إذا خاطب امرأته بلفظ من ألفاظ الطلاق كقوله: أنت طالق أو بائن أو بنة أو ما أشبهها، ونوى طلقتين أو ثلاثا، وقع لما روى " أن ركانة بن عبد يزيد قال يا رسول الله انى طلقت امرأتي سهيمة البتة، والله ما أردت الا واحدة، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: والله ما أردت الا واحدة؟ فقال ركانة: والله ما أردت الا واحدة، فَرَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عليه " فدل على أنه لو أراد ما زاد على واحدة لوقع، ولان اللفظ يحتمل العدد بدليل أنه يجوز أن يفسره به، وهو أن يقول أنت طالق طلقتين أو ثلاثا أو بائن بطلقتين وثلاث
وما احتمله اللفظ إذا نواه وقع به الطلاق، كالكناية وان قال أنت واحدة ونوى طلقتين أو ثلاثا ففيه وجهان
(أحدهما)
يقع لانه يحتمل أن يكون معناه أنت طالق واحدة مع واحدة أو مع اثنتين.
(والثانى)
لا يقع ما زاد على واحدة لانه صريح في واحدة، ولا يحتمل ما زاد، فلو أوقعنا ما زاد لكان ايقاع طلاق بالنية من غير لفظ، وذلك لا يجوز وان قال لها اختاري وقالت المرأة اخترت - فان اتفقا على عدد ونوياه - وقع ما نوياه.
وان اختلفا فنوى أحدهما طلقة ونوى الآخر ما زاد لم يقع ما زاد على طلقة، لان الطلاق يفتقر إلى تمليك الزوج وايقاع المرأة وإذا نوى أحدهما طلقة ونوى الآخر ما زاد لم يقع لانه لم يوجد الاذن والايقاع الا في طلقة فلم يقع ما زاد.
[ ١٧ / ١٢١ ]
(الشرح) حديث ركانة بن عبد الله رواه الشافعي وأبو داود والدارقطني وفيه " فردها إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وطلقها الثانية في زمان عمر بن الخطاب والثالثة في زمان عثمان " وقد أخرجه أيضا بن حبان والحاكم والترمذي وقال: لا يعرف إلا من هذا الوجه.
وسألت محمدا - يعنى البخاري عنه - فقال فيه اضطراب.
اه وفى إسناده الزبير بن سعيد الهاشمي وقد ضعفه غير واحد.
وقيل إنه متروك وذكر الترمذي عن البخاري أنه يضطرب فيه، تارة يقال فيه ثلاثا، وتارة قيل واحدة وأصحها أنها طلقة البتة، وأن الثلاث ذكرت فيه على المعنى قال ابن كثير: لكن قد رواه أبو داود من وجه آخر، وله طرق أخر فهو حسن إن شاء الله.
وقال ابن عبد البر تكلموا في هذا الحديث.
وقال الشوكاني:
وهو مع ضعفه مضطرب ومعارض، أما الاضطراب فكما تقدم.
وقد أخرج أحمد أنه طلق ركانة امرأته في مجلس واحد ثلاثا فحزن عليها.
وروى ابن اسحق عن ركانة أنه قال: يا رسول الله انى طلقتها ثلاثا.
قال قد علمت ارجعها.
ثم تلا إذا طلقتم النساء " الآيه.
أخرجه أبو داود وأما معارضته فبما روى ابن عباس " أن طلاق الثلاث كان واحدة عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم " رواه أحمد ومسلم، ورواه أبو داود بهذا المعنى، وهو أصح إسنادا وأوضح متنا من حديث ركانة.
وروى النسائي عن محمود بن لبيد قال: أخبر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضبان ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم - حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟ " قال ابن كثير إسناده جيد.
وقال الحافظ في بلوغ المرام: رواته موثقون.
وفى الباب عن ابن عباس قال " طلق أبو ركانة أم ركانة، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: راجع
[ ١٧ / ١٢٢ ]
امرأتك، فقال: إنى طلقتها ثلاثا، قال قد علمت، راجعها " أخرجه أبو داود ورواه أحمد والحاكم وهو معلول بابن إسحاق فإنه في سنده قلت: وقد أعل قوم حديث محمود بن لبيد بأن ابن وهب قد رواه عن مخرمة ابن بكير عن أبيه قال: سمعت محمود بن لبيد فذكره فقالوا إن مخرمة لم يسمع من أبيه بكير بن الاشج وإنما هو كتاب.
ولما كان مخرمة ثقة باتفاق المحدثين، قال فيه أحمد بن حنبل ثقة ولم يسمع من أبيه وإنما هو كتاب مخرمة فنظر فيه كل شئ
يقول: بلغني عن سليمان بن يسار فهو من كتاب مخرمة، ولا ضير في هذا فإن كتاب أبيه كان محفوظا عنده مضبوطا فلا فرق في قيام الحجة بالحديث بين ما حدثه به أو رآه في كتابه، بل الاخذ عن المكتوب أحوط إذا تيقن الراوى أن هذه نسخة الشيخ بعينها، وهذه طريقة الصحابة والسلف، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يبعث بكتبه إلى الملوك وتقوم عليهم بها الحجة.
وكتب كتبه إلى عماله في بلاد الاسلام فعملوا بها واحتجوا بها، وهو أمر مستفيض أما الاحكام فإنه إذا قال لامرأته أنت طالق أو طلقتك - فان لم ينو عددا - انصرف ذلك إلى طلقه، وان نوى أكثر منها إلا أن يقول: أنت طالق أو طلقي نفسك ثلاثا، إذا نوى بذلك ثلاثا وقعن، لان كل لفظ اقترن به لفظ الثلاث وقعن به، فإذا اقترن به نية الثلاث وقعن كقوله: أنت الطلاق، وان خاطبها بشئ من الكنايات ونوى به الطلاق - فان لم ينو به العدد انصرف ذلك إلى طلقة رجعيه، وان نوى اثنتين أو ثلاثا انصرف ذلك إلى ما نواه، سواء في ذلك الكنايات الظاهرة أو الباطنه وقال مالك: الكنايات الظاهرة وهى قوله: أنت خلية وبريه وبته وبتلة وبائن وحرام، وفارقتك وسرحتك يقع بها الثلاث إذا خاطب بها مدخولا بها سواء نوى بها الطلاق أو لم ينو، وان خاطب بها غير مدخول بها فان لم ينو الطلاق وقع بها الثلاث.
وان نوى الطلاق وقع ما نواه.
وأما الكنايات الباطنه وهو قوله: اعتدى واستبرئى رحمك وتقنعى واذهبي وحبلك على غاربك وما أشبهها.
فان لم ينو بها العدد كانت طلقه رجعيه وان نوى بها أكثر وقع ما نواه كقولنا
[ ١٧ / ١٢٣ ]
وقال أبو حنيفة: الكنايات الظاهرة إذا نوى بها طلقة وقعت طلقة بائنة،
وان نوى بها طلقتين لم تقع الا واحدة.
وان نوى بها ثلاثا وقعت الثلاث.
وأما الكنايات الباطنة فلا يقع بها الا طلقة واحدة رجعية، وان نوى بها اكثر منها دليلنا حديث ركانة بن عبد يزيد أنه طلق امرأته البتة فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ما أردت بالبتة؟ قال: والله ما أردت الا واحدة فردها عليه.
فدل على أنه لو أراد ما زاد على واحدة لوقع، وعلى انه لو وقع به الثلاث لما سأله عنه ولما استحلفه ولا ردها عليه.
وان قال لها أنت طالق واحدة وأنت واحدة ونوى طلقتين أو ثلاث ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) يقع عليها ما نواه لانه يحتل أنت طالق واحدة مع واحدة أو مع اثنتين
(والثانى)
لا يقع عليها الا واحدة لانه صريح فيها، فلو أوقعنا ما زاد عليها لكان ايقاع طلاق بالنية من غير لفظ (والثالث) وهو اختيار القفال: ان نوى ما زاد على واحدة عند قوله أنت وقع ما نواه.
وان نوى ذلك بمجموع الكلام لم تقع الا واحدة (مسألة) قال الشافعي: إذا قال للمدخول بها أنت طالق واحدة بائنا وقعت عليه طلقة رجعية.
قال الصيمري: وهكذا إذا قال أنت طالق واحدة لا رجعة لى بها، كان له الرجعة، لان الواحدة لا تبين بها المدخول بها، وله الرجعة بها فلا يسقط ذلك بشرطه (فرع)
وان قال لامرأته: أنت طالق طلاقا، أو أنت طالق الطلاق.
فإنه لا يقع عليها الا طلقة، لان المصدر لا يزيد به الكلام، وانما يدخل للتأكيد كقوله ضربت زيدا ضربا، الا أن ينوى به ما زاد على واحدة فيقع ما نواه، كما لو لم يأت المصدر.
(فرع)
وان قال لامرأته أنت طالق فماتت، ثم قال ثلاثا متصلا بقوله ففيه ثلاثة أوجه حكاها الطبري في العدة، وهو قول ابن سريج أنه يقع عليها الثلاث
لانه قصده بقوله أنت طالق
(والثانى)
لا يقع عليها الا واحدة، لان الثلاث لا تعلم الا بقوله، ولم يقل ذلك الا بعد موتها، والميتة لا يلحقها الطلاق.
(والثالث) أنه لا يقع عليها شئ لان الجملة كلها انما تقع بجميع اللفظ ولا يتقدم
[ ١٧ / ١٢٤ ]
وقوع واحدة على الاثنتين.
ألا ترى أنه لو قال العين المدخول بها: أنت طالق ثلاثا لوقع الثلاث، وقع باللفظ أولا واحدة لبانت بها ولم يقع ما بعدها ولم يتم الكلام إلا وهى ميتة، والميتة لا يلحقها الطلاق وقال الطبري " والصحيح أنه لا يقع إلا واحدة، كما لو قال أنت طالق وجن ثم قال ثلاثا.
(فرع)
إذا قال لزوجته اختاري فقالت اخترت نفسي - فان نويا عددا من الطلاق واتفقا في عدد ما نوياه وقع ما نوياه، وإن اختلفا فنوى أحدهما أكثر مما نوى الاخر وقع العدد الاقل ويقع رجعيا وقال أبو حنيفة لا يفتقر إلى نية الزوجة، فان نوى الزوج وقعت بائنه.
وان نوى ما زاد عليها لم يقع إلا واحدة بائنة وقال مالك إذا نوى الطلاق وقع الثلاث ان كانت مدخولا بها، وإن لم تكن مدخولا بها قبل منها أنها أرادت واحدة أو اثنتين.
وروى أن مروان بن الحكم أجلس زيد بن ثابت فسأله، وأجلس كاتبا يكتب ما قال، فكان فيما سأله " إذا خير الرجل زوجته " فقال زيد " ان اختارت نفسها فهى ثلاث، وان اختارت زوجها فهى واحدة رجعية دليلنا أنه لم يقرن به لفظ الثلاث ولا بينها فلم يقع به الثلاث، ولا يقع بقطع الرجعية، كقوله أنت طالق وان ذكر الزوج لفظ الاختيار ثلاثا ونوى به واحدة كانت واحدة.
وقال
أبو حنيفة " إذا قبلت وقع الثلاث " دليلنا أنه يحتمل أنه يريد به التأكيد، فإذا قيد فيه قبل منه.
كقوله أنت طالق الطلاق.
وان قال لها اختاري من الثلاث طلقات ما شئت فليس لها أن تختار الثلاث ولها أن تختار ما دونها، وبه قال ابو حنيفة وأحمد.
وقال أبو يوسف ومحمد لها ان تختار الثلاث.
دليلنا أن (من) للتبعيض، وقد جعل إليها بعض الثلاث فلا يكون لها ايقاع الثلاث
[ ١٧ / ١٢٥ ]
(فرع)
إذا قال لها: يا مائة طالق أو أنت مائة طالق وقع عليها ثلاث طلقات وإن قال: أنت طالق كمائة أو أنت طالق كألف.
قال ابن الصباغ: وقع عليها الثلاث، وبه قال محمد بن الحسن وأحمد، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن لم يكن له نية لم يقع عليها إلا واحدة، دليلنا: أنه تشبيه بالعدد خاصة فوقع العدد كقوله: أنت طالق كعدد مائة أو ألف.
اه وفى هذا الفرع بحث من السنة يقتضينا المقام اثباته فقد أخرج الدارقطني عن مجاهد عن ابن عباس " أنه سئل عن رجل طلق امرأته مائة قال: عصيت ربك وفارقت امرأتك، لم تتق الله فيجعل لك مخرجا ".
وأخرج الدارقطني عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أيضا " أنه سئل عن رجل طلق امرأته عدد النجوم فقال: أخطا السنة وحرمت عليه أمرأته " وقد أخرج عبد الرزاق عن عمر أنه رفع إليه رجل طلق امرأته ألفا فقال له عمر: أطلقت امرأتك؟ قال لا، انما كنت العب، فعلاه بالدرة وقال: انما يكفيك من ثلاث.
وروى وكيع عن على كرم الله وجهه وعثمان ﵁ نحو ذلك واخرج عبد الرزاق والبيهقي عن ابن مسعود " انه قيل له: ان رجلا طلق امرأته
البارحه مائة، قال: قلتها مرة واحدة؟ قال: نعم، قال: تريد ان تبين منك امراتك؟ قال: نعم، قال: هو كما قلت، واتاه آخر فقال: رجل طلق امرأته عدد النجوم قال: قلتها مرة واحدة؟ قال نعم، قال: تريد ان تبين منك امرأتك قال: نعم، قال هو كما قلت، والله لا تلبسون على انفسكم ونتحمله ".
واخرج عبد الرزاق في مصنفه عن يحيى بن العلاء عن عبد الله بن الوليد الوصافى عن ابراهيم بن عبد الله بن عبادة بن الصامت قال " طلق جدى امرأة له ألف تطليقه فانطلق إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فذكر له ذلك فقال: ما اتقى الله جدك اما ثلاث فله، واما تسعمائة وسبع وتسعون فعدوان وظلم ان شاء الله عذبه وان شاء غفر له ".
وفى رواية " ان اباك لم يتق الله فيجعل له مخرجا، بانت منه بثلاث على غير السنه، وتسعمائه وسبع وتسعون اثم في عنقه " وهذا الخبر اعترض عليه علماء
[ ١٧ / ١٢٦ ]
الحديث بأن يحيى بن العلاء ضعيف، وعبيد الله بن الوليد هالك، وابراهيم بن عبيد الله مجهول، فأى حجه في رواية ضعيف عن هالك عن مجهول ثم والد عبادة بن الصامت لم يدرك الاسلام فكيف بجده؟ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀:
(فصل)
وإن قال: أنت - وأشار بثلاث أصابع ونوى الطلاق الثلاث - لم يقع شئ، لان قوله: أنت ليس من ألفاظ الطلاق، فلو أوقعنا الطلاق لكان بالنية من غير لفظ، وإن قال: أنت طالق هكذا، وأشار بثلاث أصابع وقع الثلاث، لان الاشارة بالاصابع مع قوله هكذا بمنزلة النية في بيان العدد، وان قال: أردت بعد الاصبعين المقبوضتين قبل، لانه يحتمل ما يدعيه، وان قال: أنت طالق، وأشار بالاصابع ولم يقل هكذا، وقال أردت واحدة ولم أرد العدد
قبل، لانه يحتمل ما يدعيه.
(فصل)
وان قال أنت طالق واحدة في اثنتين نظرت - فإن نوى طلقة واحدة مع اثنتين - وقعت ثلاث لان " في " تستعمل بمعنى " مع " والدليل عليه قوله ﷿ " فادخلي في عبادي وادخلي جنتي " والمراد مع عبادي فإن لم يكن له نية نظرت - فإن لم يعرف الحساب ولا نوى مقتضاه في الحساب - طلقت طلقة واحدة بقوله أنت طالق، ولا يقع بقوله في اثنتين شئ، لانه لا يعرف مقتضاه فلم يلزمه حكمه، كالأعجمي إذا طلق بالعربية وهو لا يعرف معناه، وان نوى مقتضاه في الحساب ففيه وجهان.
(أحدهما)
وهو قول أبى بكر الصيرفى انه يقع طلقتان، لانه أراد موجبه في الحساب، وموجبه في الحساب طلقتان.
(والثانى)
وهو المذهب انه لا يقع الا طلقة واحدة لانه إذا لم يعلم مقتضاه لم يلزمه حكمه، كالأعجمي إذا طلق بالعربية وهو لا يعلم، وقال اردت مقتضاه في العربية، فإن كان عالما بالحساب نظرت - فإن نوى موجبه في الحساب - طلقت طلقتين لان موجبه في الحساب طلقتان.
وان قال اردت واحدة في اثنتين باقيتين طلقت واحدة، لانه يحتمل ما يدعيه كقوله: له عندي ثوب في منديل،
[ ١٧ / ١٢٧ ]
وأراد في منديل لى، وان لم يكن له نية فالمنصوص انه تطلق طلقة، لان هذا اللفظ غير متعارف عند الناس، ويحتمل طلقة في طلقتين واقعتين، ويحتمل طلقة في طلقتين باقيتين، فلا يجوز أن يوقع بالشك وقال أبو إسحاق يحتمل أن تطلق طلقتين لانه عالم بالحساب ويعلم أن الواحدة في اثنتين طلقتان في الحساب
(فصل)
وان قال أنت طالق طلقه بل طلقتان، ففيه وجهان
(أحدهما)
يقع طلقتان، كما إذا قال له على درهم بل درهمان، لزمه درهمان
(والثانى)
يقع الثلاث، والفرق بينه وبين الاقرار أن الاقرار اخبار يحتمل التكرار، فجاز أن يدخل الدرهم في الخبرين، والطلاق ايقاع فلا يجوز أن يوقع الطلاق الواحد مرتين، فحمل على طلاق مستأنف، ولهذا لو أقر بدرهم في يوم ثم أقر بدرهم في يوم آخر لم يلزمه الا درهم، ولو طلقها في يوم ثم طلقها في يوم آخر كانتا طلقتين.
(فصل)
وان قال لغير المدخول بها أنت طالق ثلاثا وقع الثلاث، لان الجميع صادف الزوجية فوقع الجميع، كما لو قال ذلك للمدخول بها.
وان قال لها أنت طالق أنت طالق أنت طالق ولم يكن له نية وقعت الاولى دون الثانيه والثالثه وحكى عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُ قال يقع الثلاث، فمن أصحابنا من جعل ذلك قولا واحدا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لان الكلام إذا لم ينقطع ارتبط بعضه ببعض فصار كما لو قال أنت طالق ثلاثا.
وقال أكثر أصحابنا: لا يقع أكثر من طلقة، وما حكى عن القديم إنما هو حكاية عن مالك ﵀ ليس بمذهب له، لانه تقدمت الاولى فبانت بها فلم يقع ما بعدها.
(الشرح) وإن قال لامرأته أنت، وأشار بثلاث أصابع ونوى الطلاق لم يقع الطلاق، لان قوله أنت ليس بإيقاع، وإن قال لها انت طالق هكذا، وأشار بأصبع وقعت عليها طلقة، وان اشار بأصبعين وقع عليها طلقتان، وان اشار بثلاث اصابع وقع عليها ثلاث طلقات، لانه شبه الطلاق بأصابعه، وهى عدد،
[ ١٧ / ١٢٨ ]
وإن قال أردت بعدد الاصبعين المقبوضتين فقد ذكر الشيخ ابو إسحاق هنا في المهذب والمحاملى في المجموع (١) وابن الصباغ في الشامل أنه يقبل في الحكم لانه
يحتمل الاشارة بهما.
وذكر الشيخ ابو حامد الاسفرايينى في التعليق: انه لا يقبل قوله في الحكم، لان الظاهر خلاف ما يدعيه، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى.
وإن قال أنت طالق، وأشار بأصبعه ولم يقل هكذا، ثم قال أردت واحدة أو لم أرد بعدد الاصابع قبل منه في الحكم، لانه قد يشير بالاصابع ولا يريد العدد (مسألة) قوله: وإن قال أنت طالق واحد في اثنتين الخ نعم إذا قال لها أنت طالق واحدة في اثنتين - فإن كان غير عالم بالحساب - أعنى لا يحفظ جدول الضرب - قلنا له ما أردت، فان قال أردت واحدة مقرونة مع اثنتين وقع عليها الثلاث لانه قد يعبر عن (مع) ب (في) قال تعالى " فادخلي في عبادي " أي مع عبادي وإن قال لم أنو شيئا وقع عليها طلقة واحدة بقوله أنت طالق واحدة، ولا يلزمه حكم الحساب لانه لا يعرفه ولا نواه، فهو كما لو تكلم العجمي بقوله: أنت طالق ولا يعرف معناه وإن قال نويت موجبه في الحساب ففيه وجهان.
قال ابو بكر الصيرفى يلزمه طلقتان لان هذا موجبه عندهم.
وقال أكثر أصحابنا لا يلزمه إلا طلقة واحدة، لانه لا يعرف معناه فلا يلزمه بنية موجبه، كما لو تكلم العجمي بكلمة الكفر بالعربية وهو لا يعرف معناها ونوى موجبها في لسان العرب وأما إذا كان ممن يعرف الحساب - فان نوى واحدة مقرونة مع اثنتين وقع عليها الثلاث.
وان نوى موجبا في الحساب لزمه طلقتان، لان هذا موجبه في الحساب، وان لم ينو شيئا فالمنصوص انه لا يلزمه الا طلقة لانه غير متعارف عند الناس.
وقال أبو إسحاق الاسفرايينى: يلزمه طلقتان لانه يعرف الحساب ويعلم أن
_________________
(١) المجموع للمحاملى وهو غير مجموعنا هذا، وللمحاملي غير المجموع الاوسط والمقنع واللباب والتجريد
[ ١٧ / ١٢٩ ]
هذا موجبه فيلزمه وان لم ينوه.
وقال ابو حنيفة لا يلزمه الا طلقة سواء نوى موجبه في الحساب أو لم ينو.
دليلنا أن هذا موضوع في الحساب لا يتبين، فإذا نواه وهو ممن يعرفه لزمه كما لو قال أنت طالق اثنتين.
وان قال أنت طالق اثنتين في اثنتين - وليس هو من أهل الحساب - فان نوى اثنتين مع اثنتين لزمه ثلاث، وان لم ينو ذلك ولا غيره لزمه اثنتان، وان نوى موجبه عند أهل الحساب لزمه على قول الصيرفى ثلاث، وعلى قول سائر أصحابنا يلزمه طلقتان، وان كان من أهل الحساب وأراد موجبه في الحساب ونوى مع اثنتين لزمه ثلاث، وان لم ينو شيئا فعلى المنصوص لا يلزمه الا طلقتان، وعلى قول ابى اسحاق يلزمه ثلاث، وعلى قول ابى حنيفة يلزمه طلقتان بكل حال، وقد مضى دليل ذلك.
(فرع)
إذا قال أنت طالق طلقة بل طلقتين ففيه وجهان (احدهما) يقع عليها طلقتان، كما إذا قال له على درهم بل درهمان
(والثانى)
يلزمه الثلاث لان الطلاق ايقاع فحملت كل لفظة على ايقاع، والاقرار اخبار فجاز ان يدخل الدرهم في الخبر مرتين.
وان قال أنت طالق ثلاثا وقع عليها الثلاث، وبه قال جميع الفقهاء الا رواية عطاء فانه قال يقع عليها طلقة.
دليلنا ان قوله أنت طالق اسم لجنس من الفعل يصح للواحدة ولما زاد عليها.
وقوله ثلاث مفسر له فكان وقوع الثلاث عليها دفعة واحدة، وان قال لها أنت طالق انت طالق انت طالق، أو قال انت طالق وطالق وطالق ولم ينو بالاولة الثلاث وقع عليها بقوله الاول أنت طالق وبانت بها ولا يلحقها ما بعدها، وبه قال الثوري وابو حنيفة
وقال مالك والليث بن سعد والاوزاعي يقع عليها الثلاث فقال أبو على بن أبى هريرة للشافعي في القديم ما يدل على ذلك، فجعلها على قولين.
وقال ابو على الطبري فيها وجهان (احدهما) يقع عليها الثلاث، لانه ربط الكلام بعضه ببعض فحل محل الكلمة الواحدة
(والثانى)
انه يقع عليها طلقه واحدة تبين بها ولا يقع ما بعدها، لانه قد فرق فوقع بالاولة طلقه فبانت بها ولم يقع ما بعدها وقال أكثر اصحابنا هي على قول واحد ولا يقع عليها الا طلقه واحدة.
وما ذكره
[ ١٧ / ١٣٠ ]
في القديم فإنما حكى مذهب مالك.
ووجهه ما روى عن عمر وعلى وابن مسعود وزيد بن ثابت أنهم قالوا يقع عليها طلقة واحدة ولا يقع ما بعدها، ولا مخالف لهم، وقد استدل القائلون بأنه لا يقع من المتعدد إلا واحدة بما وقع في حديث ابن عباس عن ركانة " أنه طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله النبي ﷺ كيف طلقتها؟ فقال ثلاثا في مجلس واحد فقال له ﷺ: إنما تلك واحدة فارتجعها " أخرجه احمد وأبو يعلى وصححه.
وقد أجيب عن ذلك بأجوبة، منها أن في إسناده محمد بن إسحاق.
ورد بأنهم قد احتجوا في غير واحد من الاحكام بمثل هذا الاسناد.
ومنها معارضته لفتوى ابن عباس، ورد بأن المعتبر روايته لا رأيه.
ومنها أن أبا داود رجع أن ركانة إنما طلق امرأته البتة ويمكن أن يكون من روى ثلاثا حمل البتة على معنى الثلاث، وفيه مخالفة للظاهر واستدلوا بحديث ابن عباس " أن الطلاق كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى آخر الحديث الذى سبق إيراده.
وقد اختلف الناس في تأويله فذهب بعض التابعين إلى ظاهره في حق من لم يدخل بها كما دلت عليه رواية ابى داود، وتأوله بعضهم على صورة تكرير لفظ الطلاق، بأن يقول: انت طالق انت طالق انت
طالق، فإنه يلزمه واحدة إذا قصدت التوكيد، وثلاث إذا قصد تكرير الايقاع فكان الناس فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ على صدقهم وسلامتهم وقصدهم في الغالب الفضيلة والاختيار ولم يظهر فيهم خب ولا خداع فكانوا يصدقون في إرادة التوكيد.
والقائلون بالفرق بين المدخولة وغيرها أعظم حجة لهم حديث ابن عباس الذى لفظه عند أبى داود " أما علمت أن الرجل كان إذا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جعلوها واحدة " الحديث.
ووجهوا ذلك بأن غير المدخول بها تبين إذا قال لها زوجها أنت طالق، فإذا قال ثلاثا لغا العدد لوقوعه بعد البينونة.
ويجاب بأن التقييد بقبل الدخول لا ينافى صدق الرواية الاخرى الصحيحة على المطلقة بعد الدخول، وغاية ما في هذه الرواية أنه وقع فيها التنصيص على بعض أفراد مدلول الرواية الصحيحة المذكورة في الباب، وذلك لا يوجب الاختصاص
[ ١٧ / ١٣١ ]
بالبعض الذى وقع التنصيص عليه، وأجاب القرطبى عن ذلك التوجيه بأن قوله أنت طالق ثلاثا كلام متصل غير منفصل فكيف يصح جعله كلمتين، وتعطى كل كلمة حكما.
هذا حاصل ما في هذه المسألة، وهكذا أفاده الشوكاني في شرح المنتقى.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن قال للمدخول بها أنت طالق انت طالق انت طالق، نظرت فإن كان أراد به التأكيد لم يقع أكثر من طلقة، لان التكرار يحتمل التأكيد، وإن أراد الاستئناف وقع بكل لفظة طلقه لانه يحتمل الاستئناف، وان أراد بالثاني التأكيد وبالثالث الاستئناف وقع طلقتان، وإن لم يكن له نية ففيه قولان قال في الاملاء: يقع طلقه، لانه يحتمل التكرار والاستئناف، فلا يقع ما زاد على طلقة بالشك.
وقال في الام يقع الثلاث لان اللفظ الثاني والثالث كاللفظ كالاول، فإذا وقع بالاول طلاق وجب أن يقع بالثاني والثالث مثله، وأما إذا غاير بينها في الحروف بأن قال أنت طالق وطالق ثم طالق ولم يكن له نية وقع بكل لفظه طلقه، لان المغايرة بينها باللفظ تسقط حكم التأكيد، فان ادعى أنه أراد التأكيد لم يقبل في الحكم لانه يخالف الظاهر ويدين فيما بينه وبين الله ﷿ لانه يحتمل ما يدعيه وان قال انت طالق وطالق وطالق وقع بالاول طلقه وبالثانى طلقه لتغاير اللفظين ويرجع في الثالث إليه، لانه لم يغاير بينه وبين الثاني.
فهو كقوله أنت طالق انت طالق.
وان غاير بين الالفاظ ولم يغاير بالحروف بأن قال: انت طالق انت مسرحه أنت مفارقه ففيه وجهان:
(أحدهما)
أن حكمه حكم المغايرة في الحروف، لانه إذا تغير الحكم بالمغايرة بالحروف فلان يتغير بالمغايرة في لفظ الطلاق أولى
(والثانى)
أن حكمه حكم اللفظ الواحد لان الحروف هي العاملة في اللفظ، وبها يعرف الاستئناف، ولم توجد المغايرة في الحروف
(فصل)
وان قال أنت طالق بعض طلقه وقعت طلقه، لان ما لا يتبعض من الطلاق كان تسمية بعضه كتسمية جميعه، كما لو قال بعضك طالق، وان قال
[ ١٧ / ١٣٢ ]
أنت طالق نصفى طلقة وقعت طلقة، لان نصفى طلقة هي طلقة، وإن قال أنت طالق ثلاثة أنصاف طلقة ففيه وجهان
(أحدهما)
أنه يقع طلقتان، لان ثلاثة أنصاف طلقة طلقة ونصف فكمل النصف فصار طلقتين.
(والثانى)
تطلق طلقة لانه أضاف الانصاف الثلاثة إلى طلقة وليس للطلقة إلا نصفان فألغى النصف الثالث.
وإن قال أنت طالق نصفى طلقتين وقعت طلقتان
لانه يقع من كل طلقة نصفها ثم يسرى فيصير طلقتين.
وإن قال انت طالق نصف طلقتين ففيه وجهان
(أحدهما)
تقع طلقة واحدة، لان نصف الطلقتين طلقة
(والثانى)
أنه تقع طلقتان لانه يقتضى النصف من كل واحدة منهما ثم يكمل النصف فيصير الجميع طلقتين.
وان قال أنت طالق نصف طلقة ثلث طلقة سدس طلقة طلقت واحدة لانها أجزاء الطلقة.
وإن قال أنت طالق نصف طلقة وثلث طلقة وسدس طلقة وقع ثلاث طلقات، لان بدخول حروف العطف وقع بكل جزء طلقة وسرى إلى الباقي.
وإن قال أنت نصف طالق طلقت، كما لو قال نصفك طالق.
وان قال أنت نصف طلقة ففيه وجهان
(أحدهما)
أنه كناية فلا يقع به طلاق من غير نيه
(والثانى)
أنه صريح فتقع به طلقة بناء على الوجهين فيمن قال لامرأته: أنت الطلاق.
(الشرح) الاحكام: إذا قال للمدخول بها أنت طالق انت طالق انت طالق فإن نوى بالاولة الثلاث لم يسأل عما بعدها، وان لم ينو الثلاث وقع عليها بها طلقة.
وسئل عن الكلمتين بعدها، فإن قال أردت بهما تأكيد الاولة قبل منه ولم يلزمه الا طلقة لان التأكيد يقع بالتكرار، وان قال أردت بهما الاستئناف لزمه ثلاث طلقات، وان قال أردت بالثانية الاستئناف وبالثالثة تأكيد الثانية لزمه طلقتان.
وان قال أردت بالثانية الاستئناف وبالثالثة التأكيد للاوله ففيه وجهان
(أحدهما)
يقبل كما لو قال: أردت بهما تأكيد الاولة
(والثانى)
لا يقبل لانه قد يخلل بين الاولة والثالثة الثانية
[ ١٧ / ١٣٣ ]
وإن قال لم أنو شيئا ففيه قولان: قال في الاملاء: لا يلزمه الا طلقة لانه لما لم يدخل واو العطف كان الظاهر أنه أراد التأكيد كما لو قال له: على درهم درهم
درهم فلا يلزمه الا درهم، ولانه يحتمل أنه أراد التأكيد والاستئناف فلا يلزمه الطلاق بالشك.
وقال في الام: يلزمه ثلاث طلقات - وهو الاصح - لان الثاني والثالث كالاول في الصيغة فكان مثله في الايقاع.
وان قال أنت طالق ثم سكت طويلا وقال أنت طالق، ثم قال أردت بالثاني تأكيد الاول لم يقبل، لان الظاهر أنه أراد الايقاع وان قال أنت طالق وطالق وطالق ولم ينو بالاولة ما زاد على واحدة وقع بالاولة طلقة وبالثانية طلقه لان الثاني عطف لا يحتمل التأكيد ورجع في الثالثة إليه، فإن قال أردت تأكيد الثانيه قبل منه، وان قال، أردت به الاستئناف لزمه ثلاث طلقات، وان قال: أردت به تأكيد الاولة لم يقبل منه وجها واحد، كما لا يقبل إذا قال أردت بالثانية تأكيد الاولة وان قال لم أنو شيئا ففيه قولان كالاولة، والصحيح أنه يقع بها طلقة ثالثة، وهكذا الحكم فيه إذا قال: أنت طالق ثم طالق ثم طالق، أو قال أنت طالق فطالق فطالق، أو طالق بل طالق بل طالق، وان قال طالق وطالق ثم طالق، أو طالق فطالق بل طالق لزمه بكل لفظة طلقة، فإن قال أردت التأكيد لم يقبل منه في الحكم، لان المغايرة بينهما بحروف العطف يقتضى الاستئناف، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى.
وان قال أنت مطلقة أنت مفارقة وأنت مسرحة ففيه وجهان
(أحدهما)
حكمه حكم ما لو قال: أنت طالق طالق طالق، لانه لم يأت بحرف عطف، والفراق والسراح كالطلاق
(والثانى)
حكمه حكم ما لو قال: أنت طالق وطالق ثم طالق، لان الحكم إذا تغير لمغايرة حروف العطف فلان يتغير لمغايرة اللفظ أولى (فرع)
قال الشافعي في الاملاء: إذا قال لامرأته أنت طالق وطالق لا بل
طالق، ثم قال: شككت في الثانية فقلت لا بل طالق استدراكا لايقاعها قبل منه لان " بل " للاستدراك فاحتمل ما قاله
[ ١٧ / ١٣٤ ]
وإن قال أنت طالق يا مطلقة بالاولة طلقة، وان لم ينو بها ما زاد عليها أو سأل عن قوله يا مطلقة - فإن قال أردت به الايقاع لزمه ما نوى.
وان قال: أردت به يا مطلقة بالاولة قبل منه في الحكم.
وان قال: أنت طالق البتة ولم ينو ما زاد على واحدة وقع عليها طلقة، كقوله أنت طالق وسئل عن البتة فإن قال: أردت به ايقاع طلاع آخر لزمه.
وان قال: لم أرد به شيئا قبل منه في الحكم لحديث ركانة بن عبد يزيد (مسألة) قوله: وان قال أنت طالق بعض طلقة وقعت طلقة الخ.
وهذا صحيح وبه قال جميع الفقهاء الا داود فإنه قال لا يقع عليها شئ.
دليلنا قوله تعالى " فإن طلقها فلا تحل له من بعد " الآية.
ولم يفرق بين أن يطلقها طلقة أو بعض طلقة.
ولان التحليل والتحريم إذا اجتمعا غلب التحريم، كما لو تزوج نصف امرأة أو اعتق نصف أمة، ولانه لو طلق بعض امرأته لكان كما لو طلق جميعها كذلك إذا طلق بعض طلقة كان كما لو طلقها طلقة وان قال أنت طالق نصفى طلقة وقعت عليها طلقة، ولان نصفى الطلقة طلقة وان قال ثلاثة أنصاف طلقة ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يقع عليها الا طلقة، لانه لم يوقع عليها الا طلقة، وانما وصفها بأن لها ثلاثة أنصاف وليس لها الا نصفان
(والثانى)
يقع عليها طلقتان، لان ثلاثة أنصاف طلقة ونصف فيسرى النصف، فعلى قول الاول يتعلق الحكم بقوله طلقة ويلغى قوله ثلاثة أنصاف طلقة.
وعلى قول الثاني يلغى قوله طلقة ويتعلق الحكم بقوله ثلاثة أنصاف طلقة قال صاحب الفروع ويحصل وقوع الثلاث، ووجهه أنه إذا ألغى قوله طلقة
وتعلق الحكم بثلاثة أنصاف سرى كل نصف فوقع عليها ثلاث وان قال: انت طالق نصفى طلقتين وقع عليها طلقتان، لان نصفى طلقتين طلقتان.
وان قال ثلاثة أنصاف طلقتين فعلى وجهين
(أحدهما)
يقع عليها طلقتان
(والثانى)
يقع عليها ثلاث وان قال أنت طالق نصف طلقتين ففيه وجهان
(أحدهما)
يلزمه طلقه لانها نصف طلقتين
(والثانى)
يلزمه طلقتان لانه يلزمه نصف من كل طلقه، ثم يكمل النصفان.
[ ١٧ / ١٣٥ ]
(فرع)
وان قال: أنت طالق نصف طلقه ثلث طلقه سدس طلقه لم يقع عليها الا طلقه أجزاء الطلقه، وان قال أنت طالق نصف طلقه وثلث طلقه وسدس طلقه وقعت ثلاثا لانه عطف جزءا من طلقه على جزء من طلقه فظاهره يقتضى طلقات متغايرة.
قال ابن الصباغ في الشامل: وان قال أنت طالق نصف وثلث وسدس طلقه طلقت طلقه، لان هذه أجزاء طلقه.
وان قال أنت نصف وثلث وسدس طلقت طلقه ويرجع إليه في النصف والثلث والسدس، فإن نوى نصفا من طلقه وثلثا من طلقه وسدسا من طلقه وقع عليها الثلاث، وان لم ينو شيئا فلا شئ عليه وان قال أنت نصف طلقه ففيه وجهان كما لو قال أنت طالق
(أحدهما)
انه صريح فيقع عليها طلقه
(والثانى)
أنه كنايه فلا يقع عليها شئ الا بالنيه.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(فصل)
وان كان له أربع نسوة فقال: أوقعت عليكن أو بينكن طلقه طلقت كل واحدة منهن طلقه، لانه يخص كل واحدة منهن ربع طلقه وتكمل
بالسرايه.
وان قال أوقعت عليكن أو بينكن طلقتين أو ثلاثا أو أربعا وقع على كل واحدة طلقه، لانه إذا قسم بينهن لم يزد نصيب كل واحدة منهن على طلقه، وان قال أردت أن يقع على كل واحدة من الطلقتين وقع على كل واحدة طلقتان وان قال أردت أن يقع على كل واحدة من الثلاث الطلقات، وقع على كل واحدة ثلاث طلقات، لانه مقر على نفسه بما فيه تغليظ، واللفظ محتمل له.
وان قال أوقعت عليكن خمسا وقع على كل واحدة طلقتان.
لانه يصيب كل واحدة طلقه وربع، وكذلك ان قال أوقعت عليكن سنا أو سبعا أو ثمانيا.
وان قال أوقعت عليكن تسعا طلقت كل واحدة ثلاثا.
وان قال أوقعت بينكن نصف طلقه وثلث طلقه وسدس طلقه، طلقت كل واحدة ثلاثا، لانه لما عطف وجب أن يقسم كل جزء من ذلك بينهن، ثم يكمل
(فصل)
وان قال أنت طالق ملء الدنيا، أو أنت طالق أطول الطلاق،
[ ١٧ / ١٣٦ ]
أو أعرضه.
وقعت طلقه لان شيئا من ذلك لا يقتضى العدد، وقد تتصف الطلقة الواحدة بذلك كله.
(فصل)
وإن قال أنت طالق أشد الطلاق وأغلظه وقعت طلقه لانه قد تكون الطلقة أشد وأغلظ عليه لنعجلها أو لحبه لها أو لحبها له، فلم يقع ما زاد بالشك.
وان قال أنت طالق كل الطلاق أو أكثره وقع الثلاث لانه كل الطلاق وأكثره.
(فصل)
وإن قال للمدخول بها أنت طالق طلقه بعدها طلقه طلقت طلقتين لان الجميع يصادف الزوجية، وإن قال أردت بعدها طلقة أوقعها لم يقبل في الحكم لان الظاهر انه طلاق ناجز ويدين فيما بينه وبين الله ﷿ لانه يحتمل ما يدعيه.
وإن قال انت طالق طلقة قبلها طلقة وقعت طلقتان، وفى كيفية وقوع
ما قبلها وَجْهَانِ: قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يقع مع التى أوقعها لان أيقاعها فيما قبلها أيقاع طلاق في زمان ماض فلم يعتبر كما لو قال أنت طالق أمس.
وقال ابو إسحاق يقع قبلها اعتبارا بموجب لفظه، كما لو قال أنت طالق قبل موتى بشهر ثم مات بعد شهر، ويخالف قوله انت طالق أمس لانا لو أوقعناه في أمس تقدم الوقوع على الايقاع وههنا يقع الطلاقان بعد الايقاع.
وان قال أردت بقولى قبلها طلقة في نكاح قبله، فإن كان لما قاله أصل قبل منه لانه يحتمل ما يدعيه وإن لم يكن له أصل لم يقبل منه لانه يحتمل ما يدعيه
(فصل)
وإن قال لها: أنت طالق طلقه قبلها طلقه وبعدها طلقه طلقت ثلاثا على ما ذكرناه.
وإن قال لها: أنت طالق طلقه وبعدها طلقه طلقت ثلاثا لانه يقع بقوله أنت طالق طلقه ويقع قبلها نصف طلقه وبعدها نصف طلقه ثم يكمل النصفان فيصير الجميع ثلاثا.
(الشرح) الاحكام: إن قال لاربع نسوة له: أوقعت بينكن طلقه، طلقت كل واحد منهن طلقة، لانه يخص كل واحدة ربع طلقه ويكمل بالسراية وإن قال لهن أوقعت بينكن طلقتين وقع على كل واحدة طلقه.
لان ما يخص كل واحدة لا يزيد على طلقه إلا أن يقول: أردت ان تقسم كل طلقه منهما عليهن
[ ١٧ / ١٣٧ ]
فيقع على كل واحدة طلقتان وإن قال أوقعت بينكن ثلاث طلقات أو أربع طلقات وقع على كل واحدة طلقة إلا أن يريد قسمة كل طلقه منهن فيقع على كل واحدة منهن ثلاث هذا هو المشهور الذى أفاده العمرانى في البيان وابن الصباغ في الشامل والماردي في الحاوى وابن القاص في التلخيص.
وقال صاحب الفروع: ويحتمل أن يقع على كل واحدة ثلاث، لان بعض كل طلقه يكمل في حق كل واحدة منهن
وإن قال أوقعت بينكن خمس طلقات ولم يرد قسمة كل واحدة منهن وقع على كل واحدة طلقتان، لانه يخص كل واحدة طلقه وربع، فيكمل الربع.
وكذلك إذا قال أوقعت بينكن ستا أو سبعا أو ثمانيا.
وإن قال: أوقعت بينكن بتسع طلقات طلقت كل واحدة منهن ثلاثا، لانه يخص كل واحدة طلقتان وربع ويكمل الربع.
وإن قال أوقعت بينكن نصف طلقه وسدس طلقه وقع على كل واحدة ثلاث طلقات.
لانه لما عطف قسم كل جزء بينهن وكمل (مسألة) قوله: وإن قال أنت طالق ملء الدنيا إلخ فهو كما قال، فإنه إذا قال أنت طالق ملء الدنيا أو ملء مكة والمدينة وقعت عليها طلقه، لان الطلاق حكم والاحكام لا تشغل الامكنه، فعلم أنه أراد الدنيا أو مكة ذكرا وانتشارا وشوعا وتكون رجعيه.
وقال أبو حنيفة يقع بائنه دليلنا أنه طلاق صادف مدخولا بها من غير عوض ولا استيفاء عدد فكان رجعيا كقوله أنت طالق وإن قال: أنت طالق أشد الطلاق أو أكثر الطلاق بالثاء المعجمه بثلاث نقط وقعت عليها ثلاث طلقات، لان ذلك كل الطلاق وأكثره.
وان قال أنت طالق أكمل الطلاق أو أتم الطلاق أو أكبر الطلاق بالباء المعجمه الموحدة التحتيه وقعت عليها طلقه سنيه، لان أكمل الطلاق وأتمه طلاق السنه.
وقال صاحب الفروع: ويحتمل أن يقع عليها ثلاث طلقات في قوله: أكمل الطلاق وأتمه، لانه هو الاكمل والاتم، والمشهور هو الاول وتكون رجعيه
[ ١٧ / ١٣٨ ]
وقال ابو حنيفة: تقع في قوله أكثر الطلاق واحدة بائنه، دليلنا عليه ما ذكرناه في قوله: ملء مكة
(مسألة) قوله: وإن قال للمدخول بها أنت طالق طلقة بعدها طلقه الخ.
وهذا كما قال.
وكذلك إذا قال للمدخول بها أنت طالق طلقه معها طلقه وقع عليها طلقتان في الحال.
وان قال أنت طالق طلقه بعدها طلقه وقع عليها طلقتان لان الجميع صادف الزوجية.
وإن قال أردت بقولى بعدها طلقه اوقعها فيما بعد لم يقبل في الحكم لانه يريد تأخير طلاق واقع في الظاهر.
ويدين فيما بينه وبين الله تعالى لاحتمال ما يدعيه وإن قال أنت طالق طلقه قبلها طلقه.
قال الشافعي وقع عليها طلقتان.
واختلف أصحابنا في كيفية وقوعها، فحكى الشيخ أبو إسحاق هنا في المهذب والمحاملى أن أبا إسحاق المروزى قال.
يقع عليها طلقتان (إحداهما) بقوله أنت طالق والاخرى قبلها بالمباشرة، لان الانسان يملك أن يعلق بالصفة طلاقا فيقع قبل الصفه.
كقوله أنت طالق قبل موتى بشهر ثم يموت بعد شهر.
وحكى الشيخ أبو حامد في التعليق أن أبا إسحاق قال يقع عليها طلقه بالمباشرة بقوله أنت طالق، وطلقه بالاخبار أنه طلقها.
وقال أبو على بن ابى هريرة: يقع عليها طلقتان معا، لانه لا يتقدم الوقوع على الايقاع.
هكذا حكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي عنه وسائر أصحابنا حكوا عنه انه قال: يقع عليها طلقه بقوله أنت طالق طلقه بعدها.
وقوله قبلها طلقه فعلى ما حكاه الشيخ أبو حامد عن أبى اسحاق المروزى يحكم عليه بوقوع الطلقه التى باشرها ظاهرا وباطنا وان قال: أردت بقولى قبلها طلقه في نكاح كنت نكحتها قبل هذا النكاح وطلقتها فيه، فإن كان لما قاله أصل قبل منه، وان لم يكن له أصل لم يقبل منه ويدين فيما بينه وبين الله تعالى وان قال أنت طالق طلقه قبلها وبعدها طلقه وقع عليها ثلاث طلقات، لان كل واحدة من النصفين يسرى، وحكى المحاملى من اصحابنا من قال: لا يقع عليها
الا طلقتان.
وليس بشئ
[ ١٧ / ١٣٩ ]
قال المصنف ﵀:
(فصل)
وإن قال لغير المدخول بها أنت طالق طلقة بعدها طلقة لم تقع الثانية لانها بائن بالاولى فلم تقع الثانية.
وإن قال أنت طالق طلقة قبلها طلقة ففيه وجهان
(أحدهما)
لا تطلق لان وقوع طلقه قبلها ووقوع طلقه عليها يوجب وقوع ما قبلها يمنع وقوعها فتمانعا بالدور وسقطا
(وَالثَّانِي)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنها تطلق طلقه ليس قبلها شئ، لان وقوع ما قبلها يوجب إسقاطها وإسقاط ما قبلها فوجب إثباتها وإسقاط ما قبلها.
وان قال أنت طالق طلقه معها طلقه، ففيه وجهان
(أحدهما)
انها تطلق واحدة، وهو قول المزني لانه أفردها فجاز، كما لو قال أنت طالق واحدة بعدها واحدة.
والوجه الثاني: أنها تطلق طلقتين لانهما يجتمعان في الوقوع فلا تتقدم إحداهما على الاخرى، فهو كما لو قال: أنت طالق طلقتين.
وان قال أنت طالق طلقتين ونصفا طلقت طلقتين، لانه جمع بين الطلقتين في الايقاع فبانت بهما ثم أوقع النصف بعدما بانت فلم يقع
(فصل)
إذا قال لامرأته أنت طالق طلقه لا تقع عليك طلقت لانه أوقع الطلاق ثم أراد رفعه، والطلاق إذا وقع لم يرتفع.
وان قال أنت طالق أولا لم تطلق لانه ليس بإيقاع (الشرح) الاحكام: إذا قال لغير المدخول بها أنت طالق طلقة بعدها طلقه وقعت الاولة وبانت بها ولم تقع الثانية.
وان قال: أنت طالق طلقة قبلها طلقة ففيه وجهان حكاهما الشيخ أبو إسحاق
(أحدهما)
لا يقع عليها الطلاق لان وقوع
طلقة قبلها يقع وقوعها.
وما أدى ثبوته لسقوطه سقط
(وَالثَّانِي)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه يقع عليها طلقه ليس قبلها شئ، لان وقوع ما قبلها يوجب اسقاطها، ووقوعها يوجب اسقاط ما قبلها فوجب اثباتها واسقاط ما قبلها وسببه أن يكون الاول انما هو على ما حكاه المصنف عن أبى اسحاق المروزى في المدخول بها.
[ ١٧ / ١٤٠ ]
فأما على ما حكاه في التعليق عنه أنه إخبار، فإنه يقع عليها الطلقة التى أخبر بوقوعها أولا لا غير.
وان قال لغير المدخول بها أنت طالق طلقة معها طلقه ففيه وجهان:
(أحدهما)
يقع عليها طلقة لا غير، لانه أفردها فبانت بها ولم يقع ما بعدها كما لو قال طلقة بعدها طلقة
(والثانى)
يقع عليها طلقتان لانهما يجتمعان في الوقوع، وإن قال لها أنت طالق طلقتين ونصفا وقع عليها طلقتان لا غير، لانه جمع بينهما فوقعتا وبانت بهما فلم يقع ما بعدهما.
(مسألة) قوله: وإذا قال لامرأته أنت طالق طلقه لا تقع عليك طلقت الخ فهذا صحيح إذا قال لامرأته أنت طالق طلقه لا تقع عليك وقع عليها طلقه لانه رفع لجميع ما أوقعه وذلك لا يصح.
وإن قال لها أنت طالق طلقه لا طلقتين عليك إحداهما، وقعت عليها واحدة لان ذلك استثناء.
وان قال لها أنت طالق طلقه لا قال ابو العباس بن سريج وقعت عليها طلقه، لان ذلك رفع لها فلم ترتفع.
وان قال لها أنت طالق طلقتين لا طلقه، فعلى قياس الاولة لا يقع عليها إلا طلقه، وان قال لها أنت طالق أو لا لم يقع عليها طلاق، لان ذلك استفهام لا طلاق.
وان قال لها أنت طالق واحدة أو لا شئ - قال ابن الصباغ فالذي يقتضيه قياس
قوله أن لا يقع شئ.
وبذلك قال أبو حنيفة وابو يوسف واحمد.
وقال محمد: تقع واحدة، والاول أصح، لان الواحدة صفة للفظة الموقعة فما اتصل بها يرجع إليها، فصار كقوله أنت طالق أو لا شئ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويصح الاستثناء في الطلاق لانه لغة العرب، ونزل به القرآن وحروفه: الا.
وغير.
وسوى.
وخلا.
وعدا، وحاشا.
فإذا قال أنت طالق ثلاثا الا طلقه، وقعت طلقتان.
وان قال أنت طالق ثلاثا الا طلقتين وقعت طلقه، وان قال أنت طالق ثلاثا الا ثلاثا طلقت ثلاثا، لان الاستثناء يرفع المستثنى منه فيسقط وبقى الثلاث
[ ١٧ / ١٤١ ]
وان قال أنت طالق ثلاثا الا طلقتين وطلقه ففيه وجهان أحدهما يقع الثلاث لانه استثنى ثلاثا من ثلاث
(والثانى)
تقع طلقه لان الاستثناء الثاني هو الباطل فسقط وبقى الاستثناء الاول.
وان قال أنت طالق ثلاثا الا نصف طلقه، طلقت ثلاثا لانه يبقى طلقتان ونصف ثم يسرى النصف إلى الباقي فيصير ثلاثا.
وان قال أنت طالق ثلاثا الا طلقة وطلقه وقعت طلقه.
لان المعطوف على الاستثناء مضموم إلى الاستثناء، ولهذا إذا قال: له على مائه الا خمسة وعشرين ضمت الخمسة إلى العشرين في الاستثناء ولزمه ما بقى.
وان قال أنت طالق طلقه وطلقه الا طلقه ففيه وجهان
(أحدهما)
تطلق طلقه لان الواو في الاسمين المنفردين كالثنيه فيصير كما لو قال أنت طالق طلقتين الا طلقه
(والثانى)
وهو المنصوص انها تطلق طلقتين لان الاستثناء يرجع إلى ما يليه وهو طلقه، واستثناء طلقه من طلقه باطل فسقط وبقى طلقتان، وان قدم
الاستثناء على المستثنى منه بأن قال أنت الا واحدة طالق ثلاثا، فقد قال بعض أصحابنا انه لا يصح الاستثناء فيقع الثلاث، لان الاستثناء جعل لاستدراك ما تقدم من كلامه، ويحتمل عندي انه يصح الاستثناء فيقع طلقتان، لان التقديم والتأخير في ذلك لغة العرب قال الفرزدق يمدح هشام بن ابراهيم بن المغيرة خال هشام بن عبد الملك: وما مثله في الناس الا مملكا
* أبو أمه حى أبوه يقاربه تقديره وما مثله في الناس حى يقاربه الا مملكا أبو أمه أبو الممدوح (الشرح) بيت الفرزدق الذى ساقه المصنف من قصيدة من الطويل يمدح بها ابراهيم بن هشام بن اسماعيل المخزومى خال هشام بن عبد الملك بن مروان، ويستعمل هذا البيت عند البلاغيين شاهدا في أساليب التعقيد، وهو أن لا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المراد، اما لخلل في نظم الكلام فلا يتوصل منه إلى معناه، أو لانتقال الذهن من المعنى الاول إلى المعنى الثاني الذى هو لازمه، والمراد به ظاهرا، والاول هو الشاهد في البيت.
والمعنى فيه: وما مثله يعنى
[ ١٧ / ١٤٢ ]
الممدوح في الناس حى يقاربه أي أحد يشبهه في الفضائل إلا مملكا، أي ملكا.
يعنى هشاما، أبو أمه أي أبو أم هشام أبوه، أي ابو الممدوح، فالضمير في أمه للملك وفى أبوه للممدوح، ففصل بين ابو أمه وهو مبتدأ وأبوه وهو خبره بأجنبى وهو حى، وكذا فصل بين حى ويقاربه وهو نعته، بأجنبى وهو ابوه، وقدم المستثنى على المستثنى منه.
فهو كما تراه في غاية التعقيد، وكان من حق الناظم أن يقول وما مثله في الناس أحد يقاربه إلا مملك ابو أمه أبوه أما الاحكام فقد قال الشافعي ﵁: ولو قال انت طالق ثلاثا الا اثنتين فهى واحدة، وجملة ذلك أن الاستثناء جائز في الجملة لان القرآن ورد به
قال الله تعالى " فلبث فيهم ألف سنة الا خمسين عاما " والاستثناء ضد المستثنى منه، فان استثنى من اثبات كان المستثنى نفيا.
وان استثنى من نفى كان المستثنى اثباتا، وسواء استثنى أقل العدد أو أكثر فإنه يصح وقال بعض اهل اللغة: لا يصح استثناء أكثر العدد، وبه قال احمد.
دليلنا قوله تعالى حاكيا عن إبليس " لاغوينهم أجمعين، الا عبادك منهم المخلصين " ثم قال " ان عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين " فاستثنى العباد من الغاوين، واستثنى الغاوين من العباد، وأيهما كان أكثر فقد استثنى من الآخر، ولا يصح أن يستثنى جميع العدد، لانه غير مستعمل في الشرع، ولا في اللغة.
إذا ثبت هذا فقال لامرأته أنت طالق ثلاثا الا اثنتين طلقت واحدة، لانه أثبت ثلاثا ثم نفى منها اثنتين فبقيت واحدة.
وان قال: أنت طالق ثلاثا الا واحدة طلقت اثنتين وان قال أنت طالق ثلاثا الا اثنتين وواحدة، أو انت طالق ثلاثا الا واحدة وواحدة وواحدة.
ففيه وجهان (احدهما) يقع عليها الثلاث.
وبه قال ابو حنيفة لانه استثناء من ثلاث
(والثانى)
يقع عليها واحدة.
وبه قال ابو يوسف ومحمد، لانه لو لم يعطف بالواحدة لصح فكان العطف بها هو الباطل فسقط
[ ١٧ / ١٤٣ ]
وإن قال: أنت طالق ثلاثا إلا نصف طلقة طلقت ثلاثا، ومن أصحابنا من قال: يقع عليها طلقتان لانه لا يؤدى إلى استثناء صحيح، وليس بشئ، لانه لا يبطل الاستثناء: وإنما بقى طلقتان ونصف فسرى النصف وإن قال لها: أنت طالق طلقتين ونصفا إلا واحدة وقع عليها ثلاث طلقات، واختلف
أصحابنا فيه، فقال ابن الحداد: لان النصف يسرى واحدة، واستثناء واحدة من واحدة لا يصح.
وقال القاضى أبو الطيب: لانه استثناء واحدة من نصف، لان الاعتبار بالمنطوق به في العدد لا ينافى الشرع، وان قال: أنت طالق طلقه وطلقة الا طلقة ففيه وجهان، حكاهما المصنف.
(أحدهما)
تطلق طلقة، لان الواو في الاسمين المنفردين كالتثنية، فصار كما لو قال: أنت طالق طلقتين الا طلقة.
(والثانى)
وهو المنصوص في الام: أنها تطلق طلقتين لان الاستثناء يرجع إلى ما يليه وهو طلقة: واستثناء طلقة من طلقة لا يصح.
قال الشيخ أبو حامد وان قال: أنت طالق ثم طالق بل طالق الا طلقة، أو أنت طالق فطالق ثم طالق الا طلقة، أو أنت طالق وطالق وطالق الا طلقة وقع عليها في هذه المسائل ثلاث طلقات، لانه إذا غاير بين الالفاظ وقع بكل لفظ طلقة واستثناء طلقة من طلقة لا يصح.
وان قال: أنت طالق خمسا الا ثلاثا ففيه وجهان.
(أحدهما)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وأبى على الطبري: أنه يقع عليها ثلاث، لان الاستثناء يرجع إلى ما يملك من الطلقات، والذى يملك هو الثلاث فلم يقع من الخمس الا ثلاث، واستثناء ثلاث من ثلاث لا يصح.
وقال أكثر أصحابنا: انه يقع عليها طلقتان، لان الاستثناء يرجع في العدد المنوطوق به، ويكون بالمستثنى منه مع الاستثناء مما بقى، فإذا استثنى ثلاثا من خمس بقى طلقتان.
وقد نص الشافعي في البويطى على أنه إذا قال: أنت طالق ستا الا أربعا وقع عليها طلقتان، وهذا يرد قول أبى على، وان قال لها: أنت طالق خمسا الا اثنتين وقع عليها طلقة الا على قول أبى على وعلى قول سائر أصحابنا
[ ١٧ / ١٤٤ ]
يقع عليها الثلاث، لان الاستثناء جعل لاستدراك ما تقدم، فلا يتقدم على المستثنى منه.
وقال الشيخ أبو إسحاق: تقع عليها طلقتان، لان الاستثناء يجوز أن يتقدم على المستثنى منه.
قال الشاعر: وما لى إلا آل أحمد شيعة
* ومالى إلا مشعب الحق مشعب
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويصح الاستثناء من الاستثناء لقوله ﷿ " إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط لمنجوهم أجمعين إلا امرأته " فاستثنى آل لوط من المجرمين واستثنى من آل لوط امرأته.
وإذا قال أنت طالق ثلاثا إلا طلقتين إلا طلقة طلقت طلقتين لان تقديره أنت طالق ثلاثا إلا طلقتين فلا يقعان إلا طلقة فتقع.
وإن قال أنت طالق خمسا إلا ثلاثا ففيه وجهان
(أحدهما)
أنها تطلق ثلاثا لانه لا يقع من الخمس إلا ثلاث، فصار كما لو قال أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا
(والثانى)
أنها تطلق طلقتين، لانه لما وصل بالاستثناء علم أنه قصد الحساب.
وإن قال أنت طالق خمسا إلا اثنتين، طلقت على الوجه الاول طلقه، وعلى الوجه الثاني تطلق ثلاثا.
وإن قال أنت طالق ثلاثا الا ثلاثا الا اثنتين، ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) يقع الثلاث لان الاستثناء الاول يرفع المستثنى منه فيبطل، والاستثناء الثاني فرع عليه فسقط وبقى الثلاث
(والثانى)
تطلق طلقتين لانه لما وصله بالاستثناء صار كأنه أثبت ثلاثا ونفى ثلاثا أثبت اثنتين (والثالث) تقع طلقه لان الاستثناء الاول لا يصح فسقط وبقى الاستثناء الثاني فيصير كما لو قال أنت طالق ثلاثا إلا طلقتين (الشرح) هذا الفصل يمكن أن تشد يدك في مسائله بما ذكرناه في شرح الفصل قبله، ونزيدك من مسائله أحكاما فنقول وبالله التوفيق: يصح الاستثناء
من الاستثناء لقوله تعالى " انا أرسلنا إلى قوم مجرمين، الا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين الا امرأته " فإذا قال أنت طالق ثلاثا الا اثنتين الا واحدة طلقت
[ ١٧ / ١٤٥ ]
طلقتين لانه أثبت ثلاثا ثم نفى اثنتين فبقيت واحدة، ثم أثبت من الطلقات الثلاث نفى واحدة فصار مثبتا لاثنتين فوقعتا وإن قال أنت طالق ثلاثا الا ثلاثا الا اثنتين ففيه ثلاثة أوجه
(أحدهما)
يقع عليه ثلاث طلقات لان الاستثناء الاول باطل فسقط والثانى عائد إليه وتابع له فسقطا
(والثانى)
من الاوجه الثلاثة يقع عليها طلقه، لان الاستثناء الاول باطل فسقط وبقى الثاني، فكان عائدا إلى الاثبات، فكأنه قال: ثلاثا الا طلقين (والثالث) يقع عليها طلقتان، لان استثناء الثلاث من الثلاث إنما لا يصح إذا اقتصر عليه، فأما إذا أثبته استثناء آخر بنى عليه فكأنه أثبت ثلاثا ونفى ثلاثا، ثم أثبت اثنتين فوقعتا.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان قال أنت طالق ثلاثا الا أن يشاء أبوك واحدة.
وقال أبوها شئت واحدة، لم تطلق، لان الاستثناء من الاثبات نفى، فيصير تقديره أنت طالق ثلاثا الا أن يشاء أبوك واحدة، فلا يقع طلاق
(فصل)
وإن قال امرأتي طالق أو عبدى حر، أو لله على كذا، أو والله لافعلن كذا إن شاء الله، أو بمشيئة الله، أو ما لم يشأ الله، لم يصح شئ من ذلك لما روى ابْنِ عُمَرَ ﵁ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ حلف على يمين ثم قال ان شاء الله كان له ثنيا " وروى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث " ولانه علق هذه الاشياء على مشيئة الله تعالى، ومشيئته لا تعلم، فلم يلزم بالشك
شئ.
وان قال أنت طالق الا أن يشاء الله ففيه وجهان
(أحدهما)
لا تطلق لانه مقيد بمشيئة الله تعالى، فأشبه إذا قال أنت طالق ان شاء الله
(والثانى)
وهو المذهب انها تطلق لانه أوقع الطلاق وعلق رفعه بمشيئة الله تعالى، ومشيئة الله لا تعلم فسقط حكم رفعه وبقى حكم ثبوته، ويخالف إذا قال: أنت طالق ان شاء الله، فإنه علق الوقوع على مشيئة الله تعالى
[ ١٧ / ١٤٦ ]
(فصل)
ولا يصح الاستثناء في جميع ما ذكرناه الا أن يكون متصلا بالكلام، فإن انفصل عن الكلام من غير عذر لم يصح لان العرف في الاستثناء أن يتصل بالكلام، فإن انفصل لضيق النفس صح الاستثناء لانه كالمتصل في العرف ولا يصح الا أن يقصد إليه، فأما إذا كانت عادته في كلامه أن يقول: ان شاء الله، فقال ان شاء الله على عادته لم يكن استثناء، لانه لم يقصده، واختلف أصحابنا في وقت نية الاستثناء فمنهم من قال: لا يصح الا أن يكون ينوى ذلك من ابتداء الكلام، ومنهم من قال إذا نوى قبل الفراغ من الكلام جاز.
(فصل)
إذا قال: يا زانية أنت طالق ان شاء الله، أو أنت طالق يا زانية ان شاء الله رجع الاستثناء إلى الطلاق، ولا يرجع إلى قوله يا زانية لان الطلاق ايقاع فجاز تعليقه بالمشيئة، وقوله يا زانية صفة فلا يصح تعليقها بالمشيئة، ولهذا يصح أن يقول أنت طالق ان شاء الله ولا يصح أن يقول أنت زانية ان شاء الله وان كانت له امرأتان حفصة وعمرة، فقال حفصة وعمرة طالقان انشاء الله لم تطلق واحدة منهما، وان قال حفصة طالق وعمرة طالق ان شاء الله فقد قال بعض أصحابنا تطلق حفصة ولا تطلق عمرة، لان الاستثناء يرجع إلى ما يليه وهو طلاق عمرة، ويحتمل عندي أن لا تطلق واحدة منهما، لان المجموع بالواو كالجملة الواحدة.
(فصل)
وان طلق بلسانه واستثنى بقلبه نظرت فإن قال أنت طالق ونوى بقلبه ان شاء الله لم يصح الاستثناء ولم يقبل في الحكم ولا يدين فيه، لان اللفظ أقوى من النية لان اللفظ يقع به الطلاق من غير نية، والنية لا يقع بها الطلاق من غير لفظ، فلو أعملنا النية لرفعنا القوى بالضعيف، وذلك لا يجوز، كنسخ الكتاب بالسنة وترك النص بالقياس.
وان قال نسائى طوالق واسستثنى بالنية بعضهن دين فيه لانه لا يسقط اللفظ بل يستعمله في بعض ما يقتضيه بعمومه، وذلك يحتمل فدين فيه، ولا يقبل في الحكم.
وقال أبو حفص الباب بشامي: يقبل في الحكم لان اللفظ يحتمل العموم والخصوص، وهذا غير صحيح لانه وان احتمل الخصوص الا أن الظاهر العموم فلا يقبل في الحكم دعوى الخصوص، فإن قال امرأتي طالق ثلاثا واستثنى بقلبه
[ ١٧ / ١٤٧ ]
الا طلقه أو طلقتين لم يقبل في الحكم لانه يدعى خلاف ما يقتضيه اللفظ.
وهل يدين؟ فيه وجهان
(أحدهما)
يدين لانه لا يسقط حكم اللفظ، وانما يخرج بعض ما يقتضيه فدين فيه، كما لو قال نسائى طوالق واستثنى بالنيه بعضهن
(والثانى)
لا يدين وهو قول الشيخ أبى حامد الاسفراينى ﵀، لانه يسقط ما يقتضيه اللفظ بصريحه بما دونه من النية، وان قال لاربع نسوة: أربعكن طالق واستثنى بعضهن بالنيه لم يقبل في الحكم، وهل يدين؟ فيه وجهان
(أحدهما)
يدين
(والثانى)
لا يدين ووجههما ما ذكرناه في المسألة قبلها (الشرح) حديث ابن عمر أخرجه مِنْ أَصْحَابِ السُّنَنِ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ.
ورجاله عندهم رجال الصحيح، ولفظه عند أكثرهم " من حلف على يمين فقال ان شاء الله فلا حنث عليه " ولفظ " كان له ثنيا " سيأتي في رواية أبى هريرة.
أما حديث أبى هريرة فقد أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه وقال " فله ثنياه " والنسائي وقال " فقد استثنى " وأخرجه أيضا ابن حبان وهو من حديث عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة.
قال البخاري: أخطأ فيه عبد الرزاق واختصره عن معمر من حديث " أن سليمان بن داود ﵇ قال لاطوفن الليله على سبعين امرأة الخ الحديث وفيه: فقال النبي ﷺ لو قال ان شاء الله لم يحنث " رواه الترمذي عن البخاري.
وللحديث طرق رواها الشافعي وأحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم من حديث ابن عمر.
قال الترمذي لا نعلم أحدا رفعه غير أيوب السختيانى.
وقال ابن عليه كان أيوب تارة يرفعه وتارة لا يرفعه.
قال ورواه مالك وعبيد الله بن عمر وغير واحد موقوفا.
قال الحافظ بن حجر: هو في الموطأ كما قال البيهقى.
وقال لا يصح رفعه الا عن أيوب مع أنه شك فيه وتابعه على لفظه العمرى عبد الله وموسى بن عقبه وكثير ابن فرقد وأيوب بن موسى، وقد صححه ابن حببان وقد وردت معنى هذين الحديثين عن عكرمه عن ابن عباس عند أبى داود من فعله ﷺ " أنه ﷺ قال: والله لاغزون قريشا، ثم قال ان شاء الله، ثم قال والله لاغزون قريشا، ثم قال ان شاء الله، ثم قال والله لاغزون قريشا ثم سكت ثم قال
[ ١٧ / ١٤٨ ]
ان شاء الله، ثم لم يغزهم.
قال أبو داود: وقد أسنده غير واحد عن عكرمة عن ابن عباس، وقد رواه البيهقى موصولا ومرسلا.
قال ابن أبى حاتم في العلل: الاشبه الارسال، وقال ابن حبان في الضعفاء: رواه مسعر، وشريك أرسله مرة ووصله أخرى.
أما الاحكام: فإنه إذا قال: أنت طالق ثلاثا إلا أن يشاء أبوك واحدة فقال أبوها: شئت واحدة لم يقع عليها طلاق، لانه أوقع الطلاق بشرط أن
يشاء أبوها واحدة، فإذا شاء أبوها واحدة لم يوجد الشرط فلم يقع الطلاق، كما لو قال: أنت طالق إلا أن تدخلي الدار أو إن لم تدخلي الدار، فدخلت الدار فإنها لا تطلق.
قال العمرانى: ولا أعلم نصا في اعتبار وقت المشيئة، والذى يقتضى القياس أن المشيئة تعتبر أن تكون عقيب إيقاع الزوج، كما لو علق إيقاع الطلاق على مشيئة الاب.
(مسأله) قوله: وان قال إمرأتى طالق الخ، فهذا كما قال، إذ لو قال لامرأته أنت طالق ان شاء الله.
أو قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ أو على كذا وكذا أو والله لافعلن كذا أو على لفلان كذا ان شاء الله، لم يلزمه شئ من ذلك، وبه قال طاوس والحكم وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال مالك والليث: يدخل الاستثناء في الايمان دون الطلاق والعتق والنذر والاقرار، وقال الاوزاعي وابن أبى ليلى: يدخل الاستثناء في اليمين والطلاق دون غيره، وقال أحمد: يدخل الاستثناء في الطلاق دون العتق.
دليلنا حديث ابن عمر حيث لم يفرق بين أن يحلف بالله أو يحلف بالطلاق، ولانه علق الطلاق بمشيئة من له مشيئه فلم تقع قبل العلم بمشيئته كما لو علق بمشيئة زيد، وفى كتاب الايمان مزيد ان شاء الله.
فإذا ثبت هذا: فقال لامرأته: أنت طالق ان شاء الله أو إذا شاء الله أو متى شاء الله أو بمشيئة الله لم يقع الطلاق لانه علق وقوع الطلاق بمشيئة الله، ومشيئته بذلك لا تعلم، فإن قال: أنت طالق ان لم يشأ الله أو ما لم يشأ الله لم يقع الطلاق، لانه لا نعلم أنه لم يشأ، كما لا يعلم أنه شاء.
وحكى صاحب الفروع وجها آخر أنه يقع عليها الطلاق، وانما علق دفعه
[ ١٧ / ١٤٩ ]
بمشيئة الله ونحن لا نعلمها، والمشهور هو الاول وان قال: أنت طالق الا أن
يشاء الله ففيه وجهان.
(أحدهما)
لا يقع عليها الطلاق، لانه علق الطلاق بمشئية الله فلم يقع، كما لو قال: ان شاء الله.
(والثانى)
وهو المذهب: أنه يقع الطلاق، لانه أوقع الطلاق، وانما علق رفعه بمشيئة الله، ومشيئة الله لا تعلم فثبت الايقاع وبطل الرفع.
(فرع)
ولا يصح الاستثناء الا ان كان متصلا بالكلام لان هذا هو العرف في الاستثناء، فان انفصل لضيق نفس كان كالمتصل لان انفصاله لعذر، ولا يصح الا ان قصد بالنيه، والتقييد بمشيئة الله مانع من الوقوع، وقد ذهب إلى ذلك الجمهور، وادعى عليه ابن العربي الاجماع قال: أجمع المسلمون على أن قوله: ان شاء الله يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلا، قال: ولو جاز منفصلا كما روى بعض السلف لم يحنث أحد قط في يمين ولم يحتج إلى كفارة، قال: واختلفوا في الاتصال، فقال مالك والاوزاعي والشافعي والجمهور: هو أن يكون قوله: ان شاء الله متصلا باليمين من غير سكوت بينهما ولا يضر سكتة النفس.
وعن طاوس والحسن وجماعة من التابعين أن له الاستثناء ما لم يقم من مجلسه وقال قتادة: ما لم يقم أو يتكلم.
وقال عطاء: قدر حلبة ناقه.
وقال سعيد بن جبير: يصح بعد أربعة أشهر، وعن ابن عباس: له الاستثناء أبدا، ولا فرق بين الحلف بالطلاق والحلف بالله أو الحلف بالعتاق، واستثنى أحمد ﵁ العتاق قال: لحديث " إذا قال: أنت طالق ان شاء الله لم تطلق، وان قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ فإنه حر " وقد تفرد به حميد بن مالك وهو مجهول كما قال البيهقى، وذهب الهادويه إلى أن التقييد بالمشيئة يعتبر فيه مشيئة الله في تلك الحال باعتبار ما يظهر من الشريعة، فإن كان ذلك الامر الذى حلف على تركه وقيد الحلف بالمشيئة محبوبا لله فعله لم يحنث بالفعل، وان كان محبوبا لله تركه لم
يحنث بالترك، فإذا قال: والله ليتصدقن ان شاء الله حنث بترك الصدقة، لان الله يشاء التصدق في الحال، وان حلف ليقطعن رحمه ان شاء الله لم يحنث بترك القطع لان الله تعالى يشاء ذلك الترك.
[ ١٧ / ١٥٠ ]
قوله: وإن طلق بلسانه واستثنى بقلبه الخ.
وهذا يدل بمفهومه على أنه إذا استثنى بلسانه صح ولم يقع ما استثناه بقلبه، وهو قول جماعة أهل العلم.
وقال الخرقى من الحنابله " إذا طلقها بلسانه واستثنى شيئا بقلبه وقع الطلاق ولم ينفعه الاستثناء.
وجملة ذلك أن ما يتصل باللفظ من قرينة أو استثناء منه مالا يصح نطقا ولا نية، مثل أن يرفع حكم اللفظ كله، وهذا قد مضى بيانه.
ومنها ما يقبل لفظا ولا يقبل نية في الحكم، وهل يقبل فيما بينه وبين الله تعالى؟ وجهان
(أحدهما)
لا يقبل فيما بينه وبين الله تعالى، وبه قال أحمد وأكثر أصحاب الشافعي.
وهذا استثناء الاقل، فإنه لا يصح إلا لفظا لانه من لسان العرب، ولا يصح بالنية لان العدد نص فيما تناوله لا يحتمل غيره، فلا يرتفع بالنية ما ثبت بنص اللفظ، فإن اللفظ أقوى من النية، فلو نوى بالثلاث اثنتين كان مستعملا للفظ في غير ما يصلح له فوقع مقتضى اللفظ ولغت نيته وقال بعض أصحابنا: انه يقبل فيما بينه وبين الله تعالى، كما لو قال: نسائى طوالق واستثنى بقلبه الا فلانة، والفرق بينهما أن نسائى اسم عام يجوز التعبير به عن بعض ما وضع له، وقد استعمل العموم بإزاء الخصوص كثيرا.
فإذا أراد به البعض صح.
وقوله " ثلاثا " اسم عدد للثلاث لا يجوز التعبير به عن عدد غيرها، ولا يحتمل سواها بوجه من الوجوه، فإذا أراد بذلك اثنتين فقد أراد باللفظ ما لا يحتمله.
وإنما تعمل النية في صرف اللفظ المحتمل إلى أحد محتملاته.
فأما ما لا يحتمل فلا، فإنا لو عملنا به فيما لا يحتمل كان عملا بمجرد النية، ومجرد النية لا يعمل في نكاح ولا طلاق ولا بيع.
ولو قال: نسائى الاربع طوالق، أو قال لهن: أربعتكن طوالق، واستثنى بعضهن بالنية لم يقبل على قياس ما ذكرناه، ولا يدين فيه، لانه عنى باللفظ مالا يحتمل.
ومنها ما يصح نطقا إذا نواه دين فيما بينه وبين الله تعالى، مثل تخصيص اللفظ العام أو استعمال اللفظ في مجازه مثل قوله: نسائى طوالق، يريد بعضهن
[ ١٧ / ١٥١ ]
أو ينوى بقوله طالق، أي من وثاق، فهذا يقبل كما قررنا من قبل إذا كان لفظا وجها واحد لانه وصل كلامه بما بين مراده وإن كان بنيته قبل فيما بينه وبين الله تعالى لانه أراد تخصيص اللفظ العام واستعماله في الخصوص.
وهذا سائغ في الكلام فلا يمنع من استعماله والتكلم به، ويكون اللفظ بنيته منصرفا إلى ما أراده دون ما لم يرده، وهل يقبل ذلك في الحكم.
مذهبنا أنه لا يقبل في الحكم لانه خلاف الظاهر.
ومن شرط هذا أن تكون النية مقارنة للفظ.
وهو أن يقول: نسائى طوالق، يقصد بهذا اللفظ بعضهن، فأما ان كانت النية متأخرة عن اللفظ فقال نسائى طوالق ثم بعد فراغه نوى بقلبه بعضهن لم تنفعه النية ووقع الطلاق بجميعهن، وكذلك لو طلق نساءه ونوى بعد طلاقهن أي من وثاق لزمه الطلاق لانه مقتضى اللفظ.
والقاعدة في ذلك كله (أولا) ارادة الخاص بالعام شائع في اللغة ومستساغ (ثانيا) ارادة الشرط من غير ذكره غير سائغ فهو كالاستثناء.
واللفظ العام الذى لم يرد به غير مقتضاه وجب العمل بعمومه، والعمل بعموم اللفظ أولى من خصوص السبب، لان دليل الحكم هو اللفظ، فيجب اتباعه والعمل بمقتضاه
في خصوصه وعمومه، ولذلك لو كان أخص من السبب لوجب قصره على خصوصه واتباع صفة اللفظ دون صفة السبب.
والله تعالى أعلم بالصواب.
قال المصنف ﵀: