إذا تزوج امرأة وهو ممن يولد لمثله، وأمكن اجتماعهما على الوطئ، وأتت بولد لمدة يمكن أن يكون الحمل فيها لحقه في الظاهر لقوله ﷺ " الولد للفراش " ولان مع وجود هذه الشروط يمكن أن يكون الولد منه، وليس ههنا ما يعارضه ولا ما يسقطه، فوجب أن يلحق به
(فصل)
وإن كان الزوج صغيرا لا يولد لمثله لم يلحقه، لانه لا يمكن أن يكون منه وينتفى عنه من غير لعان، لان اللعان يمين واليمين جعلت لتحقيق ما يجوز أن يكون، ويجوز أن لا يكون فيتحقق باليمين أحد الجائزين، وههنا لا يجوز أن يكون الولد له فلا يحتاج في نفيه إلى اللعان.
واختلف أصحابنا في السن التى يجوز أن يولد له، فمنهم من قال يجوز أن يولد له بعد عشر سنين، ولا يجوز أن يولد له قبل ذلك، وهو ظاهر النص.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ " مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ في المضاجع " ومنهم من قال يجوز أن يولد له بعد تسع سنين ولا يجوز أن يولد له قبله،
لان المرأة تحيض لتسع سنين فجاز أن يحتلم الغلام لتسع، وما قاله الشافعي ﵀ أراد على سبيل التقريب لانه لابد أن يمضى بعد التسع إمكان الوطئ وأقل مدة الحمل وهو ستة أشهر، وذلك قريب من العشرة وإن كان الزوج مجبوبا فقد روى المزني أن له أن يلاعن، وروى الربيع أنه ينتفى من غير لعان.
واختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق إن كان مقطوع الذكر والانثيين انتفى من غير لعان لانه يستحيل أن ينزل مع قطعهما، وإن قطع أحدهما لحقه، ولا ينتفى إلا بلعان، لانه إذا بقى الذكر أولج وأنزل، وإن بقى الانثيان ساحق وأنزل، وحمل الروايتين على هذين الحالين
[ ١٧ / ٣٩٩ ]
قال القاضى أبو حامد: في أصل الذكر ثقبان إحداهما للبول والاخرى للمنى فإذا انسدت ثقبة المنى انتفى الولد من غير لعان لانه يستحيل الانزال، وإن لم تنسد لم ينتف إلا باللعان، لانه يمكن الانزال.
وحمل الروايتين على هذين الحالين (الشرح) حديث " الولد للفراش " رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن إلا أبا داود، وقد عده السيوطي في الاحاديث المتواترة.
وقال الحافظ بن حجر: هذا الحديث رواه بضعة وعشرون نفسا (قلت) ورد هذا الحديث عن أبى هريرة وعائشة وعثمان وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وأبى أمامة وعمرو بن خارجة وابن الزبير وابن مسعود وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وقاص والبراء بْنِ عَازِبٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَعَبْدِ اللَّهِ بن عباس والحسن بن على ﵉ وعبادة بن الصامت وواثلة بن الاسقع ومعاوية بن عمرو وأنس وعبد الله بن حذافة السهمى وسودة بنت زمعة وأبى مسعود البدرى وزينب بنت جحش.
وعن التابعين مرسلا سعيد بن المسيب وعبيد بن عمر والحسن البصري.
وفى لفظ للبخاري " الولد لصاحب الفراش ".
أما حديث " مروهم بالصلاة " أخرجه
أبو داود والترمذي وغيرهما من حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ومن حديث سبرة بن معبد الجهنى.
قال الترمذي هو حديث حسن ولفظ رواية عمرو بن شعيب " مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ في المضاجع " أما اللغات، فقوله " ما يلحق من النسب " فهو من باب تعب ومصدره لحاق بالفتح أي أدرك وألحق مثله: وألحقت زيد بعمرو أتبعته إياه فلحق به وألحق أيضا.
وفى الدعاء " ان عذابك بالكفار ملحق " يجوز اسم فاعل بالكسر أي لاحق وبالفتح اسم مفعول لان الله ألحقه وألحق القائف الولد بأبيه واستلحقت الشئ ادعيته.
ولحقه الثمن لحوقا لزمه، فاللحوق اللزوم واختلف في معنى الفراش فذهب الاكثر إلى أنه اسم للمرأة، وقد يعبر به عن حالة الافتراش.
وقيل انه اسم للزوج.
روى ذلك عن أبى حنيفة.
وأنشد بن الاعرابي مستدلا على هذا المعنى قول جرير.
باتت تعانقه وبات فراشها
[ ١٧ / ٤٠٠ ]
وفى القاموس: إن الفراش زوجة الرجل.
قيل ومنه " وفرش مرفوعة " والجارية يفترشها الرجل.
اه والعاهر الزانى، يقال " عهر " أي زنى.
قيل ويختص ذلك بالليل.
قال في القاموس: عهر المرأة كمنع عهرا ويكسر ويحرك، وعهارة بالفتح وعهورة، وعاهرها عهارا أتاها ليلا للفجور أو نهارا.
اه ومعنى له الحجر أي الخيبة أو لا شئ له في الولد، والعرب تقول: له الحجر وبفيه الترب، يريدون ليس له إلا الخيبة، وقيل المراد بالحجر أنه يرجم بالحجارة إذا زنى، ولكنه يرد على هذا أنه لا يرجم كل من زنى بل المحصن فقط
أما الاحكام فإنه يمهد لذلك بأنه لا فرق أولا بين كون الزوجة مدخولا بها أو غير مدخول بها في أنه يلاعنها.
قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من علماء الامصار، منهم عطاء والحسن والشعبى والنخعي وعمرو بن دينار وقتادة وَمَالِكٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَهْل الْعِرَاقُ وَالشَّافِعِيُّ، فإن كانت غير مدخول بها فقد قال أحمد وسعيد بن جبير وقتادة ومالك: لها نصف الصداق، فإن كان أحد الزوجين غير مكلف فلا لعان بينهما على ما سيأتي بيانه، فإن كان غير المكلف الزوج فله حالان
(أحدهما)
أن يكون طفلا
(والثانى)
أن يكون بالغا زائل العقل، فإن كان طفلا - فإن أتت امرأته بولد نظرنا - فإن كان لدون عشر سنين، وهى السن التى يؤيدها ظاهر النص والحديث " اضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع " وإن ذهب بعض الاصحاب إلى ما دون ذلك، فإن كان لدون عشر سنين لم يلحقه الولد ويكون منفيا عنه، لان العلم يحيط به بأنه ليس منه، فإن الله ﷿ لم يجر العادة بأن يولد له لدون ذلك فينتفى عنه، كما لو أتت به المرأة لدون ستة أشهر منذ تزوجها كما سيأتي، ولان الولد لا يخلق الا من ماء الرجل والمرأة ولو أنزل لبلغ.
والصحيح أنه إذا تحقق إمكان الانزال فقد ثبت البلوغ وألحق به الولد.
وهذا ظاهر مذهب أحمد، لان الولد يلحق بالامكان، وإن خالف الظاهر.
فإذا ولدت ولدا يمكن كونه منه فهو ولده في الحكم، لقول النبي ﷺ
[ ١٧ / ٤٠١ ]
" الولد للفراش " ولا ينتفى عنه إلا بنفيه باللعان من الزوج وحده.
وقال أحمد أن يوجد اللعان منهما جميعا.
ولنا أن نفى الولد إنما كان بيمينه والتعانه هو لا بيمين المرأة على تكذيبه، ولا معنى ليمين المرأة في نفى النسب وهى تثبته وتكذب قول من ينفيه، وإنما لعانها لدرء الحد عنها، كما قال تعالى " ويدرأ عنها العذاب أن
تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين " وقال أحمد وأصحابه: لا يكون اللعان تاما إلا إذا التعنا جميعا، وأن تكمل ألفاظ اللعان منهما جميعا، وأن يبدأ بلعان الزوج قبل المرأة، فإن بدأ بلعان المرأة لم يعتد به، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ مالك وأصحاب الرأى ان فعل أخطأ السنة والفرقة جائزة وينتفى الولد عنه، لان الله تعالى عطف لعانها على لعانه بالواو وهى لا تقتضي ترتيبها، ولان اللعان قد وجد منهما جميعا فأشبه ما لو رتبت، وعندنا لا يتم اللعان إلا بالترتيب إلا أنه يكفى عندنا لعان الرجل وحده لنفى الولد، وذلك حاصل مع إخلاله بالترتيب وعدم كمال ألفاظ اللعان من المرأة.
ومن شروطه أن يذكر نفى الولد في اللعان.
وهذا هو ظاهر مذهب الحنابلة.
وقد خالف القاضى ابو بكر منهم فقال انه لا يحتاج إلى ذكر الولد ونفيه، وينتفى بزوال الفراش، ولان حديث سهل الذى وصف فيه اللعان لم يذكر فيه الولد وقال فيه ففرق الرسول ﷺ بينهما وقضى أن لا يدعى ولدها لاب ولا يرمى ولدها.
رواه أبو داود وغيره.
وفى حديث مسلم عن عبد الله أن رجلا لاعن امرأته عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ففرق النبي ﷺ بينهما وألحق الولد بأمه.
دليلنا أن من سقط حقه باللعان كان ذكره شرطا، ولان غاية ما في اللعان أن يثبت زناها وذلك لا يوجب نفى الولد، كما لو أقرت به أو قامت به بينة فأما حديث سهل بن سعد فقد روى فيه - وكانت حاملا فأنكر حملها - من رواية البخاري وروى ابن عمر أن رجلا لاعن امرأته فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وانتفى من ولدها ففرق رسول الله ﷺ بينهما وألحق الولد بالمرأة، والزيادة من الثقة مقبولة
[ ١٧ / ٤٠٢ ]
فعلى هذا لابد من ذكر الولد في كل لفظة ومع اللعن في الخامسة لانها من لفظات اللعان.
(مسألة) قال بعض أصحابنا يجوز أن يولد لهما لتسع سنين، ونصف السنة وهى مدة الحمل، لان الجارية قد تحيض لتسع فكذلك الغلام.
وقد عرفنا أن عمرو بن العاص كان بينه وبين إبنه عبد الله إثنا عشر عاما ولنا أن الزمن الذى يمكن البلوغ فيه والاحتلام منه يلحقه الولد فيه.
وأما قياس الغلام على الجارية فغير صحيح، لاننا نعلم أنه لا يمكنه الاستمتاع لتسع (فرع)
قال أصحابنا: إن ولدت امرأة مقطوع الذكر والانثيين لم يلحق نسبه به في قول عامة أهل العلم، لانه يستحيل منه الايلاج والانزال.
وإن قطعت أنثياه دون ذكره فكذلك لانه لا ينزل ما يخلق منه الولد.
وقال بعضهم يلحقه النسب لانه يتصور منه الايلاج وينزل ماء رقيقا أو منيا من ثقبة المنى.
وبهذا قال القاضى أبو حامد المروروذى من أصحابنا وقال أبو إسحاق إن هذا لا يخلق منه ولد عادة ولا وجد ذلك.
وبه قال أكثر أصحاب أحمد ﵁.
فأما ان قطع ذكره وحده فإنه يلحقه الولد لانه يمكن أن يساحق فينزل ماء يخلق منه الولد.
وقال ابن اللبان لا يلحقه الولد في هاتين الصورتين في قول الجمهور ولاصحاب أحمد اختلاف في ذلك على نحو ما ذكرنا من الخلاف عندنا، وهو الخلاف الناشئ من روايتي الربيع والمزنى، وقد حمل أصحابنا الروايتين على الحالين اللذين أتينا عليهما.
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وإن لم يمكن اجتماعهما على الوطئ بأن تزوجها وطلقها عقيب
العقد أو كانت بينهما مسافة لا يمكن معها الاجتماع انتفى الولد من غير لعان، لانه لا يمكن أن يكون منه.
(فصل)
وإن أتت بولد لدون ستة أشهر بولد من وقت العقد انتفى عنه من غير لعان، لانا نعلم أنها علقت به قبل حدوث الفراش، وإن دخل بها ثم طلقها وهى
[ ١٧ / ٤٠٣ ]
حامل فوضعت الحمل ثم أتت بولد آخر لستة أشهر لم يلحقه، وانتفى عنه من غير لعان، لانا قطعنا ببراءة رحمها بوضع الحمل، وأن هذا الولد الآخر علقت به بعد زوال الفراش.
وإن طلقها وهى غير حامل واعتدت بالاقراء ثم وضعت ولدا قبل أن تتزوج بغيره لدون ستة أشهر لحقه، لانا تيقنا أن عدتها لم تنقض، وإن أتت به لستة أشهر أو أربع سنين أو ما بينهما لحقه.
وقال أبو العباس بن سريج لا يلحقه لانا حكمنا بانقضاء العدة وإباحتها للازواج وما حكم به يجوز نقضه لامر محتمل، وهذا خطأ لانه يمكن أن يكون منه، والنسب إذا أمكن إثباته لم يجز نفيه، ولهذا إذا أتت بولد بعد العقد لستة أشهر لحقه.
وإن كان الاصل عدم الوطئ وبراءة الرحم فإن وضعته لاكثر من أربع سنين نظرت - فإن كان الطلاق بائنا - انتفى عنه بغير لعان، لان العلوق حادث بعد زوال الفراش، وإن كان رجعيا ففيه قولان
(أحدهما)
ينتفى عنه بغير لعان لانها حرمت عليه بالطلاق تحريم المبتوتة، فصار كما لو طلقها طلاقا بائنا (والقول الثاني) يلحقه لانها في حكم الزوجات في السكنى والنفقة والطلاق والظهار والايلاء، فإذا قلنا بهذا فإلى متى يلحقة ولدها؟ فيه وجهان، قال أبو إسحاق يلحقه أبدا، لان العدة يجوز أن تمتد لان أكثر الطهر لا حد له، ومن أصحابنا من قال يلحقه إلى أربع سنين من وقت انقضاء العدة، وهو الصحيح
لان العدة إذا انقضت بانت وصار كالمبتوتة (الشرح) إذا تزوج رجل امرأة في مجلس ثم طلقها فيه قبل غيبته عنهم، ثم أتت امرأته بولد لستة أشهر من حين العقد، أو تزوج مشرقي بمغربية ثم مضت ستة أشهر وأتت بولد لم يلحقه، وبذلك قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة يلحقه نسبه لان الولد انما يلحقه بالعقد ومدة الحمل، ألا ترى أنكم قلتم إذا مضى زمان الامكان لحق الولد، وان علم انه لم يحصل منه الوطئ دليلنا انه لم يحصل امكان الوطئ بهذا العقد فلم يلحق به الولد، كزوجة ابن سنة أو كما لو ولدته لدون ستة أشهر، وفارق ما قاسوا عليه، لان الامكان إذا
[ ١٧ / ٤٠٤ ]
وجد لم يعلم أنه ليس منه قطعا لجواز أن يكون وطئها من حيث لا يعلم، ولا سبيل لنا إلى معرفة حقيقة الوطئ، فعلقنا الحكم على إمكانه في النكاح، ولم يجز حذف الامكان عن الاعتبار، لانه إذا انتفى حصل اليقين بانتفائه عنه، فلم يجز إلحاقة به مع يقين كونه ليس منه.
ومن ولدت امرأته ولدا لا يمكن كونه منه في النكاح لم يلحقه نسبه ولم يحتج إلى نفيه لانه يعلم أنه ليس منه فلم يلحقه، كما لو أتت به عقيب نكاحه لها، وذلك مثل أن تأتى به لدون ستة أشهر من حين تزوجها فلا يلحق به في قول كل من علمنا قوله من أهل العلم لاننا نعلم أنها علقت به قبل أن يتزوجها (فرع)
إذا طلق امرأته وهى حامل فوضعت ولدا ثم ولدت آخر قبل مضى ستة أشهر فهما من الزوج لاننا نعلم أنهما حمل واحد، فإذا كان أحدهما منه فالآخر منه، وإن كان بينهما أكثر من ستة أشهر لم يلحق الزوج وانتفى عنه من غير لعان لانه لا يمكن أن يكون الولدان حملا واحدا وبينهما مدة الحمل، فعلم أنها علقت به بعد زوال الزوجية وانقضاء العدة: وكونها أجنبية فهى كسائر الاجنبيات،
وإن طلقها فاعتدت بالاقراء ثم ولدت ولدا قبل مضى ستة أشهر من آخر أقرائها لحقه لاننا تيقنا أنها لم تحمله بعد انقضاء عدتها ونعلم أنها كانت حاملا به في زمن رؤية الدم فيلزم أن لا يكون الدم حيضا فلم تنقض عدتها به، وإن أتت به لاكثر من ذلك إلى أربع سنين لحقه.
وقال أبو العباس بن سريج لا يلحقه لانها أتت به بعد الحكم بانقضاء عدتها في وقت يمكن أن لا يكون منه فلم يلحقه، كما لو انقضت عدتها بوضع الحمل، وإنما يعتبر الامكان مع بقاء الزوجية أو العدة، وأما بعدهما فلا يكتفى بالامكان للحاقه، وإنما يكتفى بالامكان لنفيه، لان الفراش سبب، ومع وجود السبب يكتفى بإمكان الحكمة واحتمالها، فإذا انتفى السبب وآثاره فينتفى الحكم لانتفائه ولا يلتفت إلى مجرد الامكان، وبهذا قال أحمد وأصحابه.
وهذا خطأ لانه يمكن أن يكون منه لان الاصل أن الولد يلحق بالامكان فلحق به (فرع)
إذا وضعته قبل انقضاء العدة لاقل من أربع سنين لحق بالزوج ولم ينف عنه إلا باللعان، وإن وضعته لاكثر من أربع سنين من حين الطلاق وكان
[ ١٧ / ٤٠٥ ]
بائنا انتفى عنه بغير لعان لاننا علمنا أنها علقت به بعد زوال الفراش، وان كان رجعيا فوضعته لاكثر من أربع سنين منذ انقضت العدة فكذلك لانها علقت به بعد البينونة، وان وضعته لاكثر من أربع سنين منذ الطلاق ولاقل منها منذ انقضت العدة ففيه قولان
(أحدهما)
لا يلحقه لانها لم تعلق به قبل طلاق فأشبهت البائن
(والثانى)
يلحقه لانها في حكم الزوجات في السكنى والنفقة والطلاق والظهار والايلاء، وبهذا الذى قلناه عندنا فمثله عند أحمد ﵁، فالقولان عندنا روايتان له أفادهما ابن قدامة.
قال المصنف رحمة الله تعالى
(فصل)
وان كانت له زوجة يلحقه ولدها ووطئها رجل بالشبهة وادعى الزوج أن الولد من الواطئ عرض معهما على الفافة ولا يلاعن لنفيه لانه يمكن نفيه بغير لعان وهو القافة فلا يجوز نفيه باللعان، فإن لم تكن قافة أو كانت وأشكل عليها ترك حتى يبلغ السن الذى ينتسب فيه إلى أحدهما، فإن بلغ وانتسب إلى الواطئ بشبهة انتفى عن الزوج بغير لعان، وان انتسب إلى الزوج لم ينتف عنه الا باللعان لانه لا يمكن نفيه بغير اللعان فجاز نفيه باللعان وان قال زنى بك فلان وأنت مكرهة والولد منه ففيه قولان
(أحدهما)
لا يلاعن لنفيه لان أحدهما ليس بزان فلم يلاعن لنفى الولد كما لو وطئها رجل بشبهة وهى زانية
(والثانى)
أن له أن يلاعن وهو الصحيح، لانه نسب يلحقه من غير رضاه لا يمكن نفيه بغير اللعان فجاز نفيه باللعان كما لو كانا زانيين
(فصل)
وان أتت امرأته بولد فادعى الزوج انه من زوج قبله، وكان لها زوج قبله، نظرت فإن وضعته لاربع سنين فما دونها من طلاق الاول، ولدون ستة أشهر من عقد الزوج الثاني فهو للاول، لانه يمكن ان يكون منه، وينتفى عن الزوج بغير لعان لانه لا يمكن أن يكون منه وان وضعته لاكثر من أربع سنين من طلاق الاول ولاقل من ستة أشهر
[ ١٧ / ٤٠٦ ]
من عقد الزوج الثاني انتفى عنهما، لانه لا يمكن أن يكون من واحد منهما، وإن وضعته لاربع سنين فما دونها من طلاق الاول، ولستة أشهر فصاعدا من عقد الزوج الثاني عرض على القافة، لانه يمكن أن يكون من كل واحد منهما، فإن ألحقته بالاول لحق به وانتفى عن الزوج بغير لعان، وإن ألحقته بالزوج لحق به
ولا ينتفى عنه إلا باللعان، وان لم تكن قافة أو كانت وأشكل عليها ترك إلى أن يبلغ وقت الانتساب، فإن انتسب إلى الاول انتفى عن الزوج بغير لعان، وإن انتسب إلى الزوج لم ينتف عنه إلا باللعان: وإن لم يعرف وقت طلاق الاول ووقت نكاح الزوج فالقول قول الزوج مع يمينه أنه لا يعلم أنها ولدته على فراشه، لان الاصل عدم الولادة وانتفاء النسب، فإن حلف سقطت دعواها وانتفى النسب بغير لعان، لانه لم يثبت ولادته على فراشه، وإن نكل رددنا اليمين عليها، وإن حلفت لحق النسب بالزوج ولا ينتفى إلا باللعان، لانه ثبتت ولادته على فراشه وإن نكلت فهل توقف اليمين إلى أن يبلغ الصبى فيحلب ويثبت نسبه، فيه وجهان بناء على القولين في رد اليمين على الجارية المرهونة إذا أحبلها الراهن وادعى أن المرتهن أذن له في وطئها وأنكر المرتهن ونكلا جميعا عن اليمين
(أحدهما)
لا ترد اليمين، لان اليمين حق للزوجة، وقد أسقطته بالنكول، فلم يثبت لغيرها.
(والثانى)
ترد لانه يتعلق بيمينها حقها وحق الولد، فإذا أسقطت حقها لم يسقط حق الولد.
(فصل)
وإن جاءت امرأة ومعها ولد وادعت أنه ولدها منه وقال الزوج ليس هذا منى ولا هو منك بل هو لقيط أو مستعار لم يقبل قولها أنه منها من غير بينة لان اولادة يمكن إقامة البينة عليها والاصل عدمها فلم يقبل قولها من غير بينة، فإن قلنا ان الولد يعرض مع الام على القافة في أحد الوجهين عرض على القافة، فإن لحقته بالام لحق بها وثبت نسبه من الزوج لانها أتت به على فراشه ولا ينتفى عنه الا باللعان وان قلنا ان الولد لا يعرض مع الام على القافة.
أو لم تكن قافة.
أو كانت وأشكل عليها فالقول قول الزوج مع يمينه انه لا يعلم أنها ولدته على فراشه.
فإذا
[ ١٧ / ٤٠٧ ]
حلف انتفى النسب من غير لعان، لانه لم تثبت ولادته على فراشه.
وان نكل رددنا اليمين عليها فإن حلفت لحقه نسبه ولا ينتفى عنه الا باللعان.
وان نكلت فهل توقب اليمين على بلوغ الولد ليحلب؟ على ما ذكرناه من الوجهين في الفصل قبله.
(الشرح) ان غاب عن زوجته سنين فبلغتها وفاته فاعتدت ونكحت نكاحا صحيحا في الظاهر ودخل بها الثاني وأولدها أولادا ثم قدم الاول فسخ نكاح الثاني وردت إلى الاول وتعتد من الثاني ولها عليه صداق مثلها والاولاد له لانهم ولدوا على فراشه.
روى ذلك عن على ﵇.
وبه قال الثوري وأهل العراق وابن أبى ليلى ومالك وأهل الحجاز وأحمد واسحاق وأبو يوسف وغيرهم من أهل العلم الا أبا حنيفة فإنه قال الولد للاول لانه صاحب الفراش لان نكاحه صحيح ثابت ونكاح الثاني غير ثابت فأشبه الأجنبي دليلنا أن الثاني انفرد بوطئها في نكاح يلحق النسب في مثله فكان الولد له دون غيره.
كولد الامة من زوجها يلحقه دون سيدها.
وفارق الأجنبي فإنه ليس له نكاح.
(فرع)
إذا ولدت المرأة فأنكر زوجها الولد فلا حد عليه لان هذا ليس بقذف لاحتمال أن يكون مراده انه لا يشبهه في خلقه أو خلقه.
وان قال وطئت بشبهة والولد من الواطئ فلا حد عليه لانه لم يقذفها ولم يقذف واطئها.
وان قال أكرهت على الزنا فهل عليه اللعان؟ فمذهب أحمد وأبى حنيفة أنه لا حد عليه ولا لعان لانه لم يقذفها ومن شرط اللعان القذف ويلحقه نسب الولد.
ومذهبنا أن له اللعان لانه محتاج إلى نفى الولد بخلاف ما إذا قال وطئت بشبهة فإنه يمكن نفى النسب بعرض الولد على القافة فيستغنى بذلك عن اللعان فلا يشرع كما لا يشرع
لعان أمته لما أمكن نفى نسب ولدها بدعوى الاستبراء فإن قال وطئك فلان بشبهة وأنت تعلمين الحال فليس هذا بلعان وليس له نفيه باللعان لانه يمكنه نسبه بالقافة فأشبه ما لو قال واشتبه عليك أيضا.
وقدا اختار هذا بعض أصحاب أحمد
[ ١٧ / ٤٠٨ ]
وقال ابن قدامة: إنه يدخل في قوله تعالى " والذين يرمون أزواجهم " فملك اللعان ونفى الولد، لانه قد لا يوجد قافة، وقد لا يعترف الرجل بما نسب إليه، أو يغيب أو يموت فلا ينتفى الولد.
(فرع)
وإن أتت بولد فادعى أنه من زوج قبله نظرت - فإن كانت تزوجت بعد انقضاء العدة - لم يلحق بالاول بحال، وان كان بعد أربع سنين منذ بانت من الاول لم يلحق به أيضا.
وإن وضعته لاقل من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني لم يلحق به وينتفى عنهما.
وإن كان لاكثر من ستة أشهر فهو ولده، وان كان لاكثر من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني ولاقل من أربع سنين من طلاق الاول ولم يعلم انقضاء العدة عرض على القافة وألحق بمن ألحقته به منهما، فإن ألحقته بالاول انتفى عن الزوج بغير لعان، وإن ألحقته بالزوج انتفى عن الاول ولحق الزوج، ولا ينتفى عنه الا باللعان، وهذا احدى الروايتين عن أحمد (رض) (مسألة) إذا تزوج رجلان أختين فغلط بهما عند الدخول فزفت كل واحدة منهما إلى زوج الاخرى فوطئها وحملت منه لحق الولد بالواطئ لانه وطئ يعتقد حله فلحق به النسب كالوطئ في نكاح فاسد وقال أبو حنيفة وبعض أصحاب أحمد: لا يكون الولد للواطئ وانما يكون للزوج.
وهذا الذى يقتضيه أصل أبى حنيفة لان الولد للفراش.
دليلنا أن الواطئ انفرد بوطئها فيما يلحق به النسب فلحق به، كما لو لم تكن ذات زوج،
وكما لو تزوجت امرأة المفقود عند الحكم بوفاته ثم بان حيا، والخبر مخصوص بهذا فنقيس عليه ما كان في معناه وان وطئت امرأة بشبهة في طهر لم يصبها فيه، فاعتزلها حتى أتت بولد لستة أشهر من حين الوطئ لحق الواطئ وانتفى عن الزوج من غير لعان.
وعلى قول أبى حنيفة وبعض أصحاب أحمد: يلحق الولد الزوج، لان الولد للفراش.
وان أنكر الواطئ الوطئ فالقول قوله بغير يمين ويحلق نسب الولد بالزوج، لانه لا يمكن إلحاقه بالمنكر، ولا تقبل دعوى الزوج في قلع نسب الولد.
وان أتت بالولد لدون ستة أشهر من حين الوطئ لحق الزوج بكل حال لاننا نعلم أنه ليس
[ ١٧ / ٤٠٩ ]
من الواطئ.
وان اشتركا في وطئها في طهر فأتت بولد يمكن أن يكون منهما لحق الزوج لان الولد للفراش وقد أمكن كونه منه وان ادعى الزوج أنه من الواطئ فقال بعض أهل العلم: يعرض على القافة معهما فيلحق بمن ألحقته منهما، فإن ألحقته بالزوج لحق ولم يملك نفيه باللعان، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ﵁ ولنا أنه يمكن الاستعانة بالطب الشرعي في تحليل فصائل دم كل من الرجلين والام فإن تشابهت فصائل الدم عندهما أخذ بالقافة وان اختلفت فإن كان أحدهما (ا) والآخر (ب) والام (و) فإن جاء الولد (و) رجعنا إلى القافة.
وان جاء (ا) كان لمن فصيلته (ا) وان جاء (ب) كان كذلك، وان جاء (اب) رجعنا إلى القافة، ويحتمل أن يلحق الزوج لان الفراش دلالته أقوى فهو مرجح لاحد الاحتمالين فيلحق بالزوج، ويمكن أن يلحق بهما ولم يملك الواطئ نفيه عن نفسه، وللزوج أن ينفيه باللعان.
وهذا احدى الروايتين عن أحمد (رض) وان لم توجد القافة أو أنكر الواطئ الوطئ أو اشتبه على الطب الشرعي أو
القافة ترك إلى أن يكبر إلى وقت الانتساب فإن انتسب إلى الزوج والا نفاه باللعان (مسألة) إذا قال: ما ولدته وانما التقطته أو استعرته، فقالت بل هو ولدى منك لم يقبل قول المرأة الا ببينة، وهذا هو قول احمد وابى ثور واصحاب الرأى لان الولادة يمكن اقامة البينة عليها، والاصل عدمها فلم تقبل دعواها من غير بينة كالدين، فإن قلنا بأحد الوجهين ان الولد يعرض مع الام على القافة أو على الطب الشرعي، فإن ألحقاه بالام لحق بها وثبت نسبه من الزوج لانه لم يأت الا على فراشه، وليس له ان ينفيه باللعان، لانه لم يقذفها بالزنا، وانما ادعى نفى الولادة.
وان قلنا بالوجه الآخر بعدم العرض على القافة كان القول قوله مع يمينه انه لا يعلم انها ولدته على فراشه، وكذلك إذا أشكلت القافة حين عرض عليها أو تشابهت فصائل الدم، واحتمل ان يكون من غيرها، أو كانت فصيلته مشابهة للزوج ويحتمل ان يكون من غيره فإن القول قول الزوج مع يمينه، فإن حلف فلا لعان وانتفى نسبه منه، وان نكل رددناه عليها وبحلفها يلحقه الولد،
[ ١٧ / ٤١٠ ]
وليس له أن يلاعنها، فإن نكلت هي أيضا فعلى ما ذكره المصنف في الفصل قبله من الوجهين من وقوف اليمين حتى يبلغ الولد
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
إذا تزوج امرأة وهى وهو ممن يولد له ووطئها، ولم يشاركه أحد في وطئها بشبهة ولا غيرها، وأتت بولد لستة أشهر فصاعدا لحقه نسبه، ولا يحل له نفيه لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال حين نزلت آية الملاعنة: أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عنه وفضحه الله على رءوس الاولين والآخرين " وإن أتت امرأته بولد يلحقه في الظاهر بحكم الامكان وهو يعلم أنه لم يصبها،
وجب عليه نفيه باللعان، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شئ، ولن يدخلها الله تعالى جنته " فلما حرم النبي صلى الله عليه سلم على المرأة أن تدخل على قوم من ليس منهم، دل على أن الرجل مثلها، ولانه إذا لم ينفه جعل الأجنبي مناسبا له ومحرما له ولاولاده ومزاحما لهم في حقوقهم.
وهذا لا يجوز، ولا يحوز أن يقذفها لجواز أن يكون من وطئ شبهة أو من زوج قبله.
(فصل)
وإن وطئ زوجته ثم استبرأها لحيضة وطهرت ولم يطأها وزنت وأتت بولد لستة أشهر فصاعدا من وقت الزنا لزمه قذفها ونفى النسب لما ذكرناه وان وطئها في الطهر الذى زنت فيه فأتت بولد وغلب على ظنه أنه ليس منه، بأن علم أنه كان يعزل منها أو رأى فيه شبها بالزانى لزمه نفيه باللعان، وان لم يغلب على ظنه أنه ليس منه لم ينفه لقوله ﷺ " الولد للفراش وللعاهر الحجر " (الشرح) عمد المصنف إلى حديث أبى هريرة فجزأه جزأين مما أوهم أنهما حديثان، وكان يمكنه سوق الحديث برمته والاستدلال به في الموضعين بغير تجزئه ولا تكرار، فالحديث أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم في المستدرك وابن أبى شيبة عن ابى هريرة ﵁ مرفوعا " أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شئ، وأيما رجل جحد
[ ١٧ / ٤١١ ]
ولده وهو ينظر إليه احتجب الله تعالى منه، وفضحه على رءوس الاولين والآخرين يوم القيامة " وفى رواية ابن ماجه " ألحقت بقوم " أما أحكام الفصلين فإنه يحرم على الرجل قذف زوجته، وقد جعله القرآن الكريم من الكبائر قال تعالى " ان الذين يرمون المحصنات الغافلات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم " ولقوله ﷺ " أيما رجل جحد ولده
وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رءوس الاولين والآخرين " قوله " ينظر إليه " يعنى يراه منه، فكما حرم على المرأة أن تدخل على قوم من ليس منهم حرم على الرجل جحد ولده، ولا يجوز قذفها بخبر من لا يوثق بخبره لانه غير مأمون على الكذب عليها، ولا برؤيته رجلا خارجا من عندها من غير أن يستفيض زناها لانه يجوز أن يكون دخل سارقا أو هاربا أو لحاجة.
كما قررنا ذلك في صدر هذا البحث (فرع)
اللعان واجب إذا رأى امرأته تزني في طهر لم يطأها فيه فإنه يلزمه اعتزالها حتى تنتهى عدتها، فإذا أتت بولد لستة أشهر من حين الزنا فأكثر لزمه قذفها ونفى ولدها لان ذلك يجرى مجرى اليقين في ان الولد من الزانى، فإذا لم ينفه لحقه الولد.
وورثه وورث أقاربه وورثوا منه.
ونظر إلى بنانه واخواته.
وليس ذلك بجائز وسيحمل هو وزره فيجب نفيه لازالة ذلك وإذا أقرت له بالزنا وقع في قلبه صدقها فهو كما لو رآها.
وكذلك إذا غلب على ظنه زناها في طهر وطئها فيه ثم اتت بولد فرأى ملامح الزانى ومخايله واضحة في الوليد.
أو كان يطؤها ويعزل عنها ثم ولدت لستة اشهر من حين العزل فصاعدا لزمه نفيه ايضا باللعان.
فإن لم يوقن أو يظن ظنا قويا انه ليس منه لم ينفه لحديث ابى هريرة ﵁ الذى اخرجاه الشيخان واصحاب السنن الا ابا داود عن النبي ﷺ " الولد للفراش وللعاهر الحجر " وما رواه الشافعي بسنده عن ابن عمر " ان عمر قال: ما بال رجال يطأون ولائدهم ثم يعتزلونهن.
لا تأتيني وليدة يعترف سيدها ان قد ألم بها الا ألحقت به ولدها.
فاعزلوا بعد ذلك أو اتركوا "
[ ١٧ / ٤١٢ ]
ومقتضى هذا أن الولد يلحق الاب بعد ثبوت الفراش، وهو لا يثبت إلا بعد
إمكان الوطئ في النكاح الصحيح أو الفاسد، وإلى ذلك ذهب جمهور الفقهاء، وقال أبو حنيفة: إنه يثبت بمجرد ال؟ قد، واستدل له بأن مجرد المظنة كافية، ورد بمنع حصولها بمجرد العقد، بل لابد من إمكان الوطئ، ولا شك أن اعتبار مجرد العقد في ثبوت الفراش جمود ظاهر وحكى ابن القيم عن ابى حنيفة أنه يقول بأن نفس العقد وإن علم أنه لم يجتمع بها بل لو طلقها عقبه في المجلس تصير الزوجة به فراشا، وكذلك قوله بأن العقد يثبت به الفراش ولحوق النسب، ولو كانت بينهما م؟ افة طويلة لا يمكن وصوله إليها في مقدار مدة الحمل، وهذا كله لا دليل عليه
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن أتت امرأته بولد أسود وهما أبيضان، أو بولد أبيض وهما أسودان ففيه وجهان:
(أحدهما)
أن له أن ينفيه لما روى ابن عباس ﵁ في حديث هلال ابن أمية إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الاليتين فهو للذى رميت به، فجاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الاليتين، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لولا الايمان لكان لى ولها شأن " فجعل الشبه دليلا على أنه ليس منه
(والثانى)
أنه لا يجوز نفيه لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ بنى فزارة فقال " إن امرأتي جاءت بولد أسود ونحن أبيضان، فقال هل لك من إبل؟ قال نعم، قال ما ألوانها؟ قال حمر.
قال هل فيها من أورق؟ قال إن فيها لورقا.
قال فأنى ترى ذلك؟ قال عسى أن يكون نزعه عرق، قال وهذا عسى أن يكون نزعه عرق " (الشرح) حديث ابن عباس رواه أحمد وأبو داود وهو مطول عنده، وفى
إسناده عباد بن منصور فيه مقال معروف.
وحديث أبى هريرة أخرجه أحمد والشيخان وأصحاب السنن الاربعة والدارقطني ولفظه " جاء رجل من بنى فزارة
[ ١٧ / ٤١٣ ]
إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال: ولدت امرأتي غلاما أسود، وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَلْ لك من ابل؟ قال نعم، قال فما ألوانها؟ قال حمر، قال هل فيها من اورق؟ قال ان فيها لورقا، قال فأنى أتاها ذلك؟ قال عسى أن يكون نزعه عرق، قال فهذا عسى أن يكون نزعه عرق ولم يرخص له في الانتفاء منه " ولابي داود في رواية " إن امرأتي ولدت غلاما أسود وانى أنكره " قوله " هلال بن أمية " هو أحد الثلاثة الذين خلفوا.
قوله " جاء رجل " اسمه ضمضم بن قتادة أما اللغات فالاورق الاسمر، وفى المصباح ما كان لونه كلون الرماد، والاسم الورقة كالحمرة والخضرة والصفرة.
والجعد ضد السبط وقد مضى.
وقال الهروي يكون مدحا وذما، فالمدح؟ بعنيين، أحدهما أن يكون معضوب الخلق شديد الاسر، والثانى أن يكون شعرا جعدا، والذم بمعنيين.
أحدهما أن يكون قصيرا مترددا، والثانى أن يكون نحيلا، يقال رجل جعد اليدين وجعد الاصابع أي مقبضها، والجمالى بضم الجيم، الضخم الاعضاء التام الاوصال، هكذا قال ابن بطال، وقال في المصباح: عظيم الخلق، وقيل طويل الجسم اه.
قالوا ناقة جمالية من بدانتها، قال الشاعر: جمالية لم يبق سيرى ورحلتي
* على ظهرها من نيها غير محفدى وخدلج الساقين أي عريض صدر القدمين خفاق القدم، وسابغا الاليتين أي كامل واف، ومنه الدرع السابغة
أما الاحكام فإن حديث ابن عباس دليل على أنه يجوز للاب.
أن ينفى ولده بمجرد كونه مخالفا لهما في اللون، وبهذا قال القاضى وأبو الخطاب من الحنابلة، وهو أحد الوجهين عند أصحابنا، وحديث أبى هريرة دليل على أنه لا يجوز له أن ينفى ولده بمجرد كونه مخالفا لهما في اللون وقد حكى القرطبى وابن رشد الاجماع على ذلك وتعقبهما الحافظ بن حجر بأن الخلاف في ذلك ثابت عند الشافعية فقالوا: ان لم ينضم إلى المخالفة في اللون قرينة زنا لم يجز النفى، فإن اتهمها فأتت بولد على لون الرجل الذى اتهمها به جاز
[ ١٧ / ٤١٤ ]
النفى على الصحيح عندهم.
وعند الحنابلة يجوز النفى مع القرينة مطلقا.
وقال ابن قدامة: لا يجوز النفى بمخالفة الولد لون والديه أو شبههما، ولا لشبهه بغير والديه لما روى أبو هريرة (وساق حديث الفزارى) (قلت) ولان الناس كلهم لآدم وحواء وألوانهم وخلقهم مختلفة، فلولا مخالفتهم شبه والديهم لكانوا على خلفة واحدة، ولان دلالة الشبه ضعيفة، ودلالة ولادته على الفراش قوية فلا يجوز ترك القوى لمعارضة الضعيف، ولذلك لما تنازع سعد بن أبى وقاص وعبد بن زمعة في ابن وليدة زمعة ورأى النبي ﷺ فيه شبها بينا بعتبة ألحق الولد بالفراش وترك الشبه، وهذا اختيار أبى عبد الله ابن حامد من أصحاب أحمد.
وهو الوجه الآخر لاصحاب الشافعي
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن أتت امرأته بولد وكان يعزل عنها إذا وطئها لم يجز له نفيه، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ الله إنا نصيب السبايا ونحب الاثمان أفنعزل عنهن؟ فَقَالَ ﷺ " أَنَّ اللَّهَ ﷿ إذا قضى خلق نسمة خلقها " ولانه قد يسبق من الماء مالا يحس به فتعلق به، وإن
أتت بولد وكان يجامعها فيما دون الفرج ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يجوز له النفى لانه قد يسبق الماء إلى الفرج فتعلق به
(والثانى)
أن له نفيه لان الولد من أحكام الوطئ، فلا يتعلق بما دونه كسائر الاحكام.
وإن أتت بولد وكان يطؤها في الدبر ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يجوز له نفيه، لانه قد يسبق من الماء إلى الفرج ما تعلق به.
(والثانى)
له نفيه لانه موضع لا يبتغى منه الولد.
(فصل)
إذا قذف زوجته وانتفى عن الولد - فإن كان حملا - فله أن يلاعن وينفى الولد، لان هلال بن أمية لاعن على نفى الحمل، وله أن يؤخره إلى أن تضع، لانه يجوز أن يكون ريحا أو غلظا فيؤخر ليلاعن على يقين، وإن كان الولد منفصلا ففى وقت نفيه قولان
(أحدهما)
له الخيار في نفيه ثلاثة
[ ١٧ / ٤١٥ ]
أيام، لانه قد يحتاج إلى الفكر والنظر فيما يقدم عليه من النفى، فجعل الثلاث حدا لانه قريب، ولهذا قال الله ﷿ " يا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب " ثم فسر القريب بالثلاث، فقال " تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب "
(والثانى)
وهو المنصوص في عامة الكتب أنه على الفور، لانه خيار غير مؤد لدفع الضرر، فكان على الفور كخيار الرد بالعيب، فإن حضرت الصلاة فبدأ بها أو كان جائعا فبدأ بالاكل، أو له مال غير محرز واشتغل بإحرازه، أو كان عادته الركوب واشتغل بإسراج المركوب، فهو على حقه من النفى، لانه تأخير لعذر.
وان كان محبوسا أو مريضا أو قيما على مريض أو غائبا لا يقدر على المسير وأشهد على النفى فهو على حقه وان لم يشهد مع القدرة على الاشهاد سقط حقه، لانه لما تعذر عليه الحضور للنفي أقيم الاشهاد مقامه إلى أن يقدر
كما أقيمت الفيئة باللسان مقام الوطئ في حق المولى إذا عجز عن الوطئ إلى أن يقدر (الشرح) حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي بألفاظ مختلفة كلها تؤدى معنى ما ساقه المصنف هنا، وقد مضى الكلام على طرقه وأقوال العلماء فيه في أحكام العزل من كتاب النكاح فليراجع.
وروى معناه عن جابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك وأسامة بن زيد وغيرهم ﵃ أجمعين.
فإذا أتت بولد وكان يعزل عنها لم يجز له نفيه لحديث ابى سعيد، ولانه قد يسبق من الماء مالا يحس به فتعلق.
وأما ان كان لا يطؤها الا دون الفرج أو في الدبر فأتت بولد، فذكر أصحابنا فيه وجهين
(أحدهما)
انه ليس له نفيه لانه لا يأمن ان يسبق الماء إلى الفرج فيعلق به، وبه قال احمد.
وقال ابن قدامة: هو بعيد لانه من أحكام الوطئ في الفرج فلا يتعلق بما دونه كسائر الاحكام، ودلالة عدم الوطئ في الفرج على انتفاء الولد أشد من دلالة مخالفة الولد لون أبيه اه.
وهذا هو الوجه الثاني عندنا وبشجب ابن قدامة لما قاله أصحابه يكون في مذهب احمد في المسألة قولان
[ ١٧ / ٤١٦ ]
وقال أبو حنيفة لا يلاعن وبناه على أصله في أن اللواط لا يوجب الحد.
وهذا فاسد لان الرمى به معرة، وقد دخل تحت عموم قوله تعالى (والذين يرمون أزواجهم) وقد حقق القرطبى في تفسير سورتي الاعراف والمؤمنون انه يجب الحد.
وقالت المالكية: يلاعن إذا انتفى من الحمل بشرطه (مسألة) إذا ظهر بامرأته حمل فله أن ينفيه وله أن يؤجل نفيه إلى أن تضع واختلف أصحاب أحمد فيما إذا لاعن امرأته حاملا ونفى حملها في لعان.
فقال الخرقى وجماعة: لا ينتفى الحمل بنفيه قبل الوضع، ولا ينتفى حتى يلاعنها بعد
الوضع وينتفى الولد فيه.
وهذا قول ابى حنيفة وجماعة من أهل الكوفة، لان الحمل غير مستيقن يجوز أن يكون ريحا أو غيرها فيصير نفيه مشروطا بوجوده ولا يجوز تعليق اللعان بشرط ولنا أنه يصح نفى الحمل وينتفى عنه.
دليلنا حديث هلال بن أمية وأنه نفى حملها فنفاه عنه النبي ﷺ وألحقه بالاول، ولا خفاء بأنه كان حملا وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " انظروها فإن جاءت به " كذا وكذا قال ابن عبد البر: الآثار الدالة على صحة هذا القول كثيرة - إلى أن قال - ولان الحمل مظنون بأمارات تدل عليه، ولهذا ثبتت للحامل أحكام تخالف بها الحائل من النفقة والفطر في الصيام وترك إقامة الحد عليها وتأخير القصاص عنها مما يطول ذكره.
اه وقالت المالكية: إذا ظهر بامرأته حمل فترك أن ينفيه لم يكن له نفيه بعد سكوته، لان سكوته بعد العلم به رضا به، كما لو أقر به ثم ينفيه فانه لا يقبل منه فان قال رجوت أن يكون ريحا ينفش أو تسقطه فأستريح من السقط، أو يكون من أمراض النساء كالاورام الليفية التى تبدو معها المرأة كأنها حامل في الشهر التاسع، وهى في حاجة إلى استئصال هذا الورم، فهل لنفيه بعد وضعه مدة ما؟ فإذا جاوزها لم يكن له ذلك، فقد اختلف في ذلك على قولين
(أحدهما)
إذا لم يكن له عذر في سكوته ح؟؟ مضت ثلاثة أيام فهو راض به ليس له نفيه.
وبهذا قال المالكية وقالت الحنابلة: إذا ولدت ولدا فسكت عن نفيه مع امكانه لزمه نسبه
[ ١٧ / ٤١٧ ]
ولم يكن له نفيه بعد ذلك، ومدة الثلاث فرصة كافيه لانعام النظر واعمال الفكر والتدبر في الامر، فقد يكون في التريث أمن من الندم، ومدة الثلاث حكمها شائع
في خيار البيع وفى اختبار المصراة، وقد جاء في تأويل قوله تعالى " قال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام " أنها توضيح لمبهم " قريب " في آية الناقة من وعيدهم بالعذاب.
(والثانى)
وهو المنصوص، وهو قول ابى بكر من اصحاب احمد ﵁: لا يتقدر ذلك بثلاث، بل هو على ما جرت به العادة ان كان ليلا، فحتى يصبح وينتشر في الناس، وان كان جائعا أو ظمآن فحتى يأكل أو يشرب، أو ينام ان كان ناعسا، أو يلبس ثيابه ويسرج دابته ويركب ويصلى ان حضرت الصلاة، ويحرز ماله ان كان غير محرز، وأشباه ذلك من أشغاله، فان أخره بعد هذا كله لم يمكن له نفيه.
وقال ابو حنيفة: له تأخير نفيه يوما ويومين استحسانا، لان النفى عقيب الولادة يشق فقدر باليومين لقلته.
وقال ابو يوسف ومحمد يتقدر بمدة النفاس لانها جارية مجرى الولادة في الحكم.
وحكى عن عطاء ومجاهد أن له نفيه ما لم يعترف به فكان له نفيه كحالة الولادة.
ووجه القول الاول انه خيار لدفع الضرر المتحقق فكان على الفور كخيار الشفعة.
وقول النبي ﷺ " الولد للفراش " عام خرج منه ما اتفقنا عليه مع السنة الثابتة، فما عداه يبقى على عموم الحديث.
وما ذكره ابو حنيفة يبطل بخيار الرد بالعيب والاخذ بالشفعة، وتقديره بمدة النفاس تحكم لا دليل عليه، وكذلك يرد هذا على ما قال عطاء، ولا يلزم القصاص لانه لاستيفاء حق لا لدفع ضرر ولا الحمل لانه لم يتحقق ضرره.
وقالت المالكية: ان الايام الثلاثة آخر حد القلة وأول حد الكثرة (فرع)
ان كان له عذر يمنعه من الحضور لنفيه كالمرض والحبس، أو الاشتغال بحفظ مال يخاف ضيعته أو بملازمة غريم يخالف فوته أو غيبته نظرت - فان كانت مدة ذلك قصيرة فأخره إلى الحضور ليزول عذره - لم يبطل نفيه
لانه بمنزلة من علم ذلك ليلا فأخره إلى الصبح وان كانت تطاول فأمكنه التنفيذ إلى الحاكم ليبعث إليه من يستوفى عليه اللعان
[ ١٧ / ٤١٨ ]
والنفى فلم يفعل سقط نفيه، فإن لم يمكنه أشهد على نفسه أنه ناف لولد امرأنه، فإن لم يفعل بطل خياره، لانه إذا لم يقدر على نفيه كان الاشهاد قائما مقامه كما يقيم المريض الفيئة بقوله في الايلاء بدلا عن الفيئة بالجماع
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وإن ادعى أنه لم يعلم بالولادة فإن كان في موضع لا يجوز أن يخفى عليه ذلك من طريق العادة، بأن كان معها في دار أو محلة صغيرة لم يقبل، لانه يدعى خلاف الظاهر، وإن كان في موضع يجوز أن يخفى عليه كالبلد الكبير، فالقول قوله مع يمينه، لان ما يدعيه ظاهر وإن قال علمت بالولادة إلا أنى لم أعلم أن لى النفى - فإن كان ممن يخالط أهل العلم - لم يقبل قوله، لانه يدعى خلاف الظاهر، وإن كان قريب عهد بالاسلام أو نشأ في موضع بعيد من أهل العلم قبل قوله، لان الظاهر أنه صادق فيما يدعيه وإن كان في بلد فيه أهل علم إلا أنه من العامة ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يقبل كما لا يقبل قوله إذا ادعى الجهل برد المبيع بالعيب.
(والثانى)
يقبل لان هذا لا يعرفه إلا الخواص من الناس بخلاف رد المبيع بالعيب، فإن ذلك يعرفه الخاص والعام.
(فصل)
وإن هنأه رجل بالولد فقال: بارك الله لك في مولودك وجعله الله لك خلفا مباركا وأمن على دعائه، أو قال استجاب الله دعاءك سقط حقه من النفى لان ذلك يتضمن الاقرار به، وإن قال أحسن الله جزاءك، أو بارك الله عليك أو رزقك الله مثله، لم يسقط حقه من النفى، لانه يحتمل أنه قال له ذلك ليقابل
التحية بالتحية.
(فصل)
وإن كان الولد حملا فقال أخرت النفى حتى ينفصل ثم ألاعن على يقين فالقول قوله مع يمينه لانه تأخير لعذر يحتمله الحال.
وان قال أخرت لانى قلت لعله يموت فلا أحتاج إلى اللعان، سقط حقه من النفى، لانه ترك النفى من غير عذر.
[ ١٧ / ٤١٩ ]
(الشرح) إذا ثبت ما قدمنا من شرح الفصول فهل يتقدر الخيار في النفى بمجلس العلم؟ أو بإمكان النفى؟ على وجهين بناء على المطالبة بالشفعة، فإن أخر نفيه عن ذلك ثم ادعى أنه لا يعلم بالولادة وأمكن صدقه بأن يكون في موضع يخفى عليه ذلك، مثل أن يكون في محلة أخرى فالقول قوله مع يمينه لان الاصل عدم العلم، وان لم يمكن - مثل أن يكون معها في الدار - لم يقبل لان ذلك لا يكاد يخفى عليه.
وإن قال علمت ولادته ولم أعلم أن لى نفيه، أو علمت ذلك ولم أعلم انه على الفور وكان ممن يخفى عليه ذلك كعامة الناس قبل منه، لان هذا مما يخفى عليهم فأشبه ما لو كان حديث عهد بإسلام.
وان كان فقيها لم يقبل منه وقال بعض الحنابلة يحتمل أن يقبل منه لان الفقيه يخفى عليه كثير من الاحكام أفاده ابن قدامة.
وقال أكثرهم كقولنا لا يقبل ذلك من الفقيه ويقبل من الناشئ وحديث العهد بالاسلام.
وهل يقبل من سائر العامة؟ على وجهين ذكرهما المصنف (فرع)
إذا قال لم أصدق الخبر عنه نظرت - فإن كان مستفيضا وكان المخبر مشهور العدالة - لم يقبل والا قبل.
وان قال لم أعلم أن على ذلك قبل قوله لانه مما يخفى، وان علم وهو غائب فأمكنه السير فاشتغل به لم يبطل خياره.
وان كانت له حاجة تمنعه من السير فهو
على ما ذكرنا من قبل، وان أخر نفيه لغير عذر وقال: أخرت نفيه رجاء أن يموت فأستر عليه وعلى بطل خياره، لانه أخر نفيه مع الامكان لغير عذر (مسألة) قوله " وان هنأه رجل بالولد الخ " فجملة ذلك انه إذا هنئ به فأمن على الدعاء لزمه في قولهم جميعا.
وان قال أحسن الله جزاءك أو بارك الله عليك أو رزقك الله مثله فانه لا يلزمه لانه جازاه على قصده وليس ذلك اقرارا ولا متضمنا له.
وقال أحمد وأصحابه وأبو حنيفة: يلزمه الولد، لان ذلك جواب الراضي في العادة فكان اقرارا كالتأمين على الدعاء، وان سكت كان اقرارا.
هكذا أفاده ابن قدامة، قال لان السكوت صلح دال على الرضى في حق البكر وفى مواضع أخرى، فههنا أولى وهذا وما بقى من فروع في الفصول فقد مضى لنا بحثها في الفصول قبله
[ ١٧ / ٤٢٠ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
إذا أتت امرأته بولدين توأمين وانتفى عن أحدهما وأقر بالآخر أو ترك نفيه من غير عذر، لحقه الولدان لانهما حمل واحد فلا يجوز أن يلحقه أحدهما دون الآخر، وجعلنا ما انتفى منه تابعا لما أقر به، ولم نجعل ما أقر به تابعا لما انتفى منه، لان النسب يحتاط لاثباته ولا يحتاط لنفيه، ولهذا إذا أتت بولد يمكن أن يكون منه ويمكن أن لا يكون منه ألحقناه به احتياطا لاثباته، ولم ننفه احتياطا لنفيه.
وإن أتت بولد فنفاه باللعان ثم أتت بولد آخر لاقل من ستة أشهر من ولادة الاول لم ينتف الثاني من غير اللعان، لان اللعان يتناول الاول، فإن نفاه باللعان انتفى، وإن أقر به أو ترك نفيه من غير عذر لحقه الولدان لانهما حمل واحد وجعلنا ما نفاه تابعا لما لحقه، ولم نجعل ما لحقه تابعا لما نفاه، لما ذكرناه
في التوأمين.
وإن أتت بالولد الثاني لستة أشهر من ولادة الاول انتفى بغير لعان لانها علقت به بعد زوال الفراش.
(فصل)
وان لاعنها على حمل فولدت ولدين بينهما دون ستة أشهر، لم يلحقه واحد منهما لانهما كانا موجودين عند اللعان فانتفيا به، وإن كان بينهما أكثر من ستة أشهر انتفى الاول باللعان، وانتفى الثاني بغير لعان، لانا تيقنا بوضع الاول براءة رحمها منه وأنها علقت بالثاني بعد زوال الفراش
(فصل)
وإن قذف امرأته بزنا أضافه إلى ما قبل النكاح - فإن لم يكن نسب - لم يلاعن لاسقاط الحد لانه قذف غير محتاج إليه فلم يجز تحقيقه باللعان كقذف الاجنبية، وإن كان هناك نسب يلحقه فَفِيهِ وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ انه لا يلاعن لانه قذف غير محتاج إليه، لانه كان يمكنه أن يطلق ولا يضيفه إلى ما قبل العقد
(وَالثَّانِي)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أن له أن يلاعن لانه نسب يلحقه من غير رضاه لا ينتفى بغير لعان فجاز له نفيه باللعان.
[ ١٧ / ٤٢١ ]
(الشرح) إذا ولدت امرأته توأمين - وهو أن يكون بينهما دون ستة أشهر - فاستلحق أحدهما ونفى الآخر لحقا به، ولا عبرة بنفيه، لان الحمل الواحد لا يجوز أن يكون بعضه منه وبعضه من غيره، فإذا ثبت نسب أحدهما منه ثبت نسب الآخر ضرورة فجعلنا ما نفاه تابعا لما استلحقه، ولم نجعل ما أقر به واستلحقه تابعا لما نفاه، لان النسب يحتاط لاثباته لا لنفيه، ولهذا لو أتت امرأته بولد يمكن كونه منه ويمكن أن يكون من غيره ألحقناه به احتياطا، ولم نقطعه عنه احتياطا لنفيه، ولان الشارع الحكيم يتشوف إلى ثبوت النسب مهما أمكن ولا يحكم بانقطاع النسب الا حيث يتعذر اثباته، ولهذا ثبت بالفراش،
وبالدعوى وبالانساب التى بمثلها لا يثبت نتاج الحيوان، ولان اثبات النسب فيه حق لله تعالى وحق للولد وحق للاب، ويترتب عليه من الاحكام في الوصل بين العباد ما به قوام مصالحهم، فأثبته الشرع بأنواع الطرق التى لا يثبت بمثلها نتاج الحيوان، ولهذا لو أتت امرأته بولد يمكن كونه منه ويمكن كونه من غيره ألحقناه به احتياطا ولم نقطعه عنه احتياطا لنفيه.
فلو قذف أمهما فطالبته بالحد فليس له اسقاطه باللعان، لانه باستلحاقه اعترف بكذبه في قذفه فلم يسمع منه انكاره بعد ذلك.
وقالت الحنابلة: له اسقاطه باللعان.
وحكى ابن قدامة قولا آخر للقاضى منهم انه يحد ولا يملك اسقاطه باللعان.
ووجه المذهب عندنا ظاهر.
أما وجه المسألة عندهم فإنه لا يلزم من كون الولد منه انتفاء الزنا عنها كما لا يلزم من الولد وجود الزنا منها كون الولد منه.
ولذلك لو أقرت بالزنا أو قامت به بينة لم ينتف الولد عنه، فلا تنافى بين لعانه وبين استلحاقه للولد.
(فرع)
إذا استلحق أحد الولدين وسكت عن الآخر لحقه، لانه لو نفياه للحقه، فإذا سكت عنه كان أولى، ولان امرأته متى أتت بولد لحقه ما لم ينفه عنه باللعان.
وان نفى أحدهما وسكت عن الاخر نفيناه.
وقال أصحاب أحمد لحقاه جميعا، لان لحوق النسب مبنى على التغليب وهو يثبت بمجرد الامكان.
وان كان لم يثبت الوطئ، ولا ينتفى الامكان للنفي فافترقا
[ ١٧ / ٤٢٢ ]
ولنا أنهما كانا موجودين عند اللعان فانتفيا به.
وإن أتت بولد فنفاه ولاعن لنفيه ثم ولدت آخر لاقل من ستة أشهر انتفى الثاني باللعان الاول وقال الحنابلة لم ينتف لان اللعان تناول الاول وحده، ويحتاج في نفى الثاني
إلى لعان ثان.
ولنا أنهما حمل واحد وقد لاعن لنفيه مرة فلا يحتاج إلى لعان ثان فأما إن نفى الولد باللعان ثم أتت بولد آخر بعد ستة أشهر فهذا من حمل آخر، فإنه لا يجوز أن يكون بين ولدين من حمل واحد مدة الحمل وينتفى الثاني بغير لعان، لانها بولادتها للاول تبينا براءة رحمها، فيكون حملا آخر.
وقال الحنابلة لا ينتفى بغير اللعان لانه حمل منفرد، فإن استلحقه أو ترك نفيه لحقه وإن كانت قد بانت باللعان لانه يمكن أن يكون قد وطئها بعد وضع الاول دليلنا أنها بانت باللعان فحرم عليه وطؤها فلا يكون ولده وإنما يكون من سفاح لاسيما وأنه جاء بعد براءة الرحم وانقضاء العدة بوضع الاول فكان حملها الثاني في غير نكاح فلم يحتج إلى نفيه لكونها أجنبية كسائر الاجنبيات.
وقال في الام: إذا لاعن امرأته بولد فنفيناه عنه ثم جاءت بولد آخر فنفيناه عنه ثم جاءت بولد لستة أشهر أو أكثر، وما يلزم به نسب ولد المبتوتة فهو ولده إلا أن ينفيه بلعان فإن نفاه فذلك له.
(فرع)
إذا مات أحد التوأمين أو ماتا معا فله أن يلاعن لنفى نسبهما.
وبهذا قال أحمد.
وقال أبو حنيفة يلزمه نفى الحى ولا يلاعن إلا لنفى الحى، لان الميت لا يصح نفيه باللعان، فإن نسبه قد انقطع بموته فلا حاجة إلى نفيه باللعان، كما لو ماتت امرأته فإنه لا يلاعنها بعد موتها لقطع النكاح، لكونه قد انقطع، وإذا لم ينتف الميت لم ينتف الحى لانهما حمل واحد.
دليلنا أن الميت ينسب إليه فيقال ابن فلان ويلزمه تجهيزه وتكفينه فكان له نفى نسبه وإسقاط مؤنته كالحى، وكما لو كان للميت ولد.
(فرع)
إذا قذف امرأته بالزنا قبل زواجه منها لم يكن له أن يلاعن، لانه يأتي باللعان على غير ما ورد به القرآن والسنة، لانه كمن يلاعن أجنبية عنه فلم يصح ويقام عليه الحد.
وهل له أن يلاعن إذا جاءت بولد ينتسب إليه؟ وجهان
قال أبو إسحاق المروزى: لا يلاعن لامكان أن يطلقها من غير حاجة إلى إضافة
[ ١٧ / ٤٢٣ ]
ولدها لما قبل العقد إذ هو المفرط بنكاح حامل بالزنا فلا يشرع له نفيه.
وبهذا قال أحمد وأصحابه.
(والثانى)
قول أبى على بن أبى هريرة، لنفى ما عساه يلحقه من نسب لا يرضاه وليس من فراشه ولا ينتفى إلا باللعان فجاز له وقال مالك وأبو ثور وأحمد: إن قذفها بزنا أضافه إلى ما قبل النكاح حد ولم يلاعن سواء كان ثم ولد أو لم يكن، وروى ذلك عن سعيد بن المسيب والشعبى وقال الحسن وزرارة بن أبى أوفى وأصحاب الرأى: له أن يلاعن لانه قذف امرأته فيدخل في عموم قوله تعالى " والذين يرمون أزواجهم " ولانه قذف امرأته فأشبه ما لو قذفها ولم يضفه إلى ما قبل النكاح.
وحكى الشريف أبو جعفر عن أحمد رواية أخرى.
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وإن أبانها ثم قذفها بزنا أضافه إلى حال النكاح - فان لم يكن نسب - لم يلاعن لدرء الحد لانه قذف غير محتاج إليه، وإن كان هناك نسب - فإن كان ولدا منفصلا - فله أن يلاعن لنفيه لانه يحتاج إلى نفيه باللعان، وأن كان حملا فقد روى المزني في المختصر أن له أن ينفيه.
وروى في الجامع أنه لا يلاعن حتى ينفصل الحمل واختلف أصحابنا فيه، فقال أبو إسحاق لا يلاعن قولا واحدا، وما رواه المزني في المختصر أراد إذا انفصل، وقد بين في الام، فإنه قال لا يلاعن حتى ينفصل، ووجهه أن الحمل غير متحقق لجواز أن يكون ريحا فينفش، ويخالف إذا قذفها في حال الزوجية، لان هناك يلاعن لدرء الحد فتبعه نفى الحمل، وههنا
ينفرد الحمل باللعان فلم يجز قبل أن يتحقق ومن أصحابنا من قال في قولان: أحدهما لا يلاعن حتى ينفصل، لما ذكرناه والثانى يلاعن، وهو الصحيح، لان الحمل موجود في الظهار ومحكوم بوجوده، ولهذا أمر بأخذ الحامل في الديات ومنع من أخذها في الزكاة، ومنعت الحامل إذا طلقت أن تتزوج حتى تضع، وهذه الطريقة هي الصحيحة، لان الشافعي
[ ١٧ / ٤٢٤ ]
﵀ نص في مثلها على قولين وهى في نفقة المطلقة الحامل فقال فيها قولان
(أحدهما)
تجب لها النفقة يوما بيوم
(والثانى)
لا تجب حتى ينفصل
(فصل)
وإن قذف امرأته وانتفى عن حملها وأقام على الزنا بينة سقط عنه الحد بالبينة، وهل له أن يلاعن لنفى الحمل قبل أن ينفصل؟ على ما ذكرناه من الطريقين في الفصل قبله.
(الشرح) إذا قال لامرأته أنت طالق ثلاثا يا زانية في فراشي نظرت - فإن كان هناك نسب يريد أن ينفيه، ولا يتحقق هذا إلا إذا انفصل الولد عنها - لاعن، لانه محتاج إلى نفيه، وبه قال مالك وأحمد، حيث نقل منها قال: سألت أحمد عن رجل قال لامرأته أنت طالق يا زانية ثلاثا، فقال يلاعن.
قلت إنهم يقولون يحد ولا يلزمها إلا واحدة.
قال بئس ما يقولون، فهذا يلاعن لانه قذفها قبل الحكم ببينونتها فأشبه القذف، فإن كان بينهما ولد فإنه يلاعن لنفيه وإلا حد ولم يلاعن، لانه يتعين إضافة القذف إلى حال الزوجية لاستحالة الزنا منها بعد طلاقه لها فصار كأنه قال لها بعد ابانتها: زنيت ان كنت زوجتى، على ما قررناه، وبه قال مالك.
وقال عثمان البتى: لا يلاعن بأى حال لانها ليست بزوجة.
وقال أبو حنيفة في الوجهين لا يلاعن - يعنى في حال نفى النسب والحمل - لانها ليست زوجة،
وينتقض عليها هذا القذف قبل الزوجية، كما ذكرنا آنفا، بل هذا أولى، لان النكاح قد تقدم وهو يريد الانتفاء من النسب وتبرئته من ولد يلحق به فلابد من اللعان، فإن كان هناك حمل يرجى فقد روى المزني في المختصر أن له أن ينفيه وروى رواية أخرى أنه لا يلاعن حتى ينفصل الحمل.
فاختلف أصحابنا فيه، فقال أبو إسحاق المروزى: لا يلاعن قولا واحدا، وأول ما رواه المزني في المختصر أن الامام الشافعي أراد إذا انفصل قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْأُمِّ: ولو قال رجل لامرأته أنت طالق ثلاثا
[ ١٧ / ٤٢٥ ]
أو طالق واحدة لم يبق له عليها من الطلاق الا هي أو طالق ولم يدخل، أو أي طلاق ما، كان لا رجعة عليها بعده وأتبع الطلاق مكانه يا زانية، حد ولا لعان الا أن يكون ينفى به ولدا أو حملا فيلاعن للولد يوقف للحمل فإذا ولدت التعن، فإن لم تلد حد ولو بدأ فقال يا زانية أنت طالق ثلاثا التعن، لان القذف وقع وهى أمرأته، ولو قال: أنت طالق ثلاثا يا زانية حد ولا لعان، الا أن ينفى ولد افيلاعن به ويسقط الحد.
ثم قال ﵁ " ولو قذف رجل امرأته فصدقته ثم رجعت فلا حد ولا لعان الا أن ينفى ولدا فيلاعن به ويسقط الحد، ولو قذف رجل امرأته فصدقته ثم رجعت فلا حد ولا لعان الا أن ينفى ولدا فلا ينفى الا بلعان، ولو قذف رجل امرأته ثم زنت بعد القذف أو وطئت وطئا حراما فلا حد ولا لعان الا أن ينفى ولدا أو يريد أن يلتعن فيثبت عليها الحد ان لم يلتعن، وإذا قذف رجل امرأته فارتدت عن الاسلام وطلبت حدها لاعن أو حد، لان القذف كان وهى زوجة مسلمة.
اه فهذا القول من الشافعي قاطع في أنه يلاعن لنفى الحمل بعد أن يوقف إلى أن
تلد.
قال المصنف الصحيح أن يلاعن وهى حامل لان الحمل موجود في الظاهر ومحكوم بوجوده، ويترتب على هذا الحمل أحكام في مواطن كثيرة فمثلا لا تعطى الحامل من الارقاء في الدية ولا تؤخذ البهيمة الحامل في الزكاة، ولا يحل زواج الحامل حيت تضع، فكيف ينتظر من وجد امرأته حاملا من غيره حتى تضع فيلاعنها وقد غاظته بهذا الزنا في فراشه، ويمكن حمل قول الشافعي على ما إذا اشتبه عليه الحمل ولم يتحقق وتردد فيه، أو كان محتملا أن يكون انتفاخا أو مرضا من أمراض النساء فلا يلاعن حتى تلد.
ويمكن حمل قوليه في النفقة على ما إذا كان حملها غير مقطوع به فتجب نفقتها حتى تلد.
أما إذا كان حملها مقطوعا به فقد وجب لها يوما بيوم، وسنأتي على هذا في كتاب النفقات ان شاء الله.
على أن قول الشافعي يوقف حتى تلد إذا قصد به الحمل المقطوع به كان مخالفا لحديث " ان جاءت به كذا فهو لابيه، وان جاءت به كذا فهو لفلان " فجاءت به على النعت المكروه، فإذا اعتمدنا أصله " إذا صح الحديث
[ ١٧ / ٤٢٦ ]
فهو مذهبي، حملنا قوله على ما إذا كان الحمل غير متيقن، بدليل قوله فإن لم تلد حد.
ومن ثم يكون الحمل محتملا.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن قذف امرأته في نكاح فاسد - فإن لم يكن نسب - لم يلاعن لدرء الحد، لانه قذف غير محتاج إليه، وإن كان هناك نسب - فإن كان ولدا منفصلا - فله أن يلاعن لنفيه، لانه ولد يلحقه بغير رضاه لا ينتفى عنه بغير اللعان، فجاز نفيه باللعان كالولد في النكاح الصحيح، وإن كان حملا فعلى ما ذكرناه من الطريقين.
(فصل)
وإن ملك أمة لم تصر فراشا بنفس الملك، لانه قد يقصد بملكها
الوطئ، وقد يقصد به التمول والخدمة والتجمل، فلم تصر فراشا، فإن وطئها صارت فراشا له، فإن أتت بولد لمدة الحمل من يوم الوطئ لحقه، لان سعدا نازع عبد بن زمعة في ابن وليدة زمعة فقال عبد: هو أخى وابن وليدة أبى ولد على فراشه، فقال النبي ﷺ " هو لك، الولد للفراش وللعاهر الحجر " وروى ابن عمر ﵁ أن عمر ﵁ قال " ما بال رجال يطأون ولائدهم ثم يعزلونهن، لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أنه ألم بها إلا ألحقت به ولدها، فاعزلوا بعد ذلك أو اتركوا " وإن قذفها وانتفى عن ولدها فقد قال أحمد: أما تعجبون من أبى عبد الله يقول بنفى ولد الامة باللعان، فجعل أبو العباس هذا قولا، ووجهه أنه كالنكاح في لحوق النسب، فكان كالنكاح في النفى باللعان ومن أصحابنا من قال لا يلاعن لنفيه قولا واحدا لانه يمكنه نفيه بغير اللعان وهو بأن يدعى الاستبراء ويحلف عليه، فلم يجز نفيه باللعان بخلاف النكاح، فإنه لا يمكنه نفى الولد فيه بغير لعان، ولعل أحمد أراد بأبى عبد الله غير الشافعي رحمة الله عليهما.
(فصل)
إذا قذف امرأته بزناءين وأراد اللعان كفاه لهما لعان واحد، لانه في أحد القولين يجب حد واحد، فكناه في إسقاطه لعان واحد، وفى القول
[ ١٧ / ٤٢٧ ]
القول الثاني يجب حدان، إلا أنهما حقان لواحد فاكتفى فيهما بلعان واحد، كما يكتفى في حقين لواحد بيمين واحد.
وإن قف أربع نسوة أفرد كل واحدة منهم بلعان، لانها أيمان فلم تتداخل فيها حقوق الجماعة، كالايمان في المال.
وإن قذفهن بكلمات بدأ بلعان من بدأ بقذفها لان حقها أسبق.
وإن قذفهن بكلمة واحدة وتشاححن في البداية أقرع
بينهن، فمن خرجت لها القرعة بدأ بلعانها.
وإن بدأ بلعان إحداهن من غير قرعة جاز، لان الباقيات يصلن إلى حقوقهن من اللعان من غير نقصان (الشرح) خبر تنازع سعد وعبد بن زمعة أخرجه أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن خلا الترمذي.
عن عائشة قالت " اختصم سعد بن أبى وقاص وعبد بن زمعة إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال سعد: يا رسول الله ابن أخى عتبة ابن أبى وقاص عهد إلى أنه ابنه أنظر إلى شبهه.
وقال عبد بن زمعة: هذا أخى يا رسول الله ولد على فراش ابى، فنظر رسول الله إلى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة فقال: هو لك يا عبد بن زمعة.
الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة، قال فلم ير سودة قط " وفى رواية أبى داود وأخرى للبخاري " هو أخوك يا عبد " عبد بن زمعة أخو سودة أم المؤمنين.
وقوله " الولد للفراش وللعاهر الحجر " سبق القول بتواتره أما خبر ابن عمر فقد رواه الشافعي في الام ولم أره في مسنده في اللعان " ولم يعزه في المنتقى إلى غيره.
ومن هذا الحديث يتضح أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ ألحق الولد بزمعة لانه صاحب الفراش، ودليله أقوى من دليل الشبه، وقد ذهب بعضهم إلى أن قوله هو لك يا عبد بن زمعة، أن " لك " للتمليك، فكأنه لم يلحقه به أخا وإنما ملكه له، بدليل أنه أمر سودة بالاحتجاب منه، فلو كان أخا لها لم تؤمر بالاحتجاب منه.
وفى رواية: احتجبي منه فإنه ليس بأخ لك.
ويجاب على ذلك بأن اللام للاختصاص لا للتمليك.
[ ١٧ / ٤٢٨ ]
ويؤيد ذلك ما في رواية " هو أخوك يا عبد " أما أمره لسودة بالاحتجاب
فذلك على سبيل الاحتياط والورع والصيانة لامهات المؤمنين لما رآه من الشبه بعتبة بن أبى وقاص كما في حديث " كيف وقد قيل؟ " أو يكون ذلك مراعاة للشيئين وإعمالا للدليلين، فإن الفراش دليل لحوق النسب، والشبه بغير صاحبه دليل نفيه فأعمل أمر الفراش بالنسبة إلى المدعى، وأعمل الشبه بعتبة بالنسبة إلى ثبوت المحرمية بينه وبين سودة.
قال ابن القيم: وهذا من أحسن الاحكام وأبينها وأوضحها، ولا يمنع ثبوت النسب من وجه دون وجه.
وأما الرواية التى فيها " احتجبي منه فإنه ليس بأخ لك " فقد طعن البيهقى في إسنادها.
وقال فيها جرير وقد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، وفيها يوسف مولى آل الزبير وهو غير معروف.
أما الاحكام فإنه إذا نكح امرأة نكاح فاسدا ثم قذفها، وبينهما ولد يريد نفيه فله أن يلاعن لنفيه ولا حد عليه، وإن لم يكن يينهما ولد حد ولا لعان بينهما.
وبهذا قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: يلحقه الولد وليس له نفيه ولا اللعان لانها أجنبية فأشبهت سائر الاجنبيات أو إذا لم يكن بينهما ولد.
وهذا فاسد لان الولد يلحقه بحكم عقد النكاح فكان له نفيه كما لو كان النكاح صحيحا، ويفارق إذا لم يكن ولد فإنه لا حاجة إلى القذف لكونها أجنبية.
ويفارق سائر الاجنبيات لانه لا يلحقه ولدهن فلا حاجة به إلى قذفهن.
ويفارق الزوجة فإنه يحتاج إلى قذفها مع عدم الولد لكونها خانته وغاظته وأفسدت فراشه، فإذا كان له منها ولد فالحاجة موجودة فيهما، وإذا لاعن سقط الحد، لانه لعان مشروع لنفى الحد، فأسقط الحد كاللعان في النكاح الصحيح، وهل يثبت التحريم المؤبد؟ وجهان سيأتي بيانهما وقالت المالكية يلاعن في النكاح الفاسد زوجته لانها صارت فراشا له.
أما
إذا كانت حاملا فعلى ما مضى من النكاح الصحيح أما حكم قوله " يعترف سيدها أن قد ألم بها " فيه تقوية لمذهب الجمهور من أنه لا يشترط في فراش الامة الدعوة، بل يكفى مجرد ثبوت الفراش
[ ١٧ / ٤٢٩ ]
وقول الامام أحمد ﵁: أما تعجبون من قول أبى عبد الله فإن كان يقصد بنسبة مقول القول إلى الامام الشافعي كانت تلك رواية أخرى لم تعرف عن الشافعي إلا عن أحمد متفردا بها، والقاعدة ان في رواية الشيخ عن شيخه مخالفا للاقران غرابة، وقد أخذ بعض أصحابنا بصحة نسبة القول إلى الشافعي كأبى العباس ابن سريج فاعتبره قولا ووجهه أنه كالنكاح وقال المصنف: ولعل أحمد أراد بأى عبد الله غير الشافعي - وهذا أحسن ما أجيب به.
(مسألة) إذا قذف امرأته قذفين بزناءين فليس عليه إلا حد واحد، ويكفيه لعان واحد لانه يمين، فإذا كان الحقان لواحد كفته يمين واحدة في أحد القولين، والثانى يجب حدان لانهما حقان، وإن لم يلزمه إلا لعان واحد، ومقتضى القول الاول أنه يكفيه أن يقول: أشهد بالله إنى لمن الصادقين فيما رميتها به من الزناءين وفارق ما إذا قذف زوجتين حيث لا يكفيه لعان واحد، لان اليمين وجبت لكل واحد منهما فلا تتداخل كسائر الايمان.
وإن أقام البينة بالاول سقط عنه موجب الثاني لانه زال إحصانها ولا لعان إلا أن يكون فيه نسب يريد نفيه، وإن أقامها بالثاني لم يسقط الحد الاول وله إسقاطه باللعان الا على قول القاضى، فإنه يسقط بإقامة البينة على الثاني وان قذفها في الزوجية ولاعنها ثم قذفها بالزنا الاول فلا حد عليه لانه قد حققه بلعانه، ومقتضى القول الثاني أن يحد، كما لو قذفها به أجنبي، ولو قذفها به
أجنبي أو بزنا غيره فعليه الحد في قول عامة أهل العلم.
منهم ابن عباس والزهرى والشعبى والنخعي وقتادة وأحمد وأبو عبيد.
وذكر أبو عبيد عن أصحاب الرأى أنهم قالوا: ان لم ينف بلعانها ولدا حد قاذفها، وان نفاه فلا حد على قاذفها لانه منتف عن زوجها بالشرع (فرع)
إذا قذف امرأته وأجنبية أو أجنبيا بكلمتين فعليه حدان لهما، فيخرج من حد الاجنبية بالبينة خاصة، ومن حد الزوجة بالبينة أو اللعان، وان قذفهما بكلمة واحدة الا أنه إذا لم يلاعن ولم تقم بينة فهل يحد لهما حدا واحدا أو حدين؟ على قولين.
قال في القديم: يحد حدا واحدا، وبه قال أبو حنيفة وزاد، سواء
[ ١٧ / ٤٣٠ ]
كان بكلمة أو كلمات، لانهما حدود من جنس فوجب أن تتداخل كحدود الزنا وقال أحمد في احدى روايتيه بقول الشافعي في القديم، والثانى يقام لكل واحد حد بكل حال لانها حقوق لآدميين فلم تتداخل كالديون.
وقال أحمد في الرواية الاخرى: إذا طالبوا مجتمعين فحد واحد، وان طالبوا متفرقين فلكل واحد حد لانهم إذا اجتمعوا في الطلب أمكن ايفاؤهم بالحد الواحد، وإذا تفرقوا لم يمكن جعل الحد الواحد ايفاء لمن لم يطالب، لانه لا يجوز اقامة الحد له قبل المطالبة منه ولنا أنه إذا قذفهما بكلمة واحدة لا يجزئ حد واحد، لان لكل واحد حقا فوجب لكل واحد حد، كما لو قذف الثاني بعد حد الاول، وهكذا الحكم فيما إذا قذف أجنبيين أو أجنبيات فالتفصيل فيه على ما ذكرناه.
وان قذف أربع نسائه فالحكم في الحد كذلك، وان أراد اللعان فعليه أن يلاعن لكل واحدة لعانا مفردا، ويبدأ بلعان التى تبدأ بالمطالبة، فان طالبن جميعا وتشاححن بدأ باحداهن بالقرعة، وان لم يتشاححن بدأ بلعان من شاء منهن.
ولو بدأ بواحدة منهن من غير قرعة من المشاحة صح، ويحتمل أن يجزئه لعان
واحد فيقول: أشهد بالله انى لمن الصادقين فيما رميت به كل واحدة من زوجائى هؤلاء الاربع من الزنا، وتقول كل واحدة أشهد بالله انه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، لانه يحصل المقصود بذلك، والاول أصح لان اللعان أيمان فلا تتداخل لجماعة كالايمان في الديون (فرع)
إذا أقام البينة على زناها فقذفها آخر فلا حد عليه لانه قد زال احصانها، ولان هذا القذف لم يدخل المعرة عليها، وانما دخلت المعرة بقيام البينة ولكنه يعزر تعزير السب والاذى، وهكذا كل من قامت البينة بزناه لا حد على قاذفه، وبه قال أحمد وأصحاب الرأى، ولكنه يعزر تعزير السب والاذى، ولا يملك الزوج اسقاطه عن نفسه باللعان لما قدمناه وان قذف زوجته ولاعنها ثم قذفها بزنا آخر فعليه الحد لانها بانت منه باللعان وصارت أجنبية الا أن يضيف الزنا إلى حال الزوجية، فعند ذلك ان كان ثم نسب يريد نفيه فله الملاعنة لنفيه والا لزمه الحد ولا لعان بينهما، والله تعالى أعلم بالصواب وهو حسبنا ونعم الوكيل
[ ١٧ / ٤٣١ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى: