(من اشترى سلعة جاز له بيعها برأس المال وبأقل منه وبأكثر منه، لقوله ﷺ " إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " ويجوز أن يبيعها مرابحة، وهو أن يبين رأس المال وقدر الربح بأن يقول: ثمنها مائة، وقد بعتكها برأس مالها وربح درهم في كل عشرة، لما روى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ كان لا يرى بأسا بده يازده وده دوازده (١) ولانه ثمن معلوم فجاز البيع به، كما لو قال: بعتك بمائة وعشرة ويجوز أن يبيعها مواضعة بأن يقول: رأس مالها مائة، وقد بعتك برأس ماله ووضع درهم (٢) من كل عشرة لانه ثمن معلوم فجاز البيع به، كما لو قال: بعتك بمائة إلا عشره، ويجوز أن يبيع بعضه مرابحة، فان كان مما لا تختلف أجزاؤه كالطعام والعبد الواحد قسم الثمن على أجزائه وباع ما يريد بيعه منه بحصته، وإن كان مما يختلف كالثوبين والعبدين قومهما وقسم الثمن عليهما على قدر قيمتهما ثم باع ما شاء منهما بحصته من الثمن، لان الثمن ينقسم على المبيعين على قدر قيمتهما، ولهذا لو اشترى سيفا وشقصا بألف قسم الثمن عليهما على قدر قيمتهما، ثم أخذ الشفيع الشقص بما يخصه من الثمن على قدر قيمته.
_________________
(١) قوله " لا يرى بأسا بده يازده وده دوازده " ده عشرة بالفارسية، ويازده أحد عشر ودوازده اثنا عشر، أي لا يرى بأسا أن يبيع ما اشتراه بعشرة بأحد عشر أو بإثنى عشر (٢) قوله " ووضع درهم " أي حط درهم. يقال وضع له في البيع من الثمن أي حط عنه
[ ١٣ / ٣ ]
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد
فيقول محمد نجيب المطيعى عفا الله عنه بهذا القيل:
(الشرح) الحديث أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه من حديث عبادة ابن الصامت بلفظ " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إذَا كَانَ يَدًا بيد " ورواه أبو داود بنحوه وفى آخره " وَأُمِرْنَا أَنْ نَبِيعَ الْبُرَّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ يدا بيد كيف شئنا " وحديث عبد الله بن مسعود سبق تخريجه، وابن مسعود هو سادس من أسلم روى لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ٨٤ حديثا اتفق الشيخان على ٦٤ منها وانفرد البخاري ب ٢٠ ومسلم ب ٣٥ وكان يشبه النبي ﷺ في سمته وهديه، ولى القضاء بالكوفة وبيت مالها في خلافة عمر وصدرا من خلافة عثمان أما أحكام الفصل فإن المرابحة بصورتها المعروفة جائزة بالاتفاق، ولكن كره ذلك ابن عباس وابن عمر، ولم يجوزها اسحاق بن راهويه، واتفقوا على أنه إذا اشترى بثمن مؤجل لم يجز بمطلق بل يجب البيان.
وقال الاوزاعي: يلزم العقد
إذا أطلق ويثبت الثمن في ذمته مؤجلا، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد يثبت للمشترى الخيار إذا لم يعلم بالتأجيل، ووجه هذه المسائل بواعث مختلفة بينهم بين مشدد ومخفف على البائع أو على المشترى بحسب مداركهم فالشافعى يجيز بيع السلعة برأس مالها أو أقل منه أو أكثر من البائع وغيره قبل نقد الثمن وبعده.
وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد لا يجوز بيعها من بائعها بأقل من الثمن الذى ابتاعها به قبل نقد الثمن في المبيع الاول، ويجوز أن يبيع ما اشتراه مرابحة بالاتفاق، وهو أن يبين رأس المال وقدر الربح قال في مجمع الابحر " المرابحة بيع ما شراه بما شراه به وزيادة، والتولية بيعه بلا زيادة ولا نقص، والوضيعة بيعه بأنقص منه " قلت ويجوز أن يضيف إلى الثمن الاول نفقات الصناعة والطراز والنقل مع بيانها وإيضاحها لمن يبتاعها
[ ١٣ / ٤ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ولا يخبر إلا بالثمن الذى لزم به البيع، فإن اشترى بثمن ثم حط البائع عنه بعضه، أو ألحق به زيادة، نظرت فإن كان بعد لزوم العقد لم يلحق ذلك بالعقد، ولم يحط في بيع المرابحة ما حط عنه، ولا يخبر بالزيادة فيما زاد، لان البيع استقر بالثمن الاول، فالحط والزيادة تبرع لا يقابله عوض فلم يتغير به الثمن، وإن كان ذلك في مدة الخيار لحق بالعقد وجعل الثمن ما تقرر بعد الحط والزيادة.
وقال أبو على الطبري: إن قلنا إن المبيع ينتقل بنفس العقد لم يلحق به لان المبيع قد ملكه بالثمن الاول فلم يتغير بما بعده، والمذهب الاول لانه وإن كان قد انتقل المبيع إلا أن البيع لم يستقر، فجاز أن يتغير الثمن بما يلحق به.
وإن اشترى ثوبا بعشرة وقصره بدرهم ورفاه بدرهم وطرزه بدرهم، قال هو على
بثلاثة عشر، أو قام على بثلاثة عشرة وما أشبه ذلك، ولا يقول اشتريت بثلاثة عشر، ولا يقول ثمنه ثلاثة عشر، لان ذلك كذب وإن قال رأس مالى ثلاثة عشر ففيه وجهان " أحدهما " لا يجوز أن يقول لان رأس المال هو الثمن، والثمن عشرة " والثانى " يجوز لان رأس المال ما وزن فيه، وقد وزن فيه ثلاثة عشر، وإن عمل فيه ذلك بيده قال: اشتريته بعشرة، وعملت فيه ما يساوى ثلاثة.
ولا يقول هو على بثلاثة عشر، لان عمله لنفسه لا أجرة له.
ولا يتقوم عليه وإن اشترى عينا بمائة ووجد بها عيبا وحدث عنده عيب آخر فرجع بالارش وهو عشرة دراهم.
قال هي على بتسعين أو تقوم على بتسعين، ولا يجوز أن يقول الثمن مائة، لان الرجوع بالارش استرجاع جزء من الثمن، فخرج عن أن يكون الثمن مائة، ولا يقول اشتريتها بتسعين، لانه كذب، وإن كان المبيع عبدا فجنى ففداه بأرش الجناية لم يضف ما فداه به إلى الثمن، لان الفداء جعل لاستبقاء الملك فلم يضف إلى الثمن كعلف البهيمة، وإن جنى عليه فأخذ الارش ففيه وجهان:
(أحدهما)
انه لا يحط من الثمن قدر الارش، لانه كما لا يضيف ما فدى به
[ ١٣ / ٥ ]
الجناية إلى الثمن لا يحط ما أخذ عن أرش الجناية عن الثمن
(والثانى)
أنه يحط لانه عوض عن جزء تناوله البيع فحط من الثمن كأرش العيب وإن حدثت من العين فوائد في ملكه كالولد واللبن والثمرة لم يحط ذلك من الثمن لان العقد لم يتناوله، وان أخذ ثمرة كانت موجودة عند العقد أو لبنا كان موجودا حال العقد حط من الثمن، لان العقد تناوله وقابله يقسط من الثمن، فأسقط ما قابله، وان أخذ ولدا كان موجودا حال العقد، فإن قلنا ان الحمل له
حكم فهو كاللبن والثمرة، وان قلنا لا حكم له لم يحط من الثمن شيئا، وان ابتاع بثمن مؤجل لم يخبر بثمن مطلق، لان الاجل يأخذ جزءا من الثمن، فإن باعه مرابحة ولم يخبره بالاجل ثم علم المشترى بذلك ثبت له الخيار لانه دلس عليه بما يأخذ جزءا من الثمن.
فثبت له الخيار، كما لو باعه شيئا وبه عيب ولم يعلمه بعيبه.
وإن اشترى شيئا بعشرة وباعه بخمسة، ثم اشتراه بعشرة أخبر بعشرة ولا يضم ما خسر فيه إلى الثمن، فإن اشترى عشرة وباع بخمسة عشر، ثم اشتراه بعشرة أخبر بعشرة، ولا يحط ما ربح من الثمن، لان الثمن ما ابتاع به في العقد الذى هو مالك به، وذلك عشرة، وإن اشترى بعشرة ثم واطأ غلامه فباع منه ثم اشتراه منه بعشرين ليخبر بما اشتراه من الغلام كره ما فعله، لانه لو صرح بذلك في العقد فسد العقد، فإذا قصده كره، فان أخبر بالعشرين في بيع المرابحة جاز لان بيعه من الغلام كبيعه من الأجنبي في الصحة فجاز أن يخبر بما اشترى به منه، فان علم بذلك المشترى لم يثبت له الخيار، لان شراءه بعشرين صحيح (الشرح) قوله " لان ذلك كذب " هذا جريا على قاعدة " تبايعا وقولوا لا خلابة " وحديث ابن مسعود " لا تحل الخلابة لمسلم " وعلى هذا يقول أبو حنيفة: لا يقول شريته بكذا، وانما يقول قام على بكذا.
وقال في مجمع الابحر " ولا يضم نفقته ولا أجر الراعى أو الحارس أو بيت الحفظ فان ظهر للمشترى خيانة في المرابحة خير في أخذه بكل ثمنه، وعند أبى يوسف يحط من الثمن قدر الخيانة مع حصتها من الربح وعند محمد يخير.
اه
[ ١٣ / ٦ ]
وقد عنى شيخ الاسلام ابن تيمية في فتاواه الكبرى بهذا النوع من الخديعة فأبطل العقد وحمل على مجيزيه بالرأى والقياس
وفى الترغيب في الصدق عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ " رواه الدارمي وقال: لا علم لى به أن الحسن سمع من أبى سعيد.
وقال أبو حمزة: هذا هو صاحب ابراهيم بن ميمون الاعور.
ورواه الحاكم والترمذي وحسنه.
وفى هذا الحديث بحث طويل سنعرض له في كنز العمال إن شاء الله تعالى قوله " ولا يضم ما خسر فيه إلى الثمن " كذا هو مقرر في المذهب أنه لا يرابح إلا على الثمن الاخير، وعند أبى حنيفة تمتنع المرابحة إذا شراه ثانية بأقل مما باعه أولا، وعند الصاحبين محمد وأبى يوسف موافقة المصنف من جواز المرابحة على الثمن الاخير.
(فائدة) إذا اشترى مديون مأذون بعشرة وباعه من سيده بخمسة عشر أو بالعكس، فإنه يرابح على عشرة، لان العقد بينهما وإن كان صحيحا ولكن له شبهة العدم، لان العبد ملكه، وما في يده لا يخلو عن حقه، فصار كأنه اشتراه للمولى بعشرة فيعتبر هذا لا غير.
وقولنا " مديون " فمن باب أولى أن يرابحه مع عدم الدين لوجود ملك المولى فيه بالاجماع، والمكاتب كالعبد المأذون له.
أما المضارب بالنصف لو شرى بعشرة وباع من رب المال بخمسة عشر يرابح رب المال اثنى عشر ونصف، ويرابح بلا بيان لو اعورت المبيعة أو وطئت وهى ثيب، أو أصاب الثوب قرض فأرة أو حرق نار، فلا يجب عليه البيان عند أبى حنيفة.
أي لا يجب أن يقول إنى شريتها سليمة بكذا فأعورت في يدى، أو أصاب الثوب قرض فأرة مثلا، لان جميع ما يقابله الثمن قائم، لان الفائت وصف فلا يقابله شئ من الثمن إذا فات بلا صنع أحد.
هذا فيما يتعلق ببيان الثمن قبل العيب.
أما العيب نفسه فيجب بيانه بالكتاب والسنة والاجماع لحديث
العداء بن خالد الذى رواه الجماعة، كتب لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
[ ١٣ / ٧ ]
" هذا ما باع مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ لَا داء ولا خبثة ولا غائلة " فيجب بيان العيب بغير أن يبين أنه اشتراه سليما بكذا من الثمن ثم أصابه العيب، وهذا كله فيما إذا كان العيب يسيرا.
أما إذا كان العيب كبيرا كبرا يتغابن الناس فيه فإنه لا يجوز بيعه مرابحة.
أما إذا وطئت وهى بكر أو تكسر الثوب من طيه ونشره لزم البيان، وإن اشترى بنسيئة ورابح بلا بيان خير المشترى، فان أتلفه ثم علمه لزم كل ثمنه، وكذا التولية.
وهو أن يقول: ولنى ما اشتريته بالثمن، فقال وليتك، صح إذا كان الثمن معلوما لهما فإن جهله أحدهما لم يصح (فائدة) لو اشترى ثوبين صفقة كلا بخمسة لا يجوز بيع أحدهما مرابحة بخمسة بلا بيان، لانه لو كان واحدا جاز بيع نصفه مرابحة اتفاقا، ولو باع بالزائد على الخمسة لا يجوز.
ولا يصح بيع المقول قبل قبضه، ويصح في العقار، خلافا لمحمد بن الحسن من أصحاب ابى حنيفة.
ومن اشترى كيليا لا يجوز له بيعه ولا أكله حتى يكيله، ويكفى كيل البائع بعد العقد بحضرة المشترى لا في غيبته، ومثل ذلك الوزنى والعددي لا المذروع ولا المقيس بالامتار أو الياردة، فقد مر في كلام السبكى ﵀ في عدم وجوب ذلك في الاثواب المنضدة المختومة لما يترتب على قياسها من تكسير وإتلاف ويتعلق الاستحقاق بكل ذلك فيرابح ويولى على كل ذلك إن زيد، وعلى ما بقى إن حط، قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
إذا قال رأس المال مائة وقد بعتكه برأس المال وربح درهم في كل عشرة أو بربح ده يازده، فالثمن مائة وعشرة، وان قال بعتك برأس المال ووضع ده يازده، فالثمن أحد وتسعون درهما إلا جزءا من أحد عشر جزءا من درهم لان معناه بعتك بمائة على أن أضع درهما من كل أحد عشر درهما، فسقط من تسعة وتسعين درهما تسعة دراهم، لانها تسع مرات أحد عشر ويبقى من رأس
[ ١٣ / ٨ ]
المال درهم فيسقط منه جزء من أحد عشر جزءا، فيكون الباقي أحدا وتسعين درهما إلا جزءا من أحد عشر جزءا من درهم.
وإن قال بعتك على وضع درهم من كل عشرة ففى الثمن وجهان " أحدهما " أن الثمن أحد وتسعون درهما إلا جزءا من أحد عشر جزءا من درهم، وهو قول الشيخ أبى حامد الاسفراينى ﵀ " والثانى " أن الثمن تسعون درهما، وهو قول شيخنا القاضى أبى الطيب الطبري، وهو الصحيح، لان المائة عشر مرات عشرة، فإذا وضع من كل عشرة درهما بقى تسعون (الشرح) هذه الصور التى عرض لها المصنف تناولنا حكمها في الفائدة السابق ذكرها.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
إذا أخبر أن رأس المال مائة وباع على ربح درهم في كل عشرة ثم قال: أخطأت أو قامت البينة أن الثمن كان تسعين فالبيع صحيح.
وحكى القاضى أبو حامد وجها آخر أن البيع باطل، لانه بان أن الثمن كان تسعين وأن ربحها تسعة، وهذا كان مجهولا حال العقد، فكان العقد باطلا، والمذهب الاول، لان البيع عقد على ثمن معلوم، وانما سقط بعضه بالتدليس، وسقوط بعض الثمن لا يفسد البيع كسقوط بعض الثمن بالرجوع بأرش العيب.
وأما الثمن
الذى يأخذه به ففيه قولان:
(أحدهما)
أنه مائة وعشرة، لان المسمى في العقد مائة وعشرة، فإذا بان تدليس من جهة البائع لم يسقط من الثمن شئ، كما لو باعه شيئا بثمن فوجد به عيبا.
(والثانى)
أن الثمن تسعة وتسعون، وهو الصحيح، لانه نقل ملك يعتبر فيه الثمن الاول، فإذا أخبر بزيادة وجب حط الزيادة كالشفعة والتولية، ويخالف العيب، فإن هناك الثمن هو المسمى في العقد، وههنا الثمن هو رأس المال وقدر الربح، وقد بان أن رأس المال تسعون والربح تسعة
[ ١٣ / ٩ ]
فإن قلنا ان الثمن مائة وعشرة فهو بالخيار بين أن يمسك المبيع بالثمن وبين أن يفسخ، لانه دخل على أن يأخذ المبيع برأس المال.
وهذا أكثر من رأس فثبت له الخيار.
وان قلنا ان الثمن تسعة وتسعون فهل يثبت له الخيار؟ اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال فيه قولان
(أحدهما)
أن له الخيار، لانه ان كان قد أخطأ في الخبر الاول لم يأمن أن يكون قد أخطأ في الثاني، وأن الثمن غيره، وان كان قد خان في الاول فلا يأمن أن يكون قد خان في الثاني، فثبت له الخيار (والقول الثاني) وهو الصحيح أنه لا خيار له، لان الخيار انما يثبت لنقص وضرر، وهذا زيادة ونفع، لانه دخل على أن الثمن مائه وعشرة وقد رجع إلى تسعة وتسعين، فلا وجه للخيار.
ومنهم من قال: ان ثبتت الخيانة بإقرار البائع لزم المشترى تسعة وتسعون ولا خيار له، وان ثبتت بالبينة فهل له الخيار أم لا؟ فيه قولان، لانه إذا ثبتت بالاقرار دل على أمانته، فلم يتهم في خيانة أخرى.
وإذا ثبتت بالبينة كان متهما
في خيانة أخرى فثبت له الخيار.
قال أصحابنا: القولان إذا كانت العين باقية، فأما إذا تلفت العين فانه يلزم البيع بتسعة وتسعين قولا واحدا، لانا لو جوزنا له فسخ البيع مع تلف العين رفعنا الضرر عنه وألحقناه بالبائع، والضرر لا يزول بالضرر، ولهذا لو هلك المبيع عنده ثم علم به عيبا لم يملك الفسخ، فإن قلنا لا خيار له، أو قلنا له الخيار فاختار البيع فهل يثبت للبائع الخيار؟ فيه وجهان
(أحدهما)
يثبت له الخيار، لانه لم يرض الا الثمن المسمى وهو مائة وعشرة، ولم يسلم ذلك
(والثانى)
لا خيار له لانه رضى برأس المال وربحه وقد حصل له ذلك (الشرح) قوله " فالبيع صحيح " هذا قول عند الاصحاب أو وجه، وعند الحنابلة كراهة بعض ما مر جوازه عند الشافعية وأصحاب أبى حنيفة.
قال ابن قدامة في المغنى: وان قال بعتك برأس مالى فيه، وهو مائة، وأربح في كل عشرة درهما.
أو قال: ده يازده أو ده داوزده فقد كرهه أحمد، وقد رويت كراهته
[ ١٣ / ١٠ ]
عن ابن عمر وابن عباس ومسروق والحسن وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء بن يسار.
وقال إسحاق: لا يجوز لان الثمن مجهول حال العقد فلم يجز، كما لو باعه بما يخرج به في الحساب.
قال ورخص فيه سعيد بن المسيب وابن سيرين وشريح والنخعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأى وابن المنذر، ولان رأس المال معلوم فأشبه ما لو قال وربح عشرة دراهم.
ووجه الكراهة أن ابن عمر وابن عباس كرهاه ولم نعلم لهما في الصحابة مخالفا، ولان فيه نوعا من الجهالة، والتحرز عنها أولى.
وهذه كراهة تنزيه والعقد صحيح، والجهالة يمكن إزالتها بالحساب: كما لو باعه صبرة كل قفيز بدرهم.
وأما ما يخرج به في الحساب فمجهول في الجملة والتفصيل إذا ثبت هذا فنقول: متى باع شيئا برأس ماله وربح عشرة ثم علم بتنبيه أو
إقرار أن رأس ماله تسعون فالبيع صحيح، لانه زيادة في الثمن، فلم يمنع صحه العقد كالعيب وللمشترى الرجوع على البائع بما زاد في رأس المال وهو عشرة وحطها من الربح وهو درهم فيبقى على المشترى بتسعة وتسعين درهما، وبهذا قال الشافعي في الجديد، وبه قال الثوري وابن أبى ليلى وقال أبو حنيفة: هو مخير بين الاخذ بكل الثمن أو يترك قياسا على المعيب وحكى الشافعي في أحد قوليه أنه إذا باعه برأس ماله وما قدره من الربح، فإذا بان رأس ماله قدرا كان مبيعا به، وبالزيادة التى اتفقا عليها، والمعيب كذلك عند الحنابلة فإن له أخذ الارش، ثم المعيب لم يرض به إلا بالثمن المذكور، وههنا رضى فيه برأس المال والربح المقرر.
وهل للمشترى خيار؟ فعند الشافعي في أحد قوليه نعم لان المشترى لا يأمن الخيانة في هذا الثمن أيضا، ولانه ربما كان له غرض في الشراء بذلك الثمن بعينه لكونه حالفا أو وكيلا أو غير ذلك.
والمنصوص عن أحمد أن المشترى مخير بين أخذ المبيع برأس ماله وحصته من الربح، وبين تركه قولا واحدا.
نقله حنبل قال في المغنى: وظاهر كلام الخرقى أنه لا خيار له (قلت) وهو مخالف للامام كما قاله حنبل والقول الآخر عند الشافعية لا، لانه رضيه بمائة وعشرة فإذا حصل له بتسعة
[ ١٣ / ١١ ]
وتسعين فقد زاده خيرا، فلم يكن له خيار، كما لو اشتراه على أنه معيب فبان صحيحا، أو أمي فبان صانعا، أو كاتبا، أو وكل في شراء معين بمائة فاشتراه بتسعين.
وأما البائع فلا خيار له، لانه باعه برأس ماله وحصته من الربح وقد حصل له ذلك.
وإذا اشترى سلعة وأراد بيعها فحط له بائعها من ثمنها بعد لزوم العقد أخبر
بثمنها قبل أن يحط البائع منها.
قال الشافعية وأصحاب أحمد وأبى حنيفة: له أن يخبر بالثمن الاول لا غير، ولان ذلك هبة من أحدهما للآخر لا يكون عوضا وقال أبو حنيفة: يلحق بالعقد ويخبر به في المرابحة أما إذا كان هذا الحط في مدة الخيار وقبل لزوم العقد وجب الاخبار به في المرابحة باتفاق.
وفى تغيير السلعة بنقص، كأن تتغير بتلف بعضها أو بولادة أو عيب أو أخذ البائع بعضها كالصوف واللبن الموجود ونحو ذلك فإنه يخبر بالحال على وجهه، وإن أخذ أرش العيب أو الجناية أخبر بذلك على وجهه.
وقال أبو الخطاب من الحنابلة يحط أرش العيب من الثمن ويخبر بالباقي، لان أرش العيب عوض ما فات به، فكان ثمن الموجود هو ما بقى، وفى أرش الجناية وأرش العيب، قال الشافعي يحطهما من الثمن ويقول تقوم على بكذا، لانه صادق فيما أخبر به، فأشبه ما لو أخبر بالحال على وجهه فأما ان جنى المبيع ففداه المشترى لم يلحق ذلك بالثمن ولم يخبر به في المرابحة لان هذا الارش لم يزد به المبيع قيمة، فأشبه الدواء المزيل لمرضه الحادث عند المشترى، وانما هو مزيل لنقصه بالجناية، والعيب الحاصل بتعلقها برقبته فأشبه الدواء كما قلنا.
وأما ال؟؟ ير بالزيادة فكالزيادة في نمائها وسمنها أو تعلم صنعة أو ولادة أو ثمرة مجتناة، أو كسب عمل يدوى، فهذا إن أراد أن يبيعها مرابحة أخبر بالثمن من غير زيادة لانه القدر الذى اشتراها به.
وان أخذ النماء المنفصل كالولد أو الثمرة المجتناة أو استخدم الامة أو وطئ الثيب أخبر برأس المال ولم يلزمه تبيين الحال لان ذلك بمثابة الخدمة.
وروى
[ ١٣ / ١٢ ]
ابن المنذر عن احمد أنه يلزمه تبيين ذلك كله.
وهو قول اسحاق.
وقال أصحاب
الرأى في الغلة يأخذها: لا بأس أن يبيع مرابحة، وفى الولد والثمرة لا يبيع مرابحة حتى يبين ولانه موجب العقد.
وعند ابن قدامة من الحنابلة أنه إن كان صادقا من غير تغرير جاز، كما لو لم يزد، ولان الولد والثمرة نماء منفصل فلم يمنع من بيع المرابحة بدون ذكره كالغلة.
قال المصنف ﵀:
(فصل)
وإن أخبر أن الثمن مائة وربحه عشرة، ثم قال أخطأت والثمن مائة وعشرة لم يقبل قوله، لانه رجوع عن إقرار متعلق به حق آدمى فلم يقبل، كما لو أقر له بدين.
وإن قال: لى بينة على ذلك لم تسمع، لانه كذب بالاقرار السابق بينته فلم تقبل.
فإن قال أحلفوا لى المشترى أنه لا يعلم أن الثمن مائة وعشرة، ففيه طريقان
(أحدهما)
أنه إن قال ابتعته بنفسى لم يحلف المشترى لان إقراره يكذبه، وإن قال ابتاعه وكيل لى فظننت أنه ابتاع بمائة وقد بان لى أنه ابتاع بمائة وعشرة حلف لانه الآن لا يكذبه إقراره.
(والثانى)
أنه يبنى على القولين في يمين المدعى مع نكول المدعى عليه، فإن قلنا إنه كالبينة لم يعرض اليمين، لانه إذا نكل حصلنا على بينه، والبينة لا تسمع.
وإن قلنا: انه كالاقرار عرضنا اليمين، لانه إذا نكل حصلنا على الاقرار، وإقراره مقبول (الشرح) ثم انتقل المصنف ﵀ إلى التغير بالزيادة: ومن التغير بالزيادة أن يعمل فيها عملا، كأن يقصرها تجميلا لها أو يرفوها أو يحيكها، فهذه متى أراد أن يبيعها مرابحة أخبر بالحال على وجهه.
وإن اشترى شيئين صفقة واحدة ثم أراد بيع أحدهما مرابحة، أو اشترى
اثنان شيئا فتقاسماه وأراد أحدهما بيع نصيبه مرابحة بالثمن الذى أداه فيه،
[ ١٣ / ١٣ ]
فذلك قسمان
(أحدهما)
أن يكون المبيع من المتقومات التى لا ينقسم الثمن عليها بالاجزاء، كالثياب والحيوان والشجرة المثمرة وأشباه هذا، فهذا لا يجوز بيع بعضه مرابحة حتى يخبر بالحال على وجهه.
هكذا نص عليه أحمد فقال: كل بيع اشتراه جماعة ثم اقتسموه، لا يبيع احدهم مرابحة إلا أن يقول: اشتريناه جماعة ثم اقتسمناه.
وهذا مذهب الثوري وإسحاق وأصحاب الرأى قال الشافعي: يجوز بيعه بحصته من الثمن، لان الثمن ينقسم على المبيع على قدر قيمته، بدليل ما لو كان المبيع شقصا وسيفا أخذ الشفيع الشقص بحصته من الثمن.
ولو اشترى شيئين فوجد أحدهما معيبا رده بحصته من الثمن.
وذكر ابن أبى موسى فيما اشتراه اثنان فتقاسماه رواية أخرى عن أحمد أنه يجوز بيعه مرابحة بما اشتراه لان ذلك ثمنه فهو صادق فيما أخبر به قال ابن قدامة: ولنا أن قسمة الثمن على المبيع طريقه الظن والتخمين، وأحتمال الخطأ فيه كثير وبيع المرابحة أمانة فلم يجز هذا فيه، فصار هذا كالخرص الحاصل بالظن لا يجوز أن يباع به ما يجب التماثل فيه، وانما أخذ الشفيع بالقيمة للحاجة الداعية إليه.
وكونه لا طريق له سوى التقويم، ولانه لو لم يأخذ بالشفعة لاتخذه الناس طريقا لاسقاطها فيؤدى إلى تفويتها بالكلية، وههنا له طريق وهو الاخبار بالحال على وجهه أو بيعه مساومة.
هكذا ملخصا من السبكى وابن الرفعة وشارح المنهاج من الشافعية وابن قدامة وابن عساكر والخرقى من الحنابلة ومجمع الابحر ومراقي الفلاح من الحنفية، والبغية والكفاية والشرحين الكبير والصغير من المالكية، ونيل الاوطار وفتح الباري وشرح القسطلانى على البخاري والفتاوى الكبرى
لابن تيمية والمحلى لابن حزم من كتب المحدثين
قال المصنف ﵀: