أن يكروا بذلك وقال: اكروا بالذهب والفضة " رواه أحمد وأبو داود والنسائي وهذا الحديث يدل على تحريم المزارعة على ما يفضى إلى الغرر والجهالة ويوجب المشاجرة وعليه تحمل الاحاديث الواردة في النهى عن المخابرة التى فعلها النبي ﷺ في خيبر لما ثبت من أنه ﷺ استمر عليها إلى موته واستمر على مثل ذلك جماعة من الصحابة، ويؤيد هذا تصريح رافع في هذا الحديث بجواز المزارعة على شئ معلوم مضمون، ولا يشكل على جواز المزارعة بجزء معلوم حديث أسيد ابن حضير قال " كان أحدنا إذا استغنى عن أرضه أو افتقر إليه أعطاها بالنصف والثلث والربع، ويشترط ثلاث جداول، والقصارة وما يسقى الربيع وكان يعمل فيها عملا شديدا، ويصيب منها منفعة فأتانا رافع بن خديج فقال نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أمر كان لكم نافعا، وطاعة رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرُ لكم، نهاكم
عن الحقل " رواه أحمد وابن ماجه.
والقصارة بقية الحب في السنبل بعدما يداس.
نعم لا يشكل هذا الحديث لان مجموع ما في الحديث غير المخابرة التى أجازها ﷺ وفعلها في خيبر، نعم حديث رافع عند أبى داود والنسائي وابن ماجه " من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها ولا يكارها بثلث ولا ربع ولا بطعام مسمى ".
وكذلك حديثه أيضا عند أبى داود باسناد فيه بكر بن عامر البجلى الكوفى وهو فيه مقال قال: إنه زرع أرضا فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وهو يسقيها فسأله: لمن الزرع؟ ولمن الارض؟ فقال زرعي ببذرى وعملى ولى الشطر ولبنى فلان الشطر فقال أربيتما، فرد الارض على أهلها وخذ نفقتك.
ومثله حديث زيد بن ثابت عند أبى داود قال " نهى رسول الله عن المخابرة قلت: وما المخابرة؟ قال: أن يأخذ الارض بنصف أو ثلث أو ربع " فيها دليل
[ ١٤ / ٤١٩ ]
على المنع من المخابرة بجزء معلوم، ومثل هذه الاحاديث، حديث أسيد على فرض أنه نهى عن المزارعة بجزء معلوم وعدم تقييده بما فيه من كلام أسيد ولكنه لا سبيل إلى جعلها ناسخة لما فعله النبي ﷺ في خيبر وهو مستمر على ذلك إلى موته وتقريره لجماعة من الصحابة عليه ولا سبيل إلى جعل هذه الاحاديث المشتملة على النهى منسوخة بفعله ﷺ وتقريره لصدور النهى عنه في أثناء مدة معاملته، ورجوع جماعة من الصحابة إلى رواية من روى النهى، والجمع ما أمكن هو الواجب.
قال الشوكاني: النهى يحمل على معناه المجازى وهو الكراهة.
قال الشافعي أخبرنا سفيان بن عيينة قال: سمعت عمرو بن دينار يقول: سمعت ابن عمر يقول كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسا حتى أخبرنا رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
نهى عنها فتركناها لقول رافع.
قال الشافعي: والمخابرة استكراء الارض ببعض ما يخرج منها فدلت سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في نهيه عن المخابرة على أن لا يجوز المزارعة على الثلث ولا على الربع ولا جزء من أجزاء، وذلك أن المزارع يقبض الارض بيضاء لا أصل فيها ولا زرع ثم يستحدث فيها زرعا، والزرع ليس بأصل والذى هو في معنى المزارعة الاجارة، ولا يجوز أن يستأجر الرجل الرجل على أن يعمل له شيئا الا بأجر معلوم يعلمانه قبل أن يعمله المستأجر لما وصفت من السنة.
ثم قال الشافعي بعد أن جوز كراء الارض بالذهب والفضة: وإذا كان النخل منفردا فعامل عليه رجل وشرط أن يزرع ما بين ظهرانى النخل على المعاملة، وكان ما بين ظهرانى النخل ومنافعها من الجريد والكرانيف، وان كان الزرع منفردا عن النخل له طريق يؤتى منها أو ماء يشرب متى شربه لا يكون ريا للنخل ولا شرب للنخل ريا له لم تحل المعاملة عليه، وجازت اجارته، وذلك أنه في حكم المزارعة لا حكم المعاملة على الاصل، وسواء قل البياض في ذلك أو كثر اه ومن هنا نرى الامام الشافعي يجيز المزارعة في بياض النخل تبعا للمساقاة، وقد قال في المساقاة: وإذا كان البياض بين أضعاف النخل جاز فيه المساقاة كما تجوز
[ ١٤ / ٤٢٠ ]
في الاصل، وإن كان منفردا عن النخل له طريق غيره لم تجز فيه المساقاة ولم تصح إلا أن يكترى كراء، وسواء قليل ذلك وكثيره ولا حد فيه إلا ما وصفت اه.
وقال الماوردى: وإذا كانت المخابرة هي استكراء الارض لزراعتها ببعض ما يخرج منها فهى على ضربين، ضرب أجمع الفقهاء على فساده، وضرب اختلفوا فيه، فأما الضرب الذى أجمعوا على فساده فهو أن تكون حصة كل واحد منهما من زرع الارض مفردة عن حصة صاحبه مثل أن يقول: قد زارعتك على هذه
الارض على ما نبت من الماذيانات كان لى، وما نبت على السواقى والجداول كان لك أو على أن ما سقى بالسماء فهو لى وما سقى بالرشا فهو لك، فهذه مزارعة باطلة اتفق الفقهاء على فساده لرواية سعيد بن المسيب عن سعد بن أبى وقاص ثم ساق الحديث، وأما الضرب الثاني الذى اختلف الفقهاء فيه فهو أن يزارعه على ارضه ليكون العمل على الاجير والارض لربها والبذر منهما أو من أحدهما بحسب شرطهما على أن ما أخرج الله تعالى من زرع كان بينهما على سهم معلوم من نصف أو ثلث أو ربع ليأخذ الزارع سهمه بعمله، ويأخذ رب الارض سهمه بأرضه فهذه هي المخابرة، والمزارعة التى اختلف الفقهاء فيها على ثلاثة مذاهب: أحدها وهو مذهب الشافعي أنها باطلة سواء شرط البذر على الزارع أو على رب الارض، وبه قال من الصحابة عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله ورافع ابن خديج ﵃ ومن التابعين سعيد بن جبير وعكرمة ومن الفقهاء الشافعي ومالك وأبو حنيفة.
والمذهب الثاني أنها جائزة سواء شرط البذر على الزارع أو على رب الارض وبه قال من الصحابة على بن أبى طالب وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وسعد ابن أبى وقاص ومعاذ بن جبل ﵃ ومن التابعين سعيد بن المسيب ومحمد ابن سيرين وعبد الرحمن بن أبى ليلى، ومن الفقهاء سفيان الثوري وأبو يوسف ومحمد، والمذهب الثالث: أنه إن شرط البذر على صاحب الارض لم يجز، وإن شرطه على الزارع جاز وهو مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، واستدل من أجاز ذلك برواية عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
[ ١٤ / ٤٢١ ]
عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج من ثمر وزرع، وروى سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قال: قلت لطاوس يا أبا عبد الرحمن لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عنها فقال: يا عمرو أخبرني أعلمهم ابن عباس أنه لم ينه عنها، ولكن قال: لان يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها خرجا معلوما.
والدليل على فسادها ما رواه الشافعي عن ابن عمر، وروى يعلى بن حكيم عن سليمان بن يسار أن رافع بن خديج قال: كنا نخابر إلى أن قال ﷺ: مَنْ كَانَتْ لَهُ أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكاريها بثلث ولا ربع ولا طعام مسمى.
وروى أبو خيثم عن أبى الزبير عن جابر قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: من لم يدع المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله، ولان الاصول التى تصح إجارتها ولا تصح المعاملة عليها ببعض كسبها، وكذا الارض لما جازت إجارتها لم تجز المخابرة عليها فهذه دلائل الفريقين في صحة المخابرة وفسادها، ولما اقترن بدلائل الصحه عمل أهل الامصار مع الضرورة الماسة إليها، وكان ما عارضها محتملا أن يكون جاريا على ما فسره زيد بن ثابت، وقال عبد الله بن عباس كان صحة المخابرة أولى من فسادها مع شهادة الاصول لها في المساقاة والمضاربة، ومن خلال هذا الحوار المفتوح بين المؤيدين والمعارضين تبرز حقيقة ماثلة وهى أن الاصل هو التغلب على أسباب الغبن والغرر، ثم إن ما منيت به البشريه من بلشفيه ملحدة قتلت الحوافز، وكفت الارادة، وجعلت من الانسان آلة صماء لا تعقل ليجعلنا أحوج ما نكون إلى فهم روح الشريعة السمحة.
تم الجزء الرابع عشر ويليه الجزء الخامس عشر وأوله كتاب الاجارة
[ ١٤ / ٤٢٢ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى: