* إذا تلفت العين المستأجرة في يد المستأجر من غير فعله لم يلزمه الضمان، لانه عين قبضها ليستوفى منها ما ملكه، فلم يضمنها بالقبض كالمرأة في يد الزوج، والنخلة التى اشترى ثمرتها، وإن تلفت بفعله نظرت فان كان بغير عدوان كضرب الدابة وكبحها باللجام للاستصلاح لم يضمن لانه هلك من فعل مستحق فلم يضمنه كما لو هلك تحت الحمل، وان تلفت بعدوان كالضرب من غير حاجة لزمه الضمان،
لانه جناية على مال الغير لزمه ضمانه.
(فصل)
وان اكترى ظهرا إلى مكان فجاوز به المكان فهلك نظرت، فان لم يكن معه صحابه لَزِمَهُ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ حِينِ جاوز به المكان إلى أن تلف لانه ضمنه باليد من حين جاوز فصار كالغاصب، وان كان صاحبه معه نظرت، فان هلك بعد نزوله وتسليمه إلى صاحبه لم يضمن، لانه ضمنه باليد فبرئ بالرد كالمغصوب إذا رده إلى مالكه، وان تلف في حال السير والركوب ضمن، لانه هلك في حال العدوان، وفى قدر الضمان قولان.
(أحدهما)
نصف قيمته، لانه تلف من مضمون وغير مضمون، فكان الضمان بينهما نصفين، كما لو مات من جراحته وجراحة مالكه.
(والثانى)
أنه تقسط القيمة على المسافتين، فما قابل مسافة الاجارة سقط، وما قابل الزيادة يجب، لانه يمكن تقسيطه على قدرهما فقط بناء على القولين في الجلاد إذا ضرب رجلا في القذف احدى وثمانين فمات، وان تعادل اثنان ظهرا استأجراه وارتدف معهما ثالث من غير اذن فتلف الظهر ففيه ثلاثه أوجه.
(أحدها) أنه يجب على المرتدف نصف القيمة، لانه هلك من مضمون وغير مضمون.
(والثانى)
يجب عليه الثلث، لان الرجال لا يوزنون فقسط الضمان على عددهم.
[ ١٥ / ٩٤ ]
(والثالث) أنه يقسط على أوزانهم، فيجب على المرتدف ما يخصه بالوزن لانه يمكنه تقسيطه بالوزن فقسط عليه.
(فصل)
وان استأجر عينا واستوفى المنفعة وحبسها حتى تلفت، فإن كان حبسها لعذر لم يلزمه الضمان، لانه أمانة في يده فلم يضمن بالحبس لعذر كالوديعة
وان كان لغير عذر فإن قلنا لا يجب الرد قبل الطلب لم يضمن كالوديعة قبل الطلب، وان قلنا يجب ردها ضمن كالوديعة بعد الطلب
(فصل)
وان تلفت العين التى استؤجر على العمل فيها نظرت، فإن كان التلف بتفريط بأن استأجره ليخبز له فأسرف في الوقود أو ألزقه قبل وقته أو تركه في النار حتى احترق ضمنه لانه هلك بعدوان فلزمه الضمان.
وان استؤجر على تأديب غلام فضربه فمات ضمنه، لانه يمكن تأديبه بغير الضرب، فإذا عدل إلى الضرب كان ذلك تفريطا منه فلزمه الضمان.
وان كان التلف بغير تفريط، نظرت، فإن كان العمل في ملك المستأجر بأن دعاه إلى داره ليعمل له، أو كان العمل في دكان الاجير والمستأجر حاضر، أو اكتراه ليحمل له شيئا وهو معه لم يضمن، لان يد صاحبه عليه فلم يضمن من غير جناية.
وان كان العمل في يد الاجير من غير حضور المستأجر نظرت، فان كان الاجير مشتركا، وهو الذى يعمل له ولغيره، كالقصار الذى يقصر لكل أحد والملاح الذى يحمل لكل أحد ففيه قولان:
(أحدهما)
يجب عليه الضمان، لما روى الشعبى عن أنس ﵁ قال: استحملني رجل بضاعة فضاعت من بين متاعى.
فضمنيها عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه.
وعن خلاس بن عمرو أن عليا ﵁ كان يضمن الاجير.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن على كرم الله وجهه أنه كان يضمن الصباغ والصواغ وقال لا يصلح الناس الا ذلك.
ولانه قبض العين لمنفعته من غير استحقاق فضمنها كالمستعير، والثانى: لا ضمان عليه، وهو قول المزني، وهو الصحيح.
[ ١٥ / ٩٥ ]
قال الربيع: كان الشافعي ﵀ يذهب إلى أنه لا ضمان على الاجير، ولكنه لا يفتى به لفساد الناس، والدليل عليه أنه قبض العين لمنفعته ومنفعة المالك فلم يضمنه كالمضارب.
وإن كان الاجير منفردا وهو الذى يعمل له ولا يعمل لغيره، فقد اختلف أصحابنا فيه، من قال: هو كالاجير المشترك وهو المنصوص، فان الشافعي ﵀ قال: والاجراء كلهم سواء، فيكون على قولين لانه منفرد باليد فأشبه الاجير المشترك، ومنهم من قال: لا يجب عليه الضمان قولا واحدا لانه منفرد بالعمل فأشبه إذا كان عمله في دار المستأجر.
فإن قلنا إنه أمين فتعدى فيه ثم تلف ضمنه بقيمته أكثر ما كانت من حين تعدى إلى أن تلف، لانه ضمن بالتعدي فصار كالغاصب، وان قلنا انه ضامن لَزِمَهُ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ إلَى حِينِ التَّلَفِ كالغاصب.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه قيمته وقت التلف كالمستعير.
وليس بشئ
(فصل)
وان عمل الاجير بعض العمل أو جميعه ثم تلف نظرت فان كان العمل في ملك صاحبه أو بحضرته وجبت له الاجرة أنه تحت يده فكل ما عمل شيئا صار مسلما له، وان كان في يد الاجير فان قلنا انه أمين لم يستحق الاجرة لانه لم يسلم العمل، وان قلنا انه ضامن استحق الاجرة لانه يقوم عليه معمولا فيصير بالتضمين مسلما للعمل فاستحق الاجرة
(فصل)
وان دفع ثوبا إلى خياط وقال: ان كان يكفيني لقميص فاقطعه فقطعه ولم يكفه لزمه الضمان، لانه أذن له بشرط فقطع من غير وجود الشرط فضمنه.
وان قال: أيكفينى للقميص؟ فقال نعم، فقال اقطعه فقطعه فلم يكفه لم يضمن لانه قطعه بإذن مطلق.
(الشرح) الاخبار الواردة في هذه الفصول كرواية الشعبى عن أنس وخبر
خلاس بن عمرو ففى الام.
وقد روى الشافعي خبر جعفر الصادق قال: أخبرنا بذلك ابراهيم بن أبى يَحْيَى عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عليا ضمن الغسال
[ ١٥ / ٩٦ ]
والصباغ وقال: لا يصلح الناس الا بذلك.
وقد أعلها الشافعي كما سيأتي في شرح الفصل.
أما الاحكام، فان الدابة إذا لم يكن صاحبها معها لزم المكترى قيمتها كلها، وان كان معها فتلفت في يد صاحبها لم يضمنها المكترى لانها تلفت في يد صاحبها أشبه ما لو تلفت بعد مدة التعدي، وان تلفت بفعل تحت الراكب ففيه قولان.
(أحدهما)
يلزمه نصف قيمتها لانها تلفت بفعل مضمون وغير مضمون أشبه ما لو تلفت بجراحته وجراحة مالكها.
(والثانى)
تقسط القيمة على المسافتين، فما قابل مسافة الاجارة سقط ووجب الباقي، ونحو هذا قول أبى حنفيه فانه قال: من اكترى جملا لحمل تسعة فحمل عشرة فتلف فعلى المكترى عشر قيمته، وموضع الخلاف في لزوم كمال القيمة إذا كان صاحبها مع راكبها أو تلفت في يد صاحبها.
فأما إذا تلفت حال التعدي ولم يكن صاحبها مع راكبها فلا خلاف في ضمانها بكمال قيمتها لانها تلفت في يد عادية فوجب ضمانها كالمخصوبة، وكذلك إذا تلفت تحت الراكب أو تحت حمله وصاحبها معها، لان اليد للراكب وصاحب الحمل، بدليل أنهما لو تنازعا دابة أحدهما راكبها أو له عليها حمل والآخر آخذ بزمامها لكانت للراكب ولصاحب الحمل، ولان الراكب متعد بالزيادة وسكوت صاحبها لا يسقط الضمان.
كمن جلس إلى انسان فحرق ثيابه وهو ساكت ولانها ان تلفت بسبب تعبها فالضمان على المتعدى، كمن ألقى حجرا في سفينة موقرة فغرقت.
فأما ان تلفت في يد صاحبها بعد نزول الراكب عنها فينظر، فان كان تلفها بسبب تعبها بالحمل والسير فهو كما لو تلفت تحت الحمل والراكب.
وان تلفت بسبب آخر من افتراس سبع أو سقوط في هوة ونحو ذلك فلا ضمان فيها لانها لم تتلف في يد عادية ولا بسبب عدوان.
واختلف أصحاب أحمد في الضمان فظاهر كلام الخرقى وجوب قيمتها إذا تلفت سواء تلفت في الزيادة أو بعد ردها إلى المسافة، وسواء كان صاحبها مع المكترى
[ ١٥ / ٩٧ ]
أو لم يكن.
وهذا ظاهر مذهب فقهاء المدينة السبعة فيما رواه الاثرم بإسناده عن أبى الزناد وقال: ربما اختلفوا في الشئ فأخذنا بقول أكثرهم وأفضلهم رأيا، فكان الذى وعيت عنهم على هذه الصفة: أن من اكترى دابة إلى بلد ثم جاوز ذلك إلى بلد سواه، فإن الدابة إن سلمت في ذلك كله أدى كراءها وكراء ما بعدها وإن تلفت في تعديها ضمنها وأدى كراءها الذى تكاراها به.
وهذا هو قول الشافعي والحكم وابن شبرمة وأحمد.
وقال القاضى من الحنابلة: إن كان المكترى نزل عنها وسلمها إلى صاحبها ليمسكها أو يسقيها فتلفت فلا ضمان على المكترى، وإن هلكت والمكترى راكب عليها أو حمله عليها فعليه ضمانها.
وقال أبو الخطاب من الحنابلة أيضا: إن كانت يد صاحبها عليها احتمل أن يلزم المكترى جميع قيمتها، واحتمل أن يلزمه نصف قيمتها.
ولنا أن ما نقلنا عن الشافعي ﵁ في ضرب الدابة ونخسها مما مضى في شرح هذه الفصول كاف في توضيح المذهب.
وقال الشافعي أيضا في اختلاف العراقيين: وإذا تكارى الرجل الدابة إلى موضع فجاوزه إلى غيره فعليه كراء الموضع الذى تكاراها إليه الكراء الذى
تكاراها به، وعليه من حين تعدى إلى أن ردها كراء مثلها من ذلك الموضع.
وإذا عطبت لزمه الكراء إلى الموضع الذى عطبت فيه وقيمتها، وهذا مكتوب في كتاب الاجارات.
قال الشافعي ﵁: الاجراء كلهم سواء، فإذا تلف في أيديهم شئ من غير جنايتهم فلا يجوز أن يقال فيه الا واحد من قولين
(أحدهما)
أن يكون كل من أخذ الكراء على شئ كان ضامنا له يؤديه على السلامة أو يضمنه أو ما نقصه.
ومن قال هذا القول فينبغي أن يكون من حجته أن يقول: الامين هو من دفعت إليه راضيا بأمانته لا يعطى أجرا على شئ مما دفعت إليه، واعطائي هذا الاجر تفريق بينه وبين الامين الذى أخذ ما استؤمن عليه بلا جعل، أو يقول قائل: لا ضمان على أجير بحال من قبل أنه انما يضمن من تعدى فأخذ
[ ١٥ / ٩٨ ]
ما ليس له أو أخذ الشئ على منفعة له فيه، اما يتسلط على اتلافه كما يأخذ سلفا فيكون مالا من ماله فيكون ان شاء ينفقه ويرد مثله.
واما مستعير سلط على الانتفاع بما أعير فيضمن، لانه أخذ ذلك لمنفعة نفسه لا لمنفعة صاحبه فيه.
وهذان معا نقص على المسلف والمعير أو غير زيادة له، والصانع والاجير من كان ليس في هذا المعنى فلا يضمن بحال الا ما جنت يده كما يضمن المودع ما جنت يده.
وليس في هذا سنة أعلمها ولا أثر يصح عند أهل الحديث عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ.
وقد روى فيه شئ عن عمر وعلى وليس يثبت عند أهل الحديث عنهما ولو ثبت عنهما لزم من يثبته أن يضمن الاجراء من كانوا فيضمن أجير الرجل وحده والاجير المشترك والاجير على الحفظ والرعى وحمل المتاع والاجير على الشئ يصنعه لان عمر ان كان ضمن الصناع فليس في تضمينه لهم معنى الا أن يكون ضمنهم بأنهم أخذوا أجرا على ما ضمنوا فكل من كان أخذ أجرا فهو في معناهم.
وان كان على ﵁ ضمن القصار والصائع، فكذلك كل صانع.
وكل من أخذ أجرة.
وقد يقال للراعي صناعته الراعية، وللحمال صناعته الحمل للناس، ولكنه ثابت عن بعض التابعين ما قلت أولا من التضمين أو ترك التضمين.
ومن ضمن الاجير بكل حال فكان مع الاجير ما قلت مثل أن يستحمله الشئ على ظهره أو يستعمله الشئ في بيته أو غير بيته، وهو حاضر لماله أو وكيل له بحفظه فتلف ماله بأى وجه ما تلف به إذا لم يجن عليه جان فلا ضمان على الصانع ولا على الاجير.
وكذلك ان جنى عليه غيره فلا ضمان عليه، والضمان على الجاني.
اه كلام الشافعي ﵁ (فرع)
إذا ترك الاجير ما يلزمه عمله بلا عذر فتلف ما استؤجر عليه ضمنه والاجير على ضربين: خاص ومشترك، فالخاص هو الذى يقع العقد عليه في مدة معلومة يستحق المستأجر نفعه في جميعها، كرجل استؤجر لخدمة أو عمل في بناء أو خياطة أو رعاية يوما أو شهرا سمى خاصا لاختصاص المستأجر بنفعه في تلك المدة دون سائر الناس، والمشترك الذى يقع العقد معه على عمل معين كخياطة ثوب وبناء حائط وحمل شئ إلى مكان معين، أو على عمل في مدة
[ ١٥ / ٩٩ ]
لا يستحق جميع نفعه فيها كالكحال والطبيب، سمى مشتركا لانه يتقبل أعمالا لاثنين أو ثلاثة أو أكثر لاشتراكهم في منفعته، فالاجير المشترك ضامن لما جنت يده إلا إذا كان المستأجر حاضرا في دكان الاجير وقت العمل كانت يده عليه فيكون كالاجير الخاص لم يضمن من غير جناية ويجب له أجر عمله، فكلما عمل شيئا صار مسلما إليه.
وذهب مالك إلى ما ذهب إليه الاصحاب.
وذهب أحمد إلى أنه لا فرق بين كونه في ملك نفسه أو ملك مستأجره أو كان صاحب العمل حاضرا عنده أو غائبا عنه قياسا على الطبيب والختان إذا جنت يداهما
ضمنا مع حضور المطيب والمختون فأما الاجير الخاص فهو الذى يستأجره مدة فلا ضمان عليه ما لم يتعد.
قال قال أحمد في رواية مهنا في رجل أمر غلامه أن يكيل لرجل بزرا فسقط الرطل من يده فانكسر لا ضمان عليه، فقيل: أليس هو بمنزلة القصار؟ قال لا، القصار مشترك.
قيل: فرجل اكترى رجلا يحرث له على بقرة فكسر الذى يحرث به؟ قال لا ضمان عليه.
قلت وهذا ظاهر مذهب الشافعي ومذهب مالك وأبى حنيفة وأصحابه، وللشافعي قول آخر أن جميع الاجراء يضمنون، والقول الاول أظهر.
قال الربيع: هذا مذهب الشافعي وإن لم يبح به.
وروى ذلك عن عطاء وطاوس وزفر لانها عين مقبوضة بعقد الاجارة فلم تصر مضمونة كالعين المستأجرة.
وما تلف بتعدى الخباز الذى يسرف في الوقود أو يلزقه قبل أوانه من حيث التخمر المطلوب عند خبزه، أو يتركه بعد وقته حتى يحترق، فانه يضمن في كل ذلك.
(فرع)
إذا دفع إلى خياط ثوبا فقال: إن كان يقطع قميصا فاقطعه، فقال هو يقطع، وقطعه فلم يكف فعليه ضمانه.
وإن قال: انظر هذا يكفيني قميصا؟ قال نعم.
قال اقطعه، فقطعه فلم يكفه لم يضمن، وبهذا قال أحمد وأصحاب الرأى.
وقال أبو ثور: لا ضمان عليه في المسألتين لانه لو كان غره في الاولى لكان قد غره في الثانية.
أفاده ابن قدامة في المغنى.
[ ١٥ / ١٠٠ ]
دليلنا أنه إنما أذن له في الاولى بشرط كفايته فقطعه بدون شرطه.
وفى الثانية أذن له من غير شرط فافترقا، ولم يجب عليه الضمان في الاولى لتغريره، بل لعدم الاذن في قطعه، لان إذنه مقيد بشرط كفايته فلا يكون إذنا في غير ما وجد فيه
الشرط بخلاف الثانية.
والله أعلم بالصواب.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
واختلف أصحابنا فيما يأخذ الحمامى، هل هو ثمن الماء أو أجرة الدخول والسطل وحفظ الثياب، فمنهم من قال هو ثمن الماء وهو متطوع بحفظ الثياب ومعير للسطل، فعلى هذا لا يضمن الثياب إذا تلفت وله عوض السطل إذا تلف.
ومنهم من قال هو أجرة الدخول والسطل وحفظ الثياب، فعلى هذا لا يضمن الداخل السطل إذا هلك لانه مستأجر، وهل يضمن الحمامى الثياب؟ فيه قولان لانه أجير مشترك.
(فصل)
وان استأجر رجلا للحج فتطيب في إحرامه أو لبس، وجبت الفدية على الاجير، لانه جناية لم يتناولها الاذن فوجب ضمانها، كما لو استأجره ليشترى له ثوبا فاشتراه ثم خرقه.
وإن أفسد الحج صار الاحرام عن نفسه، لان الفاسد غير مأذون فيه فانعقد له كما لو وكله في شراء عبد فاشترى أمة، فإن كان العقد على حجه في هذه السنة انفسخ، لانه فات المعقود عليه، وإن كان على حج في الذمة ثبت له الخيار، لانه تأخر حقه، فإن استأجر للحج من ميقات فأحرم من ميقات آخر لم يلزمه شئ لان المواقيت المنصوص عليها متساوية في الحكم، وإن كان بعضها أبعد من بعض، فإذا ترك بعضها إلى بعض لم يحصل نقص يقتضى الجبران.
وإن أحرم دون الميقات لزمه دم، لانه ترك الاحرام من موضع يلزمه الاحرام منه، فلزمه دم كما لو ترك ذلك في حجه لنفسه، فإن استأجره ليحرم من دويرة أهله فأحرم دونه لزمه دم، لانه وجب عليه ذلك بعقد الاجارة فصار كما لو لزمه في حجه لنفسه بالشرع أو بالنذر فتركه.
وهل يلزمه أن يرد من الاجرة بقسطه؟ قال في القديم يهرق دما وحجه تام
[ ١٥ / ١٠١ ]
وقال في الام: يلزمه أن يرد من الاجرة بقدر ما ترك، فمن اصحابنا من قال يلزمه قولا واحدا، والذى قاله في القديم ليس فيه نص أنه لا يجب.
ومنهم من قال فيه قولان وهو الصحيح
(أحدهما)
لا يلزمه لان النقص الذى لحق الاحرام جبره بالدم فصار كما لو لم يترك
(والثانى)
انه يلزمه لان ترك بعض ما استؤجر عليه فلزمه رد بدله، كما لو استأجره لبناء عشرة أذرع فبنى تسعة، فعلى هذا يرد ما بين حجه من الميقات وبين حجه من الموضع الذى أحرمه منه فإن استأجره ليحرم بالحج من الميقات فأحرم من الميقات بعمرة عن نفسه ثم أحرم بالحج عن المستأجر من مكة لزمه الدم لترك الميقات، وهل يرد من الاجرة بقدر ما ترك؟ على ما ذكرناه من الطريقين، فإن قلنا يلزمه ففيه قولان قال في الام: يرد بقدر ما بين حَجَّةٍ مِنْ الْمِيقَاتِ وَحَجَّةٍ مِنْ مَكَّةَ، لِأَنَّ الحج من الاحرام وما قبله ليس من الحج.
وقال في الاملاء: يلزمه أن يرد ما بين حجه من بلده وبين حجه من مكة.
لانه جعل الاجرة في مقابلة السفر والعمل وجعل سفره لنفسه، ويخالف المسألة قبلها لان هناك سافر للمستأجر، وإنما ترك الميقات.
وان استأجره للحج فحج عنه وترك الرمى أو المبيت لزمه الدم كما يلزمه لحجه وهل يرد من الاجرة بقسطه؟ على ما ذكرناه فيمن ترك الاحرام من الميقات.
(الشرح) لا تتوقف منفعة الحمام على مجرد وجود الماء، وإنما المطلوب تبليط الحمام وعمل الابواب والبزل وهى الثقوب والفتحات التى يأتي منها الماء أو النور ومجرى الماء.
وما كان لاستيفاء المنافع كالحبل والدلو والبكرة فعلى المكترى.
وإن احتاج المكترى للتمكن من الانتفاع إلى تنقية الكف والبالوعة فعلى المكرى، وان امتلات بفعل المكترى فعليه تفريغها، وهذا
مذهب الشافعي وأحمد ﵄.
وقال أبو ثور: هو على رب الدار، لان به يتمكن من الانتفاع، فأشبه مالو اكترى وهى ملآى.
[ ١٥ / ١٠٢ ]
وقال أبو حنيفة: القياس أنه على المكترى والاستحسان أنه على رب الدار لان عادة الناس ذلك.
وإذا انقضت الاجارة وفى الحمام قمامة من فعله فعليه رفعه.
وهو مذهب الشافعي وأبى ثور وأصحاب الرأى.
قال الشمس الرملي: نعم دخول الحمام بأجرة جائز بالاجماع مع الجهل بقدر المكث وغيره، لكن الاجرة في مقابلة الآلات لا الماء، فعليه ما يغرف به الماء غير مضمون على الداخل، وثيابه غير مضمونة على الحمامى إن لم يستحفظه عليها ويجيبه إلى ذلك، ولا يجب بيان ما يستأجره له في الدار لقرب التفاوت من السكنى ووضع المتاع، ومن ثم حمل العقد على المعهود في مثلها من سكانها، ولم يشترط عدد من يسكن اكتفاء بما اعتيد في مثلها (فرع)
إذا استأجر رجلا للحج فارتكب ما يوجب الفدية، كمس الطيب ولبس المخيط في الاحرام، فعلى الاجير الفدية من ماله، فإن أفسد أعمال الحج انقلب الْحَجُّ إلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ فِي مَالِهِ وَالْمُضِيُّ في فاسده والقضاء، وهذا هو الذى قطع الجمهور بصحته وتظاهرت عليه نصوص الشافعي.
وفى قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَنْقَلِبُ وَلَا يَفْسُدُ وَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، بَلْ يَبْقَى صَحِيحًا وَاقِعًا عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَلَا تَفْسُدُ بفعل غيره.
وبهذا القول قال المزني.
ولكن المذهب الاول.
قال الشافعي ﵁: الْوَاجِبُ عَلَى الْأَجِيرِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ الواجب بالشرع أو الشرط اه.
فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهُ فَقَدْ فَعَلَ وَاجِبًا، وَإِنْ أحرم قبله
فقد زاد خيرا كما قال أبو حامد الاسفرايينى وغيره.
أما إذا عدل الاجير عن الميقات المعتبر إلى طريق آخر مِثْلُ الْمُعْتَبَرِ أَوْ أَقْرَبُ إلَى مَكَّةَ فَطَرِيقَانِ أَصَحُّهُمَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ وَبِهِ قَطَعَ البندنيجى والجمهور أنه لا شئ عليه.
وحكى القاضى حسين والبغوى وغيرهما فيه وجهين ساقهما النووي في الحج أصحهما أنه لا شئ عليه لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمِيقَاتِ الْمُعْتَبَرِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ كمن ترك الميقات وأحرم بعده.
وهذا القول الثاني يعتبر الشرط في تعيين المكان.
[ ١٥ / ١٠٣ ]
أما إذا اتفقا على تعيين موضع آخَرَ، فَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى مَكَّةَ مِنْ الشرعي فالشرط فاسد يفسد الاجارة إذ لا يجوز لمريد النسك تجاوز الميقات دون إحرام وإن كان أبعد كدويرة أهله فيلزم الاجير الاحرام منها وفاء بالشرط، فان جاوزها ثم أحرم فهل يلزمه الدم؟ فيه وجهان (أصحهما) كما هو منصوص: عليه الدم لانه جاوز الميقات المشروط فأشبه مجاوزة الميقات الشرعي
(والثانى)
لا دم، فَإِنْ قُلْنَا لَا يَلْزَمُهُ الدَّمُ وَجَبَ حَطُّ قسط من الاجرة.
قال الشيخ أبو حامد والاصحاب: إن تَرَكَ نُسُكًا لَا دَمَ فِيهِ كَالْمَبِيتِ وَطَوَافِ الْوَدَاعِ إذَا قُلْنَا: لَا دَمَ فِيهِمَا لَزِمَهُ رد شئ من الاجرة بقسطه بلا خلاف فإن لزمه بفعل محظور كاللبس والقلم والطيب لم يحط عنه شئ من الاجرة بلا خلاف.
نقل الغزالي وغيره الاتفاق عليه فإذا اسْتَأْجَرَهُ لِلْقِرَانِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَتَارَةً يَمْتَثِلُ وتارة يعدل، فإن امتثل فعلى من يجب دم القران؟ وجهان (أصحهما) على المستاجر، ولو شرطاه على الاجير فقد نص الشافعي على فساد الاجارة لجمعه بين مجهول الصفة وهو الدم، وبين الاجارة.
فإذا قلنا بالاصح إنه على الاجير، فان كان معسرا فعليه الصوم الايام الثلاثة في الحج، لان الذى في الحج منهما هو الاجير وعلى المستاجر الاجرة بكمالها.
هذا وقد أفرد الامام النووي ﵁ في كتاب الحج من المجموع فصلا عن الاجير أو في والله تعالى أعلم بالصواب.
[ ١٥ / ١٠٤ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى: