لا يقع الطلاق الا بصريح أو كنايه مع النية، فان نوى الطلاق من غير صريح ولا كنايه لم يقع الطلاق، لان التحريم في الشرع علق على الطلاق ونية الطلاق ليست بطلاق، ولان ايقاع الطلاق بالنيه لا يثبت الا بأصل أو بالقياس على ما ثبت بأصل، وليس ههنا أصل ولا قياس على ما ثبت بأصل فلم يثبت.
(فصل)
والصريح ثلاثة ألفاظ الطلاق والفراق والسراح، لان الطلاق
ثبت له عرف الشرع واللغة، والسراح والفراق ثبت لهما عرف الشرع، فانه ورد بهما القرآن، فإذا قال لامرأته: أنت طالق، أو طلقتك، أو أنت مطلقه أو سرحتك، أو أنت مسرحه، أو فارقتك، أو أنت مفارقه، وقع الطلاق من غير نيه، فان خاطبها بأحد هذه الالفاظ، ثم قال: أردت غيرها فسبق لساني إليها لم يقبل، لانه يدعى خلاف الظاهر، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، لانه يحتمل ما يدعيه، وان قال: أنت طالق وقال أردت طلاقا من وثاق، أو قال سرحتك وقال أردت تسريحا من اليد، أو قال فارقتك، وقال أردت فراقا بالجسم، لم يقبل في الحكم، لانه يدعى خلاف ما يقتضيه اللفظ في العرف، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، لانه يحتمل ما يدعيه، فان علمت المرأة صدقه فيما دين فيه الزوج جاز لها أن تقيم معه، وان رآهما الحاكم على الاجتماع ففيه وجهان.
(أحدهما)
يفرق بينهما بحكم الظاهر، لقوله ﷺ " أحكم بالظاهر والله ﷿ يتولى السرائر ".
(والثانى)
لا يفرق بينهما لانهما على اجتماع يجوز اباحته في الشرع، وان قال
[ ١٧ / ٩٦ ]
أنت طالق من وثاق، أو سرحتك من اليد، أو فارقتك بجسمى لم تطلق، لانه اتصل بالكلام ما يصرف اللفظ عن حقيقته.
ولهذا إذا قال لفلان على عشرة إلا خمسة لم يلزمه عشرة.
وإذا قال لا إله إلا الله لم يجعل كافرا بابتداء كلامه.
وإن قال أنت طالق ثم قال قلته هازلا وقع الطلاق ولم يدين، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة "
(فصل)
قال في الاملاء، لو قال له رجل طلقت امرأتك؟ فقال نعم.
طلقت عليه في الحال، لان الجواب يرجع إلى السؤال، فيصير كما لو قال طلقت
ولهذا لو كان هذا جوابا عن دعوى لكان صريحا في الاقرار.
وإن قال أردت به في نكاح قبله - فإن كان لما قاله أصل - قبل منه، لان اللفظ يحتمله، وإن لم يكن له أصل لم يقبل لانه يسقط حكم اللفظ.
وإن قال له أطلقت امرأتك فقال له قد كان بعض ذلك وقال أردت أنى كنت علقت طلاقها بصفة، قبل منه لانه يحتمله اللفظ.
وإن قال لامرأته أنت طالق لولا أبوك لطلقتك، لم تطلق، لان قوله أنت طالق لولا أبوك، ليس بإيقاع طلاق، وإنما هو يمين بالطلاق، وأنه لولا أبوها لطلقها، فتصير كما لو قال والله لولا أبوك لطلقتك.
(الشرح) الحديث الاول جزء من حديث مضى في كتاب الصلح تخريجه وطرقه.
والحديث الثاني عن أبى هريرة أخرجه أصحاب السنن إلا النسائي، وقال الترمذي حسن غريب.
وأخرجه الحاكم وصححه وأخرجه الدارقطني وفى إسناده عبد الرحمن بن حبيب بن أزدك وقد روى الطبراني عن فضالة بن عبيد بلفظ " ثلاث لا يجوز فيهن اللعب.
الطلاق والنكاح والعتق " وفى إسناده ابن لهيعه وعن عبادة بن الصامت عند الحرث بن أسامة في مسنده رفعه بلفظ " ثلاث لا يجوز اللعب فيهن.
الطلاق والنكاح والعتاق، فمن قالهن فقد وجبن " وإسناده منقطع.
وعن أبى ذر عند عبد الرزاق رفعه " من طلق وهو لاعب فطلاقه جائز ومن أعتق وهو لاعب فعتقه جائز، ومن نكح وهو لاعب فنكاحه جائز " وفى
[ ١٧ / ٩٧ ]
إسناده انقطاع أيضا، وعن على موقوفا عند عبد الرزاق أيضا.
وعن عمر عنده أيضا.
أما غريب الفصل فقوله " يدين فيما بينه وبين الله تعالى " قال في شرح غريب الشرح الكبير للرافعي " ودان بالاسلام دينا " بالكسر تعبد به، وتدين به كذلك فهو دين مثل ساد فهو سيد، ودينته بالتثقيل وكلته إلى دينه وتركته وما يدين لم
أعترض عليه فيما يراه سائغا في اعتقاده، ودنته أدينه جازيته اه وقوله " طلاقا من وثاق " يقال أوثقه بالوثاق إذا شده، ومنه قوله تعالى (فشدوا الوثاق) والوثاق بالكسر لغة فيه، وقوله " قلته هازلا " أي مازحا غير مجد، والهزل ضد الجد، قال الكميت أرانا على حب الحياة وطولها
* يجد بنا في كل يوم ونهزل هكذا أفاده ابن بطال اما الاحكام فإن الرجل إذا نوى طلاق امرأته ولم ينطق به لم يقع عليها الطلاق، وقال مالك في احدى الروايتين يقع، دليلنا ما رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال تجاوز الله لامتي ما حدثت به نفسها ما لم يكلم أو يعمد به " وأما الكلام الذى يقع به الطلاق فينقسم قسمين، صريح وكفاية، فالصريح ما يقع به الطلاق، فينقسم قسمين من غير نية، وهو ثلاثة ألفاظ " الطلاق والفراق والسراح " وقال أبو حنيفة الصريح هو لفظ الطلاق لا غير، وأما الفراق والسراح فهما كناية في الطلاق، وقال الطبري في العدة والمحاملى وهذا قول الشافعي وشأنه في القديم، لان العرف غير جار بها بين الطلقتين، والمشهور من المذهب هو الاول، لان الفراق ورد بهذه الالفاظ الثلاثة على وجه الامر فقال تعالى (فطلقوهن لعدتهن) وقال (فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) وقال في موضوع آخر (أو سرحوهن) إذا ثبت هذا فالصريح من لفظة الطلاق ثلاثة وهى قوله " طلقتك، أو أنت طالق، أو أنت مطلقة " وقال ابو حنيفة، قوله " انت مطلقة " ليس بصريح، وانما هو كناية.
دليلنا قوله " انت طالق " ليس بإيقاع الطلاق، وانما هو
[ ١٧ / ٩٨ ]
وصف لها بالطلاق كقوله: أنت نائم، فإن كان صريحا فكذلك قوله أنت مطلقة مثله، وأما السراح والفراق فالصريح منهما لفظتان لا غير وهو قوله.
فارقتك أو أنت مفارقة أو سرحتك أو أنت مسرحة، هذا ترتيب الشيخ أبى حامد والبغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي: في قوله: أنت مفارقة أو أنت مسرحة وجهان، أحدهما: أنه صريح كقوله: أنت مطلقة، والثانى: أنه كناية، لانه لم يرد به الصريح ولا الاستعمال، والاول هو المشهور، فان خاطبها بلفظة من الالفاظ الصريحة في الطلاق، ثم قال: لم أقصد الطلاق، وإنما سبق لساني إليها.
قال الصيمري: فقد قيل: إن كان هناك حال يدل على ما قال بأن كان في حال جرت العادة فيها بالدهش جاز أن يقبل منه، وقيل: لا يلتفت إليه، بل يقع عليها وهو المشهور، لانه يدعى خلاف الظاهر، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، لانه يحتمل ما يدعيه.
(فرع)
وإن قال: أنت طالق، وقال أردت طلاقها من وثاق، أو قال: فارقتك، وقال أردت به إلى المسجد، أو قال سرحتك وأردت به إلى البيت أو إلى أهلك لم يقبل منه في الحكم، لانه يعدل بالكلام عن الظاهر، ويدين فيما يدعيه بينه وبين الله تعالى.
وقال مالك إن قال هذا في حال الرضى لم يقبل منه في الحكم، وقبل فيما بينه وبين الله تعالى، وان قاله في حال الغضب لم تقبل منه في الحكم، ولا فيما بينه وبين الله تعالى.
دَلِيلُنَا قَوْلُهُ ﷺ " لَا تحاسبوا العبد حساب الرب واعملوا على الظاهر ودعوا الباطن " ولان اللفظ يصلح في الحالين لما ذكره فيقبل منه فيما بينه وبين الله تعالى، وكل ما قلنا لا يقبل فيه قول الزوج من هذا وما أشبهه، ويقبل فيما بينه وبين الله تعالى، فان الزوجة إذا صدقته على ما يقول جاز لها أن
تقيم معه، فان رآهما الحاكم على اجتماع ظاهر ففيه وجهان.
(أحدهما)
أنه يفرق بينهما لقوله ﷺ " أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ".
(والثانى)
لا يفرق بينهما لانهما على اجتماع يجوز إباحته في الشرع، وإن لم
[ ١٧ / ٩٩ ]
تصدقه الزوجة على قوله واستفتت فإنا نقول لها: امتنعي عنه ما قدرت عليه.
وإذا استفتى قلنا له: إن قدرت على وصلها في الباطن حل لك فيما بينك وبين الله تعالى.
وإن قال لها: أنت طالق من وثاق، أو فارقتك مسافرا إلى المسجد أو سرحتك إلى أهلك لم يحكم عليه بالطلاق لانه وصله بكلام أخرجه عن كونه صريحا، فهو كما لو قال: لا إله وسكت كان كافرا، أو إذا قال: لا إله إلا الله كان توحيدا، وكما لو قال: له عشرة إلا خمسة.
الخلاصة لما تقدم: يدل حديث أبى هريرة على أن من تلفظ هازلا بلفظ نكاح أو طلاق أو رجعة أو عتاق كما في الاحاديث التى سقناها وقع منه ذلك.
أما في الطلاق فقد قال بذلك أصحابنا من الشافعية والحنفية وغيرهم، وخالف في ذلك أحمد ومالك فقالا: إنه يفتقر اللفظ الصريح إلى النية، وبه قال جماعة من الائمة منهم جعفر الصادق ومحمد الباقر.
واستدلوا بقوله تعالى " وان عزموا الطلاق " فدلت على اعتبار العزم.
والهازل لا عزم منه وأجاب صاحب البحر بالجمع بين الآية والحديث فقال: يعتبر العزم في غير الصريح لا في الصريح فلا يعتبر، والاستدلال بالآية على تلك الدعوى غير صحيح من أصله فلا يحتاج إلى الجمع، فإنها نزلت في حق المولى (مسألة) قوله: لو قال رجل طلقت امرأتك؟ فقال نعم إلى الخ وهو كما قال فإنه إذا قال له رجل: طلقت امرأتك؟ أو امرأتك طالق؟ أو فارقتها أو سرحتها
فقال نعم، فيه قولان حكاهما ابن الصباغ والطبري (إحداهما) أن هذا كناية فلا يقع به الطلاق إلا بالنية، ولان قوله نعم ليس بلفظ صريح.
(والثانى)
أنه صريح في الطلاق، وهو اختيار المزني، ولم يذكر الشيخان غيره - أعنى أبا إسحاق الاسفرايينى وأبا حامد المروزى - وهو الاصح، لانه صريح في الجواب وتقديره نعم طلقت، كما لو قيل: لفلان عليك كذا؟ فقال نعم، كان إقرارا.
قال الطبري، قال أصحابنا: وهذا يخرج على ما لو قال: زوجتك ابنتى بكرا؟ فقال الولى نعم، فهل يصح النكاح؟ على قولين
[ ١٧ / ١٠٠ ]
إذا ثتب هذا - وقلنا يقع الطلاق - نظرت، فإن كان صادقا فيما خبر به من الطلاق وقع عليها الطلاق في الظاهر والباطن، وإن لم يكن طلاق قبل ذلك وإنما كذب بقوله نعم، وقع الطلاق في الظاهر دون الباطن، فإن قال أردت أنى كنت علقت طلاقها بصفة، قبل منه لانه يحتمل ما يدعيه (فرع)
إذا قال لامرأته أنت طالق لولا أبوك لطلقتك، فذكر المزني في فروعه أنها لا تطلق لانه ليس بإيقاع للطلاق، وانما حلف بطلاقها انما يمسكها لاجل أبيها وأنه لولا أبوها لطلقها، كما لو قال والله لولا أدبك لطلقتك.
قال صاحب الفروع ويحتمل أن يقع عليها الطلاق لان قوله لولا أبوك لطلقتك كلام مبتدأ منفصل عن الاولة، ولهذا ينفرد بجواب، والاول هو المشهور.
فإن كان صادقا بأن امتنع من طلاقها لاجل أبيها لم يقع الطلاق لا ظاهرا ولا باطنا، وان كان كاذبا وقع الطلاق في الباطن دون الظاهر، الا أن يقر بكذبه فيقع في الظاهر أيضا، فإن قال أنت طالق لولا أبوك أو لولا الله لم يقع عليها الطلاق.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى
(فصل)
وأما الكناية فهى كثيرة، وهى الالفاظ التى تشبه الطلاق وتدل على الفراق، وذلك مثل قوله أنت بائن، وخلية وبرية وبتة وبتلة وحرة وواحدة وبيني وابعدى واغربى واذهبي واستفلحي والحقى بأهلك وحبلك على غاربك، واستتري وتقنعى واعتدى وتزوجي وذوقي وتجرعي وما أشبه ذلك، فإن خاطبها بشئ من ذلك ونوى به الطلاق وقع، وان لم ينو لم يقع، لانه يحتمل الطلاق وغيره، فإذا نوى به الطلاق صار طلاقا، وإذا لم ينو به الطلاق لم يصر طلاقا، كالامساك عن الطعام والشراب لما احتمل الصوم وغيره، إذا نوى به الصوم صار صوما، وإذا لم ينو به الصوم لم يصر صوما وان قال أنا منك طالق، أو جعل الطلاق إليها فقالت طلقتك أو أنت طالق فهو كناية يقع به الطلاق مع النية، ولا يقع من غير نية، لان استعمال هذا اللفظ في الزوج غير متعارف، وانما يقع به الطلاق مع النية من جهة المعنى، فلم يقع به
[ ١٧ / ١٠١ ]
من غير نية كسائر الكنايات، وان قال له رجل: ألك زوجة؟ فقال لا، فإن لم ينو به الطلاق لم تطلق، لانه ليس بصريح، وان نوى به الطلاق وقع لانه يحتمل الطلاق
(فصل)
واختلف أصحابنا في الوقت الذى تعتبر فيه النية في الكنايات، فمنهم من قال إذا قارنت النية بعض اللفظ من أوله أو من آخره وقع الطلاق كما أن في الصلاة إذا قارنت النية جزءا منها صحت الصلاة، ومنه من قال لا تصح حتى تقارن النية جميعها، وهو أن ينوى ويطلق عقيبها، وهو ظاهر النص لان بعض اللفظ لا يصلح للطلاق فلم تعمل النية معه، فأما الصلاة فلا تصح حتى
تقارن النية جميعها بأن ينوى الصلاة ويكبر عقيبها، ومتى خلا جزء من التكبير عن النية لم تصح صلاته.
(فصل)
وأما ما لا يشبه الطلاق ولا يدل على الفراق من الالفاظ، كقوله اقعدي واقربي واطعمي واسقيني، وما أحسنك وبارك الله فيك وما أشبه ذلك فإنه لا يقع به الطلاق وان نوى، لان اللفظ لا يحتمل الطلاق، فلو أوقعنا الطلاق لاوقعناه بمجرد النية، وقد بينا أن الطلاق لا يقع بمجرد النية
(فصل)
واختلف أصحابنا في قوله: أنت الطلاق.
فمنهم من قال: هو كناية، فإن نوى به الطلاق فهو طلاق لانه يحتمل أن يكون معناه أنت طالق، وأقام المصدر مقام الفاعل كقوله تعالى " أرأيتم ان أصبح ماؤكم غورا " أراد غائرا وان لم ينو لم يقع، لان قوله أنت الطلاق لا يقتضى وقوع الطلاق.
ومنهم من قال هو صريح ويقع به الطلاق من غير نيه، لان لفظ الطلاق يستعمل في معنى طالق، والدليل عليه قول الشاعر: أنوهت باسمى في العالمين
* وأفنيت عمرى عاما فعاما فأنت الطلاق وأنت الطلاق
* وأنت الطلاق ثلاثا تماما وقال آخر: فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن
* وان تخرقى يا هند فالخرق آلم فأنت الطلاق والطلاق عزيمة
* ثلاثا ومن يخرق أعق وأظلم فبيني بها ان كنت غير رفيقة
* فما لامرئ بعد الثلاثه مقدم
[ ١٧ / ١٠٢ ]
(فصل)
واختلفوا فيمن قال لامرأته كلى واشربي ونوى الطلاق، فمنهم من قال لا يقع وهو قول أبى إسحاق، لانه لا يدل على الطلاق فلم يقع به الطلاق كما لو قال أطعمينى واسقيني، ومنهم من قال يقع وهو الصحيح، لانه يحتمل معنى
الطلاق وهو أن يريد كلى ألم الفراق واشربي كأس الفراق، فوقع به الطلاق مع النية، كقوله ذوقي وتجرعي
*
*
* (الشرح) الكناية صورة تذكر يراد بها اما تكنى عنه وترمز إليه، ومع هذا يجوز أن يراد بها معناها الاصلى، وأنواعها ثلاثة: كناية عن صفة وكناية عن موصوف وكناية عن نسبة.
وقوله " بائن الخ " أي مفارقة من البين وهو الفراق، وخلية، أي خالية عن الزوج فارغة منه، وبرية أي بريئة عما يجب من حقوقي وطاعتي، وبتة القطع وبتلة مثلها، ومنه التبتل أي الانقطاع عن النكاح، وسميت البتول لانقطاعها عن الازواج.
وقوله تعالى (وتبتل إليه تبتيلا) أي انقطع إليه انقطاعا.
وأما تسمية فاطمة ﵍ بالبتول فقد قال ثعلب لانقطاعها عن نساء زمانها دينا وفضلا وحسبا: وحرة أي لا سلطان لى على بضعك كما لا ملك في رقبة الحرة، وواحدة أي أنت فردة عن الزوج، ويحتمل طلقة واحدة وبيني وهو من البعد والفراق واغربى مثله.
واستفلحي من الفلاح والفوز، أي فوزى بأمرك واستبدى برأيك ويحتمل أن يكون من الفلح وهو القطع، أي اقطعي حبل الزواج من غير نزاع وحبلك على غاربك، أي امضى حيث شئت: والتعبير هنا عن الدابة يكون مقودها على غاربها، وهو ما بين السنام والعنق ولا قائد لها فتذهب حيث شاءت بغير ممسك لها، وتقنعى، أي غطى رأسك وقال ابن بطال: أظن معناه استترى منى ولا يحل لى نظرك.
وتجرعي.
يقال: جرعه غصص الغيظ إذا أذاقه الشدة مما يكره
[ ١٧ / ١٠٣ ]
أما الاحكام: فإن الكنايات كل كلمه تدل على الطلاق وغيره كهذه الالفاظ
إلى ساقها المصنف وما أشبهها من الكلام فإن نوى بذلك الطلاق وقع عليها الطلاق وإن لم ينو به الطلاق لم يقع عليها الطلاق سواء قال ذلك في حالة الرضا أو في حالة الغضب، وسواء سألته الطلاق أو لم تسأله.
وقال أبو حنيفة: إذا كان ذلك في حال مذاكرة الطلاق وقال لها: أنت بائن وبتة وبتلة وحرام وخلية وبرية والحقى بأهلك واذهبي، فلا يحتاج إلى النية، وان قال لها: حبلك على غاربك، واعتدى، واستبرئى رحمك، وتقنعى، فإنه يحتاج إلى النية.
وقال مالك: الكنايات الظاهرة لا تحتاج إلى النية كقوله بائن وبنة وبتلة وحرام وخلية وبرية والفراغ والسراح في الكنايات الظاهرة، وأما الكنايات الباطنة، فتفتقر إلى النية، وهى مثل قوله: اعتدى واستبرئى رحمك وتقنعى واذهبي وحبلك على غاربك وما أشبه ذلك.
وقال أحمد: دلالة الحال في جميع الكنايات تقوم مقام النية.
دليلنا أن هذه الالفاظ تحتمل الطلاق وغيره ولا تتميز إلا بالنية كالامساك عن الطعام والشراب يحتمل الصوم وغيره ولا يتميز إلا بالنية، ولان هذه كنايات في الطلاق، فإذا لم تقترن بها النية لم يقع بها الطلاق كالالفاظ التى سقناها.
(فرع)
قال ابن القاص: إذا قال لزوجته: أغناك الله ونوى به الطلاق كان طلاقا، فمن أصحابنا من قال: لا يقع عليها الطلاق لان هذا دعاء لها، فهو كقوله بارك الله فيك، ومنهم من وافقه لانه يحمل أن يريد به الغنى الذى قال الله فيه: وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته، وإن قال لها: كلى واشربي ونوى به الطلاق ففيه وجهان.
وقال أبو إسحاق لا يقع عليها الطلاق، وبه قال أبو حنيفة، كقوله أطعمينى واسقيني والثانى: يقع به الطلاق، وهو اختيار الشيخين أبى حامد وأبى إسحاق لانه يحتمل
كلى ألم الفراق واشربي كأسه، وان قال لامرأته: لست بإمرأتى ونوى به الطلاق كان طلاقا، وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
وقال أبو يوسف: لا يقع، دليلنا أنه محتمل للطلاق لانه إذا طلقها لا تكون
[ ١٧ / ١٠٤ ]
امرأته، فهو كقوله: أنت بائن.
وان قال له رجل: ألك زوجه؟ فقال: لا: ونوى به الطلاق كان طلاقا.
قال في الفروع: ويحتمل أن لا يكون كنايه ولا صريحا، والاول هو المشهور لانه يحتمل الطلاق.
(فرع)
وان قال لامرأته: أنت حرة ونوى به الطلاق كان طلاقا، وان قال لامته أنت طالق ونوى به العتق كان عتقا، لانه لفظ يتضمن ازالة ملك الزوجية فكان كنايه في العتق، كقوله لا سبيل لى عليك، وان قال لامرأته أنت الطلاق أو أنت طلاق ففيه وجهان
(أحدهما)
كنايه فلا يقع به الطلاق الا مع النية، لان الطلاق مصدر، والاعيان لا توصف بالمصادر، فكان مجازا
(والثانى)
أنه صريح، وبه قال مالك وأبو حنيفة، لان الطلاق قد يستعمل في معنى طالق كما في قول الشاعر: فأنت الطلاق وأنت الطلاق
* وأنت الطلاق ثلاثا ثلاثا (مسألة) قال صاحب الهدى: ثبت في صحيح البخاري أن ابنة الجون لما دخلت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها عذت بعظيم الحقى بأهلك، وثبت في الصحيحين أن كعب بن مالك ﵁ لما أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ يعتزل امرأته قال لها الحقى بأهلك، فاختلف الناس في هذا، فقالت طائفة ليس هذا بطلاق ولا يقع به الطلاق نواه أو لم ينوه، وهذا قول أهل الظاهر، قالوا والنبى ﷺ
لم يكن عقد على ابنة الجون وانما أرسل إليها ليخطبها.
ويدخل على ذلك ما في صحيح البخاري من حديث حمزة بن أبى أسيد عن أبيه أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقد أتى بالجونية فأنزلت في بيت اميمة بنت النعمان بن شراحيل في نخل ومعها دابتها فدخل عَلَيْهَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لها هبى لى نفسك فقالت وهل تهب الملكه نفسها للسوقة، فأهوى ليضع يده عليها فقالت أعوذ بالله منك فقال: قد عذت بمعاذ، ثم خرج فقال: يا اسيد اكسها رازقتين وألحقها بأهلها، وفى صحيح مسلم عن سهل بن سعد: ذكرت لرسول الله ﷺ امرأة
[ ١٧ / ١٠٥ ]
من العرب فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها فأرسل إليها فقدمت فنزلت في أجم بنى ساعدة، فدخل رسول الله ﷺ عليها فلما كلها قالت: أعوذ بالله منك قال قد أعذتك منى، فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ قالت لا، قالوا هذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَ ليخطبك والظاهر أنها الجونية، لان سهلا قال في حديثه: فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها، فالقصة واحدة دارت على عائشة ﵂ وأبى أسيد وسهل بن سعد وكل منهم رواها وألفاظهم فيها متقاربة ويبقى التعارض بين قوله: جاء ليخطبك وبين قوله: فلما دخل عليها ودنا منها، فإما أن يكون أحد اللفظين وهما، أو الدخول ليس دخول الرجل على امرأته، بل الدخول العام.
وهذا محتمل وحديث ابن عباس في قصة اسماعيل وابراهيم صريح، ولم يزل هذا اللفظ من الالفاظ التى يطلق بها في الجاهلية والاسلام، ولم يغيره النبي ﷺ بل أقرهم عليه.
وقد أوقع أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الطلاق وهم القدوة بأنت حرام وأمرك بيدك واختارى ووهبتك لاهلك وأنت خلية، وقد خلوت منى وأنت بريئة وقد أبرأتك وأنت مبرأة وحبلك على غاربك وأنت
الخروج، فقال على وابن عمر ﵄.
الخلية ثلاث.
وقال عمر ﵁: واحدة وهو أحق بها.
وفرق معاوية ﵁ بين رجل وامرأته قال لها: ان خرجت فأنت خلية، وقال على وابن عمر وزيد في البرية أنها ثلاث.
وقال عمر هي واحدة وهو أحق بها.
وقال على في الخروج هي ثلاث.
وقال عمر واحدة قال: والله تعالى ذكر الطلاق ولم يعين له لفظا، فعلم أنه رد الناس إلى ما يتعارفونه طلاقا، فأى لفظ جرى عرفهم به وقع به الطلاق مع النية، والالفاظ التى لا تراد لعينها بل للدلالة على مقاصد لافظها، فإذا تكلم بلفظ دال على معنى وقصد به ذلك المعنى ترتب عليه حكمه، ولهذا يقع الطلاق من العجمي والتركى والهندي بألسنتهم، بل لو طلق أحدهم بصريح الطلاق بالعربية ولم يفهم معناه لم يقع به شئ قطعا.
فإنه تكلم بما لا يفهم معناه ولا قصده، وقد دل حديث كعب بن مالك على أن الطلاق لا يقع بهذا اللفظ وأمثاله إلا بالنية.
[ ١٧ / ١٠٦ ]
والصواب أن ذلك جار في سائر الالفاظ صريحها وكنايتها.
ولا فرق بين ألفاظ العتق والطلاق، فلو قال غلامي غلام حر لا يأتي الفواحش، أو أمتى حرة لا تبغى الفجور ولم يخطر بباله العتق ولا نواه لم يعتق بذلك قطعا، وكذلك لو كان معه امرأته في طريق فقيل له أين امرأتك؟ فقال فارقتها أو سرح شعرها وقال سرحتها ولم يردها طلاقها لم تطلق.
وكذا إذا ضربها الطلق وقال لغيره اخبارا عنها بذلك انها طالق لم تطلق بذلك.
وكذلك إذا كانت المرأة في وثاق فأطلقت منه فقال لها: أنت طالق وأراد من الوثاق.
هذا كله مذهب مالك وأحمد في بعض هذه الصور وبعضها نظير ما نص عليه ولا يقع به الطلاق حتى ينويه ويأتى بلفظ دال عليه، فلو تفرد احد الامرين عن
الآخر لم يقع الطلاق ولا العتاق، وتقسيم الالفاظ إلى صريح وكناية، وان كان تقسيما صحيحا في أصل الوضع، لكن يختلف باختلاف الاشخاص والازمنة والامكنة فليس حكما ثابتا للفظ لذاته، قرب لفظ صريح عند قوم كنايه عند آخرين أو صريح في زمان أو مكان كناية في غير ذلك الزمان والمكان، والواقع شاهد بذلك، فهذا لفظ السراح لا يكاد أحد يستعمله في الطلاق لا صريحا ولا كناية فلا يسوغ أن يقال: إن من تكلم به لزمه طلاق امرأته نواه أو لم ينوه ويدعى أنه ثبت له عرف الشرع والاستعمال، فإن هذه دعوة باطلة شرعا واستعمالا.
أما الاستعمال فلا يكاد أحد يطلق به البتة.
وأما الشرع فقد استعمله في غير الطلاق كقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا) فهذا السراح غير الطلاق قطعا.
وكذلك الفراق استعمله الشرع في غير الطلاق كقوله تعالى (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن - إلى قوله - فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف " فالامساك هنا الرجعة والمفارقة ترك الرجعة لا انشاء طلقه ثانيه.
هذا مما لا خلاف فيه البتة: فلا يجوز أن يقال: ان من تكلم به طلقت زوجته، فهم معناه أو لم يفهم، وكلاهما في البطلان سواء وقال في البيان: ان قال له رجل: أخليت امرأتك أو أبنتها؟ وما أشبه ذلك
[ ١٧ / ١٠٧ ]
من الكنايات فقال الزوج نعم، فإن اعترف الزوج أنه نوى الطلاق بذلك كان إقرارا منه بالطلاق، وإن لم يعترف أنه نوى بذلك الطلاق لم يلزمه شئ اه (فرع)
وإذا خاطبها بشئ من الكنايات التى يقع بها الطلاق بأن قال: أنت خلية، فإن لم ينو الطلاق في اللفظ وإنما نواه قبله أو بعده لم يكن لهذه النية حكم
لانها لم تقارن اللفظ ولا بعضه، فهو كما لو نوى الطلاق من غير لفظ، وإن نوى الطلاق في بعض اللفظ بأن نوى الطلاق في قوله: أنت - وعريت نيته في قوله خلية، أو نوى الطلاق في قوله خلية دون قوله أنت، أو نوى في سائر حروف ذلك، ففيه وجهان
(أحدهما)
يقع الطلاق - قال الشيخ أبو حامد وهو المذهب، لان النية إذا قارنت بعض الشئ عمته أو استصحب حكمها إلى آخره وإن عريت في أثنائه صح كالعبادات من الطهارة والصلاة إذا قارنها النية في أولها، ذكرا واستصحب حكمها في باقيها.
(والثانى)
لا يطلق.
قال الشيخ ابو اسحاق: وهو ظاهر النص، لان النية قارنت لفظا لا يصلح للطلاق.
وأما الالفاظ التى لا تدل على الفراق إذا خاطبها به، كقوله بارك الله منك وما أحسن وجهك وأطعميني واسقيني.
قومي واقعدى وما أشبه ذلك فلا يقع به الطلاق وإن نواه، لانها لا تصلح للفرقه، فلو أوقعنا الطلاق بذلك لاوقعنا الطلاق بمجرد النية، والطلاق لا يقع بالنية من غير لفظ، واختلف أصحابنا هل للفارسية صريح في الطلاق؟ فذهب أكثرهم إلى أن له صريحا في لغتهم كما نقول في لغة العرب.
وقال أبو سعيد الاصطخرى: لا صريح له في لغتهم ومثل هذا يقال في اللغة الانجليزية كقوله " توبى دايفور سد " فإنها تحتمل الطلاق فإذا نواه من لا يتكلم إلا بالانجليزية أو يتكلم بغيرها مخاطبا زوجته التى لا تفهم إلا الانجليزية وقع الطلاق ومثل هذا يقال في اللغة الفرنسية إذا قال من لا يتكلم الا بها " رنفوييه " أو يتكلم بغيرها لمن لا تحسن التخاطب الا بها فإنه يقع طلاقه إذا نواه.
والله أعلم
[ ١٧ / ١٠٨ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
إذا قال لامرأته اختاري أو أمرك بيدك، فقالت اخترت لم يقع الطلاق حتى ينويا لانه كناية لانها تحتمل الطلاق وغيره فلم يقع به الطلاق حتى يتفقا على نية الطلاق.
وان قال اختاري ونوى اختيار الطلاق، أو قال أمرك بيدك ونوى تمليك أمر الطلاق فقالت اخترت الزوج لم يقع الطلاق، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ " خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه " فلم تجعل ذلك طلاقا، ولان اختيار الزوج اختيار النكاح لا يحتمل غيره فلم يقع به الطلاق، فإن قالت اخترت نفسي لم يقع الطلاق حتى تنوى الطلاق لانه يحتمل أن يكون معناه اخترت نفسي للنكاح ويحتمل اخترت نفسي للطلاق، ولهذا لو صرحت به جاز فلم يقع به الطلاق من غير نية.
وان قالت: اخترت الازواج ونوت الطلاق فَفِيهِ وَجْهَانِ:
(أَحَدُهُمَا)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ انه لا يقع لان الزوج من الازواج.
(والثانى)
يقع وهو الاظهر عندي لانها لا تحل للازواج الا بمفارقته، كما لو قال لها الزوج تزوجي ونوى به الطلاق وان قالت اخترت أبوى ونوت الطلاق ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يقع الطلاق، لان اختيار الابوين لا يقتضى فراغ الزوج
(والثانى)
أنه يقع لانه يتضمن العود اليهما بالطلاق، فصار كقوله الحقى بأهلك.
وان قال لها امرك بيدك ونوى به ايقاع الطلاق ففيه وجهان (احدهما) لا يقع الطلاق لانه صريح في تمليك الطلاق وتعليقه على قبولها فلم يجز صرفه إلى الايقاع
(والثانى)
أنه يقع لان اللفظ يحتمل الايقاع فهو كقوله حبلك على غاربك.
(الشرح) حديث عائشة رواه الستة وأحمد.
وقد مضى تخريجه وألفاظه.
أما الاحكام فإنه يجوز للزوج أن يخير زوجته فيقول لها اختاري أو أمرك بيدك لقوله تعالى " يا أيها النبي قل لازواجك ان كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا " الآية فخير النبي ﷺ نساءه فاخترنه
[ ١٧ / ١٠٩ ]
إذا ثبت هذا فقال لزوجته اختاري، واختارت زوجها لم يقع عليها الطلاق.
وبه قال ابن عمر وابن عباس وابن مسعود وعائشة.
وبه قال أكثر الفقهاء.
وروى عن على بن أبى طالب وزيد بن ثابت روايتان إحداهما كقولنا، والثانية أنها إذا اختارت زوجها وقع عليها طلقة واحدة رجعية، وبه قال الحسن البصري وربيعة، دليلنا ما روى أن رجلا سأل عائشة عن رجل خير زوجته فاختارته أكان ذلك طلاقا؟ فقالت " خير رسول الله ﷺ نساءه فاخترنه، ولم يجعل ذلك طلاقا " وهى أعلم الناس بهذه القصة، لان النبي ﷺ بدأ بها.
وإن اختارت نفسها فهو كناية في الطلاق، فإن نويا الطلاق وقع الطلاق وإن نوى أحدهما دون الاخر لم يقع الطلاق، لان الزوج إذا لم ينو لم يقع الطلاق لانه لم يجعل إليها الطلاق.
وإن نوى الزوج ولم تنو الزوجة لم يقع، لانها لم توقع الطلاق.
هذا مذهبنا وقال مالك هو صريح، فإذا اختارت الطلاق وقع سواء نويا أو لم ينويا.
وقال أبو حنيفة لا يفتقر إلى نية الزوجة.
دليلنا أن قوله اختاري يحتمل الطلاق وغيره.
وكذلك قولها اخترت نفسي يحتمل الطلاق وغيره.
وما كان هذا سبيله فلابد فيه من النية كسائر الكنايات، وهل من شرط اختيارها لنفسها أن يكون على الفور بحيث يصلح أن يكون جوابا لكلامه؟ أو يجوز إذا وقع منها في المجلس قبل ان تخوض المرأة في حديث غيره، على وجهين مضى ذكرهما وإن قالت المرأة اخترت الازواج ونوت الطلاق ففيه وجهان: أحدهما لا يقع
الطلاق، لان زوجها من الازواج.
والثانى يقع عليها الطلاق.
قال الشيخ أبو إسحق الشيرازي: وهو الاظهر عندي، لانها لا تحل للازواج الا بعد مفارقتها لهذا.
وإن قالت اخترت أبوى ونوت الطلاق ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يقع الطلاق، لان ذلك لا يتضمن فراق الزوج
(والثانى)
يقع لانه يتضمن العود اليهما بالطلاق.
وإن قال لها أمرك بيدك ونوى به إيقاع الطلاق قال أصحابنا فيه وجهان
(أحدهما)
يقع الطلاق قبل أن تختار، لانه يحتمل الطلاق فكان كقوله: حبلك على غاربك.
[ ١٧ / ١١٠ ]
(والثانى)
لا يقع عليها الطلاق لانه صريح في تملكها الطلاق.
ووقوعه لقبولها، فلا يجوز صرفه إلى الايقاع
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
إذا قال لامرأته: أنت على حرام ونوى به الطلاق فهو طلاق.
لانه يحتمل التحريم بالطلاق، وإن نوى به الظهار فهو ظاهر، لانه يحتمل التحريم بالظهار ولا يكون ظهارا ولا طلاقا من غير نية لانه ليس بصريح في واحد منهما.
وإن نوى تحريم عينها لم تحرم: لما روى سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس ﵁ فقال: إنى جعلت امرأتي على حراما.
قال كذبت ليست عليك بحرام، ثم تلا " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك والله غفور رحيم، قد فرض الله لكن تحلة أيمانكم " إلى آخر الاية.
ويجب عليه بذلك كفارة يمين، لان النبي ﷺ حرم مارية القبطية أم إبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ الله عزوجل: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك والله غفور رحيم.
قد
فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم " فوجبت الكفارة في الامة بالاية.
وقسنا الحرة عليها لانها في معناها في تحليل البضع وتحريمه.
وإن قال أنت على حرام ولم ينو شيئا ففيه قولان.
(أحدهما)
يجب عليه الكفارة، فعلى هذا يكون هذا اللفظ صريحا في إيجاب الكفارة، لان كل كفارة وجبت بالكنايه مع النية كان لوجوبها صريح ككفارة الظهار
(والثانى)
لا يجب، فعلى هذا لا يكون هذا اللفظ صريحا في شئ، لان ما كان كنايه في جنس لا يكون صريحا في ذلك الجنس، ككنايات الطلاق.
وان قال لامته: أنت على حرام، فإن نوى به العتق كان عتقا، لانه يحتمل أنه أراد تحريمها بالعتق، وإن نوى الظهار لم يكن ظهارا لان الظهار لا يصح من الامة، وان نوى تحريم عينها لم تحرم ووجب عليه كفارة يمين لما ذكرناه، وان لم يكن له نية ففيه طريقان، من أصحابنا من قال يجب عليه الكفارة قولا واحدا لعموم الاية.
ومنهم من قال: فيه قولان كالقولين في الزوجة لما ذكرناه،
[ ١٧ / ١١١ ]
وإن كان له نسوة أو إماء فقال: أنتن على حرام ففى الكفارة قولان
(أحدهما)
يجب لكل واحدة كفارة
(والثانى)
يجب كفارة واحدة كالقولين فيمن ظاهر من نسوة وإن قال لامرأته أنت على كالميتة والدم، فإن نوى به الطلاق فهو طلاق، وإن نوى به الظهار فهو ظهار، وإن نوى به تحريمها لم تحرم، وعليه كفارة يمين لما ذكرناه في لفظ التحريم.
وإن لم ينو شيئا فإن قلنا إن لفظ التحريم صريح في إيجاب الكفارة لزمته الكفارة، لان ذلك كناية عنه.
وإن قلنا إنه كناية لم يلزمه شئ، لان الكناية لا يكون لها كنايه.
(الشرح) خبر سعيد بن جبير ثبت في صحيح البخاري أنه سمع ابن عباس يقول: إذا حرم امرأته فليس بشئ، لكم في رسول الله أسوة حسنة.
قد
روى هذا عن عمر ﵁ قال عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبى كثير وأيوب السختيانى كلاهما عن عكرمة عن عمر قال: هي يمين، يعنى التحريم.
وروى اسماعيل بن اسحاق حدثنا المقدمى حدثنا حماد بن زيد عن صخر بن جويريه عن نافع عن ابن عمر قال: الحرام يمين.
أما قوله تعالى " يا أيها النبي لم تحرم " الاية، فقد ثبت فِي الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّهُ ﷺ شرب عسلا في بيت ميمونة، فاحتالت عليه عائشة وحفصة حتى قال: لن أعود له - وفى لفظ - وقد حلفت " وفى سنن النسائي عَنْ أَنَسٍ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة ﵂ وحفصة حتى حرمها، فأنزل الله تعالى: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك " وفى جامع الترمذي عن عائشة ﵂ قالت " إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من نسائه وحرم فجعل الحرام حلالا وجعل في اليمين كفارة.
قال الترمذي: هكذا رواه مسلم بن علقمة عن داود عن الشعبى عن مسروق عن عائشة، ورواه على بن مسهر وغيره عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا وهو أصح.
اه وقولها " جعل الحرام حلالا " أي على الذى حرمه وهو العسل أو الجارية
[ ١٧ / ١١٢ ]
حلالا بعد تحريمه إياه.
قال الواحدى: قال المفسرون: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بيت حفصه فزارت أباها فلما رجعت أبصرت مارية في بيتها مع النبي ﷺ فلم تدخل حتى خرجت مارية ثم دخلت.
فلما رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي وجه حفصة الغيرة والكآبة قال لها: لا تخبرى عائشة ولك على أن لا أقربها أبدا، فأخبرت حفصة عائشة - وكانتا متصافيتين - فغضبت عائشة، ولم تزل
بالنبي ﷺ حتى حلف أن لا يقرب مارية، فأنزل الله هذه السورة (التحريم) وقال القرطبى: أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في حفصة (وذكر القصة) وقال العلامة صديق خان في نيل المرام: والجمع ممكن بوقوع القصتين.
قصة العسل وقصة مارية وأن القرآن نزل فيهما جميعا وقال الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب عن عبد الله بن هبيرة عن قبيصة ابن ذؤيب قال: سألت زيد بن ثابت وابن عمر ﵃ عمن قال لامرأته أنت على حرام فقال جميعا كفارة يمين.
وقال عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ان أبى نجيح عن مجاهد عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ في التحريم.
هي يمين يكفرها.
قال أبو محمد بن حزم: وروى ذلك عن أبى بكر الصديق وعائشة أم المؤمنين ﵄.
أما اللغات فقوله " مرضاة " اسم مصدر وهو الرضا.
قوله " تحلة " هي تحللة تفعلة من الحلال فأدغمت أي يحل بها ما كان حراما.
أما الاحكام: فإذا قال لزوجته أنت حرام على - فإن نوى به الطلاق كان طلاقا، وان نوى به الظهار - وهو أن ينوى أنها محرمة كحرمة ظهر أمه كان مظاهرا، وإن نوى تحريم عينها أو تحريم وطئها أو فرجها بلا طلاق وجب كفارة يمين وإن لم يكن يمينا وإن لم ينو شيئا ففيه قولان
(أحدهما)
يجب عليه كفارة يمين فيكون هذا صريحا في إيجاب الكفارة
(والثانى)
لا يجب عليه شئ فيكون هذا كناية في إيجاب الكفارة ويأتى توجيههما
[ ١٧ / ١١٣ ]
وأما إذا قال لامته: أنت حرام على - فإن نوى عتقها عتقت، وان نوى
الظهار أو أراد به الطلاق أو كليهما فقد قال عامة أصحابنا: لا يلزمه شئ، لان الطلاق والظهار لا يصحان من السيد في أمته.
وقال ابن الصباغ: عندي أنه إذا نوى الظهار لا يكون ظهارا أو يكون بمنزلة ما لو نوى تحريمها، لان معنى الظهار أن ينوى أنها عليه كظهر أمه في التحريم، وهذه نية التحريم المتأكد، وان نوى تحريم عينها وجب عليه كفارة اليمين.
وان طلق ولم ينو شيئا فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال فيه قولان كالزوجه، ومنهم من قال تجب الكفارة قولا واحدا، لان النص ورود فيها والزوجه مقيسه عليها، فهذا جملة المذهب وقد اختلف الصحابة فيمن قال لزوجته: أنت على حرام، واختلف فقهاء الامصار في هذ المسألة حتى ذهبوا فيها عشرين مذهبا.
فذهب أبو بكر الصديق ﵁ وعائشة إلى أن ذلك يمين تكفر.
وبه قال الاوزاعي.
وقال عمر ابن الخطاب طلقه رجعيه وبه قال الزهري.
وقال عثمان هو ظهار، وبه قال أحمد وقال هو ظهار بإطلاقه نواه أو لم ينوه إن لم يصرفه بالنية إلى الطلاق أو اليمين فينصرف إلى ما نواه.
هذا ظاهر مذهب أحمد وعنه روايه ثانيه أنه بإطلاقه يمين الا أن يصرفه بالنيه إلى الظهار أو الطلاق فينصرف إلى ما نواه.
وعنه رواية ثالثه أنه ظهار بكل حال.
ولو نوى غيره، وفيه رواية رابعه حكاها أبو الحسين في فروعه أنه طلاق بائن، ولو وصله بقوله أعنى به فعنه فيه روايتان: أحداهما أنه طلاق فعلى هذا هل تلزمه الثلاث أو واحدة على روايتين، والثانيه أنه ظهار أيضا، كما لو قال أنت على كظهر أمي، أعنى به الطلاق.
هذا ملخص مذهبه كما أفاده ابن القيم في الهدى.
وقال على بن أبى طالب وزيد بن ثابت وابو هريرة: يقع به الطلاق الثلاث.
ذكر هذا العمرانى في البيان، ونعى ابن القيم على ابن حزم عزوه هذا
القول إلى على وزيد بن ثابت وابن عمر فقال: الثابت ما رواه هو من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب عن ابى هبيرة عن قبيصه انه سأل زيد بن ثابت وابن عمر عمن قال لامرأته: أنت على حرام، فقالا جميعا كفارة يمين،
[ ١٧ / ١١٤ ]
ولم يصح عنهما خلاف ذلك.
وأما على كرم الله وجهه فقد روى أبو محمد من طريق يحيى القطان حدثنا اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى قال: يقول رجال في الحرام: هي حرام حتى تنكح زوجا غيره ولا والله ما قال ذلك على كرم الله وجهه وإنما قال على: ما أنا بمحلها ولا بمحرمها عليك، إن شئت فتقدم وإن شئت فأخر.
وأما الحسن ﵁ فقد روى أبو محمد بن حزم من طريق قتادة عنه أنه قال: كل حلال على حرام فهو يمين، ولعل أبا محمد غلط على على وزيد وابن عمر من مسألة الخلية والبرية والبتة: فإن أحمد حكى عنهم أنها ثلاث وقال هو عن على وابن عمر صحيح، فوهم أبو محمد وحكاه في أنت على حرام وهو وهم ظاهر، فإنهم فرقوا بين التحريم فأفتوا فيه بأنه يمين، وبين الخلية فأفتوا فيها بثلاث، ولا أعلم أحدا قال: إنه ثلاث بكل حال اه قلت: والحرام طلاق ثلاث هو المعروف من مذهب مالك وابن أبى ليلى في المدخول بها.
أما غير المدخول بها فإنه يقع ما نواه من واحدة واثنين وثلاث فإن أطلق فواحدة.
وإن قال لم أرد طلاقا، فإن كان تقدم كلام يجوز صرفه إليه قبل منه وإن كان ابتداء لم يقبل.
وعند ابن عباس في إحدى الروايتين هو كفارة يمين.
وهو قولنا.
واختلف الناس بعد الصحابة في هذه الكلمة، فقال أبو سلمة بن عبد الرحمن ومسروق: لا يجب فيها شئ.
وقال حماد بن أبى سليمان: هو طلقة بائنة.
وقال أبو حنيفة: إن نوى الطلاق
كان طلاقا، وإن نوى الظهار كان ظهارا.
وان نوى طلقة كانت بائنة وإن نوى اثنتين كانت واحدة.
وان نوى الثلاث وقع الثلاث، وإن لم ينو شيئا كان مؤليا فإن فاء في المدة كفر، وان لم يفئ حتى انقضت المدة بانت منه.
وقال سفيان الثوري: ان نوى به واحدة فهى واحدة وان نوى ثلاث فهى ثلاث وان نوى يمينا فهى يمين، وان لم ينو شيئا فهى كذبة دليلنا ما روى ابن عباس في صحيح مسلم: إذا حرم الرجل إمرأته فهى يمين يكفرها وتلا قوله " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حسنة " ولان اللفظ يحتمل
[ ١٧ / ١١٥ ]
الانشاء والاخبار، فإن أراد الاخبار فقد استعمله فيما هو صالح له فيقبل منه، وان أراد الانشاء سئل عن السبب الذى حرمها به.
فإن قال: أردت واحدة أو اثنتين أو ثلاثا قبل منه لصلاحية اللفظ له واقترانه بنيته، وان نوى الظهار كان كذلك لانه صرح بموجب الظهار لان قوله أنت على كظهر أمي موجبه التحريم، فإذا نوى ذلك بلفظ التحريم كان ظهارا واحتماله للطلاق بالنية لا يزيد على احتماله للظهار بها، وإن أراد تحريمها مطلقا فهو يمين مكفرة لانه امتناع منها بالتحريم فهو كامتناعه منها باليمين.
وروينا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتى منزل حفصة فلم يجدها وكانت عند أبيها، فاستدعى جاريته مارية القبطية، فأتت حفصة فقالت: يا رسول الله في بيتى وفى نومى وعلى فراشي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أرضيك وأسر اليك سرا فاكميه، هي على حرام، فأنزل الله تعالى " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك؟ تبتغى مرضاة أزواجك؟ الآية " فقال: لم تحرم؟ ولم يقل: لم تحلف؟ أو لم تطلق، أو لم تظاهر، ولم تولى، فإذا ثبت هذا في الامة قسنا الزوجة عليها لانها في معناها في تحليل البضع وتحريمه.
وروى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حرم على نفسه جاريته مارية، فأنزل الله تعالى " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك " الآية، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ حرم على نفسه حلالا له أن يعتق رقبة أو يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم.
فإذا قلنا: ان لفظة الحرام صريح في ايجاب الكفارة فوجهه حديث ابن عباس ولان كل كفارة وجبت بالكناية مع النية وجب أن يكون لوجوب تلك الكفارة صريح كالظهار، وبيان هذا أنه إذا قال لامرأته: أنت على حرام ونوى به الظهار وجب عليه كفارة الظهار وكان كناية عن الظهار، ثم كان للظهار صريح وهو قوله أنت على كظهر أمي، كذلك كفارة التحريم لما وجب بالكفارة مع النية، وهو قوله: أنت على حرام كالميتة والدم ونوى به تحريم عينها وجب أن يكون لهذه الكفارة صريح، وهو قوله: أنت على حرام كالميتة وإذا قلنا إن التحريم كناية لا يجب به شئ من غير نية فوجهه أن كل ما كان
[ ١٧ / ١١٦ ]
كناية في جنس لم يكن صريحا في ذلك الجنس، كقوله: أنت خلية (فرع)
إذا قال لامرأته: أنت كالميته والدم - فإن نوى به الطلاق - كان طلاقا، وان نوى به الظهار كان ظهارا لانه يصلح لها، وان لم ينو شيئا لم يكن عليه شئ لانها كناية تعرت عن النية فلم تعمل في التحريم وإن قال نويت بها أنت على حرام - فإن قلنا إن قوله أنت على حرام صريح في إيجاب الكفارة وجب عليه الكفارة، لان الصريح له كناية، وان قلنا ان التحريم كناية في إيجاب الكفارة لم يجب عليه ههنا كفارة، لان الكناية لا تكون لها كناية.
هكذا ذكر الشيخ أبو حامد وذكر الشيخ أبو إسحاق والمحاملى أنه إذا نوى بذلك تحريم عينها لزمته الكفارة
(فرع)
قال الشافعي ﵁: وإن نوى إصابته قلنا له: أصبت وكفر وجملة ذلك أنه إذا قال لامرأته: إصابتك على حرام أو فرجك على حرام، أو قال أنت على حرام ثم قال نويت به إصابتك فيجب عليه الكفارة لان موضع الاصابة هو الفرج إلا أن ينوى به الطلاق أو الظهار فيقع ما نواه وقول الشافعي: أصبت وكفر، أراد أن يبين أن له أن يطأها قبل أن يكفر بخلاف المظاهرة.
وإن قال لها أنت على حرام ثم قال نويت ان أصبتها فهى حرام، لم يقبل قوله في الحكم لانه يدعى خلاف الظاهر، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، لانه يحتمل ما يدعيه، (فرع)
إذا قال الرجل كل ما أملك على حرام - فإن كان له مال ولا زوجات له ولا إماء لم ينعقد بهذا اللفظ يمين ولا يجب عليه شئ.
وقال أبو حنيفة يكون معناه والله لا انتفعت بمالى، فإن انتفع به حنث ووجب عليه كفارة يمين دليلنا أن التحريم ليس بيمين فلم يجب به كفارة في الاموال كغيره من الالفاظ، ويخالف الابضاع، فإن للتحريم تأثيرا في الابضاع بالرضاع والظهار والعتق والطلاق فأثره التحريم وأما إذ كان له زوجات وإماء، فإن نوى طلاق نسائه وعتق إمائه أو
[ ١٧ / ١١٧ ]
الظهار في النساء والعتق في الاماء حمل على ما نوى، وإن نوى تحريم أعيانهن وجب عليه الكفارة وإن أطلق.
فإن قلنا إنه صريح في إيجاب الكفارة وجب عليه الكفارة، وإن قلنا إنه كناية في إيجاب الكفارة لم تجب عليه الكفارة إذا ثبت هذا فإن كان له زوجة واحدة أو أمة واحدة ونوى تحريم عينها،
أو قلنا إنه صريح في إيجاب الكفارة وجب عليه كفارة واحدة، وإن كان له زوجات وإماء ونوى الظهار عن زوجاته، فهل يجب عليه كفارة أو كفارتان؟ فيه قولان يأتي توجيهما في الظهار.
وإن نوى تحريم أعيانهن فمن أصحابنا من قال فيه قولان كالظهار.
ومنهم من قال: يجب عليه كفارة واحدة قولا واحدا، كما لو قال لاربع نسوة والله لا أصبتكن فأصابهن، فإنه لا يجب عليه إلا كفارة واحدة.
هذا نقل البغداديين وقال المسعودي: إذا قال الرجل: حلال الله على حرام فقد قال المتقدمون من أصحابنا: ذلك كناية.
وقال المتأخرون منهم: انه صريح لانه اكثر استعمالهم لذلك، وكان القفال إذا استفتاه واحد عن هذا قال له: ان سمعت هذا من غيرك قاله لامرأته ماذا كنت تفهم منه؟ فإن قال: فهمت منه الصريح، قال هو صريح لك.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
إذا كتب طلاق امرأته بلفظ صريح ولم ينو لم يقع الطلاق، لان الكتابة تحتمل ايقاع الطلاق وتحتمل امتحان الخط، فلم يقع الطلاق بمجردها، وان نوى بها الطلاق ففيه قولان، قال في الاملاء: لا يقع به الطلاق لانه فعل ممن يقدر على القول فلم يقع به الطلاق كالاشارة وقال في الام هو طلاق وهو الصحيح، لانها حروف يفهم منها الطلاق فجاز أن يقع بها الطلاق كالنطق.
فإذا قلنا بهذا فهل يقع بها الطلاق من الحاضر والغائب فيه وجهان
(أحدهما)
أنه لا يقع بها الا في حق الغائب لانه جعل في العرف لافهام الغائب كما جعلت الاشارة لافهام الاخرس، ثم لا يقع الطلاق بالاشارة الا في
[ ١٧ / ١١٨ ]
حق الاخرس، وكذلك لا يقع الطلاق بالكتابة الا في حق الغائب
(والثانى)
أنه
يقع بها من الجميع، لانها كناية فاستوى فيها الحاضر والغائب كسائر الكنايات.
(فصل)
فإن أشار إلى الطلاق - فان كان لا يقدر على الكلام كالاخرس صح طلاقه بالاشارة، وتكون اشارته صريحا لانه لا طريق له إلى الطلاق الا بالاشارة، وحاجته إلى الطلاق كحاجة غيره، فقامت الاشارة مقام العبارة، وان كان قادرا على الكلام لم يصح طلاقه بالاشارة، لان الاشارة إلى الطلاق ليست بطلاق، وإنما قامت مقام العبارة في حق الاخرس لموضع الضرورة، ولا ضرورة ههنا فلم تقم مقام العبارة (الشرح) الاحكام: إذا كتب طلاق امرأته وتلفظ به وقع الطلاق، لانه لو تلفظ به ولم يكتبه وقع الطلاق، فكذلك إذا كتبه ولفظ به، وان كتب طلاقها ولم يلفظ به ولا نواه لم يقع الطلاق، وبه قال مالك وأبو حنيفة.
وقال أحمد: يقع به الطلاق، وحكاه أبو على الشيخى وجها لبعض أصحابنا وليس بمشهور، لان الكتابة قد يقصد بها الحكاية، وقد يقصد بها تجويد الخط فلم يقع به الطلاق وبه قال أبو حنيفة وأحمد وهو الصحيح، فوجهه أن الانسان يعبر عما في نفسه بكتابته كما يعبر عنه بلسانه، ولهذا قيل: القلم أحد اللسانين، وقد ثبت أنه لو عبر عن الطلاق باللسان لوقع فكذلك إذا عبر عنه بالكتابة وإذا قلنا: لا يقع به الطلاق فوجهه أنه فعل من يقدر على القول فلم يقع به الطلاق كالاشارة، وفيه احتراز من اشارة الاخرس إذا ثبت هذا - فان قلنا لا يقع به الطلاق - فلا تفريع عليه، وان قلنا يقع به الطلاق - فان كانت غائبة عنه وكتب بطلاقها - وقع، وان كانت حاضرة معه فهل يقع طلاقها بكتابته؟ فيه وجهان
(أحدهما)
لا يقع لان الكتابة انما جعلت كالعبارة في حق الغائب دون الحاضر، كالاشارة في حق الاخرس دون الناطق
(والثانى)
يقع لانه كناية في
الطلاق فصحت من الغائب والحاضر كسائر الكنايات (فرع)
إذا كتب امرأته طالق ونواه وقع عليها سواء وصلها أو لم يصلها
[ ١٧ / ١١٩ ]
إياه، وإن كتب: إذا وصلك كتابي هذا سليما فأنت طالق.
ونواه - فإن وصلها سليما لوجود الصفة، وإن ضاع الكتاب ولم يصلها لم يقع الطلاق، لان الصفة لم توجد، وإن أتاها الكتاب - وقد تحرقت الحواشى - وقع عليها الطلاق لان الحرق لم يتناول الكتابة.
وإن وصلها الكتاب وقد انمحى جميع الكتاب حتى صار القرطاس أبيض أو انطمس حتى لا يفهم منه شئ لم يقع الطلاق، لان الكتاب هو المكتوب: وإن انمحى موضع الطلاق لم تطلق لان المقصود لم يأتها، وإن انمحى جميعه إلا موضع الطلاق - اختلف أصحابنا - فقال أبو إسحاق المروزى: يقع الطلاق لان المقصود من الكتاب موضع الطلاق.
وقد أتاها.
ومنهم من قال لا يقع لان قوله كتابي هذا.
يقتضى جميعه ولم يوجد ذلك، وإن قال إذا أتاك كتابي فأنت طالق، وأتاها الكتاب، وقع عليها الطلاق لوجود الصفتين (فرع)
قال المسعودي: إذا قال: إذا قرأت كتابي فأنت طالق، فلا تطلق ما لم تقرأه بنفسها ان كانت تحسن القراءة أو يقرأ عليها ان كانت أمية.
وحكى الصيمري وجها آخر: إذا قرئ عليها لم تطلق، لان حقيقة الوصف لم توجد (فرع)
قال الشافعي ﵁ " وإذا شهد عليه أنه خطه لم يلزمه حتى يقربه " وهذا كما قال، فإنه إذا شهد رجلان على رجل بأن هذا الكتاب خطه بطلاق امرأته فلا يجوز لهما أن يشهدا الا إذا رأياه يكتبه ولم يغب الكتاب عن أعينهما فأما إذا رأياه يكتبه ثم غاب الكتاب عن أعينهما لم يجز لهما أن يشهدا به، لان الخط قد يزور على الخط.
وإذا ثبت أنه خطه بالشهادة أو بالاقرار لم يحكم عليه
الطلاق الا إذا أقر أنه نوى الطلاق، لان ذلك لا يعلم الا من جهته، وهذا بامراد الشافعي بقوله: حتى يقر به (مسألة) قوله: فان أشار إلى الطلاق الخ، وهذا كما قال، فإن أشار الناطق إلى الطلاق ونواه لم يقع الطلاق به، لان ذلك ليس بصريح ولا كناية.
هذا هو المشهور.
وقال أبو على في الافصاح: إذا قلنا ان الكتابة كناية ففى الاشارة وجهان
(أحدهما)
أنه كناية لانه علم يعلم به المراد فهو كالكناية
(والثانى)
أنه ليس بكناية لانه ليس من الاعلام الجارية فيما بينهم في فهم المراد.
[ ١٧ / ١٢٠ ]
وان أشار الاخرس إلى الطلاق وكانت اشارته مفهومة حكم عليه بالطلاق لان اشارته كعبارة غيره، وان كتب الاخرس بطلاق امرأته وأشار إلى أنه نواه، فإن قلنا لا يقع الطلاق بالكتابة في الناطق لم يقع به من الاخرس، وان قلنا ان الطلاق يقع من الناطق بالكتابة وقع أيضا من الاخرس.
والله ﷾ أعلم بالصواب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: