إذا عتق الحر مملوكا ثبت له عليه الولاء لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ اشتريت بريرة واشترط أهلها ولاءها، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اعتق فانما الولاء لمن أعتق وإن عتق عليه بتدبير أو كتابة أو استيلاد أو قرابة، أو أعتق عنه غيره ثبت له عليه الولاء لانه عتق عليه فثبت له الولاء، كما لو باشر عتقه.
وإن باع الرجل عبده من نفسه ففيه وجهان:
(أحدهما)
إنه يثبت له عليه الولاء، لانه لم يثبت عليه رق غيره
(والثانى)
لا ولاء عليه لاحد، لانه لم يعتق عليه في ملكه ولا يملك العبد الولاء على نفسه فلم يكن عليه ولاء
(فصل)
وإن أعتق المكاتب عبدا بإذن المولى وصححنا عتقه ففى ولائه قولان: أحدهما أنه للسيد لان العتق لا ينفك من الولاء والمكاتب ليس من أهله فوجب أن يكون للسيد.
(والثانى)
انه موقوف فإن عتق فهو له فان عجز فهو للسيد لان المعتق هو المكاتب فوقف الولاء عليه، فان مات العبد المعتق قبل عجز المكاتب أو عتقه
ففى ماله قولان:
(أحدهما)
أنه موقوف على ما يكون من أمر المكاتب كالولاء
(والثانى)
إنه للسيد لان الولاء يجوز أن ينتقل فجاز أن يقف والارث لا يجوز أن ينتقل فلم يجز أن يقف.
[ ١٦ / ٤٢ ]
(فصل)
وإن أعتق مسلم نصرانيا أو أعتق نصراني مسلما ثبت له الولاء، لان الولاء كالنسب، والنسب يثبت مع اختلاف الدين فكذلك الولاء، وان أعتق المسلم نصرانيا فلحق بدار الحرب فسبى لم يجز استرقاقه لان عليه ولاء المسلم فلا يجوز إبطاله وان أعتق ذمى عبده فلحق بدار الحرب وسبى ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يجوز أن يسترق لانه لا يلزمنا حفظ ماله فلم يجز إبطال ولائه بالاسترقاق كالمسلم.
(والثانى)
يجوز لان معتقه لو لحق بدار الحرب جاز استرقاقه فكذلك عتيقه وإن أعتق حربى عبدا حربيا ثبت له عليه الولاء، فإن سبى العبد المعتق أو سبى مولاه واسترق بطل ولاؤه لانه لا حرمة له في نفسه ولا ماله، وان أعتق ذمى عبدا ثم لحق بدار الحرب فملكه عبده وأعتقه صار كل واحد منهما مولى للآخر لان كل واحد منهما أعتق الآخر.
(فصل)
وان اشترك اثنان في عتق عبد اشتركا في الولاء لاشتراكهما في العتق، وإن كاتب رجل عبدا ومات وخلف اثنين فأعتق أحدهما نصيبه أو أبراه مما له عليه، فإن قلنا: لا يقوم عليه فأدى ما عليه للآخر كان ولاؤه للاثنين لانه عتق بالكتابة على الاب، وقد ثبت له الولاء فانتقل اليهما، وان عجز عما عليه للآخر فرق نصيبه ففى ولاء النصف المعتق وجهان.
(أحدهما)
انه بينهما لانه عتق بحكم الكتابة فثبت الولاء للاب وانتقل اليهما
(والثانى)
أنه للمعتق خاصة لانه هو الذى أعتقه ووقف الاخر عن العتق، وان قلنا انه يقوم في الحال فقوم عليه ثبت الولاء للمقوم عليه في المقوم لان بالتقويم انفسخت الكتابة فيه وعتق عليه، وأما النصف الآخر فانه عتق بالكتابة وفى ولائه وجهان
(أحدهما)
أنه بينهما
(والثانى)
أنه للمعتق خاصة، وان قلنا يؤخر التقويم، فإن أدى عتق بالكتابة وكان الولاء لهما، وان عجز ورق قوم على المعتق وثبت له الولاء على النصف المقوم لانه عتق عليه، والنصف الاخر عتق بالكتابة وفى ولائه وجهان.
(فصل)
ولا يثبت الولاء لغير المعتق، فإن أسلم رجل على يد رجل
[ ١٦ / ٤٣ ]
أو التقط لقيطا لم يثبت له عليه الولاء لحديث عائشة ﵂، فانما الولاء لمن أعتق، وإنما في اللغة موضوع لاثبات المذكور ونفى ما عداه فدل على اثبات الولاء للمعتق ونفيه عمن عداه ولان الولاء ثبت بالشرع ولم يرد الشرع في الولاء الا لمن أعتق وهذا المعنى لا يوجد في غيره فلا يلحق به.
(فصل)
ولا يجوز بيع الولاء ولا هبته لما روى ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بيع الولاء وعن هبته ولان الولاء كالنسب وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ الولاء لحمة كلحمة النسب والنسب لا يصح بيعه وهبته فكذلك الولاء، وان أعتق عبدا سائبة على ان لا ولاء عليه عتق وثبت له الولاء لقوله ﷿ (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ ولا وصيلة ولا حام) ولان هذا في معنى الهبة وقد بينا أنه لا يصح هبته.
(فصل)
وإن مات العبد المعتق وله مال ولا وارث له ورثه المولى لما روى يونس عن الحسن أن رجل أتى النبي ﷺ برجل وقال: اشتريته وأعتقته فقال هو مولاك ان شكرك فهو خير له، وان كفرك فهو شر له وخير
لك فقال فما أمر ميراثه فقال: ان ترك عصبة فالعصبة أحق وإلا فالولاء، وان كان له عصبة لم يرث للخبر ولان الولاء فرع للنسب فلا يورث به مع وجوده، وإن كان له من يرث الفرض، فان كان ممن يستغرق المال بالفرض لم يرثه لانه إذا لم ترث العصبات مع من يستغرق المال بالفرض فلان لا يرث المولى أولى، وان كان ممن لا يستغرق المال ورث ما فضل عن أهل الفرض، لما روى عبد الله ابن شداد قال: أعتقت ابنة حمزة مولى لها فمات وترك ابنته وابنة حمزة فأعطى النبي ﷺ ابنة حمزة النصف وابنته النصف.
(فصل)
وإن مات العبد والمولى ميت كان الولاء لعصبات المولى دون سائر الورثة، لان الولاء كالنسب لما ذكرناه من الخبر، والنسب إلى العصبات دون غيرهم ويقدم الاقرب فالاقرب، لما روى سعيد بن المسيب رحمة الله عَلَيْهِ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: المولى أخ في الدين ونعمة يرثه أولى الناس بالمعتق ولان في عصبات الميت يقدم الاقرب فالاقرب وكذلك في عصبات المولى
[ ١٦ / ٤٤ ]
فإن كان للمولى ابن وابنة كان الميراث للابن دون البنت لانا بينا أنه لا يرث الولاء غير العصبات والبنت ليست من العصبات ولان الولاء كالنسب ثم المرأة لا ترث بالقرابة من الميت إذا تباعد نسبها منه وهى بنت الاخ العمه فلان لا ترث بنت المولى وهو مؤخر عن النسب أولى، وإن كان له أب وابن أو أب وابن ابن فالميراث للابن لان تعصيب الابن أقوى لانه يسقط تعصيب الاب، فان لم يكن بنون فالولاء للاب دون الجد والاخ لانه أقرب منهما، وان ترك جدا وأخا، ففيه قولان.
(أحدهما)
انهما يشتركان كما يشتركان في ارث النسب.
(والثانى)
بقدم الاخ لان تعصيبه كتعصيب الابن وتعصيب الجد كتعصيب
الاب، وإنما لم قدم في ارث النسب للاجمع وليس في الولاء إجماع فوجب ان يقدم فان ترك جدا وابن أخ فهو على القولين، ان قلنا ان الجد والاخ يشتركان قدم الجد، وإن قلنا: ان الاخ يقدم قدم ابنه، وان ترك أبا الجد والعم، فعلى القولين، ان قلنا ان الجد والاخ يشتركان قدم أبو الجد، وان قلنا ان الاخ يقدم قدم العم، وان اجتمع الاخ من الاب والام والاخ من الاب قدم الاخ من الاب والام كما يقدم في الارث بالنسب.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: فِيهِ قَوْلَانِ:
(أَحَدُهُمَا)
يقدم لما قلناه.
(والثانى)
انهما سواء لان الام لا ترث بالولاء فلا يرجح بها من يدلى بها فان لم يكن للمولى عصبة وله مولى فالولاء لمولاه لان المولى كالعصبة، فان لم يكن له مولى فلعصبة مولاه، فان لم يكن له مولى ولا عصبة مولى، وهناك مولى لعصبة المولى نظرت، فإن كان مولى أخيه أو مولى ولده لم يرث، لان انعامه على أخيه لا يتعدى إليه، وإن كان مولى أبيه أو جده ورث، لان انعامه عليه انعامه على نسله.
(فصل)
فان أعتق عبدا ثم مات وخلف اثنين ثم مات أحدهما وترك ابنا ثم مات العبد وله مال ورثه الكبر من عصبة المولى وهو الابن دون ابن الابن
[ ١٦ / ٤٥ ]
لما روى الشعبى قال: قضى عمر وعلي وزيد ﵃ ان الولاء للكبر ولان الولاء يورث به ولا يورث.
والدليل عليه ما رَوَى جَابِرٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب ولا يورث، فإذا ثبت أنه لا يورث ثبت أنه انما يورث بما ثبت للمولى من الولاء فوجب أن يكون للكبر لانه أقرب
إلى المولى، وان مات المولى وخلف ثلاثة بنين ثم مات أحدهم وخلف ابنا ومات الثاني وخلف أربعة ومات الثالث وخلف خمسة ثم مات العبد المعتق كان ماله بين العشرة بالسوية لتساويهم في القرب، ولو ظهر للمولى مال كان بينهم اثلاثا لابن الابن الثلث وللاربعة الثلث وللخمسة الثلث، لان المال انتقل إلى أولاده اثلاثا ثم انتقل ما ورث كل واحد منهم إلى أولاده والولاء لم ينتقل إلى أولاده، وإنما ورثوا مال العبد لقربهم من المولى الذى ثبت له الولاء وهم في القرب منه سواء فتساووا في الميراث.
(فصل)
إذا تزوج عبد لرجل بمعتقة لرجل فأتت منه بولد ثبت المولى الام الولاء على الولد لانه عتق باعتقا الام فكان ولاؤه لمولاها، فان أعتق بعد ذلك مولى العبد عبده انجر ولاء الولد من موالى الام إلى موالى العبد.
والدليل عليه ما روى هشام بن عروة عن أبيه قال: مر الزبير بموال لرافع ابن خديج فأعجبوه فقال لمن هؤلاء، فقالوا هؤلاء موال لرافع بن خديج أمهم لرافع بن خديج وأبوهم عبد لفلان فاشترى الزبير أباهم فأعتقه ثم قال أنتم موالى فاختصم الزبير ورافع إلى عثمان ﵁ فقضى عثمان للزبير.
قال هشام: فلما كان معاوية خاصمونا فيهم أيضا فقضى لنا معاوية، ولان الولاء فرع للنسب والنسب معتبر بالارث، وإنما ثبت لمولى الام لعدم الولاء من جهة الاب كولد الملاعنة نسب إلى الام لعدم النسب من جهة الاب، فإذا ثبت الولاء على الاب عاد الولاء إلى موضعه كولد الملاعنة إذا اعترف به الزوج وان أعتق جد الولد دون الاب ففى ولائه ثلاثة أوجه.
[ ١٦ / ٤٦ ]
(أحدها) ينجر الولاء إلى معتقه لانه كالاب في الانتساب إليه والولاية، فكان كالاب في جز الولاء إلى معتقه.
(والثانى)
لا ينجر، لان بينه وبين الولد الاب فلا ينجر الولاء إلى معتقه كالاخ (والثالث) ان كان الاب حيا لم ينجر الولاء إلى معتقه، وان كان ميتا انجر لان مع موته ليس غيره أحق ومع حياته من هو أحق، فإن قلنا: انه ينجر الولاء إلى معتقه فانجر ثم أعتق الاب انجر من مولى الجد إلى مولى الاب لانه أقوى من الجد في النسب وأحكامه.
(فصل)
وان تزوج عبد رجل بأمة آخر فأتت منه بولد ثم أعتق السيد الامة وولدها ثبت له عليها الولاء، فان أعتق العبد بعد ذلك لم ينجر ولاء الولد إلى مولى العبد والفرضيون يعبرون عن علة ذلك أنه ولد مسه الرق ثم ناله العتق والعلة في ذلك ان المعتق أنعم على الولد بالعتق فكان أحق بولائه ممن أنعم على أبيه وتخالف ما قبلها، فان أحدهما أنعم على الام،، والاخر أنعم على الاب فقدم المنعم على الاب لان النسب إليه والولاء فرع للنسب، وههنا أحدهما أنعم على الولد نفسه والآخر أنعم على أبيه فقدم المنعم عليه على المنعم على أبيه، وان تزوج عبد لرجل بجارية آخر فحبلت منه ثم أعتقت الجارية وهى حامل ثبت الولاء على الجارية وحملها، فان أعتق العبد بعد ذلك لم ينجر الولاء إلى مولاه لما ذكرناه من العلة، وان تزوج حر لا ولاء عليه بمعتقة رجل فأتت منه بولد لم يثبت عليه الولاء لمولى الام لان الاستدامة في الاصول أقوى من الابتداء ثم ابتداء الحرية في الاب تسقط استدامه الولاء لمولى الام فلان تمنع استدامة الحرية في الاب ابتداء الولاء لمولى الام أولى، وان تزوج عبد لرجل بمعتقة لاخر وأولدها ولدا ثبت الولاء على الولد لموالى الام، فان اشترى الولد اباه عتق عليه وثبت له الولاء عليه وهل ينجر ولاء نفسه بعتق الاب فيه وجهان.
أحدهما: لا ينجر، لانه لا يملك ولاء نفسه، فعلى هذا يكون ولاؤه باقيا لموالى الام.
والثانى: أنه ينجر ولاء نفسه بعتق أبيه ولا يملكه على نفسه ولكن يزبل به الولاء
عن نفسه ويصير حرا لا ولاء عليه لان عتق الاب يزيل الولاء عن معتق الام.
[ ١٦ / ٤٧ ]
(فصل)
إذا مات رجل وخلف اثنين وعبدا فادعى العبد أن المولى كاتبه فصدقه أحدهما وكذبه الآخر، فأدى إلى المصدق كتابته عتق نصفه، وفى ولائه وجهان:
(أحدهما)
أن الولاء بينهما لانه عتق بسبب كان من أبيهما فكان الولاء بينهما
(والثانى)
أن الولاء للمصدق لان المكذب أسقط حقه بالتكذيب فصار كما لو حلف أحد الاخوين على دين لابيهما فأخذ نصفه فإن الآخر لا يشارك في نصفه وإن تزوج المكاتب بحرة فأولدها، فإن كان على الحرة ولاء لمعتق كان له ولاء الولد، فإن عتق الاب بالاداء جر ولاء ولده من معتق الام إلى معتقه، فإن اختلف مولاه ومولى الام، فقال مولى المكاتب قد عتق المكاتب بالاداء وجر إلى ولاء الولد.
وقال مولى الام لم يعتق وولاء الولد لى نظرت فإن كان المكاتب حيا عتق بإقرار سيده وانجر الولاء إلى معتقه ولا يمين عليه ولا على السيد، وإن كان قد مات واختلف السيد ومولى الام، فإن كان للسيد المكاتب بينة شاهدان، أو شاهد وامرأتان، أو شاهد ويمين قضى له لانها بينة على المال وإن لم تكن له بينة فالقول قول مولى الام مع يمينه لانا تيقنا رق المكاتب وثبوت الولاء لمعتق الام فلا ينتقل عنه من غير بينة وبالله التوفيق
[ ١٦ / ٤٨ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى: