يصح اللعان من كل زوج بالغ عاقل مختار، مسلما كان أو كافرا، حرا كان أو عبدا، لقوله ﷿ " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين " ولان اللعان لدرء العقوبة الواجبة بالقذف ونفى النسب، والكافر كالمسلم، والعبد كالحر في ذلك، فأما الصبى والمجنون فلا يصح لعانهما لانه قول يوجب الفرقة فلم يصح من الصبى والمجنون كالطلاق.
وأما الاخرس فإنه ان لم يكن له اشارة معقولة ولا كتابة مفهومة لم يصح لعانه لانه في معنى المجنون، وان كانت له اشارة معقولة أو كتابة مفهومة صح لعانه لانه كالناطق في نكاحه وطلاقه، فكان كالناطق في لعانه.
وأما من اعتقل لسانه فإنه ان كان مأيوسا منه صح لعانه بالاشارة كالاخرس، وان لم يكن مأيوسا منه ففيه وجهان:
(أحدهما)
لا يصح لعانه لانه غير مأيوس من نطقه فلم يصح لعانه بالاشارة كالساكت
(والثانى)
يصح، لان أمامة بنت أبى العاص ﵂ أصمتت فقيل لها الفلان كذا ولفلان كذا؟ فأشارت أي نغم، فرفع ذلك فرؤيت أنها وصية، ولانه عاجز عن النطق يصح لعانه بالاشارة كالاخرس
(فصل)
وان كان أعجميا، فإن كان يحسن بالعربية فيه وجهان
(أحدهما)
يصح لعانه بلسانه لانه يمين فصح بالعجمية مع القدرة على العربية كسائر الايمان
(والثانى)
لا يصح لان الشرع ورد فيه بالعربية فلم يصح بغيرها مع القدرة كأذكار الصلاة، فإن لم يحسن بالعربية لاعن بلسانه لانه ليس بأكثر من اذكار الصلاة واذكار الصلاه تجوز بلسانه إذا لم يحصن بالعربية فكذلك اللعان.
وان كان الحاكم لا يعرف لسانه أحضر من يترجم عنه.
وفى عدده وجهان بناء على القولين في الشهادة على الاقرار بالزنا
(أحدهما)
يحتاج إلى أربعة
(والثانى)
يكفيه اثنان
[ ١٧ / ٤٣٢ ]
(الشرح) يستفاد من هذين الفصلين أحكام مسائل وفروع، منها أن اللعان يصح من كل زوجين، سواء كانا مسلمين أو كافرين، عاقلين بالغين، حرين أو عبدين.
وقال أحمد في احدى الروايتين رواها ابن منصور: جميع الازواج يلتعنون، الحر من الحرة والامة إذا كانت زوجة.
وكذلك المسلم من اليهودية والنصرانية.
وقال سعيد ابن المسيب وسليمان بن يسار والحسن وربيعة ومالك
واسحاق: يصح من كل زوجين مكلفين.
مسلمين أو كافرين.
عدلين أو فاسقين أو محدودين في قذف أو كان أحدهما كذلك.
وقال أحمد في روايته الاخرى: لا يصح اللعان الا من زوجين مسلمين عدلين حرين غير محدودين في قذف وروى هذا عن الزهري والثوري والاوزاعي وحماد وأصحاب الرأى، ومأخذ القولين أن اللعان يجمع وصفين اليمين والشهادة، وقد سماه القرآن شهادة وسماه الرسول ﷺ يمينا في حديث " لولا الايمان لكان لى ولها شأن " فمن غلب حكم الايمان قال: يصح من كل من يصح يمينه.
وهذا مذهبنا ومذهب فقهاء الامصار كافة الا أبا حنيفة، واحدى روايتي أحمد والزهرى والثوري والاوزاعي وحماد فإنهم اعتبروه شهادة دليلنا قوله تعالى " والذين يرمون أزواجهم " وأنه قد سماه النبي ﷺ يمينا.
ولانه يفتقر إلى اسم الله والى ذكر القسم المؤكد وجوابه، ولانه يستوى فيه الذكر والانثى - بخلاف الشهادة - ولو كان شهادة لما تكرر لفظه بخلاف اليمين فإنه قد يشرع فيها التكرار كأيمان القسامة، ولان حاجة الزوج التى لا تصح منه الشهادة إلى اللعان ونفى الولد كحاجة من تصح شهادته سواء، والامر الذى نزل به مما يدعو إلى اللعان، كالذى ينزل بالعدل الحر، والشريعة الغراء لا ترفع ضرر أحد النوعين وتجعل له مخرجا مما نزل به، وتدع النوع الآخر في الآصار والاغلال، فلعله يكون صادقا فنقضي عليه بأن يكون تيسا أو ديوثا، ولا فرج له ما نزل به ولا مخرج ولا مهرب وأما احتجاج أبى حنيفة وأصحابه ومن قال بقوله من الفقهاء ممن ذكرنا آنفا
[ ١٧ / ٤٣٣ ]
فاستدلوا بقوله تعالى " ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم " - " فشهادة أحدهم أربع
شهادات بالله " فاستثنى أنفسهم من الشهداء، فلا يقبل إلا من ليس من أهل الشهادة، فردنا عليهم أن الله تعالى سماه شهادة لقوله في يمينه " أشهد بالله " فسمى ذلك شهادة وإن كان يمينا.
كما قال تعالى " إذا جاء المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله " اعتبارا بلفظها، وكيف وهو مصرح فيه بالقسم وجوابه.
وكذلك لو قال أشهد بالله انعقدت يمينه بذلك، سواء نوى اليمين أو أطلق، والعرب تعد ذلك يمينا في لغتها واستعمالها.
قال قيس بن الملوح الشهير بالمجنون: فأشهد عند الله أنى أحبها
* فهذا لها عندي فما عندها ليا؟ قال ابن القيم في الهدى: وفى هذا البيت حجة لمن قال: ان قوله أشهد تنعقد به اليمين، ولو لم يقل بالله، كما هو احدى الروايتين عن أحمد.
والثانية لا يكون يمينا الا بالنية، وهو قول الاكثرين.
كما أن قوله أشهد بالله يمين عند الاكثرين بمطلقه.
وأما استثناؤه سبحانه أنفسهم من الشهداء فيقال أولا الا ههنا صفة بمعنى غير، والمعنى ولم يكن لهم شهداء غير أنفسهم، فإن غير وإلا يتعاوضان الوصفية والاستثناء، فيستثنى بغر حملا على الا، ويوصف بإلا، حملا على غير، ويقال ان أنفسهم مستثنين من الشهداء ولكن يجوز أن يكون منقطعا على لغة تميم فإنهم يبدلون في المنقطع كما يبدل الحجازيون في المتصل.
وكذلك استثنى أنفسهم من الشهداء لانه نزلهم منزلتهم في قبول قولهم.
وهذا قوى جدا على قول من يرجم المرأة بالتعان الزوج إذا نكلت وهو الصحيح كما سيأتي وكما مضى بعضه.
والصحيح أن لعانهم يجمع الوصفين اليمين والشهادة، فهو شهادة مؤكدة بالقسم والتكرار، ويمين مغلظة بلفظ الشهادة والتكرار لاقتضاء الحال تأكيد الامر.
(فرع)
إذا كان زائل العقل لجنون فلا حكم لقذفه لان القلم عنه مرفوع، فإذا أتت امرأته بولد فنسبه لاحق لامكانه، ولا سبيل إلى نفيه مع زوال عقله، فإذا عقل فله نفيه حينئذ واستلحاقه، وان ادعى انه كان ذاهب العقل حين قذفه
- وأنكرت ذلك - فالحكم لصاحب البينة منهما، والا فالقول قوله (مسألة) الاخرس والخرساء ان كانا معلومى الاشارة والكتابة فهما كالناطقين في القذف واللعان.
[ ١٧ / ٤٣٤ ]
وحكى ابن المنذر عن أحمد وأبى عبيد وأصحاب الرأى: إذا كانت المرأة خرساء لم تلاعن لانه لا تعلم مطالبتها قال ابن قدامة: وينبغى أن يكون ذلك في الاخرس، وذلك لان اللعان يفتقر إلى الشهادة فلم يصح من الاخرس كالشهادة الحقيقية، ولان الحد يدرأ بالشبهات، والشهادة صريحة كالنطق، فلا يخلو من احتمال وتردد فلا يجب الحد بها كما لا يجب على أجنبي بشهادته.
وقال القاضى وأبو الخطاب كقولنا: هو كالناطق في قذفه ولعانه، ويفارق الشهادة لانه يمكن حصولها من غيره فلم تدع الحاجة إلى الاخرس.
وفى اللعان لا يحصل الا منه فدعت الحاجة إلى قبوله منه كالطلاق (فرع)
إذا قذف الاخرس أو لاعن ثم تكلم فأنكر القذف واللعان لم يقبل انكاره للقذف لانه قد تعلق به حق لغيره بحكم الظاهر فلا يقبل انكاره، ويقبل انكاره اللعان فيما عليه فيطالب بالحد ويلحقه النسب ولا تعود الزوجية.
فإن قال أنا ألاعن للحد ونفى النسب كان له ذلك لانه انما لزمه باقراره أنه لم يلاعن، فإذا أراد أن يلاعن كان له ذلك فإذا قذفها وهو ناطق ثم خرس وأيسنا من نطقه فحكمه حكم الاصلى، وان رجى عود نطقه وزوال خرسه انتظر به، ويرجع في معرفة ذلك إلى قول طبيبين عدلين من المختصين بالصحة النفسية والعصبية.
وقال بعض الاصحاب: انه لا يلاعن في الحالين بالاشارة، لان أمامة بنت
أبى العاص أصمتت، فقيل لها لفلان كذا ولفلان كذا؟ فأشارت أن نعم، فرأوا أنها وصية والصحيح الاول.
وعند أصحاب أحمد على وجهين.
ذكره أبو الخطاب (مسألة) إذا كان أحد الزوجين غير مكلف فلا لعان بينهما لانه قول تحصل به الفرقة ولا يصح من غير المكلف كسائر الايمان، ولا يخلو غير المكلف من أن يكون الزوج أو الزوجة أو هما، وقد مضى لنا في الفصول قبله بحث السن والبلوغ والامكان.
فليراجع والخلاصة أن كل موضع لا لعان فيه فالنسب لا حق فيه، ويجب بالقذف موجبه من الحد والتعزير الا أن يكون القاذف صبيا أو مجنونا فلا ضرب فيه
[ ١٧ / ٤٣٥ ]
ولا لعان، كذلك قال الثوري ومالك وأحمد وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأى وابن المنذر وقال: ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم (مسألة) إذا كان الزوجان يعرفان العربية لم يجز أن يلتعنا بغيرها، لان اللعان ورد في القرآن بلفظ العربية، وإن كانا لا يحسنان ذلك جاز لهما الالتعان بلسانهما لموضع الحاجة، فان كان الحاكم يحسن لسانهما أجزأ ذلك، وإن لم يكن يعرف لسانهما فلابد من ترجمان، وفى العدد المجزى للترجمة قولان
(أحدهما)
يجزئ إثنان عدلان، وهو ظاهر قول الخرقى من الحنابلة لانه قال ولا يقبل في الترجمة عن أعجمى حاكم إليه إذا لم يعرف لسانه أقل من عدلين يعرفان لسانه.
وذكر أبو الخطاب رواية أخرى عند الحنابلة أنه يجزئ ترجمان واحد، وهو قول أبى حنيفة (الثاني) لا يجزئ أقل من أربعة، بناء على الشهادة في الاقرار بالزنا ففيها هذان القولان (فرع)
لو شهد شاهد أنه أقر بالعربية أنه قذفها، وشهد آخر أنه أقر ذلك
بالعجمية، فإذا قلنا ان الشاهدين يجزئان تمت الشهادة، وان شهد شاهدان أحدهما أنه قذفها يوم الخميس وشهد الآخر أنه قذفها يوم الجمعة لم تتم الشهادة، وان شهد أحدهما أنه قذفها بالعربية وشهد الآخر أنه قذفها بالعجمية لم تتم الشهادة.
وان شهد أحدهما أنه قذفها بالعربية والعجمية وشهد الآخر أنه قذفها بالعربية فقط فقد اكتملت الشهادة إذا قلنا باجزاء الشاهدين لاتفاقهما في لغة واحدة.
وعند أصحاب أحمد فيمن شهد أحدهما بالقذف يوم الخميس والآخر بالقذف يوم الجمعة أو شهد أحدهما بالقذف بالعربية والآخر أنه بالعجمية وجهان
(أحدهما)
تكمل الشهادة، وهو قول أبى بكر ومذهب أبى حنيفة، لان الوقت ليس ذكره شرطا في الشهادة بالقذف وكذلك اللسان، فلم يؤثر الاختلاف كما لو شهدا أحدهما أنه قذفها يوم الخميس بالعربية، وشهد الآخر أنه قذفها يوم الجمعة بالعجمية (الثاني) لا تكمل الشهادة ولنا أنهما قذفان لم تتم الشهادة على واحد منهما فلم تثبت، كما لو شهد أحدهما
[ ١٧ / ٤٣٦ ]
أنه تزوجها يوم الخميس وشهد الآخر أنه تزوجها يوم الجمعة، وفارق الاقرار بالقذف فإنه يجوز أن يكون المقر به واحدا أقر به في وقتين بلسانين.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ولا يصح اللعان إلا بأمر الحاكم لانه يمين في دعوى فلم يصح إلا بأمر الحاكم كاليمين في سائر الدعاوى، فإن كان الزوجان مملوكين جاز للسيد أن يلاعن بينهما، لانه يجوز أن يقيم عليهما الحد فجاز أن يلاعن بينهما كالحاكم.
(فصل)
واللعان هو أن يقول الزوج أربع مرات " أشهد بالله إنى لمن الصادقين " ثم يقول " وعلى لعنة الله إن كنت من الكاذبين " وتقول المرأة أربع مرات " أشهد بالله إنه لمن الكاذبين " ثم تقول " وعلى غضب الله إن كان من
الصادقين " والدليل عليه قوله ﷿ " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها ان كان من الصادقين " فإن أخل أحدهما بأحد هذه الالفاظ الخمسة لم يعتد به، لان الله ﷿ علق الحكم على هذه الالفاظ، فدل على أنه لا يتعلق بما دونها، ولانه بينة يتحقق بها الزنا فلم يجز النقصان عن عددها كالشهادة.
وإن أبدل لفظ الشهادة بلفظ من ألفاظ اليمين بأن قال: أحلف أو أقسم أو أولى فيه وجهان.
(أحدهما)
يجوز لان اللعان يمين فجاز بألفاظ اليمين
(والثانى)
أنه لا يجوز لانه أخل باللفظ المنصوص عليه.
وإن أبدل لفظ اللعنة بالابعاد أو لفظ الغضب بالسخط، ففيه وجهان.
أحدهما يجوز لان معنى الجميع واحد، والثانى لا يجوز لانه ترك المنصوص عليه، وان أبدلت المرأة لفظ الغضب بلفظ اللعنة لم يجز، لان الغضب أغلظ، ولهذا خصت المرأة به، لان المعرة بزناها أقبح، وإثمها بفعل الزنا أعظم من إثمه بالقذف وإن أبدل الرجل لفظ اللعنة بلفظ الغضب فيه وجهان
(أحدهما)
يجوز،
[ ١٧ / ٤٣٧ ]
لان الغضب أغلظ
(والثانى)
لا يجوز لانه ترك المنصوص عليه.
وان قدم الرجل لفظ اللعنة على لفظ الشهادة أو قدمت المرأة لفظ الغضب على لفظ الشهادة ففيه وجهان
(أحدهما)
يجوز، لان القصد منه التغليظ وذلك يحصل مع التقديم.
(والثانى)
لا يجوز لانه ترك المنصوص عليه (الشرح) الاحكام.
لا يصح اللعان إلا بأمر الحاكم أو من يقوم مقامه،
وهذا مذهب أحمد ﵁، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ هلال بن أمية أن يستدعى زوجته إليه ولاعن بينهما، ولانه إما يمين واما شهادة، فأيهما كان فمن شرطه الحاكم.
وان تراضى الزوجان بغير الحاكم يلاعن بينهما لم يصح ذلك لان اللعان مبنى على التغليظ والتأكيد فلم يجز بغير الحاكم كالحد، هذا إذا كانا حرين، وساوى أحمد بين الحرين والعبدين في وجوب اللعان بمحضر من الحاكم أو من ينوب عنه.
أما ألفاظه فقد مضى بيانها وهى هنا على وجهها
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
والمستحب أن يكون اللعان بحضرة جماعة، لان ابن عباس وابن عمر وسهل بن سعد ﵃ حضروا اللعان بحضرة النبي صلى الله عليه على حداثة سنهم والصبيان لا يحضرون المجالس الا تابعين للرجال، فدل على أنه قد حضر جماعة من الرجال فتبعهم الصبيان، ولان اللعان بنى على التغليظ للردع والزجر وفعله في الجماعة أبلغ في الردع.
والمستحب أن يكونوا أربعة لان اللعان سبب للحد ولا يثبت الحد الا بأربعة، فيستحب أن يحضر ذلك العدد، ويستحب ان يكون بعد العصر لا اليمين فيه أغلظ.
والدليل عليه قوله ﷿ " تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله " قيل هو بعد العصر.
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " ثَلَاثَةٌ لَا يكلمم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولهم عذاب اليم، رجل حلف يمينا على مال مسلم فاقتطعه، ورجل حلف يمينا بعد صلاة العصر لقد اعطى بسلعته اكثر
[ ١٧ / ٤٣٨ ]
مما أعطى وهو كاذب، ورجل منع فضل الماء، فإن الله ﷿ يقول: اليوم أمنعك فضلى كما منعت فضل ماء لم تعمله يداك "
ويستحب أن يتلاعنا من قيام، لما روى ابن عباس ﵁ في حديث هلال بن أمية " فأرسل اليهما فجاءا فقام هلال فشهد، ثم قامت فشهدت، لان فعله من قيام أبلغ في الردع.
واختلف قوله في التغليظ بالمكان فقال في أحد القولين إنه يجب لانه تغليظ ورد به الشرع فأشبه التغليظ بتكرار اللفظ، وقال في الآخر يستحب كالتغليظ في الجماعة والزمان، والتغليظ بالمكان أن يلاعن بينهما في أشرف موضع من البلد الذى فيه اللعان، فإن كان بمكة لاعن بين الركن والمقام، لان اليمين فيه أغلظ.
والدليل عليه ما روى أن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ رأى قوما يحلفون بين الركن والمقام، فقال أعلى دم؟ قالوا لا، قال أفعلى عظيم من المال؟ فقالوا لا، فقال لقد خشيت أن يبهأ الناس بهذا المقام.
وإن كان في المدينة لاعن في المسجد لانه أشرف البقاع بها، وهل يكون على المنبر أو عند المنبر؟ اختلفت الرواية فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، فَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ حلف عند منبرى على يمين آثمة ولو على سواك من رطب وجبت له النار وروى جَابِرٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: من حلف على منبرى هذا بيمين آثمة تبوأ مقعده من النار، فقال ابو إسحاق ان كان الخلق كثيرا لاعن على المنبر ليسمع الناس، وان كان الخلق قليلا لاعن عند المنبر مما يلى قبر النبي ﷺ وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يلاعن على المنبر، لان ذلك علو وشرف والملاعن ليس في موضع العلو والشرف، وحمل قوله على منبرى أي عند منبرى لان حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، وان كان ببيت المقدس لاعن عند الصخرة لانها أشرف البقاع به وإن كان في غيرها من البلاد لاعن في الجامع، إن
كانت المرأة حائضا لاعنت على باب المسجد، لانه أقرب إلى الموضع الشريف.
[ ١٧ / ٤٣٩ ]
وإن كان يهوديا لاعن في الكنيسة، وإن كان نصرانيا لاعن في البيعة، وان كان مجوسيا لاعن في بيت النار، لان هذه المواضع عندهم كالمساجد عندنا (الشرح) حديث أبى هريرة الاول أخرجه الشيخان في صحيحيهما.
قال العزيزي في السراج المنير " والذين لا يكلمهم الله يوم القيامة لا ينحصرون في الثلاثة، والعدد لا ينفى الزائد " اه وقوله " بعد العصر " خصه لشرفه لانه آخر النهار وقرب أفول الشمس، فينبغي أن لا يكون آخر أعمال المرء سوءا وأشرا.
لاسيما وهو وقت اجتماع ملائكة الليل والنهار ورفع الاعمال فيه فغلظت العقوبة وقوله " منع فضل مائه " الحاصل أنه إذا حفرها في موات بقصد الاحياء لنفسه، أي لينتفع بمائها لم يلزمه إلا بذل ما زاد على حاجته، وان حفرها بقصد نفع المسلمين فليس له المنع إلا إذا كان يملكه أما حديث أبى هريرة الثاني فقد أخرجه أبو داود والامام أحمد وابن ماجة بلفظ " لا يحلف عند هذا المنبر عبد ولا أمة على يمين آثمة ولو على سواك رطب إلا وجبت له النار " ورجاله ثقات وإسناده صحيح.
هكذا في زوائد ابن ماجه لابن حجر.
وحديث جابر أخرجه مالك في موطئه في باب ما جاء في الحنث على منبر النبي ﷺ من كتاب الاقضية، وفيه أن زيد بن ثابت وابن مطيع اختصما في دار كانت بينهما إلى مروان بن الحكم - وهو أمير على المدينة - فقضى مروان على زيد باليمين على المنبر، فقال زيد أحلف له مكاني، فقال مروان " لا والله إلا عند مقاطع الحقوق " قال فجعل زيد يحلف ان حقه لحق ويأبى أن يحلف على المنبر، فجعل مروان يعجب من ذلك
قال مالك لا أرى أحدا يحلف على المنبر على أقل من ربع دينار وذلك ثلاثة دراهم.
اه - وروى حديث جابر أبو داود في الايمان والنذور " باب ما جاء في تعظيم اليمين عند منبر النبي ﷺ " وأحمد بن حنبل في مسنده، وأخرجه النسائي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وله شاهد عن أبى أمامة ابن ثعلبة مرفوعا عند النسائي أيضا
[ ١٧ / ٤٤٠ ]
أما الاحكام فإنه يستحب أن يكون اللعان بمحضر جماعة من المسلمين صغارا كانوا أو كبارا، فقد رويت أخبار المتلاعنين بحضرة النبي ﷺ عن ابن عباس وابن عمر وسهل بن سعد رواية من حضروها وسمعوا تفصيلاتها وكانوا حدثاء السن، فإن عبد الله بن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان ابن ثلاث عشرة سنة إذ تُوُفِّيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
هَذَا قول الواقدي والزبير بن بكار.
قال أهل السير: ولد عبد الله بن عباس في الشعب قبل خروج بنى هاشم منه وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين وروينا من وجوه عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قال تُوُفِّيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم - يعنى المفصل - هذه رواية أبى بشر عن سعيد بن جبير، وقد روى عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قال قبض رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ختين، أو قال مختون.
قال ابن عبد البر ولا يصح وقال عبد الله بن أحمد، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا شعبة عن ابن اسحاق قال سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال، تُوُفِّيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابن خمس عشرة سنة.
قال عبد الله بن أحمد
قال أبى وهذا هو الصواب.
قال أبو عمر بن عبد البر وما قاله أهل السير والعلم بأيام الناس عندي أصح والله أعلم - وهو قولهم ان ابن عباس كان ابن ثلاث عشرة سنة يوم تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
ومات ابن عباس سنة ثمان وستين في أيام ابن الزبير وكان قد أخرجه من مكة إلى الطائف فمات بها وهو ابن سبعين سنة وصلى عليه محمد ابن الحنفية وكبر عليه أربعا وقال اليوم مات ربانى هذه الامة وضرب على قبره فسطاطا.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ وجوه كثيرة قوله له اللهم علمه الحكمة.
اللهم علمه التأويل.
اللهم فقهه في الدين أما عبد الله بن عمر فقد أسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم.
وقيل انه
[ ١٧ / ٤٤١ ]
أسلم قبل أبيه ولا يصح.
وأصح من ذلك أن هجرته كانت قبل هجرة أبيه، واجتمعوا أنه لم يشهد بدرا.
واختلف في شهوده أحدا، والصحيح أن أول مشاهده الخندق.
وقال الواقدي كان ابن عمر يوم بدر ممن لم يحتلم فاستصغره رسول الله ﷺ ورده، وأجازه يوم أحد.
وعن نافع أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رده يوم أحد لانه كان ابن أربع عشرة سنة، وأجازه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة وقد عرف عنه ﵁ الاتباع وشدة التحرى والاحتياط والتوقى في فتواه ويقولون انه من أعلم الصحابة بمناسك الحج، وقد كان مولعا به حتى في أيام الفتنة حيث كان يحج كل عام.
أما سهل فهو ابن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة الساعدي الخزرجي الانصاري يكنى أبا العباس.
روى ابن عبد البر بإسناده إلى محمد بن اسحاق عن الزهري قال قلت لسهل بن سعد " ابن كم كنت يومئذ - يعنى يوم المتلاعنين؟ - قال ابن خمس
عشرة.
وروى بإسناده عن الزهري عن سهل أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ توفى وهو ابن خمس عشرة سنة، وعمر سهل حتى أدرك الحجاج وامتحن به، وتوفى سنة ثمان وثمانين وهو ابن ست وتسعين، وقد بلغ المائة، ويقال انه آخر من بقى بالمدينة مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حكى ابن عيينة عن ابى حازم، سمعت سهل بن سعد يقول " لو مت لم تسمعوا أحدا يَقُولَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا قرر هذا فإن هؤلاء الصبيان انما كانوا يحضرون تبعا للرجال، ولان اللعان مبنى على التغليظ والمبالغة في الردع به والزجر، فإن فعله في الجماعة أبلغ في ذلك، ويستحب أن يكون ذلك بعد العصر لتعرض من يحلف كاذبا منهما لغضب الله لحديث " ثلاثة لا يكلمهم الله " الذى ساقه المصنف، كما يستحب أن لا ينقصوا عن أر؟؟ ة، لان بينة الزنا الذى شرع اللعان من أجل الرمى به أربعة، وليس شئ من هذا واجبا، كما يستحب أن يتلاعنا قياما، فيبدأ بالزوج حيث يلتعن وهو قائم، فإذا فرغ قامت المرأة فالتمنت وهى قائمة، لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ انه قال لهلال بن أمية " قم فاشهد اربع شهادات " ولانه إذا قام شاهده الناس
[ ١٧ / ٤٤٢ ]
فكان أبلغ في شهرته فاستحب كثرة الجمع وليس ذلك واجبا.
وبهذا كله قال أحمد وأبو حنيفة.
قال ابن قدامة ولا أعلم فيه مخالفا.
قلت إلا فيما يتعلق بالزمان فقد خالفنا فيه أصحاب أحمد وأبو حنيفة.
قالوا لان الله تعالى أطلق الامر بذلك ولم يقيده بزمن ولا مكان فلا يجوز تقييده إلا بدليل، ولان النبي ﷺ أمر الرجل بإحضار امرأته ولم يخصه بزمن، ولو خصه بذلك لنقل ولم يهمل، وخالفهم في ذلك أبو الخطاب من الحنابلة فقال بقولنا ولنا أنه يستحب أن يتلاعا في الازمان والاماكن التى تعظم، ولان حديث
" ثلاثة لا يكلمهم الله " وقت في الوعيد على من حلف بعد العصر، فاسب أن يراعى هذا استكمالا لكل معاني الردع والزجر.
أما المكان ففيه قولان
(أحدهما)
أن التغليظ به مستحب كالزمان
(والثانى)
أنه واجب، لان النبي ﷺ لاعن عند المنبر فكان فعله بيانا للعان، ومعنى التغليظ بالمكان أنهما إذا كانا بمكة لاعن بينهما بين الركن والمقام فإنه أشرف البقاع، وإن كانا في المدينة فعند منبر النبي ﷺ، وإن كان ببيت المقدس فعند الصخرة، وان كان في سائر البلدان ففى مساجدها، وان كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذى يعتقدان تعظيمه، وان كانا يهوديين أو نصرانيين فالكنيسة، وان كانا غير ذلك - قال القرطبى ان كانا مجوسيين ففى بيت النار، وان كانا وثنيين أو لا دين لهما ففى مجلس حكمه.
وان كانت المسلمة حائضا وقلنا ان اللعان بينهما يكون في المسجد وقفت على بابه ولم تدخله، لان ذلك أقرب المواضع إليه.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يصعد الملاعن على المنبر إذ لا يليق بالمنبر أن يصعد عليه ملاعن لشرف المنبر وعلو مكانته، وبكل ما قررنا قال الائمة كافة ولم أعلم لهم مخالفا.
قال الشافعي في الام في باب " أين يكون اللعان " فإذا لاعن الحاكم بين الزوجين بمكة لاعن بينهما بين المقام والبيت - إلى أن قال - وكذلك يلاعن بين كل زوجين في مسجد كل بلد، ويبدأ فيقيم الرجل قائما وامرأة جالسة، فيلتعن ثم يقيم المرأة قائمة فتلتعن، إلا أن يكون بأحدهما علة لا يقدر على القيام معها
[ ١٧ / ٤٤٣ ]
فيلتعن جالسا أو مضطجعا إذا لم يقدر على الجلوس.
وان كانت المرأة حائضا التعن الزوج في المسجد والمرأة على باب المسجد.
وان كان الزوج مسلما والزوجة
مشركة التعن الزوج في المسجد والزوجة في الكنيسة وحيث تعظم، وان شاءت الزوجة المشركة أن يحضر الزوج المسلم في المساجد كلها حضرته الا أنها لا تدخل المسجد الحرام لقوله تَعَالَى " إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الحرام بعد عامهم هذا " ثم قال ﵁ " وان أخطأ الامام بمكة أو المدينة أو غيرهما فلاعن بين الزوجين في غير المسجد لم يعد اللعان عليهما لانه قد مضى اللعان عليهما ولانه حكم قد مضى بينهما وكذلك ان لاعن ولم يحضر أحدهما الآخر، قال وإذا كان الزوجان مشركين لاعن بينهما معا في الكنيسه وحيث يعظمان.
وإذا كانا مشركين لا دين لهما تحاكما الينا لاعن بينهما في مجلس الحكم.
اه
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وإذا أرادا اللعان فالمستحب للحاكم أن يعظهما لما روى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فقال هلال والله لقد صدقت عليها، فقالت كذب، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لاعنوا بينهما " وان كانت المرأة غير برزة بعث إليها الحاكم من يستوفى عليها اللعان، ويستحب أن يبعث معه أربعة
(فصل)
ويبدأ الزوج ويأمره أن يشهد، لان الله تعالى بدأ به وبدأ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في لعان هلال بن أمية، ولان لعانه بينة لاثبات الحق، ولعان المرأة بينة الانكار، فقدمت بينة الاثبات فإن بدأ بلعان المرأة لم يعتد به لان لعانها اسقاط الحد، والحد لا يجب الا بلعان الزوج فلم يصح لعانها قبله، والمستحب إذا بلغ الزوج إلى كلمة اللعنة والمرأة إلى كلمة الغضب أن يعظهما.
لما روى ابن عباس ﵁ قال " لما كان في الخامسة قيل يا هلال اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وان
هذه الموجبة التى توجب عليك العذاب.
فقال والله لا يعذبنى الله عليها كما لم
[ ١٧ / ٤٤٤ ]
يحلدنى عليها فشهد الخامسة، فلما كانت الخامسة قيل لها اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التى توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة ثم قالت والله لا أفضح قومي فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين " ويستحب أن يأمر من يضع يده على فيه في الخامسة، لما روى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر رجلا أن يضع يده على فيه عند الخامسة يقول إنها موجبة "
(فصل)
وإن لاعن وهى غائبة لحيض أو موت قال أشهد بالله إنى لمن الصادقين فيما رميت به زوجتى فلانة، ويرفع في نسبها حتى تتميز.
وإن كانت حاضرة ففيه وجهان أحدهما يجمع بين الاشارة والاسم، لان مبنى اللعان على التأكيد، ولهذا تكرر فيه لفظ الشهادة، وإن حصل المقصود بمرة والثانى أنه تكفيه الاشارة لانها تتميز بالاشارة كما تتميز في النكاح والطلاق
(فصل)
وإن كان القذف بالزنا كرره في الالفاظ الخمسة، فإن قذفها بزناءين ذكرهما في الالفاظ الخمسة، لانه قد يكون صادقا في أحدهما دون الآخر فإن سمى الزانى بها ذكره في اللعان في كل مرة، لانه ألحق به المعرة في إفساد الفراش فكرره في اللعان كالمرأة.
فإن قذفها بالزنا وانتفى من الولد قال في كل مرة وأن هذا الولد من زنا وليس منى، فإن قال هذا الولد ليس منى ولم يقل من زنا لم ينتف لانه يحتمل أن يريد أنه ليس منى في الخلق أو الخلق.
وان قال هذا الولد من زنا ولم يقل وليس منى ففيه وجهان
(أحدهما)
وهو قول القاضى أبى حامد المروروذى أنه ينتفى منه
لان ولد الزنا لا يلحق به
(والثانى)
وهو قول الشيخ أبى حامد الاسفراينى أنه لا ينتفى لانه قد يعتقد أن الوطئ في النكاح بلا ولى زنا على قول أبى بكر الصيرفى فوجب أن يذكر أنه ليس منى لينتفي الاحتمال (الشرح) قال الشافعي ﵁: ويبدأ الرجل باللعان حتى يكمله، فإذا أكمله خمسا التعنت المرأة، وإن أخطأ الحاكم فبدأ بالمرأة فالتعنت ولو لم يبق من
[ ١٧ / ٤٤٥ ]
لعان الرجل إلا حرف واحد من قبل أن الله ﷿ بدأ بالرجل في اللعان فلا يجب على المرأة لعان حتى يكمل الرجل اللعان، لانه لا معنى لها في اللعان الا إذا رفع الحد عن نفسها، والحد لا يجب حتى يلتعن الرجل ثم يجب لانها تدفع الحد عن نفسها وإلا حدت.
وإذا بدأ الرجل فالتعن قبل أن يأتي الحاكم أو بعدما أتاه قبل أن يأمره بالالتعان أو المرأة أو هما أعاد أيهما بدأ قبل امر الحاكم إياه بالالتعان، لان ركانة أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بطلاق امرأته البتة وحلف له فأعاد النبي صلى الله عليه اليمين على ركانة ثم رد إليه امرأته بعد حلفه بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يرد امرأته إليه قبل حلفه بأمره.
اه إذا تقرر هذا فإن ألفاظه خمسة في حق كل واحد منهما، وصفته أن الامام يبدأ بالزوج فيقيمه ويقول له: قل أربع مرات ويلقنه الصيغة التى مضى ذكرها ثم يشير إليها ويشير إلى نسبها وتسميتها، وان كانت غائبة أسماها ونسبها فقال، امرأتي فلانة بنت فلان ويرفع في نسبها حتى ينفى المشاركة بينها وبين غيرها، فإذا شهد أربع مرات وقفه الحاكم وقال له: اتق الله فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وكل شئ أهون من لعنة الله، ويأمر رجلا فيضع يده على فيه حتى لا يبادر بالخامسة قبل الموعظة، ثم يأمر الرجل فيرسل يده عن فيه
فإن رآه يمضى في ذلك قال له: قل وأن لعنة الله على ان كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتى هذه من الزنا، ثم يأمر المرأة بالقيام ويقول لها: قولى أشهد بالله أن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا وتشير إليه، وان كان غائبا أسمته ونسبته، فإذا كررت ذلك أربع مرات وقفها ووعظها كما ذكرنا في حق الزوج، ويأمر امرأة فتضع يدها على فيها، فإن رآها تمضى على ذلك قال لها قولى وأن غضب الله عليها إن كان زوجي هذا من الصادقين فيما رماني به من الزنا.
وسئل أحمد بن حنبل ﵁: كيف يلاعن؟ قال على ما في كتاب الله ثم ذكر ما قررناه من صفة اللعان، فإن أبدل لفظا منها فظاهر كلام الاصحاب أن فيه وجهين
(أحدهما)
أنه يعتد به، وهو ما ذهب إليه الخرقى من الحنابلة
[ ١٧ / ٤٤٦ ]
أنه يجوز أن يبدل قوله: إنى لمن الصادقين بقوله لقد زنت لان معناهما واحد، ويجوز لها إبدال انه لمن الكاذبين بقولها لقد كذب.
لانه ذكر صفة اللعان كذلك واتباع لفظ النص أول وأحسن.
وإن أبدل لفظة أشهد بلفظ من ألفاظ اليمين فقال.
أحلف أو أقسم أو أولى فكذلك مثله، وان كان الصحيح في هذا الاخير لا يصح، لان ما اعتبر فيه لفظ الشهادة لم يقم غيره مقامه كالشهادات في الحقوق، ولان اللعان يقصد فيه التغليظ واعتبار لفظ الشهادات أبلغ في التغليظ فلم يجز تركه، ولهذا لم يجز أن يقسم بالله من غير كلمة تقوم مقام أشهد.
وأما موعظة الامام لهما بعد الرابعة وقبل الخامسة فهى مستحبة في قول أكبر أهل العلم.
وكذلك وضع يد على في الملاعن لما رواه أبو إسحاق الجوزجانى بإسناده في حديث المتلاعنين قال " فشهد أربع شهادات بالله انه لمن الصادقين، ثم أمر به فأمسك على فيه فوعظه وقال: ويحك كل شئ أهون عليك من لعنة الله ثم أرسل
فقال: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم دعاها فقرأ عليها فشهدت أربع شهادات بالله انه لمن الكاذبين، ثم أمر بها فأمسك على فيها وقال: ويحك كل شئ أهون عليك من عذاب الله.
وذكر الحديث " قال الشافعي في الام: ثم تقام المرأة فتقول أشهد بالله ان زوجي فلانا وتشير إليه ان كان حاضرا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، ثم تعود حتى تقول ذلك أربع مرات، فإذا فرغت من الرابعة وقفها الامام وذكرها الله ﵎ وقال لها: احذري أن تبوئى بغضب من الله ﷿ إن لم تكوني صادقة في أيمانك، فإن رآها تمضى وحضرتها امرأة أمرها أن تضع يدها على فيها، وان لم تحضرها فرآها تمضى قال لها: قولى وعلى غضب الله ان كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا، فإذا قالت ذلك فقد فرغت من اللعان، وإنما أمرت بوقفهما وتذكيرهما أن سفيان أخبرنا عن عاصم بن كليب عن أبيه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ رجلا حين لاعن بين المتلاعنين أن يضع يده على فيه عند الخامسة وقال إنها موجبة
[ ١٧ / ٤٤٧ ]
(مسألة) إذا كان بينهما ولد فإنه يشترط أن يقول: هذا الولد من زنا وليس هو منى، لانه إذا اقتصر على قوله: ليس هو منى - يعنى في الخلق أو أو في الخلق، ولم نقتصر على قوله من زنا لانه قد يعتقد أن الوطئ في نكاح فاسد زنا فأكدنا بذكرهما جميعا.
وقال ابن قدامة من الحنابلة: إن نفى الولد في اللعان فاكتفى به كان كمن ذكر اللفظين، وما ذكروه من التأكيد تحكم بغير دليل، ولا ينتفى الاحتمال بضم احدى اللفظتين إلى الاخرى فإنه إذا اعتقد أنه من وطئ فاسد واعتقد أن ذلك زنا صح منه أن يقول اللفظين جميعا، وقد يرد أنه لا يشبهني خلقا وخلقا أو أنه
من وطئ فاسد، فإن لم يذكر الولد في اللعان لم ينتف عنه، وان أراد نفيه أعاد اللعان ويذكر نفى الولد.
اه هذه المسألة لاصحابنا فيها وجهان
(أحدهما)
قول القاضى أبى حامد المروروذى أنه إذا نسبه إلى الزنا ولم ينفه عن نفسه فقد انتفى منه، لان ولد الزنا لا يلحق به فكان نفيه بالزنا كافيا في أن لا يلحق به
(والثانى)
قول الشيخ أبى حامد الاسفرايينى أن نسبته إلى الزنا لا يكفى في نفيه لانه قد يعتقد أن الوطئ في النكاح بلا ولى زنا، لان أبا بكر الصيرفى من أصحابنا يقول " ان النكاح بلا ولى زنا " وبقوله هذا قال كثير من الفقهاء والمحدثين لحديث " أيما امرأة نكحت بغير وليها فهى زانية، فهى زانية، فهى زانية " وقد مضى تخريجه.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإذا لاعن الزوج سقط عنه ما وجب بقذفه من الحد أو التعزير وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عباس ﵁ " أن هلال بن أمية قذف امرأته فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البينة أو حد في ظهرك، فقال هلال والذى بعثك بالحق انى لصادق، ولينزلن الله في امرى ما يبرئ ظهرى من الحد فنزلت " والذين يرمون ازواجهم " فسرى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا، فقال هلال قد كنت أرجو
[ ١٧ / ٤٤٨ ]
ذلك من ربى ﷿ " وإن قذفها برجل فسماه في اللعان سقط عنه حده، لانه سماه في اللعان فسقط حده كالمرأة، فإن لم يسمه في اللعان فيه قولان
(أحدهما)
يسقط حده لانه أحد الزانيين فسقط حده باللعان كالزوجة
(والثانى)
لا يسقط حده لانه لم يسمه في اللعان فلم يسقط حده كالزوجة
إذا لم يسمها، فعلى هذا إذا أراد إسقاط حده استأنف اللعان وذكره وأعاد ذكر الزوجة.
(فصل)
وإن نفى باللعان نسب ولد انتفى عنه لما روى ابن عمر ﵁ " أن رجلا لاعن امرأته فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وانتفى عن ولدها، ففرق رسول الله ﷺ بينهما وألحق الولد بالمرأة " فان لم يذكر النسب في اللعان أعاد اللعان لانه لم ينتف باللعان الاول (الشرح) حديث عبد الله بن عباس سبق تخريجه حيث قلنا رواه البخاري وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني.
وحديث ابن عمر أخرجه أحمد والشيخان وأصحاب السنن وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني أما غريبه فقوله " فسرى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " أي كشف، كأنه هم كشفه الله عنه صدره.
قال ابن بطال: ومثله الحديث الآخر " فإذا مطرت السحابة سرى عنه " أي كشف عنه الخوف.
قال ابن الصباغ في الشامل: قصة هلال بن أمية نزلت فيها الآية.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ فِي قصة عويمر العجلاني " إن الله قد أنزل فيك وفى صاحبتك " فمعناه ما نزل في قصة هلال بن أمية.
أما الاحكام فانه إذا قذف امرأته بالزنا برجل بعينه فقد قذفهما، فان سماه سقط عنه حده لانه سماه وإن لم يسمه ففيه قولان.
أحدهما يسقط حده، وبهذا قال أصحاب أحمد وأبو حنيفة ومالك.
والثانى لا يسقط حده لانه لم يسمه في اللعان فلم يسقط.
فان لم يلاعن فلكل واحد منهما المطالبة، وأيهما طالب حد له.
ومن لم يطالب قال بعض أصحابنا يجب الحد مطلقا.
وقال بعض أصحاب أحمد: القذف
[ ١٧ / ٤٤٩ ]
للزوجة وحدها ولا يتعلق بغيرها حق في المطالبة ولا في الحد، لان هلال بن أمية قذف زوجته في شريك بن سحماء فلم يحده النبي ﷺ ولا عزره، ولان اللعان بينة في أحد الطرفين، ولا خلاف عندنا انه إذا لاعن وذكر الأجنبي إنه يسقط عنه حده.
وإن لم يذكره فعلى قولين مضيا (فرع)
استدل بحديث ابن عمر على أن الولد ينتفى باللعان، وأن يذكر في صيغة اللعان، وعن أحمد أنه ينتفى بمجرد اللعان وإن لم يتعرض الرجل لذكره في اللعان.
قال الحافظ ابن حجر وفيه نظر، لانه لو استلحقه لحقه، وإنما يؤثر اللعان دفع حد القاذف عنه وثبوت زنا المرأة قال الشافعي ﵁ إن نفى الولد في الملاعنة انتفى، وان لم يتعرض له فله أن يعيد اللعان لانتفائه ولا إعادة على المرأة.
وان أمكنه الرفع إلى الحاكم فأخر بغير عذر حتى ولدت لم يكن له أن ينفيه كما في الشفعة، واستدل بالحديث أيضا على أنه لا يشترط في نفى الولد التصريح بأنها ولدته من زنا ولا بأنه استبرأها بحيضة.
وقد مضى إيضاحه.
وعن المالكية أنه يشترط ذلك
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويجب على المرأة حد الزنا، لانه بينة حقق بها الزنا عليها فلزمها الحد كالشهادة، ولا يجب على الرجل الذى رماها به حد الزنا، لانه لا يصح منه درء الحد باللعان فلم يجب عليه الحد باللعان
(فصل)
وان كان اللعان في نكاح صحيح وقعت الفرقة لحديث ابن عمر ﵁ وحرمت عليه على التأبيد لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ ﵁ قال " مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا " فان كان اللعان في نكاح فاسد، أو كان اللعان بعد البينونة في زنا أضافه إلى حال الزوجية فهل تحرم المرأة على التأبيد؟ فيه وجهان.
أحدهما تحرم، وهو الصحيح، لان
ما أوجب تحريما مؤبدا إذا كان في نكاح أوجبه، وان لم يكن في نكاح كالرضاع
(والثانى)
لا يحرم، لان التحريم تابع للفرقة ولم يقع بهذا اللعان فرقة فلم يثبت به تحريم.
[ ١٧ / ٤٥٠ ]
(فصل)
وللمرأة أن تدرأ حد الزنا عنها باللعان لقوله ﷿ " ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين " ولا تذكر المرأة النسب في اللعان، لانه لا مدخل لها في إثبات النسب ولا في نفيه.
(فصل)
إذا لاعن الزوج ثم أكذب نفسه وجب عليه حد القذف إن كانت المرأة محصنة، أو التعزير إن لم تكن محصنة ولحقه النسب لان ذلك حق عليه فعاد بتكذيبه، ولا يعود الفراش ولا يرتفع التحريم، لانه حق له فلا يعود بتكذيبه نفسه، وإن لاعنت المرأة ثم أكذبت نفسها وجب عليها حد الزنا لانه لا يتعلق بلعانها أكثر من سقوط حق الزنا وهو حق عليها فعاد بإكذابها (الشرح) حديث ابن عمر الذى ذكرناه آنفا، وحديث سهل بن سعد الذى أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدارقطني، وقد مضى بلفظه، وفيه قصة عويمر العجلاني، وسياق المصنف يفيد أن عبارة " مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان " من قول سهل بن سعد، بيد أن الروايات التى في الكتب المذكورة قال ابن عمر " فكانت سنة المتلاعنين " وفى رواية متفق عليها، أي في مسند أحمد والصحيحين " ذاكم التفريق بين كل متلاعنين، وفى لفظ لاحمد ومسلم " وكان فراقه إياها سنة في المتلاعنين " وزاد أبو داود عن القعنبى عن مالك فكانت تلك - وهى إشارة إلى الفرقة.
وقال مسلم إن قوله وكان فراقه اياها سنة بين المتلاعنين مدرج (١) وكذا ذكر الدارقطني في غريب مالك اختلاف الرواة على ابن شهاب.
وذكر ذلك الشافعي في الام
إلى أن نسبته إلى ابن شهاب لا تمنع نسبته إلى سهل، ويؤيد ذلك ما وقع في رواية لابي داود عن سهل قال " فطلقها ثلاث تطليقات عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فأنقذه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ ما صنع عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) المدرج هو أن تزاد لفظة في متن الحديث من كلام الراوى فيحسبها من يسمعها مرفوعة في الحديث فيرويها، وقد صنف الحافظ أبو بكر الخطيب في ذلك كتابا حافلا سماه: فصل الواصل لما أدرج في النقل، وقد يكون الادراج في الاسناد على تفصيل نذكره في مناسبته
[ ١٧ / ٤٥١ ]
سنة.
وفى نسخة الصغانى قال أبو عبد الله - يعنى البخاري - قوله " ذلك تفريق بين المتلاعنين " من قول الزهري وليس من الحديث أما الاحكام فقد قال الشافعي ﵁: ومتى التعن الزوج فعليها أن تلتعن فإن أبت حدت - إلى أن قال - وان امتنعت من اليمين وهى مريضة فكانت ثيبا رجمت.
اه (قلت) ولا يجب اقامة الحد على الرجل الذى زنى بها، لاننا إذا قلنا يجب أن يقام الحد عليها ببينة الزنا بلعان الزوج فإنه يدرأ عنها الحد أن تلاعنه.
وإذا كان على الزوج حد القذف فإنه يدرأ عنه ذلك بلعانه.
أما الذى رميت به فليس له أن يشترك في الملاعنة ليدرأ عن نفسه فعلا يجب عليه الحد لاجله، فلم يكن عليه حد، وبصورة أخرى نقول لما كان اللعان لدرء الحد، ولما كان لا لعان عليه كان لا حد عَلَيْهِ (فَرْعٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فإذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان فقد زال فراش امرأته ولا تحل له أبدا بحال، وان أكذب نفسه لم تعد إليه التعنت أو لم تلتعن، حدت أو لم تحد، قال وانما قلت هذا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " الولد
للفراش " وكانت فراشا فلم يجز أن ينفى الولد عن الفراش الا بأن يزول الفراش فلا يكون فراش أبدا.
ثم ساق حديث ابن عمر ثم قال " وكان معقولا في حكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا ألحق الولد بأمه أنه نفاه عن أبيه وأن نفيه عن أبيه بيمينه والتعانه لا بيمين أمه على كذبه بنفيه، ومعقول في اجماع الناس أن الزوج إذا أكذب نفسه ألحق به الولد وجلد الحد، لان لا معنى للمرأة في نفيه، وأن المعنى للزوج بما وصفت من نفيه، وكيف يكون لها معنى في يمين الزوج ونفى الولد والحاقه، والولد بكل حال ولدها لا ينفى عنها انما عنه ينفى واليها ينسب إذا نسب (فرع)
سبق أن قلنا ان مذهبنا حصول الفرقة بلعان الزوج وحده وان لم تلتعن المرأة لانها فرقة حاصلة بالقول فتحصل بقول الزوج وحده كالطلاق.
وقال سائر الائمة ان الشرع ان أمر بالتفريق بين المتلاعنين، وانما فرق النبي ﷺ بينهما بعد تمام اللعان منهما.
فإذا قلنا بأن اللعان منه يوجب الفرقة بينهما وتحرم
[ ١٧ / ٤٥٢ ]
عليه على التأبيد إذا كان نكاحهما صحيحا.
أما إذا كان النكاح فاسدا أو بعد بينونة في زنا أضافه إلى حال الزوجية، فهل تكون محرمة على التأبيد؟ وجهان ذكرهما المصنف.
(فرع)
الفرقة باللعان فسخ عندنا.
وقال أبو حنيفة: هي طلاق لانها فرقة من جهة الزوج تختص النكاح فكانت طلاقا كالفرقة بقوله أنت طالق.
ولنا أنها فرقة توجب تحريما مؤبدا فكانت فسخا كفرقة الرضاع، ولان اللعان ليس بصريح في الطلاق ولا نوى به الطلاق فلم يكن طلاقا كسائر ما ينفسخ به النكاح وبهذا قال أحمد وأصحابه، واستدلوا كذلك بكونه لو كان طلاقا لوقع بلعان الزوج دون لعان المرأة.
(فرع)
قوله " إذا لاعن الزوج ثم أكذب نفسه الخ " فجملة ذلك أن الرجل إذا قذف امرأته ثم أكذب نفسه فلها عليه الحد، سواء أكذبها قبل لعانه أو بعده.
وقوله " أكذب نفسه " قال في المصباح شرح غريب الشرح الكبير للرافعي وأكذب نفسه وكذبها بمعنى اعترف بأنه كذب في قوله السابق قال الكسائي: وتقول العرب أكذبته بالالف إذا أخبرت بأن الذى حدث كذب.
انتهى وهذا أصرح ما في النعوت من حكاية غير الواقع، وترى الفقهاء ينزهون ألسنتهم فيما بينهم عن استعمال هذه الكلمة فيقولون عند احتمال الكذب: ليس الامر كذلك.
وعند احتمال الغلط أو التلبيس يقولون: لا نسلم ويشيرون إلى المطالبة بالدليل تارة والى الخطأ في النقل تارة والى التوقف تارة، فإذا أغلظوا في الرد قالوا ليس كذلك وليس بصحيح، وقد رأيت بعض من يتسمون بسمات العلم في عصرنا يتراشقون بالتكذيب وما هو أشد منه في أمور خلافية، فيخرجون عن آداب البحث وعن حياء أهل المجادة من حملة العلم العاملين ونعود فنقول وجب على الزوج حد القذف بعد الاكذاب، وبهذا قال أحمد وأبو ثور وأصحاب الرأى ومالك ولا نعلم لهم مخالفا، وذلك لان اللعان أقيم مقام البينة في حق الزوج فإذا أكذب نفسه بان أن لعانها كذب وزيادة في هتكها وتكرار لقذفها فلا أقل من أن يجب الحد الذى كان واجبا بالقذف المجرد للحرة البالغة،
[ ١٧ / ٤٥٣ ]
فالصبية ليست محصنة وكذلك غير الحرة، فإن عاد عن اكذاب نفسه وقال لى بينة أقيمها بزناها أو أراد اسقاط الحد عنه باللعان لم يسمع من خلافه، وهذا فيما إذا كانت المقذوفة محصنة، فإن كانت على محصنة فعليه التعزير، وفى ذلك كله يلحقه نسب الولد، سواء كان الولد حيا أو ميتا، غنيا أو فقيرا، وبهذا قال أحمد
وأبو ثور.
وقال الثوري: إذا استلحق الولد الميت نظرنا - فإن كان ذا مال - لم يلحقه لانه انما يدعى مالا، وان لم يكن ذا مال لحقه وقال أصحاب الرأى: ان كان الولد الميت ترك ولدا ثبت نسبه من المستلحق وتبعه نسب ابنه، وان لم يكن ترك ولدا لم يصح استلحاقه ولم يثبت نسبه ولا يرث منه المدعى شيئا لان نسبه منقطع بالموت فلم يصح استلحاقه، فإذا كان له ولد كان مستلحقا لولده وتبعه نسب الميت دليلنا أن هذا ولد نفاه باللعان فكان له استلحاقه كما لو كان حيا أو كان له ولد ولان ولد الولد يتبع نسب الولد، وقد جعل ابو حنيفة نسب الولد تابعا لنسب ابنه فجعل الاصل تابعا للفرع وذلك باطل فأما قول الثوري انه انما يدعى مالا، قلنا انما يدعى النسب والميراث والمال تبع له، فان قيل هو متهم في أن غرضه حصول الميراث.
قلنا ان النسب لا تمنع التهمة لحوقه، بدليل انه لو كان له أخ يعاديه فأقر بابن لرمه وسقط ميراث أخيه ولو كان الابن حيا وهو غنى والاب فقير فاستلحقه فهو متهم في ايجاب نفقته على ابنه ويقبل قوله، فكذلك ههنا، ثم كان ينبغى أن يثبت النسب ههنا لانه حق للولد ولا تهمة فيه، ولا يثبت الميراث المختص بالتهمة، ولا يلزمه من انقطاع التبع انقطاع الاصل ونخلص من كل ما سبق أن أربعة أحكام تعلقت باللعان، حقان عليه وحقان له، فما عليه وجوب الحد ولحوق النسب، وما له الفرقة والتحريم المؤبد، فإذا أكذب نفسه قبل قوله فيما عليه، فلزمه الحد والنسب فلم يقبل فيما له، فلم تزل الفرقة أو التحريم المؤبد وعن أحمد رواية: ان أكذب نفسه حلت له وعاد فراشه بحاله.
قال ابن قدامة هي رواية شاذة شذ بها حنبل عن أصحابه
[ ١٧ / ٤٥٤ ]
(فرع)
للمرأة في ملاعنته حق نفى الزنا ودرء الحد عن نفسها فإن هي أكذبت نفسها بعد أن لاعنته وجب أن يقام الحد عليها لان حق الزنا عليها قد أضاعته بلعانها فعاد بإكذابها.
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وإن مات الزوج قبل اللعان وقعت الفرقة بالموت وورثته الزوجة لان الزوجية بقيت إلى الموت، فإن كان هناك ولد ورثه، لانه مات قبل نفيه، وما وجب عليه من الحد أو التعزير بقذفها سقط بموته، لانه اختص ببدنه وقد فات، وإن ماتت الزوجة قبل لعان الزوج وقعت الفرقة بالموت وورثها الزوج، لان الزوجية بقيت إلى الموت، وإن كان هناك ولد فله أن يلاعن لنفيه، لان الحاجة داعية إلى نفيه، فإن طالبه ورثتها بحد القذف لاعن لاسقاطه، ولا يسقط من الحد لو لم يلاعن شئ لحقه من الارث كما يسقط ما لها عليه من القصاص، لان القصاص ثبت مشتركا بين الورثة، فإذا سقط ما يخصه بالارث سقط الباقي وحد القذف يثبت جميعه لكل واحد من الورثة، ولهذا لو عفا بعضهم عن حقه كان للباقين أن يستوفوا الجميع، فان مات الولد قبل أن ينفيه باللعان جاز له نفيه باللعان، لانه يلحقه نسبه بعد الموت فجاز له نفيه، وإذا نفاه لم يرثه لانا تبينا باللعان أنه لم يكن ابنه.
(فصل)
إذا قذف امرأته وامتنع من اللعان فضرب بعض الحد ثم قال أنا ألاعن سمع اللعان وسقط ما بقى من الحد، وكذلك إذا نكلت المرأة عن اللعان فضربت بعض الحد، ثم قالت أنا ألاعن سمع اللعان وسقط بقية الحد، لان ما أسقط جميع الحد أسقط بعضه كالبينة
(فصل)
إذا قذفها ثم تلاعنا ثم قذفها نظرت - فان كان بالزنا الذى تلاعنا
عليه - لم يجب عليه حد لان اللعان في حقه كالبينة، ولو أقام البينة على القذف ثم أعاد القذف لم يجب الحد، فكذلك إذا لاعن وإن قذفها بزنا آخر ففيه وجهان
(أحدهما)
انه لا يجب الحد، لان اللعان في حقه كالبينة، ثم بالبينة يبطل إحصانها فكذلك باللعان
(والثانى)
يجب عليه
[ ١٧ / ٤٥٥ ]
الحد، لان اللعان لا يسقط إلا ما يجب بالقذف في الزوجية لحاجته إلى قذف الزوجة، وقد زالت الزوجية باللعان فزالت الحاجة إلى القذف فلزمه الحد، وان تلاعنا ثم قذفها أجنبي حد، لان اللعان حجة يختص بها الزوج فلا يسقط به الحد عن الأجنبي فان قذفها ولاعنها ونكلت عن اللعان فحدت فقد اختلف أصحابنا فيها، فقال أبو العباس: لا يرتفع احصانها إلا في حق الزوج، فان قذفها أجنبي وجب عليه الحد لان اللعان حجة اختص بها الزوج فلا يبطل به الاحصان إلا في حقه.
وقال أبو إسحاق: يرتفع احصانها في حق الزوج والاجنبى، فلا يجب على واحد منهما الحد بقذفها، لانها محدودة في الزنا فلم يحد قاذفها، كما لو حدت بالاقرار أو البينة (الشرح) الاحكام: إذا قذفها ثم مات قبل لعانها أو قبل اتمام لعانه سقط اللعان ولحقه الولد وورثته في قول جميع الفقهاء، ولان اللعان لم يوجد فلم يثبت حكمه.
وان مات بعد أن أكمل لعانه فقد بانت بلعانه ولو لم تلاعن هي، وسقط التوارث بينهما وانتفى الولد ولزمها الحد الا أن تلتعن وقال أحمد: ان مات بعد أن أكمل لعانه وقبل لعانها فكمن مات قبل أن يتم لعانه أو قبل أن يلاعن يسقط اللعان ويلحقه الولد وترثه.
لان أحكام اللعان مترتبة على اللعان عنده.
وتمامه أن تلاعن هي دليلنا قول ابن عباس ﵄: ان التعن لم يرث.
ونحو ذلك عن الشعبى
وعكرمة.
لان اللعان يوجب فرقة تبين بها فيمنع التوارث.
كما لو التعن في حياتها وقال أحمد: ان مات على الزوجية فورثها كما لو لم يلتعن.
ولان اللعان سبب الفرقة فلم يثبت حكم بعد موتها كالطلاق.
وفارق اللعان في الحياة فانه يقطع الزوجية.
على أنهم قالوا: لو لاعنها ولم تلتعن هي لم تنقطع الزوجية أيضا فههنا أولى.
وقال الشافعي ﵁ " ان كان ثم ولد يريد نفيه فله أن يلتعن " وهذا ينبنى على أصل - وهو أن اللعان انما يكون بين الزوجين - فان لعان الرجل وحده يثبت به الحكم.
وعند أحمد بخلاف ذلك.
فان كانت طالبت بالحد في حياتها - فان كان للمرأة وارث غير الزوج - فله اللعان ليسقط الحد عن
[ ١٧ / ٤٥٦ ]
نفسه، وإلا فلا لعدم الحاجة إليه.
وقال أصحاب أحمد: إن أولياءها يقومون في الطلب به مقامها - فإن طولب به فله إسقاطه باللعان وإلا فلا، لانه لا حاجة إليه مع عدم الطلب فإنه لا حد عليه (فرع)
إذا مات المقذوف قبل المطالبة بالحد فإنه يورث كالمطالب سواء بسواء، لقول النَّبِيِّ ﷺ " مَنْ تَرَكَ حقا فلورثته " ولانه حق ثبت في الحياة يورث إذا طالب به فيورث وإن لم يطالب به كحق القصاص وقال أحمد: إنه حد تعتبر فيه المطالبة فإذا لم يوجد الطلب من المالك لم يجب كحد القطع في السرقة.
(فرع)
فإن لم يكذب نفسه ولكن لم يكن له بينة ولم يلاعن أقيم عليه، فإن أقيم عليه بعضه وقال أنا ألاعن قبل منه لان اللعان يسقط جميع الحد فيسقط بعضه كالبينة، فإن ادعت زوجته أنه قذفها بالزنا فأنكر فأقامت عليه بينة أنه قذفها بالزنا، فقال صدقت البينة وليس ذلك قذفا، لان القذف الرمى بالزنا كذبا وأنا صادق فيما رميتها به لم يكن ذلك إكذابا لنفسه لانه مصر على رميها بالزنا، وله
إسقاط الحد باللعان، ومذهب أحمد ﵁ في هذا كمذهبنا وكذلك نقول فيمن نكلت عن اللعان فضربت بعض الحد ثم قالت أنا ألاعن فإنه يسقط ما بقى من الحد، لان اللعان يسقط الحد كله، فلان يسقط بعضه أولى ولان اللعان قام مقام البينة فأوقف الحد وأسقط باقيه (مسألة) إن قذفها في الزوجية ولاعنها ثم قذفها بالزنا الاول فلا حد عليه لانه قد حققه بلعانه، وعند أصحاب أحمد يحتمل أن يحد كما لو قذفها به أجنبي.
أما إذا قذفها بزنا آخر ففيه وجهان
(أحدهما)
أنه لا يجب عليه الحد، لان الله تعالى قال " والذين يرمون المحصنات " فاشترط لاقامة الحد بالقذف أن تكون المقذوفة منعوتة بالاحصان، فإذا لاعنها فقد زال إحصانها، لان اللعان كالبينة.
(والثانى)
يجب عليه الحد، لان اللعان لا يسقط إلا ما يجب بالقذف في الزوجية لحاجته إليه، وقد صارت باللعان أجنبية عنه فزالت الحاجة إلى القذف، وفى القذف بغير حاجة إشاعة للفاحشة بين الذين آمنوا فوجب الحد.
وبهذا قال
[ ١٧ / ٤٥٧ ]
ابن عباس والزهرى والشعبى والنخعي وقتادة ومالك وأبو عبيد وأحمد بن حنبل، (فرع)
إذا قذفها أجنبي بعد لعانه فإن كانت قد درأت عن نفسها الحد باللعان أقيم على الأجنبي الحد قولا واحدا، وان نكلت فقد اختلف أصحابنا، فعلى قول أبى العباس بن سريج يجب حده لانه لم يرتفع احصانها الا في حق الزوج.
وعلى قول أبى اسحاق المروزى يرتفع احصانها مطلقا فلا يجب على أحد الحد بقذفها، لانها محدودة باللعان كما لو حدت بالاقرار أو بالبينة قال ابن قدامة: فأما ان أقام بينة فقذفها قاذف بذلك الزنا أو بغيره فلا حد عليه لانه قد زال احصانها، ولان هذا القذف لم يدخل المعرة عليها، وانما دخلت المعرة بإقامة البينة، ولكنه يعزر تعزير السب والاذى.
وهكذا كل من قامت البينة بزناه لا حد على قاذفه.
وبه قال الشافعي وأصحاب الرأى، ولكنه يعزر تعزير الاذى والسب ولا يملك الزوج اسقاطه عن نفسه باللعان لما قدمناه.
اه.
والله تعالى أعلم بالصواب وهو حسبنا ونعم الوكيل.
تم الجزء السابع عشر ويليه الجزء الثامن عشر وأوله كتاب الايمان
[ ١٧ / ٤٥٨ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى: