قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(بَابُ مَا يوجب فسخ الاجارة) إذا وجد المستأجر بالعين المستأجرة عيبا جاز له ان يرد، لان الاجارة كالبيع، فإذا جاز رد المبيع بالعيب جاز رد المستأجر، وله أن يرد بما يحدث في يده من العيب، لان المستأجر في يد المستأجر كالمبيع في يد البائع، فإذا جاز رد المبيع بما يحدث من العيب في يد البائع، جاز رد المستأجر بما يحدث من العيب في يد المستأجر.
(فصل)
والعيب الذى يرد به ما تنقص به المنفعة، كتعثر الظهر في المشي والعرج الذى يتأخر به عن القافلة وضعف البصر والجذام والبرص في المستأجر للخدمة، وانهدام الحائط في الدار، وانقطاع الماء في البئر والعين والتغير الذى يمتنع به الشرب أو الوضوء وغير ذلك من العيوب التى تنقص بها المنفعة.
فاما إذا اكترى ظهرا فوجده خشين المشي لم يدر، لان ذلك لا تنقص به المنفعة.
وان اكترى ظهرا للحج عليه فعجز عن الخروج بالمرض أو ذهاب المال لم يجز له الرد، وان اكترى حماما فتعذر عليه ما يوقده لم يجز له الرد، لان المعقود عليه باق، وانما تعذر الانتفاع لمعنى في غيره فلم يجز له الرد، كما لو اشترى ظهرا ليحج عليه فعجز عن الحج لمرض أو ذهاب المال، وان اكترى أرضا للزراعة فزرعها ثم هلك الزرع بزيادة المطر أو شدة برد أو دوام ثلج أو أكل جراد لم يجز له الرد لان الجائحة حدثت على مال المستأجر دون منفعة الارض فلم يجز له الرد، وان اكترى دارا فتشعثت فبادر المكرى إلى اصلاحها لم يكن للمستأجر ردها لانه لا يلحقه الضرر، فان لم يبادر ثبت له الفسخ لانه يلحقه ضرر بنقصان المنفعة، فان رضى سكناها ولم يطالب بالاصلاح فهل يلزمه جميع الاجرة ام لا؟ فيه وجهان
(أحدهما)
لا يلزمه جميع الاجرة لانه لم يستوف جميع ما استحقه من المنفعة فلم يلزمه جميع الاجرة، كما لو اكترى دارا سنة فسكنها بعض السنة ثم غصبت
(والثانى)
يلزمه جميع الاجرة لانه استوفى جميع المعقود عليه ناقصا بالعيب
[ ١٥ / ٧٣ ]
فلزمه جميع البدل، كما لو اشترى عبدا فتلفت يده في يد البائع ورضى به.
(فصل)
ومتى رد المستأجر العين بالعيب، فان كان العقد على عينها انفسخ العقد، لانه عقد على معين فانفسخ برده، كبيع العين.
وان كان العقد على موصوف في الذمة لم ينفسخ العقد برد العين، بل يطالب ببدله، لان العقد على ما في الذمة، فإذا رد العين رجع إلى ما في الذمة، كما لو وجد بالمسلم فيه عيبا فرده.
(فصل)
وان استأجر عبدا فمات في يده، فان كان العقد على موصوف في الذمة طالب ببدله لما ذكرناه في الرد بالعيب، وان كان العقد على عينه فان لم يمض من المدة ما له أجرة انفسخ العقد.
وقال أبو ثور من أصحابنا: لا ينفسخ، بل يلزم المستأجر الاجرة لانه هلك بعد التسليم فلم ينفسخ العقد، كما لو هلك المبيع بعد تسليم فلم ينفسخ العقد، والمذهب الاول، لان المعقود عليه هو المنافع، وقد تلفت قبل قبضها فانفسخ العقد كالمبيع إذا هلك قبل القبض.
وان مضى من المدة ماله أجرة انفسخ العقد فيما بقى بتلف المعقود عليه، وفيما مضى طريقان:
(أحدهما)
لا ينفسخ فيه العقد قولا واحدا
(والثانى)
انه على قولين بناء على الطريقين في الهلاك الطارئ في بعض المبيع قبل القبض، هل هو كالهلاك المقارن للعقد ام لا؟ لان المنافع في الاجارة كالمبيع قبل القبض، وفى المبيع قبل القبض طريقان فكذلك الاجارة.
(فصل)
وان اكترى دارا فانهدمت فقد قال في الاجارة ينفسخ العقد،
وقال في المزارعة إذا اكترى أرضا للزراعة فانقطع ماؤها ان المكترى بالخيار بين أن يفسخ وبين أن لا يفسخ.
واختلف أصحابنا فيهما على طريقين، فمنهم من نقل جواب كل واحدة من المسئلتين إلى الاخرى فخرجهما على قولين، وهو الصحيح
(أحدهما)
ان العقد ينفسخ فيهما، لان المنفعة المقصودة هي السكنى والزراعة وقد فاتت فانفسخ العقد، كما لو اكترى عبدا للخدمة فمات.
(والثانى)
لا ينفسخ لان العين باقية يمكن الانتفاع بها وانما نقصت منفعتها فثبت له الخيار كما لو حدث به عيب.
ومنهم من قال إذا انهدمت الدار انفسخ
[ ١٥ / ٧٤ ]
العقد، وان انقطع الماء من الارض لم ينفسخ لان الارض باقية مع انقطاع الماء والدار غير باقية مع الانهدام.
(الشرح) لا ينفسخ عقد الاجارة عينية كانت أو في الذمة بنفسها ولا يفسخ احد العاقدين بالاعذار التى لا توجب خللا في المعقود عليه، كمن استأجر حماما وتعذر عليه جلب الوقود له، أو استأجر سيارة وتعذر على شراء وقودها، أو مرض فحال مرضه دون السفر عليها، أو استأجر بيتا ولم يجد أثاثا يتخذه فراشا فيها، ويقاس على هذه الامثلة كل عذر لا يلحق المعقود عليه خلل في عينه بعيب فيه، وإذا استأجر دارا فوجد ماء بئرها متغيرا، قال أبو حنيفة: إن استطيع الوضوء به فلا خيار للمستأجر.
وعندنا انه ان خالف معهود الآبار في تلك الناحية فله الخيار، فان كان معهودهم الشرب من آبارهم - فإذا كان تغيره يمنع من شربه - فله الخيار، وان أمكن الوضوء منها، وان كان معهودهم الا يشربوا منها فلا خيار، وإن كان غير معهود في ذلك الوقت - فان كان مع نقصانه كافيا لما يحتاج المستأجر من شرب أو طهور، فلا خيار له، وان كان مقصرا عن الكفاية فله الخيار.
فأما رجاء الحصول على الماء إذا تغير ماؤه فلا خيار لمستأجره، ولو نقص ماؤه فله الخيار الا أن يكون معهودا في وقته فلا خيار فيه.
قال الشافعي: وإذا اكترئ الرجل الارض من الرجل بالكراء الصحيح ثم أصابها غرق منعه الزرع أو ذهب بها سيل أو غصبها فحيل بينه وبينها سقط عنه الكراء من يوم أصابها ذلك، وهى مثل الدار يكتريها سنة ويقبضها فتهدم في أول السنة أو آخرها، والعبد يستأجره السنة فيموت في أول السنة أو آخرها فيكون عليه من الاجارة بقدر ما سكن واستخدم ويسقط عنه ما بقى، وان أكراه أرضا بيضاء يصنع فيها ما شاء، أو لم يذكر انه اكتراها للزرع ثم انحسر الماء عنها في أيام لا يدرك فيها زرعا، فهو بالخيار بين أن يأخذ ما بقى بحصته من الكراء أو يرده لانه قد انتقص مما اكترى.
وكذلك ان اكتراها للزرع، وكراؤها للزرع أبين في ان له أن يردها ان شاء، وإن كان مر بها فافسد زرعه أو أصابه
[ ١٥ / ٧٥ ]
حريق أو ضريب ١) أو جراد أو غير ذلك فهذا كله جائحة على الزرع لا على الارض فالكراء له لازم، فان أحب أن يجدد زرعا جدده ان كان ذلك يمكنه، وان لم يمكنه فهذا شئ أصيب به في زرعه لم تصب به الارض فالكراء له لازم، وهذا مفارق للجائحة في الثمرة يشتريها الرجل فتصيبها الجائحة في يديه قبل أن يمكنه جدادها.
ومن وضع الجائحة ثم ابتغى أن لا يضعها ههنا، فان قال قائل: إذا كانتا جائحتين فما بال احداهما توضع والاخرى لا توضع، فان من وضع الجائحة الاولى فانما يضعها بالخبر، وبانه إذا كان البيع جائزا في شراء الثمرة إذا بدا صلاحها وتركها حتى تجدد فانما ينزلها بمنزلة الكراء الذى يقبض به الدار ثم تمر به أشهر ثم تتلف الدار فيسقط عنه الكراء من يوم تلف.
اه وقد اختلف أصحابنا في الفساد الطارئ على المستأجر - بفتح الجيم - على
حسب اختلافهم في الفساد الطارئ على بعض الصفقة، هل يكن كالفساد المقارن للعقد؟ فقال بعض أصحابنا هما سواء، فيكون بطلان الاجارة فيما مضى من المدة على قولين من تفريق الصفقة.
وقال آخرون: ان الفساد الطارئ على العقد مخالف للفساد المقارن للعقد، فتكون الاجارة فيما مضى من المدة غير فاسدة قولا واحدا.
فان قبل ببطلان الاجارة فيما مضى من المدة لزم المستأجر أجرة المثل في الماضي دون المسمى.
وان قيل بصحة الاجارة فيما مضى فقد اختلف أصحابنا هل له الخيار في فسخه أم لا؟ على وجهين
(أحدهما)
لا خيار له لفواته على يده، فعلى هذا ان كانت اجرة السنة كلها متساوية لتساوي العمل فيها فعليه نصف الاجرة المسماة لاستيفاء نصف العمل المستحق بنصف السنة المسماة وان كان العمل فيها مختلفا والاجرة فيه مختلفة مثل ان تكون اجرة النصف الماضي من السنة مائة درهم واجرة النصف الباقي خمسين درهما تقسطت الاجرة على العمل المختلف دون المدة، وكان على المستأجر ثلثى ثلثا الاجرة بمضي نصف المدة لانها تقابل ثلثى العمل
_________________
(١) الضريب يقال للثلج الدائب ولسموم الماء انشفه الارض. هكذا في القاموس
[ ١٥ / ٧٦ ]
(والوجه الثاني) أن له الخيار لتفريق الصفقة عليه بين المقام على الاجارة فيما مضى وبين فسخها فيه، فان أقام على الماضي لزمه من الاجرة ما ذكرناه من الحساب والقسط، وكان بعض أصحابنا يخرج قولا آخر أن يقيم بجميع الاجرة والا فسخ، وهو قول من يجعل الفساد الطارئ كالفساد المقارن، وان فسخ الاجارة في الماضي لزمه فيه أجرة المثل، لان الفسخ قد رفع العقد فسقط حكم المسمى فيه.
(فرع)
وجملة بيان هذه الفصول ان من استأجر عينا مدة فحيل بينه وبين الانتفاع بها لم يخل من أقسام ثلاثة.
(احدها) ان تتلف العين كنفوق دابة فهذا على ثلاثة أضرب، أحدها: ان تتلف العين قبل قبضها، فان الاجارة تنفسخ بغير خلاف نعلمه، لان المعقود عليه تلف قبل قبضه فاشبه ما لو تلف الطعم المبيع قبل قبضه.
(والثانى)
أن تتلف عقيب قبضها، فان الاجارة تنفسخ ايضا ويسقط الاجر عند عامة الفقهاء الا أبا ثور حكى عنه أنه قال: يستقر الاجر، لان المعقود عليه اتلف بعد قبضه أشبه المبيع، وهذا غلط، لان المعقود عليه المنافع، وقبضها استيفاؤها أو التمكن من استيفاؤها، ولم يحصل ذلك فاشبه تلفها قبل قبض العين (والثالث) أن تتلف بعد مضى شئ من المدة، فان الاجارة تنفسخ فيما بقى من المدة دون ما مضى، ويكون للمؤجر من الاجر بقدر ما استوفى من المنفعة، هذا معنى ما نقلناه من الام قبل.
وقال أحمد فيما رواه عنه ابراهيم بن الحارث: إذا اكترى بعيرا بعينه فنفق البعير يعطيه بحساب ما ركب، وذلك لما ذكرنا من ان المعقود عليه المنافع، وقد تلف بعضها قبل قبضه فبطل العقد فيما تلف دون ما قبض، كما لو اشترى صبرتين فقبض احداهما وتلفت الاخرى قبل قبضها.
فان كان المستأجر مختلف الاجر حسب اختلاف الازمان كدار بسيف البحر ايجارها صيفا أكثر من أجرها شتاء، أو دار بأسوان أجرها شتاء أكثر من أجرها صيفا أو دار لها موسم كدور مكة شرفها الله رجع في تقويمه إلى أهل الخبرة
[ ١٥ / ٧٧ ]
ويقسط الاجر المسمى على حسب قيمة المنفعة كقسمة الثمن على الاعيان المختلفة في البيع، وكذلك لو كان الاجر على قطع المسافة وكانت معروفة بالاميال أو الكيلو مترات.
القسم الثاني: ان يحدث على العين ما يمنع نفعها كدار انهدمت وأرض غرقت أو انقطع عنها الماء فهذه ينظر فيها فان لم يبق فيها أصلا فهى كالتالفة سواء، وان بقى فيها نفع غير ما استأجرها له انفسخت الا في انقطاع الماء لانه لم يحدث في المعقود عليه خلل يفسد العقد فاشبه ما لو نقص نفعها مع بقائه، فهو مخير بين الفسخ والامضاء، فان فسخ فعليه ما مضى من العقد، وان اختار امضاءه فعليه جميع الاجر لان العيب إذا رضى به سقط حكمه.
فإذا انهدمت الدار أو مرض الخادم، فان الاجارة لا تنفسخ لبقاء المعقود عليه، ولكن المستأجر بالخيار لاجل العيب الحادث المؤثر في منفعته بين المقام والفسخ، والخيار فيه على التراخي لا على الفور بخلاف الخيار في البيع لانه يتجدد بمرور الاوقات لحدوث النقص فيها فان كان مرض الخادم مرضا لا يؤثر في العمل نظر فيما استؤجر له من العمل، فان كان مما لا تعاف النفس مرضه فيه كالكنس والرعى وحرث الارض فلا خيار للمستأجر، وان كان مما تعاف النفس مرضه فيه كخدمته في مأكله ومشربه وملبسه فله الخيار.
وقال النووي في الدار: تنفسخ بهدمها.
وقال شمس الدين الرملي: في الاصح وان كانت الاجارة في دار حرث شارعها أو دكان بطلت سوقه فلا خيار له لانه عيب خدث في غير المعقود عليه، فإذا استأجر دارا فانهدم فيها حائط أو سقط فيها سقف نظر، فان لم يمكن سكنى الدار بانهدام حائطها وسقوط سقفها كان كما لو انهدم جميعها في بطلان الاجارة فيها، وان أمكن سكناها لم تبطل الاجارة وكان مخيرا في الفسخ للعيب الحادث.
وأما ان انهدم نصفها وبقى نصفها والباقى منها يمكن سكناه بطلت الاجارة في النصف المنهدم، وهى صحيحة في النصف السليم والمستأجر بالخيار، ومن جعل من أصحابنا الفساد الطارئ على بعض الصفقة كالفساد المقارن للصفقة خرج الاجارة فيما سلم من الدار على قولين.
[ ١٥ / ٧٨ ]
(فرع)
فإذا انهدمت الدار فبناها المؤجر لم تعد الاجارة فيها بعد فسادها الا بعقد جديد: لان بطلانه يمنع من عوده الا باستحداث عقد ولكن لو اشتركت وتشعبت فلم يختر المستأجر الفسخ حين عمرها المؤجر ففى خيار المستأجر وجهان أحدهما: قد سقط لارتفاع موجبة، والثانى: انه باق بحاله لما تقدم من استحقاقه ولكن له لو رام المؤجر ان يمنع المستأجر من الفسخ حتى يعمرها له لم يكن ذلك للمؤجر، وكان المستأجر على خيار.
(فرع)
قال الشافعي ﵁: ولو اكترى أرضا سنة فغصبها رجل لم يكن عليه كراه لانه لم يسلم له ما اكترى، قلت: ومن هنا نعلم أن الارض إذا غصبت من يد المستأجر فله الفسخ، وهل تبطل الاجارة بالغصب؟ على قولين.
أصحهما: باطلة، والمستأجر برئ من اجرة مدة الغصب، ولا يكون المستأجر خصما للغاصب فيها، لان خصم الغاصب انما هو المالك أو وكيله وليس المستأجر مالكا ولا وكيلا فلم يكن خصما.
والقول الثاني: ان الاجارة لا تبطل لان غاصبها ضامن لمنافعها لكن يكون المستأجر بحدوث الغصب مخيرا بين المقام أو الفسخ فان فسخ سقطت عنه الاجرة ولم يكن خصما للغاصب فيها، وان أقام فعليه المسمى ويرجع باجرة المثل على الغاصب ويصير خصما له في الاجرة دون الرقبة، الا ان يبقى من مدة الاجارة شئ فيجوز أن يصير خصما في الرقبة ليستوفى حقه من المنفعة وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(فصل)
وان اكرى نفسه فهرب أو أكرى عينا فهرب بها نظرت، فان كانت الاجارة على موصوف في الذمة استؤجر عليه من ماله كما لو اسلم إليه في شئ فهرب، فانه يبتاع عليه المسلم فيه، وان لم يمكن الاستئجار عليه ثبت للمستأجر
الخيار بين أن يفسخ وبين ان يصبر، لانه تأخر حقه فيثبت له الخيار، كما لو اسلم في شئ فتعذر، وان كانت الاجارة على عين فهو بالخيار بين أن يفسخ وبين أن يصبر، لانه تأخر حقه فثبت له الخيار، كما لو ابتاع عبدا فابق قبل القبض، فان لم يفسخ نظرت، فان كانت الاجارة على مدة انفسخ العقد بمضي المدة يوما بيوم
[ ١٥ / ٧٩ ]
لان المنافع تتلف بمضي الزمان فانفسخ العقد بمضيه، وان كانت على عمل معين لم ينفسخ لانه يمكن استيفاؤه إذا وجده
(فصل)
وان غصبت العين المستأجرة من يد المستأجر - فان كان العقد على موصوف في الذمة - طولب المؤجر باقامة عين مقامها على ما ذكرناه في هرب المكرى، وان كان على العين فللمستأجر أن يفسخ العقد، لانه تأخر حقه فثبت له الفسخ، كما لو ابتاع عبدا فغصب فان لم يفسخ - فان كانت الاجارة على عمل - لم تنفسخ لانه يمكن استيفاؤه إذا وجده، وان كانت على مدة فانقضت ففيه قولان:
(أحدهما)
ينفسخ العقد فيرجع المستأجر على المؤجر بالمسمى، ويرجع المؤجر على الغاصب باجرة المثل
(والثانى)
لا ينفسخ، بل يخير المستأجر بين ان يفسخ ويرجع على المؤجر بالمسمى، ثم يرجع المؤجر على الغاصب باجرة المثل، وبين ان يقر العقد ويرجع على الغاصب بأجرة المثل، لان المنافع تلفت في يد الغاصب، فصار كالمبيع إذا اتلفه الأجنبي.
وفى المبيع قولان إذا اتلفه الأجنبي فكذلك ههنا.
(فصل)
وان مات الصبى الذى عقد الاجارة على إرضاعه فالمنصوص انه ينفسخ العقد، لانه تعذر استيفاء المعقود عليه، لانه لا يمكن اقامة غيره مقامه لاختلاف الصبيان في الرضاع فبطل.
ومن أصحابنا من خرج فيه قولان آخر انه
لا ينفسخ، لان المنفعة باقية، وانما هلك المستوفى فلم ينفسخ العقد، كما لو استأجر دارا فمات، فعلى هذا ان تراضيا على ارضاع صبى آخر جاز.
وان تشاحا فسخ العقد، لانه تعذر امضاء العقد ففسخ.
(فصل)
وان استأجر رجلا ليقلع له ضرسا فسكن الوجع، أو ليكحل عينه فبرئت، أو ليقتص له فعفا عن القصاص، انفسخ العقد على المنصوص في المسألة قبلها، لانه تعذر استيفاء المعقود عليه فانفسخ، كما لو تعذر بالموت، ولا ينفسخ على قول من خرج القول الآخر.
[ ١٥ / ٨٠ ]
(الشرح) إذا هرب الاجير أو شردت الدابة المتاجرة أو أخذ المؤجر العين وهرب بها، أو منعه استيفاء المنفعة من غير هرب على نحو ما، لم تنفسخ الاجارة، لكن يثبت للمستأجر خيار الفسخ، فان فسخ فلا كلام، وان لم يفسخ انفسخت الاجارة بمضي المدة يوما فيوما، فان عادت العين في اثناء المدة استوفى ما بقى منها، فان انقضت المدة انفسخت الاجارة لفوات المعقود عليه، وان كانت الاجارة على موصوف في الذمة، كخياطة ثوب أو بناء حائط أو حمل إلى موضع معين استؤجر من ماله من يعلمه، كما لو أسلم إليه في شئ فهرب ابتيع من ماله، فان لم يمكن ثبت للمستأجر الفسخ، فان فسخ فلا كلام، وان لم يفسخ وصبر إلى ان يقدر عليه فله مطالبته بالعمل، لان ما في الذمة لا يفوت بهربه، وكل موضع امتنع الاجير من العمل فيه، أو منع المؤجر المستأجر من الانتفاع إذا كان بعد عمل البعض فلا أجر له فيه على ما سبق، الا أن يرد العين قبل انقضاء المدة أو يتم العمل - ان لم يكن على مدة - قبل فسخ المستأجر، فيكون له أجر ما عمل.
فأما ان شردت الدابة أو تعذر استيفاء المنفعة بغير فعل المؤجر فله من الاجر بقدر ما استوفى بكل حال، والى هذا كله ذهب الحنابله (فرع)
إذا غصبت العين المستأجرة من يد المستأجر ففيه قولان: أحدهما للمستأجر الفسخ لان فيه تأخير حقه، فان فسخ فالحكم فيه كما لو انفسخ العقد بتلف العين سواء، وان لم يفسخ حتى انقضت مدة الاجارة فله الخيار بين الفسخ والرجوع بالمسمى، وبين البقاء على العقد ومطالبة الغاصب باجرة المثل، لان المعقود عليه لم يفت مطلقا بل إلى بدل وهو القيمة، فاشبه ما لو اتلف الثمرة المبيعة آدمى قبل قطعها، ويتخرج انفساخ العقد بكل حال على القول بأن المنافع الغصب لا تضمن، وهو محل خلاف بين أصحابنا، وهو قول أصحاب الرأى وأصحاب أحمد.
(والثانى)
لا تخيير، بل ينفسخ ويرجع المستأجر على المؤجر بالمسمى ويرجع المؤجر على الغاصب بأجرة المثل
[ ١٥ / ٨١ ]
وقول ثالث لم يذكره المصنف، وهو قول ابن الرفعة: لا خيار ولا فسخ أخذا من النص، وقد استشهد له الغزى.
قال الرملي: فيه نظر.
وقال الاذرعى هو مشكل وما أظن الاصحاب يسمحون به وان كانت الاجارة على عمل في الذمة كخياطة ثوب أو حمل شئ إلى موضع معين فغصبت الماكينة التى يخيط.
بها، أو العربة التى يحمل عليها لم ينفسخ العقد وللمستأجر مطالبة الاجير بعوض المغصوب وإقامة من يعمل العمل، لان العقد على ما في الذمة، كما لو وجد بالمسلم فيه عيبا فرده، فان تعذر البدل ثبت للمستأجر الخيار بين الفسخ أو الصبر إلى أن يقدر على العين المغصوبة فيستوفى منها (فرع)
وتنفسخ الاجارة بموت الطفل، لانه يتعذر استيفاء المعقود عليه
لانه لا يمكن اقامة غيره مقامه لاختلاف الصبيان في الرضاع واختلاف اللبن باختلافهم، فانه قد يدر على احد الوالدين دون الآخر، وهذا هو منصوص الشافعي، فإذا انفسخ العقد بطلت الاجارة من أصلها بالاجر كله.
وان كان في اثناء المدة رجع بحصة ما بقى.
ومن أصحابنا من خرج قولا آخر انه لا ينفسخ، لان المنفعة باقية ببقاء المرضعة وانما المستوفى هو الذى هلك والعقد باق بين المتعاقدين فإذا تراضيا على إرضاع صبى آخر جاز والا انفسخ العقد.
أما إذا ماتت المرضعة فان الاجارة تنفسخ لفوات المنفعة بهلاك محلها، وحكى عن بعض أصحاب أحمد أنها لا تنفسخ، وكذلك ذهب بعض الاصحاب وقالوا: يجب في مالها أجر من ترضعه تمام الوقت لانه كالدين.
(فرع)
يجوز أن يستأجر طبيبا يخلع له ضرسه لانها منفعة مباحة مقصوده فجاز الاستئجار على فعلها كالختان، فإذا برأ الضرس قبل قلعه انفسخت الاجارة لان قلعه سليما لا يجوز، وان لم يبرأ لكن امتنع المستأجر من قلعه لم يجبر عليه لان اتلاف جزء من الادمى محرم في الاصل، وانما أبيح القلع إذا صار بقاؤه ضررا، والامر مفوض إلى الانسان في نفسه إذا كان أهلا لذلك.
وصاحب الضرس أعلم بمضرته ومنفعته، وكذلك.
وإذا استأجر طبيبا في الرمد ليكحل عينه بالنترات والاكاسيد فلم يبرأ عينه استحق الاجر، وبه قال أكثر الفقهاء.
[ ١٥ / ٨٢ ]
وقال مالك: إنه لا يستحق أجرا حتى تبرأ عينه، ولم يحك ذلك أصحابه، وهو فاسد، لان المستأجر قد وفى العمل الذى وقع العقد عليه فوجب له الاجر وإن لم يحصل الغرض، كما لو استأجره لبناء حائط يوما أو لخياطة قميص فلم يتمه فيه فان برئت عينه فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ من مدة، لانه قد تعذر
العمل فاشبه ما لو حجر عنه امر غالب، وكذلك لو مات، فان امتنع من العلاج فلم يستعمله مع بقاء المرض استحق الطبيب الاجر بمضي المدة، كما لو استأجره يوما للبناء فلم يستعلمه فيه، فاما ان شارطه على البرء فان مذهبنا ومذهب أحمد ابن حنبل ان ذلك يكون جعالة فلا يستحق شيئا حتى يتحقق البرء، سواء وجد قريبا أو بعيدا، فان برئ بغير دوائه أو تعذر علاجه لموته أو غير ذلك من الموانع التى هي من جهة المستاجر فله أجر مثله، كما لو عمل العامل في الجعالة ثم فسخ العقد، وان امتنع لامر من جهة المعالج أو غير الجاعل فلا شئ له على تفصيل سيأتي في الجعالة ان شاء الله.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان مات الاجير في الحج قبل الاحرام نظرت، فان كان العقد على حج في الذمة استؤجر من تركته من يحج، فان لم يمكن ثبت المستأجر الخيار في فسخ العقد كما قلنا في السلم، وان كان على حجة بنفسه انفسخ العقد، لانه تلف المعقود عليه قبل القبض، فان مات بعدما أتى بجميع الاركان وقبل المبيت والرمى سقط الفرض لانه أتى بالاركان، ويجب في تركته الدم لما بقى كما يجب ذلك في حج نفسه.
وان مات بعد الاحرام وقبل أن يأتي بالاركان فهل يجوز أن يبنى غيره على علمه؟ فيه قولان، قال في القديم: يجوز لانه عمل تدخله النيابة فجاز البناء عليه كسائر الاعمال.
وقال في الجديد: لا يجوز، وهو الصحيح، لانه عبادة يفسد أولها بفساد آخرها فلا تتأدى بنفسين كالصوم والصلاة، فان قلنا لا يجوز البناء فان كانت الاجارة على عمل الاجير بنفسه بطلت، لانه فات المعقود عليه ويستأجر المستأجر من يستأنف الحج.
[ ١٥ / ٨٣ ]
وان كانت الاجارة على حج في الذمة تبطل، لان المعقود عليه لم يفت بموته، فان كان وقت الوقوف باقيا استؤجر من تركته من يحج، وان فات وقت الوقوف فللمستأجر ان يفسخ لانه تأخر حقه فثبت له الفسخ.
وان قلنا: يجوز البناء على فعل الاجير: فان كانت الاجارة على فعل الاجير بنفسه، بطلت لان حجه فات بموته، فان كان وقت الوقوف باقيا أقام المستأجر من يحرم بالحج ويبنى عمل الاجير، وان كان بعد فوات وقت الوقوف أقام من يحرم بالحج ويتم.
وقال أبو إسحاق: لا يجوز للبانى أن يحرم بالحج، لان الاحرام بالحج في غير أشهر الحج لا ينعقد، بل يحرم بالعمرة ويتم، والصحيح هو الاول لانه لا يجوز ان يطوف في العمرة ويقع عن الحج، وقوله: ان الاحرام بالحج لا ينعقد في غير أشهر الحج لا يصح، لان هذا بناء على إحرام حصل في أشهر الحج، وان كانت الاجارة على حج في الذمة استؤجر من تركه الاجير من يبنى على إحرامه على ما ذكرناه.
(فصل)
ومتى انفسخ العقد بالهلاك أو بالرد بالعيب أو بتعذر المنفعة بعد استيفاء بعض المنفعة قسم المسمى على ما استوفى وعلى ما بقى، فما قابل المستوفى استقر، وما قابل الباقي سقط، كما يقسم الثمن على ما هلك من المبيع وعلى ما بقى، فإذا كان ذلك مما يختلف رجع في تقويمه إلى أهل الخبرة، وان كان العقد على الحج فمات الاجير أو أحصر نظرت، فان كان بعد قطع المسافة وقبل الاحرام فَفِيهِ وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ: انه لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْأُجْرَةِ بِنَاءُ عَلَى قوله في الام: إن الاجرة لا تقابل قطع المسافة وهو الصحيح، لان الاجرة في مقابلة الحج وابتداء الحج من الاحرام وما قبله من قطع المسافة تسبب إلَى الْحَجِّ وَلَيْسَ بِحَجٍّ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ فِي مُقَابَلَتِهِ أُجْرَةً كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَخْبِزَ لَهُ فَأَحْضَرَ الْآلَةَ
وَأَوْقَدَ النَّارَ وَمَاتَ قَبْلَ أن يخبز.
(وَالثَّانِي)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ وَأَبِي بكر الصيرفى أنه يستحق من مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا قَطَعَ مِنْ الْمَسَافَةِ بناء على قوله في الاملاء أن الاجرة تقابل قطع المسافة والعمل لان الحج لا يتأدى الا بهما فقسطت الاجرة عليهما.
[ ١٥ / ٨٤ ]
وان كان بعد الفراغ من الاركان وقبل الرمى والمبيت ففيه طريقان، أحدهما يلزمه أن يرد من الاجرة بقدر ما ترك قولا واحدا لانه ترك بعض ما استؤجر عليه فلزمه رد بدله، كما لو استؤجر على بناء عشرة أذرع فبنى تسعة، ومنهم من قال: فيه قولان
(أحدهما)
يلزمه لما ذكرناه
(والثانى)
لا يلزمه لان ما دخل على الحج من النقص بترك الرمى والمبيت جبره بالدم، فصار كما لو لم يتركه، وان كان بعد الاحرام وقبل أن ياتي بباقى الاركان ففيه قولان (احدهما) لا يستحق شيئا كما لو قال من رد عبدى الابق فله دينار فرده رجل إلى باب البلد ثم هرب
(والثانى)
انه يستحق بقدر ما علمه وهو الصحيح، لانه عمل بعض ما استؤجر عليه فاشبه إذا استؤجر على بناء عشرة اذرع فبنى بعضها ثم مات.
فإذا قلنا: انه يستحق بعض الاجرة فهل تقسط الاجرة على العمل والمسافة أو على العمل دون المسافة؟ على ما ذكرناه من القولين.
(فصل)
وان اجر عبدا ثم اعتقه صح العتق لانه عقد على منفعة فلم يمنع العتق كما لو زوج امته ثم اعتقها، ولا تنفسخ الاجارة كما لا ينفسخ النكاح، وهل يرجع العبد على مولاه بالاجرة؟ فيه قولان، قال في الجديد: لا يرجع وهو الصحيح، لانها منفعة استحقت بالعقد قبل العتق فلم يرجع ببدلها بعد العتق
كما لو زوج امته ثم اعتقها، وقال في القديم: يرجع لانه فوت بالاجارة ما ملكه من منفعته بالعتق، فوجب عليه البدل.
فان قلنا يرجع بالاجرة كانت نفقته على نفسه لانه ملك بدل منفعته فكانت نفقته عليه، كما لو أجر نفسه بعد العتق، وان قلنا: لا يرجع بالاجرة ففى منفعته وجهان.
(أحدهما)
انها على المولى، لانه كالباقي على ملكه بدليل أنه يملك بدل منفعته بحق الملك، فكانت نفقته عليه.
(والثانى)
أنها في بيت المال لانه لا يمكن ايجابها على المولى، لانه زال ملكه عنه، ولا على العبد لانه لا يقدر عليها في مدة الاجارة، فكانت في بيت المال.
[ ١٥ / ٨٥ ]
(الشرح) إذَا مَاتَ الْأَجِيرُ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ فَلَهُ احوال: ١ - يموت بعد الشروع في الاركان وقبل الفراغ منها.
٢ - أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي السَّفَرِ وَقَبْلَ الاحرام.
٣ - أن يموت بعد الفراغ من الاركان وقبل الفراغ من باقى الاعمال.
فأما الاولى وهى الموت بعد الشروع وقبل الفراغ من الاركان ففى استحقاق الاجرة قولان مشهوران أوردهما المصنف هنا
(أَحَدُهُمَا)
لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ ضالتي فَلَهُ دِينَارٌ فَرَدَّهُ إلَى بَابِ الدَّارِ ثُمَّ هربت أو ماتت فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، ووافقه النووي والاصحاب يستحق بقدر عمله، لقيامه بجزء مما استؤجر له فوجب له بقدره كمن استؤجر لقطع عشرة اميال فقطع بعضها أو بناء عَشْرَةِ أَذْرُعِ فَبَنَى بَعْضَهَا ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهُ يستحق بقدره بخلاف الجعالة فانها ليست عقدا لازما، ولكنها التزام بشرط فان لم يوجد الشرط تاما فانه لا يلزمه شئ كالطلاق المعلق، ونقل النووي عن الشيخ أبى حامد والاصحاب القول الاول وهو نص الشافعي في القديم، والثانى
نصه في الجديد والام وهو الاصح.
وسواء مات بعد الوقوف بعرفة أَوْ قَبْلَهُ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ.
وحكى الرافعى وجها شاذا أنه يستحق بعده، ثم في استحقاقه إذا قلنا به هل يكون على الاعمال والمسافة معا أم على الاعمال فقط؟ قولان، أصحهما: على الاعمال والمسافة جميعا عند الاكثرين، وممن صححه الرافعى، وأصحهما عند المصنف وطائفة على الاعمال فقط، وفى المسألة طريق آخر ساقه النووي عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ إنْ قَالَ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحُجَّ عَنِّي قُسِّطَ عَلَى الْعَمَلِ فَقَطْ، وَإِنْ قَالَ: لِتَحُجَّ مِنْ بَلَدِ كَذَا قُسِطَ عَلَيْهِمَا جميعها، وحمل القولين على هذين الحالين.
وأما الحال الثانية: وهى أن يموت قبل الاحرام وبعد الشروع في السفر، ففيه وجهان مشهوران الصحيح ومنصوص الشافعي فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: لَا يستحق شيئا من الاجرة لانه لم يقم بشئ من أعمال الحج، وليست المسافة بسبب الحج من الحج كما لو أجر خبازا ليخبز له فاستحضر أدواته
[ ١٥ / ٨٦ ]
وأوقد تنوره ثم مات قبل أن يخبز فلا استحقاق له: وساق النووي تعليلا لغير المصنف بأنه لم يحصل شيئا من المقصود.
والوجه الثاني وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ: يَسْتَحِقُّ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا قَطَعَ من المسافة.
وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا ثَالِثًا عَنْ أَبِي الْفَضْلِ ابن عَبْدَانَ أَنَّهُ إنْ قَالَ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحُجَّ مِنْ بلد كذا استحق بقسطه، ثم في البناء على فعل الاجير نظر، إنْ كَانَتْ إجَارَةُ عَيْنٍ انْفَسَخَتْ وَلَا بِنَاءَ لِوَرَثَةِ الْأَجِيرِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ، وَهَلْ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَبْنِيَ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ فِي جَوَازِ الْبِنَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى الذِّمَّةِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ فَلِوَرَثَةِ الْأَجِيرِ أَنْ يَسْتَأْجِرُوا مَنْ يَسْتَأْنِفُ الْحَجَّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُمْ
فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِبَقَاءِ الوقت فذاك، وان تأخر إلى القابل ثبت الخيار في فسخ الاجارة، فان جوزنا البناء فلورثة الاجير أن يبنوا.
وأما الحال الثالثة: وهى موتة قبل الفراغ من الاعمال بعد أدائه الاركان فينظر، ان كان قد فات وقتها أو لم يفت ولم نجوز البناء يجبر الباقي بالدم من مال الاجير، وفى رد شئ من الاجرة الخلاف فِيمَنْ أَحْرَمَ بَعْد مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ وَلَمْ يَعُدْ إليه وجبره بالدم، الْمَذْهَبُ وُجُوبُ الرَّدِّ وَإِنْ جَوَّزْنَا الْبِنَاءَ وَكَانَ الوقت متسعا فان كانت الاجارة على العين انفسخت في الباقي من الاعمال، ووجب رد ما يقابلها مِنْ الْأُجْرَةِ، وَيَسْتَأْجِرُ الْمُسْتَأْجِرُ مَنْ يَرْمِي وَيَبِيتُ، ولا حاجة إلى الاحرام لان الرمى والمبيت يؤديان بعد التحلل، ولا يلزم بذلك دم ولا شئ من الاجرة، هكذا ذكره المتولي وغيره، والله تعالى أعلم بالصواب.
قال المصنف ﵀:
(فصل)
وان أجر عينا ثم باعها من غير المستأجر ففيه قولان، أحدهما: أن البيع باطل لان يد المستأجر تحول دونه فلم يصح البيع، كبيع المغصوب من غير الغاصب، والمرهون من غير المرتهن، والثانى: يصح لانه عقد على المنفعة فلم يمنع صحة البيع، كما لو زوج أمته ثم باعها ولا تنفسخ الاجارة كما لا ينفسخ النكاح في بيع الامة المزوجة.
وان باعها من المستأجر صح البيع قولا واحدا
[ ١٥ / ٨٧ ]
لانه في يده لا حائل دونه فصح بيعها منه، كما لو باع المغصوب من الغاصب، والمرهون من المرتهن، ولا تنفسخ الاجارة بل يستوفى المستأجر المنفعة بالاجارة لان الملك لا ينافى الاجارة، والدليل عليه أنه يجوز أن يستأجر ملكه من المستأجر، فإذا طرأ عليها لم يمنع صحتها، وإن تلفت المنافع قبل انقضاء المدة انفسخت الاجارة ورجع المشترى بالاجرة لما بقى على البائع.
(فصل)
فإن أجر عينا من رجل ثم مات أحدهما لم يبطل العقد، لانه عقد لازم فلا يبطل بالموت مع سلامة المعقود عليه كالبيع، فإن أجر وقفا عليه ثم مات ففيه وجهان.
(أحدهما)
لا يبطل لانه أجر ما يملك إجارته فلم يبطل بموته كما لو أجر ملكه ثم مات فعلى هذا يرجع البطن الثاني في تركه المؤجر المدة الباقيه لان المنافع في المدة الباقيه حق له، فاستحق أجرتها.
(والثانى)
تبطل لان المنافع بعد الموت حق لغيره فلا ينفذ عقده عليها من غير إذن ولا ولايه، ويخالف إذا أجر ملكه ثم مات، فان الوارث يملك من جهة الموروث: فلا يملك ما خرج من ملكه بالاجارة والبطن الثاني يملك غلة الوقف من جهة الواقف، فلم ينفذ عقد الاول عليه، وإن أجر صبيا في حجره أو أجر ماله ثم بلغ ففيه وجهان.
أحدهما: لا يبطل العقد لانه عقد لازم عقده بحق الولاية فلا يبطل بالبلوغ كما لو باع داره، والثانى يبطل لانه بان بالبلوغ أن تصرف الولى إلى هذا الوقت والصحيح عندي في المسائل كلها أن الاجارة لا تبطل وبالله التوفيق.
(الشرح) قال الماوردى في الحاوى الكبير: فإذا بيعت الدار المستأجرة فذلك ضربان.
أحدهما: أن تباع على المستأجر فالبيع جائز والاجارة بحالها، ويصير جامعا بين ملك المنفعة بالاجارة والرقبه بالبيع، والفرق بنى أن يرثها المستأجر فتبطل الاجارة وبين أن يبتاعها فلا تبطل أنه بالارث صار قائما مقام المؤجر فلم يجز له عقد على نفسه، وهو بالبيع لا يقوم مقام البائع إلا فيما سمى بالعقد.
[ ١٥ / ٨٨ ]
والضرب الثاني أن تباع على أجنبي غير المستأجر، ففى البيع قولان: أحدهما
أنه باطل والاجارة لحالها، لان يد المستأجر ممنوعة بحق فصارت أسوأ حالا من المغصوب الذى يمنع يد المشترى منه بظلم.
والقول الثاني وهو الصحيح أن البيع صحيح والاجارة لازمة لان ثبوت العقد على المنفعة لا يمنع من بيع الرقبة كالامة المزوجة، فعلى هذا ان كان المشترى عالما بالاجرة فلا خيار له والاجرة للبائع لانه قد ملكها بعقده.
وان كان غير عالم فله الخيار بين المقام والفسخ.
اه قلت: وقد نص أحمد ﵁ على صحة البيع سواء باعها من المستأجر أو من غيره.
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ﵁.
وقال في الآخر: ان باعها لغير المستأجر لم يصح البيع، لان يد المستأجر حائلة تمنع التسليم إلى المشترى فمنعت الصحة كما في المغصوب.
فإذا ثبت هذا فان المشترى يملك مسلوب المنفعة إلى حين انقضاء الاجارة، ولا يستحق تسليم العين الا حينئذ، لان تسليم العين انما يراد لاستيفاء نفعها، ونفعها انما يستحقه إذا انقضت الاجارة فيصير هذا بمنزلة من اشترى عينا في مكان بعيد، فانه لا يستحق تسليمها الا بعد مضى مدة يمكن احضارها فيها، كالمسلم إلى وقت لا يستحق تسلم المسلم فيه الا في وقته، فان لم يعلم المشترى بالاجارة فله الخيار بين الفسخ وامضاء البيع بكل الثمن.
لان ذلك عيب ونقص.
وعلى هذا إذا اشتراها المستأجر صح البيع أيضا: لانه يصح بيعها لغيره فله أولى لان العين في يده، وهل تبطل الاجارة؟ لا تبطل الاجارة عندنا قولا واحدا.
وعند أحمد وأصحابه وجهان:
(أحدهما)
وهو المذهب عندنا عدم البطلان لانه تملك المنفعة بعقد ثم ملك الرقبة المسلوبة بعقد آخر فلم يتنافيا، كما يملك الثمرة بعقد ثم يملك الاصل بعقد آخر، ولو أجر الموصى بالمنفعة مالك الرقبة صحت الاجارة، فدل على أن ملك
المنفعة لا ينافى العقد على الرقبة.
وكذلك لو استأجر المالك العين المستأجرة من مستأجرها جاز.
فعلى هذا يكون الاجر باقيا على المشترى وعليه الثمن ويجتمعان للبائع كما لو كان المشترى غيره
[ ١٥ / ٨٩ ]
والوجه الثاني: تبطل الاجارة فيما بقى من المدة لانه عقد على منفعة العين فبطل ملك العاقد للعين كالنكاح، فإنه لو تزوج أمة ثم اشتراها بطل نكاحه.
قالوا ولان ملك الرقبة يمنع ابتداء الاجارة فمنع استدامتها كالنكاح، فعلى هذا يسقط عن المشترى الاجر فيما بقى من الاجارة، كما لو بطلت الاجارة بتلف العين، وإن كان المؤجر قد قبض الاجر كله حسب عليه باقى الاجر من الثمن والله تعالى أعلم.
(فرع)
قال المزني: قال الشافعي ولا يفسخ بموت أحدهما إذا كانت الدار قائمة وليس الوارث بأكثر من الموروث الذى عنه ورثوا.
اه فإذا ثبت هذا فان عقد الاجارة لازم لا ينفسخ بموت المؤجر ولا المستأجر وبه قال مالك واحمد واسحاق.
وقال أبو حنيفة وسفيان والليث بن سعد: الاجارة تبطل بموت المؤجر والمستأجر استدلالا بأن عقود المنافع تبطل بموت العاقد كالنكاح والمضاربة والوكالة، ولان الاجارة تفتقر إلى مؤجر ومواجر فلما بطلت بتلف المواجر بطلت بتلف المؤجر، وتحريره قياسا أنه عقد اجارة يبطل بتلف المواجر فوجب ان يبطل بتلف المؤجر قياسا عليه إذا أجر نفسه، ولان زوال ملك المؤجر عن رقبة المواجر يوجب فسخ الاجارة قياسا عليه إذا باع ما أجره برضى المستأجر، ولان منافع الاجارة انما تستوفى بالعقد والملك، وقد زال ملك المؤجر بالموت وان كان عاقدا.
والوارث لا عقد عليه وان صار مالكا، فصارت منتقلة من العاقد إلى من ليس بعاقد، فوجب أن يبطل لتنافى اجتماع
العقد والملك.
ودليلنا هو ان ما لزم من عقود المعاوضات المحضة لم تنفسخ بموت أحد المتعاقدين كالبيع، فان قيل ينتقض بموت من أجر نفسه لم يصح لان العقد انما يبطل بتلف المعقود عليه لا بموت العاقد، ألا تراه لو كان حيا فزمن بطلت الاجارة، وان كان العاقد حيا، ولان السيد قد يعاوض على بضع أمته بعقد النكاح كما يعاوض على خدمتها بعقد الاجارة.
فلما لم يكن موته مبطلا للعقد على بضعها لم يبطل بالعقد على استخدامها.
ويتحرر من هذا الاعتلال قياسان:
(أحدهما)
أنه عقد لازم على منافع ملكه فلم يبطل بموته كالنكاح على أمته
[ ١٥ / ٩٠ ]
(والثانى)
أنه أحد منفعتي الامة فلم يبطل بموت السيد كالمنفعة الاخرى، ولان المنافع قد تنتقل بالمعاوضة كالاعيان فجاز أن تنتقل بالارث كالاعيان.
ويتحرر من هذا الاعتلال قياسان:
(أحدهما)
أن ما صح أن ينتقل بعوض صح أن تنقل به المنافع في الاجارات ولان بالموت يعجز عن إقباض ما استحق تسليمه بعقد الاجارة فلم يبطل بعد العقد كالجنون والزمانة، ولانه عقد لا يبطل بالجنون فلم يبطل بالموت كالبيع، ولان منافع الاعيان مع بقاء ملكها قد يستحق بالرهن تارة وبالاجارة أخرى.
فلما كان ما تستحق منفعته بارتهانه إذا انتقل ملكه بالموت لم يوجب بطلان رهنه وجب أن يكون ما استحقت منفعته بالاجارة إذا انتقل ملكه بالموت لم يوجب بطلان إجارته، وقد استدل الشافعي بهذا في الام.
ولان الوارث إنما يملك بالارث ما كان يملكه الموروث، والموروث إنما كان يملك الرقبة دون المنفعة فلم يجز أن يصير الوارث مالكا للرقبة والمنفعة، ولان إجارة الوقف لا تبطل بموت موجره بوفاق أبى حنيفة.
وإن قال بعض
أصحابنا: تبطل، فكذلك إجارة الملك لا تبطل بموت موجره كالوقف وأما الجواب عن قياسه على النكاح والمضاربة مع انتقاضه بالوقف فهو أنه إن رده إلى النكاح، فالنكاح لم يبطل بالموت، وانما انقضت مدته بالموت فصار كانقضاء مدة الاجارة.
وان رده إلى المضاربة والوكالة فالمعنى فيهما عدم لزومهما في حال الحياة، وجواز فسخهما بغير عذر، وليست الاجارة كذلك للزومهما في حال الحياة.
وأما الجواب عن قياسه على انهدام الدار، فهو أن المعنى فيه فوات المعقود عليه قبل قبضه.
وأما الجواب عن قياسه على ما إذا باع ما أجر برضى المستأجر فهو غير مسلم الاصل لان الاجارة لا تبطل بالبيع عن رضاه كما لا تبطل بالبيع عن سخطه، وإنما البيع مخطب في إبطاله ثم ينتقص على أصله بعتق العبد المواجر قد زال ملك
[ ١٥ / ٩١ ]
سيده عن رقبته مع بقاء الاجارة عليها، فكذلك إذا زال بالبيع والموت.
وأما الجواب عن استدلاله بأن المنافع تستوفى بعقد وملك وهذا مفترق بالموت، فهو أن اجماعهما يعتبر عند العقد ولا يعتبر فيما بعد كما لو أعتق أو باع ولا يمتنع أن يستوفى من يد الوارث ما لم يعاقد عليه كما يستوفى منه ثمن ما اشتراه الموروث ويقبض منه أعيان ما ترك الموروث، لان الموروث قد ملك عليه ذلك بعقده فلم يملكه الوارث بموته.
فأما قول الشافعي: فان قيل: فقد انتفع المكترى بالثمن قيل: كما لو أسلم في متاع لوقت فانقطع ذلك أو ابتاع متاعا غائبا ببلد ودفع الثمن فهلك المتاع رجع بالثمن وقد انتفع به البائع فهذا سؤال أورده الشافعي، وقد اختلف أصحابنا في مراده فقال أبو إسحاق المروزى: أراد به الرد على من اجل الاجره ومنع من
حلولها لئلا ينتفع المكرى بالاجرة قبل انتفاع المكترى بالمنفعة، وقد تنهدم الدار فتفوت المنفعة فقال الشافعي: مثل هذا ليس يمتنع كما أن بائع السلم قد يتعجل مقتضى الثمن وينتفع به وقد يهلك المسلم فيه عند محله فيسترجع ثمن ما انتفع به البائع دون المشترى، وكما يقبض غائب عنه فيتلف قبل قبضه فيرد ثمنه بعد الانتفاع به.
وقال أبو العباس بن سريج: يحتمل أن يريد به الرد على من أبطل الاجاره بموت المؤجر لئلا ينتفع المؤجر بالاجرة ويلزم وارثه تسليم المنفعة فأجاب عنه بما ذكرنا من الجوابين.
وقال أبو حامد الاسفرايينى: انما أراد به ان انهدام الدار وموت العبد في تضاعيف المدة يبطل الاجاره فيما بقى ويوجب أن يرد من الاجره بقسطها، وان انتفع المكرى بها ولم ينتفع المكترى بما قابلها فأجاب بما ذكرنا من انتفاع البائع بثمن المسلم فيه وتلف العين الغائبة.
وقال المزني: هذا تجويز بيع الغائب، وعنه جوابان
(أحدهما)
أنه محمول على أحد قوليه
(والثانى)
أنه محمول على بيع غائب قدراه: فإذا ثبت أن اجارة الملك لا تبطل بموت المؤجر والمستأجر انتقل الكلام إلى اجارة الوقف، فإن أجر ولا حق له في غلته صحت اجارته ولم تبطل بموته
[ ١٥ / ٩٢ ]
لانه لم يؤجل ملكه وإنما ناب عن غيره، وإن أجره من يستحق غلته ويستوجب أجرته لكونه وقفا عليه فقد اختلف أصحابنا في بطلان الاجارة بموته على وجهين
(أحدهما)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أن الاجارة قد بطلت بموته وانتقال المنفعة إلى غيره، وفرق بين المالك والوقف بأن وارث الملك يملك عن المؤجر فلم يملك ما خرج عن ملك المؤجر، وليس كذلك الوقف، لان مؤجره يملك منفعته مدة حياته، فإذا فقد انقطع ملكه وانتقل إلى من بعده بشرط
الوقف بالارث.
(والوجه الثاني) وهو الاظهر: الاجارة لا تبطل لان مؤجره وال قد أجره في حق نفسه وحق من بعده بولايته، فإذا انقضى حقه بموته صحت إجارته في حق من بعده بولايته، فإذا كان قد استوفى الاجرة استرجع من تركته أجرة ما بقى من المدة بعد موته.
وإذا استأجر الرجل من أبيه دارا سنة ودفع إليه الاجرة ثم مات الاب نظرت فان لم يكن له غير هذا الابن المستأجر فقد سقط حكم الاجارة لانه صار مالكا للدار والمنفعة إرثا فامتنع بقاء عقده على المنفعة، فان لم يكن على أبيه دين فقد صارت الدار مع التركة إرثا، وإن كان على أبيه دين ضرب مع الغرماء بقدر الاجرة، لانها صارت بانفساخ الاجارة بالارث دينا على الاب فساوى الغرماء فيها، فلو كان للاب ابن آخر انفسخت الاجارة في نصف الدار وهو حصة المستأجر ولزمت في حصة الابن الآخر ورجع المستأجر منهما بنصف الاجره في تركة أبيه لانها صارت دينا عليه.
فإذا أجر الاب أو الوصي صبيا ثم بلغ في الصبى في مدة الاجارة رشيدا لاجارة لازمة لا تنفسخ ببلوغه وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ١٥ / ٩٣ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى: