إذا سلمت المرأة نفسها إلى زوجها وتمكن من الاستمتاع بها ونقلها إلى حيث يريد، وهما من أهل الاستمتاع في نكاح صحيح، وجبت نفقتها، لِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ الناس فقال " اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وإن امتنعت من تسليم نفسها أو مكنت من استمتاع دون استمتاع أو في منزل دون منزل أو في بلد لم تجب النفقة لانه لم يوجد التمكين التام فلم تجب النفقة كما لا يجب ثمن المبيع إذا امتنع البائع من تسليم المبيع، أو سلم في موضع دون موضع، فإن عرضت عليه وبذلت له التمكين التام والنقل إلى حيث يريد وهو حاضر، وجبت عليه النفقة لانه وجد التمكين التام.
وإن عرضت عليه وهو غائب لم يجب حتى يقدم هو أو وكيله، أو يمضى زمان لو أراد المسير لكان يقدر على أخذها، لانه لا يوجد التمكين التام إلا بذلك وإن لم تسلم إليه ولم تعرض عليه حتى مضى على ذلك زمان لم تجب النفقة، لان
النبي ﷺ تزوج عائشة ﵂ ودخلت عليه بعد سنتين.
[ ١٨ / ٢٣٥ ]
لم ينفق إلا من حين دخلت عليه ولم يلتزم نفقتها لما مضى، ولانه لم يوجد التمكين التام فيما مضى فلم يجب بدله، كما لا يجب بدل ما كلف من المبيع في يد البائع قبل التسليم.
(فصل)
وإن سلمت إلى الزوج أو عرضت عليه وهي صغيرة لا يجامع مثلها ففيه قولان: أحدهما تجب النفقة لانها سلمت من غير منع.
والثانى لا يجب وهو الصحيح لانه لم يوجد التمكين التام من الاستمتاع، وإن كانت الكبيرة والزوج صغير ففيه قولان: أحدهما لا تجب لانه لم يوجد التمكين من الاستمتاع.
والثانى تجب وهو الصحيح لان التمكين وجد من جهتها وإئما تعذر الاستيفاء من جهته فوجبت النفقة، كما لو سلمت إلى الزوج وهو كبير فهرب منها، وإن سلمت وهى مريضة أو رتفاء أو نحيفة لا يمكن وطؤها أو الزوج مريض أو مجبوب أو حسيم لا يقدر على الوطئ وجبت النفقة لانه وجد التمكين من الاستمتاع، وما تعذر فهو بسبب لاتنسب فيه إلى التفريط (الشرح) حديث جابر جزء من حديث جابر الطويل في الحج، وقد ورد بمعناه عن عمرو بن الاحوص عند أصحاب السنن كلهم " أنه شهد حجة الوداع مع النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال، استوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبعنوا عليهن سبيلا إن لكم من نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا اليهن في كسوتهن وطعامهن "
أما خبر عائشة فقد أخرجه أحمد والبخاري ومسلم بلفظ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تزوجها وهي بنت ست سنين وأدخلت عليه وهي بنت تسع سنين ومكثت عنده تسعا " وفي رواية لاحمد ومسلم " تزوجها وهى بنت سبع سنين وزفت إليه وهي بنت تسع سنين " أما الاحكام فإن الاصل في وجوب نفقة الزوجات من الكتاب قوله تعالى
[ ١٨ / ٢٣٦ ]
والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " والمولود له هو الزوج، وانما نص على وجوب نفقة الزوجات حال الولادة ليدل على أن النفقة تجب لها حال اشتغالها عن الاستمتاع بالنفاس لئلا يتوهم متوهم أنه لا يجب لها وقوله تعالى " فإن خفتم أن لاتعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى أن لا تعولوا " قال الشافعي: معناه أن لا يكثر عيالكم ومن تمونونه.
وقيل إن أكثر السلف قالوا معنى أن لا تعولوا أن لا تجوروا، يقال عالى يعولوا عولا إذا جار.
وعال يعيل إذا كثر عياله إلا زيد بن أسلم فإنه قال.
معناه أن لا يكثر عيالكم وقول النبي ﷺ يشهد لذلك حيث قال " ابدا بنفسك ثم بمن تعول " ويدل على نفقة الزوجات قوله تعالى " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم " وقوله تعالى، لينفق ذو سعة من سعته.
ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، لا تكلف نفس إلا ما آتاها " ومعنى قوله تعالى " قدر عليه " أي ضيق عليه ومن السنة ما رواه حكيم بن معاوية القشيرى عن أبيه قال " قلت يارسول الله ماحق الزوجة؟ فقال أن تطعمها إذا طعمت وأن تكسوها إذا اكتسبت " أخرجه
النسائي وابن ماجه وأبو داود وابن حبان والحاكم وصححاه، وعلق البخاري طرفا منه وصححه الدارقطني في العلل.
وما قيده المصنف هنا عن جابر، وقد وردت أحاديث منها حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تصدقوا قال رجل عندي دينار، قال تصدق به على نفسك.
قال عندي دينار آخر.
قال تصدق به على زوجتك.
قال عندي دينار آخر، قال تصدق به على ولدلك، قال عندي دينار آخر.
قال تصدق به على خادمك: قال عندي دينار آخر، قال أنت أبصر به " ورواه أحمد والنسائي، ورواه أبو داود بتقديم الولد على الزوجة.
واحتج به أبو عبيد بتحديد الغنى بخمسة دنانير ذهبا، تقوية بحديث ابن مسعود في الخمسين درهما،
[ ١٨ / ٢٣٧ ]
إذا ثبت هذا فلا يحلو حال الزوجين من أربعة أقسام (١) أن يكونا بالغين (٢) أن يكون الزوج بالغا والزوجة صغيرة (٣) أن يكون الزوج صغيرا والزوجة كبيرة (٤) أن يكونا صغيرين فإن كانا بالغين وسلمت الزوجة نفسها إلى الزوج تسليما تاما بأن تقول: سلمت نفسي اليك وإن اخترت أن تصير إلى وتستمتع فذلك اليك.
وان اخترت جئت اليك حيث شئت فعلت، وجبت نفقتها لان النفقة تجب في مقابلة الاستمتاع فإذا وجد ذلك منها فقد وجد منها التمكين منه، فوجب في مقابلته كالبائع إذا سلم المبيع وجب على المشترى تسليم الثمن.
فإن سلمت المرأة نفسها إلى الزوج وكان حاضرا فلم يتسلمها حتى مضت على ذلك مدة وجبت عليه نفقتها كالبائع إذا سلم المبيع وجب على المشترى تسليم الثمن.
فإن سلمت المرأة نفسها إلى الزوج وكان حاضرا فلم يتسلمها حتى مضت على ذلك مدة وجبت عليه نفقتها في تلك المدة.
وقال أبو حنيفة: لا تجب نفقة المدة الماضية إلا أن يحكم لها الحاكم، ولانه
مال يجب للزوجة بالزوجية فلم يفتقر استقراره إلى حكم الحاكم كالمهر.
وإن سلمت نفسها إلى الزوج تسليما غير تام بأن قالت سلمت نفسي في هذا البيت دون غيره، أو في هذه القرية دون غيرها لم تجب لها النفقة، لانه لم يوجد التسليم التام، فهو كما لو قال البائع: أسلم هذه السيارة في هذا الموضع دون غيره.
فإن عقد النكاح ولم تسلم المرأة نفسها ولا طالب الزوج بها وسكتا عن ذلك حتى مضى على ذلك سنة أو أكثر لم يجب لها النفقة، لان النبي ﷺ تزوج عائشة وهى بنت سبع، ودخل بها وهى ابنة تسع، ولم ينقل أنه أنفق عليها إلا من حين دخل بها وإن عرض الولى الزوجة على الزوج بغير إذنها وهى بالغة عاقلة فلم يتسلمها الزوج ومضى على ذلك مدة لم تجب على الزوج النفقة لانه لا ولاية له عليها في المال.
وإن غاب الزوج عن بلد الزوجة نظرت - فإن غاب عنها بعد أن سلمت نفسها إليه تسليما تاما وامتنع من تسليمها فقد وجبت نفقتها بتسليمها نفسها فلم يسقط ذلك بغيبته.
وان غاب عنها قبل ان تسلم نفسها إليه وأرادت تسليم نفسها إليه فإنها إذا أتت حاكم بلدها وقالت: أنا أسلم نفسي إليه وأخلى بين وبينه، فإن
[ ١٨ / ٢٣٨ ]
حاكم بلدها يكتب إلى حاكم البلد الذي فيه الزوج ويعرفه ذلك، فإذا وصل الكتاب إلى المكتوب إليه استدعى الزوج وعرض عليه الامر، فإن سار إليها وتسلمها أو وكل من يتسلمها، فتسلمها الوكيل وجب عليه نفقتها من حين تسلمها هو أو وكيله.
وان أمكنه السير فلم يسر ولا وكيله، فإنه إذا مضت عليه مدة لو أراد المسير إليها أمكنه ذلك، فإن الحاكم يفرض لها النفقة من حين مضى مدة السفر إليها لانه قد كان يمكنه التسليم.
فإذا لم يفعل ممتنعا من تسلمها فوجبت عليه النفقة وان لم يمكنه المسير إليها أمكنه ذلك، فأن الحاكم يفرض لها النفقة من حين مضى
مدة السفر إليها لانه قد كان يمكنه التسليم.
قإذا لم يفعل صار ممتتعا من تسلمها فوجب عليه النفقة وان لم يمكنه المسير لعدم الرفقة أو لخوف الطريق لم تجب عليه النفقة حتى يمكنه المسير لانه غير ممتنع من تسلمها.
وان كان الزوج بالغا والزوجة صغيرة نظرت - فإن كانت مراهقة تصلح للاستمتاع - فإن الذى يجب عليه تسليمها وليها.
فإن سلمها الولى تسليما تاما وجب على الزوج نفقتها.
وان لم يكن لها ولى أو كان غائبا أو امتنع من تسليمها أو سكت عن تسليمها فسلمت نفسها إلى الزوج وجبت النفقة على الزوج لان التسليم قد حصل وان كان ممن لا يصح تسليمه.
كما لو اشترى سلعة بثمن وسلم الثمن وقبضها المشتري بغير اذن البائع أو أقبضه اياها غلام البائع فان القبض يصح قال ابن الصباغ في الشامل: وينبغى أن لا تجب النفقة الا بعد أن يسلمها ولا يجب ببذلها لان بذلها لاحكم له.
وان كانت صغيرة لا يتأتى جماعها ففيه قولان
(أحدهما)
يجب لها النفقة.
لان تعذر وطئها عليه ليس بفعلها فلم تسقط بذلك نفقتها.
كما لو مرضت (الثاني) لا تجب لها النفقة.
وبه قال مالك وأبو حنيفة واختاره المزني، وهو الصحيح.
لان الاستمتاع متعذر عليه فلم تجب عليه النفقة، كما لو نشزت.
وان كان الزوج طفلا صغيرا والزوجة كبيرة ففيه قولان
(أحدهما)
لا تجب لها النفقة لان النفقة انما تجب بالتمكين والتسليم.
وانما
[ ١٨ / ٢٣٩ ]
يصح ذلك إذا كان هناك متمكن ومتسلم، والصبى لا يتمكن ولا يتسلم فلم تجب لها النفقة كما لو كان غائبا.
(والثانى)
يجب لها النفقة إذا سلمت نفسها - وهو الاصح - لان التمكين
والتسليم التام قد وجد منها وإنما تعذر من جهته فوجبت نفقتها، كما لو سلمت نفسها إلى البالغ ثم هرب.
وأما إذا كان صغيرين فسلمها الولى هل يجب لها النفقة فيه قولان، وجههما ما ذكرناه في التي قبلها إلا أن الاصح هنها أنه لا يجب لها النفقة، لان الاستمتاع متعذر من جهتها (فرع)
إذا تسلم الزوج وهى مريضة أو تسلمها صحيحة فمرضت عنده أو تسلمها وهى رتقاء (١) أو قرناء (٢) أو أصابها ذلك بعد ان تسلمها، أو أصاب الزوج مرض أو جنون أو جشم (٣) وجبت عليه النفقة، لان الاستمتاع بها ممكن مع ذلك.
قال الشافعي ﵁.
وإن كان في جماعها شدة ضرر منع من جماعها وأجبر بنفقتها.
وجملة ذلك أن الرجل إذا كاعظيم الخلق والزوجة نضوة الخلق وعليها في جماعة ضرر يخاف منه الانفضاء أو المشقة الشديدة أو كان بفرجها جرح يضر بها وطؤه، فإن وافقها الزوج على الضرر الذي يلحقها بوطئه لم يجز له وطؤها لقوله تعالى " وعاشروهن بالمعروف " ومن المعروف أن يمنع من وطئها فإن اختار طلاقها فطلقها فلا كلام.
وإن لم يختر طلاقها وجبت عليه نفقتها لانها محسوسة عليه، ويمكنه الاستمتاع بها بغير الوطئ.
وإن لم يصدقها الزوج بل ادعى أنه يمكنه جماعها، فإن ادعت تعذر الوطئ لعظم خلقته فقال العمرانى في البيان أمر الحاكم نساء ثقات يشاهدن ذلك بينهما حال الجماع من غير حائل.
_________________
(١) الرتقاء التي انسد فرجها حتى لا يستطاع جماعها (٢) القرناء التي نبت لها لحم في فرجها كالغدة الغليظة في مدخل الذكر. وقد يكون عظما كالقرن (٣) والحسم أن يستأصل ذكره أو لا يكون له ذكر وهو ضد الجسم وهو كبير الذكر جدا. " المطيعي "
[ ١٨ / ٢٤٠ ]
فإن قلن إنه يلحقها مشقة شديدة أو يخاف عليها من ذلك منع من وطئها.
وإن قلنا إنه لا يلحقها مشقة شديدة ولا يخاف عليها منه أمرت بتمكينه من الوطئ.
وإن ادعت تعذر الوطئ بجراح في فرجها أمر الحاكم النساء ثقات ينظرن إلى فرجها لان هذا موضع ضرورة فجوز النظر إلى العورة واختلف أصحابنا في عدد النساء الاتى ينظرن إليها حال الجماع، أو ينظرن الجرح في فرجها، فقال أبو إسحاق يكفى واحدة لان طريق ذلك الاخبار والمشقة تلحقن بنظر الجماع منهما فجاز الاقتصار على واحدة ومن أصحابنا من قال: لا يكفي أقل من أربع نسوة في ذلك، لان هذه شهادة ينفرد بها النساء فلم يقبل فيه أقل من أربع كسائر الشهادات
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وان سلمت إليه ومكن من الاستمتاع بها في نكاح فاسد لم تجب النفقة لان التمكين لا يصح مع فساد النكاح، ولا يستحق ما في مقابلته.
(فصل)
وان انتقلت المرأة من منزل الزوج إلى منزل آخر بغير اذنه أو سافرت بغير اذنه سقطت نفقتها، حاضرا كان الزوج أو غائبا لانها خرجت عن قبضته وطاعته فسقطت نفقتها كالناشزة.
وان سافرت بإذنه فان كان معها وجبت النفقة لانها ما خرجت عن قبضته ولا طاعته.
وان لم يكن معها ففيه قولان ذكرناهما في القسم.
(فصل)
وان أحرمت بالحج بغير اذنه سقطت نفقتها لانه ان كان تطوعا فقد منعت حق الزوج وهو واجب بما ليس بواجب، وان كان واجبا فقد منعت حق الزوج وهو على الفور بما هو على التراخي، وان أحرمت بإذنه فان خرجت معه لم تسقط نفقتها لانها لم تخرج عن طاعته وقبضته، وان خرجت وحدها فعلى القولين في سفرها باذنه
(فصل)
وان منعت نفسها باعتكاف تطوع أو نذر في الذمة سقطت نفقتها لما ذكرناه في الحج، وإن كان عن نذر معين أذن فيه الزوج لم تسقط نفقتها لان الزوج أذن فيه وأسقط حقه فلا يسقط حقها، وان كان عن نذر لم يأذن فيه:
[ ١٨ / ٢٤١ ]
فإن كان بعد عقد النكاح سقطت نفقتها لانها منعت حق الزوج بعد وجوبه، وإن كان بعذر قبل النكاح لم تسقط نفقتها، لان ما استحق قبل النكاح لاحق للزوج في زمانه، كما لو أجرت نفسها ثم تزوجت، وإن اعتكفت بإذنه وهو معها لم تسقط نفقتها لانها في قبضته وطاعته وإن لم يكن معها فعلى القولين في الحج.
(فصل)
وإن منعت نفسها بالصوم فإن كان بتطوع ففيه وجهان
(أحدهما)
لا تسقط نفقتها لانها في قبضته
(والثانى)
وهو الصحيح انها تسقط لانها منعت التمكين التام بما ليس بواجب فسقطت نفقتها كالناشزة، وان منعت نفسها بصوم رمضان أو بقضائه وقد ضاق وقته لم تسقط نفقتها، لان ما استحق بالشرع لا حق للزوج في زمانه.
وإن منعت نفسها بصوم القضاء قبل أن يضيق وقته، أو بصوم كفارة أو نذر في الذمة، سقطت نفقتها، لانها منعت حقه وهو على الفور بما هو ليس على الفور وإن كان بنذر معين - فإن كان النذر بإذن الزوج - لم تسقط نفقتها لانه لزمها برضاه، وان كان بغير اذنه - فإن كان بنذر بعد النكاح - سقطت نفقتها وان كان بنذر قبل النكاح لم تسقط لما ذكرناه في الاعتكاف
(فصل)
وان منعت نفسها بالصلاة - فإن كانت بالصلوات الخمس أو السنن الراتبة - لم تسقط نفقتها لان ما ترتب بالشرع لا حق للزوج في زمانه، وان كان بقضاء فوائت - فان قلنا انها على الفور - لم تسقط نفقتها، وان قلنا انها على التراخي سقط نفقتها لما قلنا في قضاء رمضان، وان كانت بالصلوات
المنذورة فعلى ما ذكرناه في الاعتكاف والصوم.
(الشرح) وان سلمت المرأة نفسها إلى الزوج ومكنته من الاستمتاع بها في نكاح فاسد لم تجب لها النفقة، لان التمكين لا يصح مع فساد النكاح فلم تستحق ما في مقابلته كما لا يستحق البائع الثمن في بيع فاسد (فرع)
إذا انتقلت الزوجة من منزل الزوج الذي أسكنها فيه إلى منزل غيره بغير أذنه وخرجت من البلد بغير اذنه فهى ناشزة وسقطت بذلك نفقتها، وبه قال أهل العلم كافة الا الحكم بن عينة فانه قال لا تسقط نفقتها، كما لو لم تسلم نفسها
[ ١٨ / ٢٤٢ ]
وان سافرت المرأه بغير اذن زوجها سقطت نفقتها لانها منعت استمتاعه بالسفر.
وان سافرت بإذنه نظرت، فان سافر الزوج معها لم تسقط نفقتها لانها في قبضته وطاعته.
وان سافرت وحدها، فان كانت في حاجة اللزوج وجبت عليه لانها سافرت في شغله ومراده.
وان سافرت بحاجة نفسها فقد قال الشافعي في النفقات لها النفقة، وقال في النكاح لانفقة لها، واختلف أصحابنا فيها، فقال أبو إسحاق: ليست على قولين وانما هي على اختلاف حالين، فحيث قال لها النفقة أراد إذا كان الزوج معها، وحيث قال لانفقة لها، أراد إذا لم يكن الزوج معها.
ومنهم من قال فيه قولان
(أحدهما)
لانفقة لها.
وبه قال أبو حنيفة وأحمد لانها غير ممكنة من نفسها فلم تجب لها النفقة، كما لو سافرت بغير اذنه
(والثانى)
تجب لها النفقة لانها سافرت باذنه فلم تسقط نفقتها، كما لو سافرت في حاجته.
(فرع)
وان أحرمت بالحج أو العمرة بغير أذنه سقطت نفقتها لانه ان كان تطوعا فقد منعت حق الزوج الواجب بالتطوع، وان كان واجبا عليها فقد منعت
حق الزوج وهو على الفور وحقها هي على التراخي.
أفاده صاحب البيان.
وان أحرمت باذنه وخرجت مع الزوج لم تسقط نفقتها لانها في قبضته، وان أحرمت باذنه وخرجت وحدها ففيه طريقان مضى ذكرهما في السفر وان اعتكفت فلا يصح عندها الا في المسجد، فان كان بغير اذن الزوج سقطت نفقتها لانها ناشزة بالخروج إلى المسجد بغير اذنه، وان كان باذن الزوج - فان كان الزوج معها في المسجد - لم تسقط نفقتها لانها في قبضته وطاعته وان لم يكن معها في المسجد فعلى الطريقين في السفر.
قال أبو إسحاق لانفقة لها قولا واحدا.
ومن أصحابنا من قال فيه قولان (فرع)
فان صامت المرأة بغير اذن زوجها نظرت - فان كان تطوعا - فللزوج منعها منه وله اجبارها على الفطر بالاكل والجماع، لقوله ﷺ " لا تصومن المرأة التطوع وزوجها حاضر الا باذنه " فان امتنعت من الوطئ ولكنها لم تفارق المنزل ففيه وَجْهَانِ.
قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ هي ناشزة
[ ١٨ / ٢٤٣ ]
فتسقط نفقتها لانها ممتنعة عليه، فلا فرق بين أن تمتنع بالفراش أو بمفارقة المنزل وقال المصنف: لا تسقط نفقتها، لانها ما لم تفارق المنزل فهي غير ناشزة.
وهذا قول الشيخ أبى حامد ومن أصحابنا من قال: إذا منعته الوطئ سقطت نفقتها وجها واحدا، وإنما الوجهان إذا صامت ولم تمنعه الوطئ.
وان كان الصوم واجبا نظرت - فان كان صوم رمضان - فليس له منعا منه ولا تسقط نفقتها به لانه مستحق بالشرع.
وإن كان قضاء رمضان قال صاحب البيان، فإن لم يضق وقت قضائه فله منعها منه وإن دخلت فيه بغير إذنه كان كما لو دخلت في صوم التطوع بغير إذنه، وان ضاق وقت قضائه - بأن لم يبق من شعبان إلا قدر أيام القضاء - لم يكن له منعها
منه.
وإن دخلت فيه بغير اذنه لم تسقط نفقتها بذلك، لانها لا يجوز لها تأخيره إلى دخول رمضان فصار مستحقا للصوم كأيام رمضان وان كان الصوم عن كفارة كان للزوج منعها منه، لانه على التراخي وحق الزوج على الفور.
وان الصوم نذرا - فإن كان في الذمة - كان له منعها منه لانه على التراخي وحق الزوج على الفور.
وان كان متعلقا بزمان بعينه، فان كان نذرته بإذن الزوج لم يكن له منعها منه لان زمانه قد استحق عليها صومه باذن الزوج فان دخلت فيه بغير اذنه لم تسقط بذلك نفقتها.
وان نذرته بغير اذن الزوج بعد النكاح كان للزوج منعها من الدخول فيه لانها فرطت بايجابه على نفسها بغير اذنه وان نذرت الصوم في زمان بعينه قبل عقد النكاح لم يكن للزوج منعها من الدخول فيه.
وان دخلت فيه بغير اذنه لم تسقط بذلك نفقتها، لان زمانه قد استحق صومه قبل عقد النكاح.
وكل موضغ قلنا للزوج منعها من الدخول فيه إذا دخلت فيه بغير اذن الزوج فهل تسقط نفقتها بذلك؟ فيه وجهان كما مضى في الصوم التطوع.
(فرع)
وان منعت نفسها بالصلوات الخمس في أوقاتها لم تسقط نفقتها بذلك لان وقتها مستحق للصلاة وليس للزوج منعها من الدخول فيها في أول الوقت.
لانها قد وجبت في أول وقتها، ولانه يفوت عليها فضيلة أول الوقت.
وأما قضاء الفائتة - فان قلنا انها تجب على الفور - لم يكن للزوج منعها منها.
[ ١٨ / ٢٤٤ ]
وان قلنا انها لا تجب على الفور كان للزوج منعها من الدخول فيها.
وأما الصلوات المنذورة فهى كالصوم المنذور على ما مضى وأما صلاة التطوع، فان كانت غير راتبة، كان للزوج منعها منها، لان حق الزوج واجب فلا يسقط بما لا يجب عليها - فان دخلت فيها بغير اذن الزوج احتمل أن يكون في سقوط
نفقتها في ذلك وجهان كما قلنا ذلك في الصوم التطوع، وان كانت سنة راتبة فقال الشيخ أبو إسحاق: لا تسقط نفقتها بها كما قلنا في الصلوات الخمس
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان كان الزوجان كافرين وأسلمت المرأة بعد الدخول ولم يسلم الزوج لم تسقط نفقتها لانه تعذر الاستمتاع بمعنى من جهته هو قادر على إزالته فلم تسقط نفقتها كالمسلم إذا غاب عن زوجته وقال أبو على بن خيران: فيه قول آخر إنها تسقط لانه امتنع الاستمتاع لمعنى من جهتها فسقطت نفقتها، كما لو أحرمت المسلمة من غير اذن الزوج، والصحيح هو الاول، لان الحج فرض موسع الوقت، والاسلام فرض مضيق الوقت فلا تسقط النفقة كصوم رمضان وإن أسلم الزوج بعد الدخول وهى مجوسية أو وثنية وتخلفت في الشرك سقطت نفقتها لانها منعت الاستمتاع بمعصية فسقطت نفقتها كالناشزة، وان أسلمت قبل انقضاء العدة فهل تستحق النفقة للمدة التي تخلفت في الشرك؟ فيه قولان: أحدهما تستحق لان بالاسلام زال ما تشعث من النكاح، فصار كأن لم يكن.
والقول الثاني أنها لا تستحق لانه تعذر التمكين من الاستمتاع فيما مضى فلم تستحق النفقة كالناشزة إذا رجعت إلى الطاعة وان ارتد الزوج بعد الدخول لم تسقط نفقتها لان امتناع الوطئ بسبب من جهته وهو قادر على ازالته فلم تسقط النفقة، وان ارتدت المرأة سقطت نفقتها لانها منعت الاستمتاع بمعصية فسقطت نفقتها كالناشزة، فان عادت إلى الاسلام قبل انقضاء العدة فهل تجب نفقة ما مضى في الردة؟ فِيهِ طَرِيقَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ قَالَ فِيهِ قولانه كالكافرة إذا تخلفت في الشرك ثم أسلمت.
ومنهم من قال
[ ١٨ / ٢٤٥ ]
لا تجب قولا واحدا، والفرق بينهما وبين الكافرة أن الكافرة لم يحدث من جهتها منع بل أقامت على دينها، والمرتدة أحدثت منعا بالردة فغلط عليها.
وإن ارتدت الزوجة وعادت إلى الاسلام والزوج غائب استحقت النفقة من حيث عادت إلى الاسلام، وإن نشزت الزوجة وعادت إلى الطاعة والزوج غائب لم تستحق النفقة حتى يمضى زمان لو سافر فيه لقدر على استمتاعها، والفرق بينهما أن المرتدة سقطت نفقتها بالردة وقد زالت بالاسلام، والناشزة سقطت نفقتها بالمنع من التمكين وذلك لا يزول بالعود إلى الطاعة
(فصل)
وإن كانت الزوجة أمة فسلمها المولى بالليل والنهار وجبت لها النفقة لوجود التمكين التام.
وإن سلمها بالليل دون النهار ففيه وجهان.
أحدهما وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه يجب لها نصف النفقة اعتبارا بما سلمت.
والثانى وهو قول أبى اسحاق، وظاهر المذهب أنه لا تجب لانه لم يوجد التمكين التام.
فلم يجب لها شئ من النفقة كالحرة إذا سلمت نفسها بالليل دون النهار.
والله أعلم (الشرح) إذا أسلمت الزوجة والزوج كافر - فان كان قبل الدخول - فلا نفقة لها لان الفرقة وقعت بينهما، وان كان بعد الدخول فان النكاح موقوف على اسلام الزوج في عدتها، ولها النفقة عليه مدة عدتها، لان تعذر الاستمتاع بمعنى من جهة الزوج وهو امتناعه من الاسلام، ويمكنه تلافى ذلك فلم تسقط نفقتها كما لو غاب عن زوجته.
وحكى ابن خيران قولا آخر أن نفقتها تسقط لان الاستمتاع سقط بمعنى من جهتها فسقطت به نفقتها، كما لو أحرمت بالحج بغير اذن الزوج، والمشهور هو الاول، لان الحج فرض موسع الوقت، والاسلام فرض مضيق الوقت فلم تسقط به نفقتها كصوم رمضان، فان انقضت عدتها قبل أن يسلم الزوج بانت وسقطت نفقتها
(فرع)
وان أسلم الزوج والزوجة وثنية أو مجوسية - فان كان قبل الدخول - وقعت الفرقة بينهما ولا نفقة لها، وان كان بعد الدخول وقف النكاح على اسلامها قبل انقضاء عدتها فلا نفقة لها مدة عدتها ما لم تسلم، لانها منعت
[ ١٨ / ٢٤٦ ]
الاستمتاع بمعصية، وهو اقامتها على الكفر.
فهي كالناشزة فان انقضت عدتها قبل أن تسلم فقد بانت باختلاف الدين ولا نفقة لها.
وان أسلمت قبل انقضاء عدتها وجبت لها النفقة من حين أسلمت لانهما قد اجتمعا على الزوجية، وهل تجب لها النفقة لما مضى من عدتها في الكفر؟ فيه قولان.
قال في القديم: تجب لها النفقة لان اسلام الزوج شعث النكاح، فإذا أسلمت قبل انقضاء عدتها زال ذلك التشعث فصار كما لو لم يتشعث.
وقال في الجديد: لا تجب لها النفقة لما مضى من عدتها وهو الاصح، لان اقامتها على الكفر كنشوزها، ومعلوم أنها لو نشزت وأقامت مدة في النشوز ثم عادت إلى طاعته لم تجب نفقتها مدة اقامتها في النشوز فكذلك هذا مثله (فرع)
وان كان الزوجان مسلمين فارتد الزوج بعد الدخول وجبت عليه نفقتها مدة عدتها، لان امتناع الاستمتاع بمعنى من جهة الزوج فلم تسقط نفقتها بذلك كما لو غاب.
وان ارتدت الزوجة بعد الدخول فأمر النكاح موقوف على اسلامها قبل انقضاء عدتها ولا تجب لها النفقة مدة عدتها لانها منعت الاستمتاع بمعصية من جهتها فو كما لو نشزت فان انقضت عدتها قبل أن تسلم فلا كلام.
وان أسلمت قبل انقضاء عدتها وجبت نفقتها من حين أسلمت لانهما قد اجتمعا على الزوجية.
وهل تجب لها النفقة لما مضى من عدتها قبل الاسلام؟ من أصحابنا من قال فيه قولان، كما قلنا في المشركة إذا تخلفت عن الاسلام ثم أسلمت قبل انقضاء عدتها.
ومنهم من قال لا تجب لها النفقة قولا واحدا، لان في التي قبلها دخلا على الكفر، وانما الزوج شعث النكاح بإسلامه، وههنا دخلا على الاسلام، وانما شعثت هي النكاح بردتها فغلظ عليها.
وان ارتدت الزوجة والزوج غائب، أو غاب بعد ردتها فرجعت إلى الاسلام والزوج غائب وجبت لها النفقة من حين رجعت إلى الاسلام، وكذلك لو أسلم الزوج والزوجة وثنية أو مجوسية وتخلفت في الشرك وكان الزوج غائبا فأسلمت قبل انقضاء عدتها وجبت لها النفقة من حين أسلمت ولو نشزت الزوجة من منزلها والزوج غائب أو غاب بعد نشوزها فعادت
[ ١٨ / ٢٤٧ ]
إلى منزلها لم تجب نفقتها حتى يكون الزوج حاضرا فيتسلمها أو تجئ إلى الحاكم وتقول: أنا أعود إلى طاعته، ثم يكتب الحاكم إلى حاكم البلد الذي فيه الزوج فيستدعيه المكتوب إليه ويقول له: إما أن تسير إليها لتتسلمها أو توكل من يتسلمها فإن لم يسر ولم يوكل مع قدرته على ذلك ومضى زمان يمكنه الوصول إليها وجبت النفقة لها من حينئذ، والفرق بينهما أن نفقتها سقطت عنه بالنشوز لخروجها عن قبضته فلا يرجع إلى نفقتها إلا برجوعها إلى قبضته، وكذلك لا يحصل إلا بتسليمه لها أو بتمكينه من ذلك، وليس كذلك المرتدة والمشركة، فإن نفقتها انما سقطت بالردة أو بالاقامة على الشرك، فإذا أسلمت زال المعنى الذي أوجب سقوطها فزال سقوطها.
(فرع)
وان دفع الوثني إلى امرأته الوثنية أو المجوسى إلى امرأته المجوسية نفقته شهر بعد الدخول ثم أسلم الزوج ولم تسلم هي حتى انقضت عدتها وأراد الرجوع فيما دفع إليها من النفقة نظرت، فإن دفعه إليها مطلقا، قال الشافعي: لم يرجع عليها بشئ، لان الظاهر أنه تطوع بدفعها إليها
وان قال هذه النفقة مدة مستقبلة كان له الرجوع فيها لانه بان أنها لا تستحق عليه نفقة.
قال ابن الصباغ في الشامل: وهذا يقتضى أن الهبة لا تفتقر إلى لفظ الايجاب والقبول، لانه جعله تطوعا مع الاطلاق.
قال فان قيل: يحتمل أن يريد أنه إباحة فليس بصحيح، لانه لو كان اباحة بشرط أن يكون قد أتلفته حتى يسقط حقه منها، والله تعالى أعلم بالصواب
[ ١٨ / ٢٤٨ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى
باب قدر (١) نفقة الزوجات إذا كان الزوج موسرا، وهو الذي يقدر على النفقة بماله أو كسبه، لزمه في كل يوم مدان، وإن كان معسرا وهو الذي لا يقدر على النفقة بمال ولا كسب لزمه في كل يوم مد لقوله ﷿ " لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينق مما آتاه الله " ففرق بين الموسر والمعسر، وأوجب على كل واحد منهما على قدر حاله ولم يبن المقدار، فوجب تقديره بالاجتهاد، وأشبه ما تقاس عليه النفقة الطعام في الكفارة، لانه طعام يجب بالشرع لسد الجوعة، وأكثر ما يجب في الكفارة للمسكين مدان في فدية الاذى، وأقل ما يجب مد.
وهو في كفارة الجماع في رمضان.
فإن كان متوسطا لزمه مد ونصف، لانه لا يمكن إلحاقه بالموسر وهو دونه، ولا بالمعسر ولا هو فوقه، فجعل عليه مد ونصف.
وإن كان الزوج عبدا أو مكاتبا وجب عليه مد، لانه ليس بأحسن حالا من الحر المعسر، فلا يجب عليه أكثر من مد.
وَإِنْ كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا وَنِصْفُهُ عَبْدًا وَجَبَ عليه نفقة المعسر.
وقال المزني، إن كان موسرا بما فيه من الحرية وجب عليه مد ونصف، لانه
اجتمع فيه الرق والحرية فوجب عليه نصف نفقة الموسر وهو مد ونصف نفقة المعسر وهو نصف مد، وهذا خطأ.
لانه ناقص بالرق فلزمه نفقة المعسر كالعبد
(فصل)
وتجب النفقة عليه من قوت البلد لقوله ﷿ " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف، ولقوله ﷺ " ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف " والمعروف ما يقتاته الناس في البلد، ويجب لها الحب،
_________________
(١) في النسخة المطبوعة من المهذب ترجم الباب هكذا، " باب قدر النفقة " وقد تحققنا أن الصحيح ما أثبتناه مما ذكره قدامى الاصحاب ممن تناولوا المهذب بالشرح والتعليق. " المطيعي "
[ ١٨ / ٢٤٩ ]
فإن دفع إليها سويقا أو دقيقا أو خبزا لم يلزمها قبوله، لانه طعام وجب بالشرع فكان الواجب فيه هو الحب كالطعام في الكفارة، وإن اتفقا على دفع العوض ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لانه طعام وجب في الذمة بالشرع فلم يجز أخذ العوض فيه كالطعام في الكفارة.
والثانى: يجوز وهو الصحيح لانه طعام يستقر في الذمة للآدمي، فجاز أخذ العوض فيه كالطعام في القرض، ويخالف الطعام في الكفارة فإن ذلك يجب لحق الله تعالى، ولم يأذن في أخذ العوض عنه، والنفقة تجب لحقها وقد رضيت بأخذ العوض.
(الشرح) الاحكام: نفقة الزوجة معتبرة بحال الزوج لا بحال الزوجة فيجب لابنة الوزير أو رئيس الدولة ما يجب لابنة الحارس، وهى مقدرة غير معتبرة بكفايتها.
وقال مالك: نفقتها تجب على قدر كفايتها وسعتها، فإن كانت ضعيفة الاكل فلها قدر ما تأكل.
وإن كانت أكولة فلها ما يكفيها
وقال أبو حنيفة: إن كانت معسرة فلها في الشهر من أربعة دراهم إلى خمسة.
وان كانت موسرة فمن سبعة دراهم إلى ثمانية، فإذا حولنا هذه المقادير إلى نقدنا المعاصر في مصر حرمها لله كان الدرهم يساوى خمسين قرشا.
وقال أصحاب أبى حنيفة: انما قال هذا حيث كان الرخص في وقته، فأما في وقتنا فيزاد على ذلك.
ويعتبرون كفايتها كقول مالك.
لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ (ﷺ) قَالَ لهند " خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف " ودليلنا قوله تعالى " لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله " وأراد أن الغنى ينفق على حسب حاله، والفقير على حسب حاله، ولقوله تعالى، " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " وأراد بالمعروف عند الناس، والعرف والعادة عند الناس أن نفقة الغنى والفقير تختلف، ولانا لو قلنا ان نفقتها معتبرة بكفايتها لادى ذلك إلى أن لا تنقطع الخصومة بينهما ولا يصل الحاكم إلى قدر كفايتها فكانت مقدرة
[ ١٨ / ٢٥٠ ]
وأما خبر هند فهو حجة لنا لانه قال " خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف " والمعروف عند الناس يختلف بيسار الزوج وإعساره، ولم يقل خذى ما يكفيك ويطلق، وعلى أنا نحمله على أنه علم من حاله أن كفايتها لا تزيد على نفقة الموسر وكان أبو سفيان موسرا.
إذا ثبت هذا فإن نفقتها معتبرة بحال الزوج، فإن كان الزوج موسرا - وهو الذي يقدر على النفقة بماله أو كسبه - وجب لها كل يوم مدان، وان كان معسرا، وهو الذي لا يقدر على النفقة بماله ولا كسبه وجب كل يوم مد وهو رطل وثلث وهو نحو ستمائة جرام من الحنطة تقريبا، لان أكثر ما أوجب الله تعالى في الكفارات للواحد مدان.
وهو في كفارة الاذى.
وأقل ما أوجب
للواحد في الكفارة مد، فقسنا نفقة الزوجات على الكفارة، لان الله تعالى شبه الكفارة بنفقة الاهل في الجنس بقوله تعالى " من أوسط ما تطعمون أهليكم " فاعتبرنا الاكثر والاقل في الواجب للواحد في الكفارة.
وأما المتوسط فإنه يجب عليه كل يوم مد ونصف مد، لانه أعلى حالا من المعسر وأدنى حالا من الموسر فوجب عليها من نفقة كل واحد منهما نصفها (فرع)
وان كان الزوج عبدا أو مكاتبا أو مدبرا أو معتقا نصف وجب عليه نفقة زوجته لقوله " وعلى المولود له رزقهن " الخ الآية.
وهذا مولود له ولا تجب عليه الا نفقة المعسر لانه أسوأ جللا من الحر المعسر قوله " وتجب النفقة عليه من قوت البلد " وهذا صحيح فإنه يجب عليه أن يدفع إليه من غالب قوت البلد.
فإذا كان غالب قوت البلد من البر أنفق منه.
وان كان من الارز أنفق منه.
وان كان من التمر أنفق منه.
ولانه طعام يجب على وجه الاتساع والكفاية فوجب من غالب قوت البلد كالكفارة.
ويجب أن يدفع إليها الحب.
فإن دفع إليها الدقيق أو السويق أو الخبز، قال الشيخ أبو حامد وابن الصباغ لم يجز وذكر صاحب المهذب أنه لا يجوز وجها واحدا لقوله تعالى " فكفارته اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم " فجعل الكفارة فرعا للشفقة ومحمولا عليها.
[ ١٨ / ٢٥١ ]
فلما كانت الكفارة الواجبة هي الحب نفسه، فإنه لا يجزئ الدقيق والسويق والخبز فكذلك النفقة، وإن أعطاها قيمة الحب لم تجبر على قبولها، لان الواجب لها هو الحب فلا تجبر على أخذ قيمته، كما لو كان لها طعام قرض، وإن سألته أن يعطيها قيمته لم يجبر الزوج على دفع القيمة، لان الواجب عليه هو الحب فلا يجبر
على دفع قيمته، فإن تراضيا على القيمة فهل يصح؟ فيه وجهان
(أحدهما)
لا يصح لانه طعام وجب في الذمة بالشرع فلم يصح أخذ العوض عنه كالكفارة.
(والثانى)
يصح وهو الصحيح لانه طعام وجب على وجه الرفق فصخ أخذ العوض عنه كالقرض.
قال الصيمري والمسعودي: وتلزمه مؤنة طحنه وخبزه حتى يكون مهيئا لانه هو العرف.
ولا نرى أن الحب أمر يطرد في جميع البلاد والمجتمعات، بل إن في بعض المدن كالقاهرة والاسكندرية وغيرهما ما يكون الحب كالحصى والتراب لا منفعة فيه ولا فائدة، ويتعين أن يعطى الزوج النفقة بما يمكنها من الطعام وييسر لها أسباب العيش أسوة بغيرها من النساء ولا يتحقق هذا بالحب، وإنما يتحقق بالقيمة، ويكون إعطاء القيمة منه أمرا لازما لااختيار فيه لزوم النفقة نفسها.
قال الشافعي ﵁: وجماع المعروف إعفاء صاحب الحق من المؤنة في طلبه وأداؤه إليه بطيب النفس لا بضرورته إلى طلبه ولا تأديته بإظهار الكراهية لتأديته وأيهما ترك فظلم، لان مطل الغنى ظلم ومطله تأخيره الحق.
اه
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويجب لها الادم بقدر ما يحتاج إليه من أدم البلد من الزيت والشيرج والسمن واللحم، لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أنه قال: من أوسط ما تطعمون أهليكم.
الخبز والزيت وعن ابن عمر ﵁ أنه قال " الخبز والزيت والخبز والسمن والخبز والتمر.
ومن أفضل ما تطعمون أهليكم الخبز واللحم " ولان ذلك من النفقة بالمعروف.
[ ١٨ / ٢٥٢ ]
(فصل)
ويجب لها ما تحتاج إليه من المس والسدر والدهن للرأس وأجرة الحمام، ان كان عادتها دخول الحمام، لان ذلك يراد للتنظيف فوجب عليه كما يجب على المستأجر كنس والدار وتنظيفها.
وأما الخضاب فإنه إن لم يطلبه الزوج لم يلزمه، وإن طلبه منها لزمه ثمه لانه للزينة.
وأما الادوية وأجرة الطبيب والحجام فلا تجب عليه، لانه ليس من النفقة الثابتة، وإنما يحتاج إليه لعارض وأنه يراد لاصلاح الجسم فلا يلزمه كما لا يلزم المستأجر إصلاح ما انهدم من الدار وأما الطبيب فإنه إن كان يراد لقطع السهوكة لزمه لانه يراد للتنظيف، وان كان يراد للتلذذ والاستمتاع لم يلزمه، لان الاستمتاع حق له فلا يجبر عليه.
(الشرح) قال الشافعي ﵁ " وأقل ما يعولها به وخادمها ما لا يقوم بدن أحد على أقل منه، وذلك مد بمد النبي ﷺ لها في كل يوم من طعام البلد الذي يقتاتون، حنطة كان أو شعيرا، أو ذرة أو أرزا أو سلتا، ولخادمها مثله ومكيلة من أدم بلادها زيتا كان أو سمنا بقدر ما يكفى ما وصفت من ثلاثين مدا في الشهر، ولخادمها شبيه به، ويفرض لها في دهن ومشط أقل ما يكفيها، ولا يكون ذلك لخادمها لانه ليس بالمعروف قال: وان كانت ببلد يقتاتون فيه أصنافا من الحبوب كان لها الاغلب من قوت مثلها في ذلك البلد.
وقد قيل لها في الشهر أربعة أرطال في كل جمعة رطل وذلك المعروف لها.
اه قلت: وجملة ذلك أنه يجب للزوجة الادام لقوله تعالى " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " ومن المعروف أن المرأة لا تأكل خبزها إلا بأدم وروى عكرمة " أن امرأة سألت أبن عباس وقالت له " ما الذي لى من مال زوجي؟ فقال الخبز والادم.
قالت أفآخذ من دراهمه شيئا؟ فقال أتحبين أن يأخذ من مالك فيتصدق به؟ قالت لا، فقال كذلك لا تأخذى من دراهمه شيئا
بغير أمره " ويرجع في جنسه وقدره إلى العرف فيجب في كل بلد من غالب أدمها وقال أصحابنا ان كان بالشام فالادم الزيت، وان كان العراق فالشيرج.
وان كان بخراسان فالسمن، وإنما أوجب الشافعي الادهان من بين سائر الادام لانها
[ ١٨ / ٢٥٣ ]
أصلح للابدان وهى مع البر تعطى طاقة حرارية للبدن عالية قال في الادهان من البروتين، قال في البيان وهي أخف مئونة لانه لا يحتاج في التأدم بها إلى طبخ ويرجع في قدره إلى العرف، فإن كان العرف أن يؤيدم على المد أو قية دهن وجب لامرأة الموسر كل يوم أو قيتادهن ولامرأة المعسر أو قية ولامرأة المتوسط أو قية ونصف، لانه ليس للادم أصل يرجع إليه في تقديره فرجع في تقديره إلى العرف بخلاف النفقة.
قال وعندي أنها إذا كانت في بلد غالب أدم أهله اللبن كأهل اليمن فإنه يجب أدمها من اللبن.
اه (فرع)
إذا كانت في بلد يتأدم أهله اللحم فإنه يجب عليه أن يدفع إليها في كل جمعة لحما لان العرف والعادة أن الناس يطبخون اللحم كل جمعة قال أصحابنا وإنما فرض الشافعي في كل جمعة رطل لحم لانه كان بمصر واللحم فيها يقل، فأما إذا كانت في موضع يكثر فيه اللحم، فإن الحاكم يفرض لها على ما يراه من رطلين أو أكثر.
وهذا لامرأة المعسر، فأما امرأة الموسر فيجب لها من ذلك ضعفه ما يجب لامرأة المعسر قوله " الخضاب " وهو ما يخضب به من حناء وكتم ومساحيق الشفاه الحمراء وسوائل الاظافر.
قال الاعشى أرى رجلا منكم أسييفا كأنما يضم إلى كشحيه كفا مخضبا وخضب الرجل شيبه يخضبه والخضاب الاسم، قال السهيلي، عبد المطلب أول من خضب بالسواد من العرب.
وفي الحديث بكى حتى خضب دمعه الحصى
أي بلها من طريق الاستعارة قال ابن الاثير.
والاشبه أن يكون أراد المبالغة في البكاء حتى أحمر دمعه فخضب الحصا.
وأما السهوكة فهي من السهك.
قال في اللسان " ريح كريهة تجدها من الانسان إذا عرق تقول أنه لسهك الريح، وقد سهك سهكا وهو سهك.
قال النابغة: سهكين من صدإ الحديد كأنهم تحت النور جنة البقار
[ ١٨ / ٢٥٤ ]
ولولا لبسهم الدروع التي قد صدأت ما وصفهم بالسهك، والسهك والسهكة قبح رائحة اللحم إذا خبز وقال ابن بطال وأصله ريح السمك وصدأ الحديد أما ما في هذه الفصل من الاحكام فهو أنه يجب لها ما تحتاج إليه من الدهن والمشط، لان ذلك تحتاج إليه لزينة شعرها فوجب عليه كنفقة بدنها، ولان فيه تنظيفا فوجب عليه، كما يجب على المكنرى كنس الدار المستأجرة، هكذا أفاده العمرانى في البيان.
ويجب عليه ما تحتاج إليه من الصابون وأجرة الحمام، أو توفير أسباب الاستحمام في مسكنها لما ذكرناه في الدهن والمشط.
قال الشيخ أبو إسحاق هنا فأما الخضاب فإن لم يطلب الزوج منها لم يلزمه، وان طلبه منها لزمه ثمنه، وأما الطيب، فإن كان يراد لقطع السهوكة لزمه لانه يراد للتنظيف، وان كان راد للتلذذ والاستمتاع لم يلزمه، لان الاستمتاع حق له فلا يلزمه، ولا يلزمه أجرة الحجامة والفصادة، ولا ثمن الادوية ولا أجرة الطبيب ان احتاجت إليه لان ذلك يراد لحفظ بدنها لعارض
ولنا وفقة عند هذا الامر الذي ينبغى النظر إليه من خلال ما طرأ على حياة الناس من تغير، وليس هذا الفرع بالشئ الثابت الذي لا يتأثر بالعوامل الانسانية السائدة، فإنه إذا كان الزوجان في مجمتع أو بيئة أو دولة تكفل للعامل والشغال قدرا من الرعاية الصحية تحت اسم اصابة العمل أو المرض أثناء الخدمة فيتكفل صاحب العمل ببعض نفقات العلاج أو كلها، فإنه ليس من العروف أن لضرب المثل هنا بإجارة الدار مع الفارق بين الزوجة والدار، والاقرب إلى التشبيه أن يكون المثل إنسانيا فيضرب المثل بالعامل فإنه أولى على أن الفصل في ذلك أن المرء فيها أمير نفسه، فإن كان يحس في وجدانه بقوله تعالى " والله خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة " فإنه لن يشح عليها بما يزيل وصبها وعطبها في كتفه، وهو أمر مستحب يدخل في فضائل المروءة وحسن المعاشرة والايثار
[ ١٨ / ٢٥٥ ]
وإذا كانت أجرة الحمام لتنظيف البدن.
وكذلك فرض مقادير اللحم والادم لحفظ بدنها، وأصحابنا يقولون بأن هذه كلها لحفظ البدن على الدوام فنحن قد أستحببنا قياس ثمن الدواء لحفظ البدن مما يطرأ عليه على نفقة البدن الاخرى، وفيما يأتي من مسائل ما يؤيد قياسنا هذا.
وقد ذهبنا إلى استحبابه للاجماع على عدم وجوبه بِلَا خِلَافٍ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
(فصل)
ويجب لها الكسوة لقوله تعالى " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " ولحديث جابر " ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف " ولانه يحتاج إليه لحفظ البدن على الدوام فلزمه كالنفقة، ويجب لامرأة الموسر من مرتفع ما يلبس في البلد من القطن والكتان والخز والابريسم، ولامرأة المعسر من غليظ
القطن والكتان، ولامرأة المتوسط ما بينهما، وأقل ما يجب قميص وسراويل ومقنعة ومداس للرجل، وإن كان في الشتاء أضاف إليه جبة، لان ذلك من الكسوة بالمعروف.
(فصل)
ويجب لها ملحفة أو كساء ووسادة ومضربة محشوة للنوم، وزلية أو لبد أو حصير للنهار، ويكون ذلك لامرأة الموسر من المرتفع، ولامرأة المعسر من غير المرتفع، ولامرأة المتوسط ما بينهما لان ذلك من المعروف
(فصل)
ويجب لها مسكن لقوله تعالى " وعاشروهن بالمعروف " ومن المعروف أن يسكنها في مسكن، ولانها لاتستغنى عن المسكن للاستتار عن العيون والتصرف والاستمتاع، ويكون المسكن على قدر يساره وإعساره وتوسطه كما قلنا في النفقة.
(فصل)
وإن كانت المرأة ممن لا تخدم نفسها بأن تكون من ذوات الاقدار أو مريضة وجب لها خادم لقوله ﷿ " وعاشروهن بالمعروف " ومن العشرة بالمعروف أن يقيم لها من يخدمها، ولا يجب لها أكثر من خادم واحد لان المستحق خدمتها في نفسها وذلك يحصل بخادم واحد، ولايجوز أن يكون
[ ١٨ / ٢٥٦ ]
الخادم الا امرأة أو ذا رحم محرم، وهل يجوز أن يكون من اليهود والنصارى؟ فيه وجهان
(أحدهما)
أنه يجوز لانهم يصلحون للخدمة
(والثانى)
لا يجوز لان النفس تعاف من استخدامهم وإن قالت المرأة: أنا أخدم نفسي وآخذ أجرة الخادم لم يجبر الزوج عليه لان القصد بالخدمة ترفيهها وتوفيرها على حقه، وذلك لا يحصل بخدمتها.
وإن قال الزوج أنا أخدمها بنفسى فَفِيهِ وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ انه يلزمها الرضا به، لانه تقع الكفاية
بخدمته
(والثانى)
لا يلزمها الرضا به لانها تحتشمه ولا تستوفى حقها من الخدمة
(فصل)
وان كان الخادم مملوكا لها واتفقا على خدمته لزمه نفقته، فإن كان موسرا لزمه للخادم مد وثلث من قوت البلد، وان كان متوسطا أو معسرا لزمه مد لانه لا تقع الكفاية بما دونه، وفي أدمه وجهان
(أحدهما)
أنه يجب من نوع أدمها كما يجب الطعام من جنس طعامها.
(والثانى)
أنه يجب من دون أدمها وهو المنصوص، لان العرف في الادم أن يكون من دون أدمها، وفي الطعام العرف أن يكون من جنس طعامها، ويجب الخادم كل زوجة من الكسوة والفراش والدثار دون ما يجب للزوجة، ولا يجب له السراويل ولا يجب له المشط والسدر والدهن للرأس، لان ذلك يراد للزينة والخادم لايراد للزينة، وان كانت خادمة تخرج للحاجات وجب لها خف لحاجتها إلى الخروج (الشرح) قوله " الزلية " بساط عراقى نحو الطنفسة، والدثار والثوب الذي يتدفأ به.
قال الشافعي ﵁: وفرض لها من الكسوة ما يكسى مثلها ببلدها عند المقتر، وذلك من القطن الكوفى والبصرى وما أشبههما، ولخادمها كرباس وتبان وما أشبهه، وفرض لها في البلاد الباردة أقل ما يكفى من البرد من جبه محشوة وقطيفة أو لحاف وسراويل وقميص وخمار أو مقنعة، ولخادمها جبة صوف وكساء تلحفه يدفئ مثلها، وقميص ومقنعة وخف ومالا غنى بها عنه، وفرض لها للصيف قيمصا وملحفة ومقنعة.
قال وتكفيها القطيفة سنين ونحو ذلك الجبة المحشوة.
اه
[ ١٨ / ٢٥٧ ]
وجملة ذلك أن كسوة الزوجة تجب على الزوج لقوله تعالى وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " ولقوله ﷺ " ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن
بالمعروف " ولان الكسوة تحتاج إليها لحفظ البدن على الدوام، فوجبت على الزوج كالنفقة.
إذا ثبت هذا فإن المرجع في عدد الكسوة وقدرها وجنسها لى العرف والعادة لان الشرع ورد بإيجاب الكسوة غير مقدرة، وليس لها أصل يرد إليه، فرجع في عددها وقدرها إلى العرف بخلاف النفقة، فإن في الشرع لها أصلا، وهو الاطعام في الكفارة فردت النفقة إليها فإن قيل فقد ورد الشرع بإيجاب الكسوة في الكفارة فهلا ردت كسوة الزوجة إلى ذلك؟ فالجواب أن في الكسوة الواجبة في كفارة اليمين ما يقع عليه اسم الكسوة، وأجمعت الامة على أنه لا يجب للزوجة من الكسوة ما يقع عليه اسم الكسوة، فإذا منع الاجماع من قياس كسوتها على الكسوة في الكفارة لم يبق هناك أصل يرد إليه، فرجع في ذلك إلى العرف.
فأما عدد الكسوة قال الشافعي: فيجب للمرأة قميص وسراويل وخمار أو مقنعة قال أصحابنا: ويجب لها شئ تلبسه في رجلها من نعل ونحوه.
وأما قدرها فإنه يقطع لها ما يكفيها على قدر طولها وقصرها، لان عليه كفايتها في الكسوة ولا تحصل كفايتها إلا بقدرها.
وأما جنسها فإن الشافعي قال أجعل لامرأة الموسر من لين البصري والكوفي والبغدادي، ولامرأة المعسر من غليظ البصري والكوفي - قال الشيخ أبو حامد إنما فرض الشافعي هذه الكسوة على عادة أهل زمانه.
لان العرف في وقته على ما ذكر.
فأما في وقتنا فإن العرف قد اتسع فإن العرف أن امرأة الموسر تلبس الحرير والخز والكتان، فيدفع إليها مما جرت عادة نساء بلدها بلبسه.
وان كان في الشتاء أضاف إلى ذلك جبة محشوة تتدفأ بها.
انتهى وعندي أنها إذا كانت في بلد لا يكتفي نساؤهم إلا بثياب داخلية وثياب
خارجية وثياب للنوم وجب كسوتها من ذلك، ويجب لها نطاق وخمار، فيجب لامرأة الموسر من مرتفع ذلك، وتسمى في زماننا بالطرحة أو الايشارب.
[ ١٨ / ٢٥٨ ]
ولامرأة المعسر من خشن ذلك، ولامرأة المتوسط مما بينهما.
وإن كانت في بلد لا تختلف كسوة أهلها في زمان الحر والبرد لم تجب لها الملابس المحشوة كالباطو للشتاء، لان ذلك هو العرف والعادة في حق أهل بلدها فلم يجب لها أكثر منه قال اشافعى " وإن كانت بدوية فما يأكل أهل البادية ومن الكسوة بقدر ما يكتسبون - قال الشافعي " ولامرأته فراش ووسادة من غليظ متاع البصرة، وجملة ذلك أنه يجب لها عليه فراش، لانها تحتاج إلى ذلك كما تحتاج إلى الكسوة فيجب لامرأة الموسر مضربه محشوة بالقطن ووسادة.
وإن كان في الشتاء وجب لها لحاف أو قطيفة للدفء.
وان كان في الصيف وجب لها ملحفة.
وهل يجب لها فراش تقعد عليه بالنهار غير الفراش الذي تنام عليه؟ فيه وجهان
(أحدهما)
لا يجب لها غير الفراش الذي تنام عليه لانها تكتفى بذلك
(والثانى)
- وهو المذهب - أنه يجب لها فراش تقعد عليه بالنهار غير الفراش الذي تنام عليه كالحشية (الشلته) أو كرسى أو سجادة أو ما أشبه ذلك لان العرف في أمرأة الموسر أنها تجلس في النهار على غير الفراش الذي تنام عليه، وقد يحدد العرف مكانا لجلوسها كمكان الاستقبال (الانزيه أو الصالون) فعلى الموسر أن يوفر لها مثل أحد هذه المكانين لاستراحتها (مسألة) ويجب لها مسكن لقوله تعالى " أسكنونهن من حيث سكنتم من وجدكم " وقوله تعالى " وعاشروهن بالمعروف " ومن المعروف أن يسكنها بمسكن ولانها تحتاج إليه للاستتار عن العيون عند الاستمتاع، ويقيها من الحر والبرد، فوجب عليه كالكسوة ويعتبر ذلك بيساره وإعساره وتوسطه
(مسألة) وإن كان المرأة ممن لا تخدم نفسها لمرض بها أو كانت من ذوات الاقدار - قال ابن الصباغ فإن كانت لا تخدم نفسها في بيت أبيها وجب على الزوج أن يقيم لها من يخدمها وقال داود " لا يجب عليه لها خادم " دليلنا قوله تعالى " وعاشروهن بالمعروف " ومن المعاشرة بالمعروف أن يقيم لها من يخدمها: ولان الزوج لما وجبت عليه نفقة الزوجة وجب عليه إخدامها كالاب لما وجبت عليه نفقة الابن وجبت عليه أجرة من يخدمه وهو من يحضنه.
إذا ثبت هذا فإنه لا يلزمه لها إلا خادم واحد، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ
[ ١٨ / ٢٥٩ ]
وقال مالك: إذا كانت تخدم في بيت أبيها بخادمين أو أكثر، أو كانت تحتاج إلى أكثر من خادم وجب عليه ذلك.
وقال أبو ثور: إذا احتمل الزوج ذلك فرض لخادمين، ودليلنا أن الزوج إنما يلزمه أن يقيم لها من يخدمها بنفسها دون مالها، وما من امرأة إلا ويكفيها خادم واحد فلم يجب لها أكثر منه (فرع)
ولا يكون الخادم إلا امرأة أو رجلا من ذوى محارمها لانها تحتاج إلى نطر الخادم، وقد تخلو به فلم يجز أن يكون رجلا أجنبيا.
وهل تجبر المرأة على أن يكون من اليهود والنصارى؟ فيه وجهان
(أحدهما)
تجبر على خدمتهم لانهم يصلحون للخدمة
(والثانى)
لا تجبر على أحد منهم لان النفس تعاف من استخدامهم، فإن أخدمها خادما يملكه، أو اكثري لها خادما يخدمها، أو كان لها خادم واتفقا أن يخدمها وينفق عليه أو خدمها الزوج بنفسه ورضيت الزوجة بذلك جاز، لان المقصود خدمتها وذلك يحصل بجميع ذلك وعند أصحاب أحمد في إخدام اليهود والنصارى وجهان كالوجهين عندنا
الصحيح منهما جوازه لان استخدامهم مباح، وقد ذكر في المغنى لابن قدامة أن الصحيح إباحة النظر لهم.
وإن أراد الزوج أن يقيم لها خادما واختارت المرأة أن تقيم لها خادما غيره ففيه وجهان حكاهما القاضى أبو الطيب
(أحدهما)
يقدم اختيار الزوجة لان الخدمة حق لها، وربما كان من تختاره أقوم بخدمتها
(والثانى)
يقدم اختيار الزوج، لان الخدمة حق عليه لها فقدمت جهة اختياره كالنفقة، ولانه قد يتهم من تختاره الزوجة فقدم اختيار الزوج قال المسعودي وإن كان لها خادم فأراد الزوج إبداله بغيره فإن كان بالخادم عيب، أو كان سارقا، فله ذلك وإلا فلا، وان أراد الزوج أن يخدمها بنفسه وامتنعت من ذلك فهل تجبر؟ فيه وجهان
(أحدهما)
تجبر عليه، وهو اختيار أبى إسحاق المروزى والشيخ أبى حامد لان المقصود إخدامها فكان له إخدامها بغيره وبنفسه، كما يجوز أن يوصل إليها النفقة بوكيله أو بنفسه.
[ ١٨ / ٢٦٠ ]
(والثانى)
لا تجبر على قبول خدمته لانها تحتشم أن تستخدمه في جميع حوائجها، ولان عليها عارا في ذلك وغضاضة فلم تجبر عليه هذا نقل أصحابنا البغدادين، لانها لا ترضى أن يكون لها زوجها خادما ولو كان خادما لها، وبهذين الوجهين قال الحنابلة وقال المسعودي ان كانت خدمته مما لا تحتشم منه في مثلها، مثل كنس البيت والطبخ ونحوه أجبرت على قبول ذلك منه، وان كانت خدمته تحتشم منه في مثلها كحمل الماء معها إلى المستحم ونحوه لم يجبر على قبول ذلك منه، بل يجب عليه أن يأتيها بخادم يتولى ذلك لها (فرع)
وأما نفقة من يخدمها، فإن أخدمها بمملوك له فعليه نفقته وكسوته
على الكفاية لحق الملك لا لخدمتها، وإن استأجر من يخدمها فله أن يستأجره بالقليل والكثير، وان وجد من يتطوع بخدمتها من غير عوض جاز، لان حقها في الخدمة وقد حصل ذلك، وإن كان لها خادم مملوك لها واتفقا على أن يخدمها وجب على الزوج نفقة خادمها وكسوته وزكاة فطره، وتكون نفقته مقدرة، وقد أوهم المرنى أن في وجوب نفقة خادمها قولين.
قال أصحابنا وليس بشئ إذا ثبت هذا فإنه يجب لخادم امرأة الموسر والمتوسط ثلثا ما يجب لها من النفقة، فيجب لخادم امرأة الموسر كل يوم مد وثلث لخادم امرأة المتوسط كل يوم مد، لان العرف أن نفقة خادم المرأة الموسر أكثر من نفقة خادم امرأة المعسر، وأما نفقة خادم امرأة المعسر فيجب له كل يوم مد، لان البدن لا يقوم بدون، ذلك ويجب ذلك من غالب قوت البلد، لان البدن لا يقوم بغير قوت البلد ويجب له الادم لان العرف أن الطعام لا يؤكل إلا بأدم، وهل يكون من مثل أدمها؟ فيه وجهان
(أحدهما)
أنه يكون من مثل أمها كما يجب الطعام من مثل طعامها
(والثانى)
لا يجب له من مثل أدمها لان العرف أن أدم الخادم دون أدم المخدوم فلم يسو بينهما، كما لا يسوى بينهما في قدر النفقة، فعلى هذا يكون أدمها كما يقول العمرانى وغيره من أصحابنا من الزيت الجيد، ويكون أدم خادمها من
[ ١٨ / ٢٦١ ]
الذي دونه، ولا يعدل بأدم الخادم عن جنس غالب أدم البلد، لان البدن لا يقوم إلا به.
وهل يجب لخادمها اللحم؟ إن قلنا يجب له الادم من مثل أدمها وجب له اللحم.
ولا يجب له الدهن والمشط لان ذلك يراد للزينة والخادم لايراد للزينة.
قال الشافعي: ويجب لخادمها قميص ومقنعة وخف، وأوجب لها الخف لانها
تحتاج إليه عند الخروج لقضاء الحاجات، وإن كان في الشتاء وجب له جبة صوف أو كساء ليدفأ به من البرد، قال: ولخادمها فروة ووسادة وما أشبههما من عباءة أو كساء.
قال أصحابنا، أما الفراش فلا يجب لخادمها، وإنما يجب له وسادة: ويجب لخادم امرأة الموسر كساء، ولخادم امرأة المعسر عباءة لان ذلك هو العرف في حقهم: فإن مات خادمها فهل يجب عليه كفنه ومؤنة تجهيزه؟ فيه وجهان كما قلنا في كفن الزوجة ومؤنة تجهيزها.
وإن خدمت المرأة نفسها لم يجب لها أجرة، لان المقصود بإخدامها ترفيهها، فإذا حملت المشقة على نفسهما لم تستحق الاجرة كالعامل في الفراض إذا تولى من العمل ما له أن يستأجر عليه من مال القراض.
(فرع)
فإذا كانت ممن لا تخدم بأن كانت تخدم نفسها في بيت أبيها وهى صحيحة تقدر على خدمة نفسها لم يجب على الزوج أن يقيم لها من يخدمها، لان العرف في حقها أن تخدم نفسها.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويجب أن يدفع إليها نفقة كل يوم إذا طلعت الشمس، لانه أول وقت الحاجة، ويجب أن يدفع إليها الكسوة في كل ستة أشهر لان العرف في الكسوة أن تبدل في هذه المدة، فإن دفع إليها الكسوة فبليت في أقل من هذا القدر لم يجب عليه بدلها كمالايجب عليه بدل طعام اليوم إذا نفذ قبل انقضاء پاليوم، وإن انقضت المدة والكسوة باقية ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يلزمه تجديدها لان الكسوة مقدرة بالكفاية، وهي مكفية
(والثانى)
يلزمه تجديدها وهو الصحيح، كما يلزمه الطعام في كل يوم.
وإن بقى
[ ١٨ / ٢٦٢ ]
عندها طعام اليوم الذي قبله، ولان الاعتبار بالمدة لا بالكفاية، بدليل أنها
لو تلفت قبل انقضاء المدة لم يلزمه تجديدها والمدة قد انقضت فوجب التجديد.
وأما ما يبقى سنة فأكثر كالبسط والفراش وجبة الخز والابريسم فلا يجب تجديدها في كل فصل لان العادة أن لا تجدد في كل فصل
(فصل)
وإن دفع إليها نفقة يوم فبانت قبل انقضائه لم يرجع بما بقى لانه دفع ما يتسحق دفعه، وان سلفها نفقة أيام فبانت قبل انقضائها فله أن يرجع في نفقة ما بعد اليوم الذي بانت فيه، لانه غير مستحق، وإن دفع إليها كسوة الشتاء أو الصيف فبانت قبل انقضائه ففيه وجهان
(أحدهما)
له أن يرجع لانه ذفع لزمان مستقبل فإذا طرأ ما يمنع الاستحقاق ثبت له الرجوع كما لو أسلفها نفقة أيام فبانت قبل انقضائها
(والثانى)
لا يرجع لانه دفع ما يستحق دفعه لم يرجع به، كما لو دفع إليها نفقة يوم فبانت قبل انقضائه.
(فصل)
وإن قبضت كسوة فصل وأرادت بيعها لم تمنع منه، وقال أبو بكر ابن الحداد المصرى لا يجوز.
وقال أبو الحسن الماوردى البصري إن أرادت بيعها بما دونها في الجمال لم يجز، لان للزوج حظا في جمالها وعليه ضررا في نقصان جمالها، والاول أظهر، لانه عوض مستحق فلم تمنع من التصرف فيه كالمهر.
وان قبضت النفقة وأرادت أن تبيعها أو تبدلها بغيرها لم تمنع منه، ومن أصحابنا من قال ان أبدلتها بما يستضر بأكله كان للزوج منعها لما عليه من الضرر في الاستمتاع بمرضها، والمذهب الاول لما ذكرناه في الكسوة والضرر في الاكل لا يتحقق فلا يجوز المنع منه (الشرح) في متي يجب نفقة الزوجة قولان.
قال في القديم يجب جميعها بالعقد.
ولكن لا يجب عليه تسليم الجميع، وبه قال أبو حنيفة لانه مال يجب للزوجة بالزوجة فوجب بالعقد كالمهر، ولان النفقة يجب في مقابلة الاستمتاع
فلما ملك الاستمتاع بها بالعقد وجب بأن تملك عليه بالعقد ما في مقابلته وهو النفقة كالثمن والمثمن
[ ١٨ / ٢٦٣ ]
وقال في الجديد: لا تجب بالعقد وإنما تجب يوما بيوم وهو الاصح.
لانها لو وجبت بالعقد لوجب عليه تسليم جميعها إذا سلمت نفسها، كما يجب على المستأجر تسليم جميع الاجرة إذا قبض العين المستأجرة، فلما لم يجب عليه تسليم جميعها ثبت أن الجميع لم يجب، وقول الاول أنها وجبت في مقابلة ملك الاستمتاع غير صحيح وإنما وجبت في مقابلة التمكين من الاستمتاع، فإذا قلنا بقوله القديم صح أن يضمن عن الزوج بعقد زمان مستقبل، ولكن لا يضمن عنه إلا نفقة المعسر وإن كان موسرا، لان ذلك هو الواجب عليه بيقين.
وإن قلنا بقوله الجديد لم يصح أن يضمن عليه الا نفقة اليوم بعد طلوع الفجر.
وأما وجوب التسليم فلا خلاف أنه لا يجب عليه إلا تسليم نفقة يوم بيوم، لانها إنما تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع وذلك لا يوجد الا بوجود التمكين في اليوم، فإذا جاء أول اليوم وهي ممكنة له من نفسها وجب عليه تسليم نفقة اليوم في أوله لان الذي يجب لها هو الحب، والحب يحتاج إلى طحن وعجن وخبز.
وتحتاج إلى الغداء والعشاء.
فلوقلنا لا يجب عليه تسليم ذلك الا في وقتت الغداء والعشاء أضر بها الجوع إلى وقت فراغه..قال الشيخ أبو حامد: فإن سلم لها خبزا فارغا فأخذته وأكلته كان ذلك قبضا فاسدا، لان الذى تستحقه عليه الحب، فيكون لها مطالبته بالحب وله مطالبتها بقيمة الخبز (فرع)
فإن دفع إليها نفقة شهر مستقبل فمات أحدهما أو بانت منه بالطلاق
قبل انقضاء الشهر لم يسترجع منها لانه دفع إليها ما وجب عليه لها، فلم يتغير بما طرأ بعده كما لو دفع الزكاة إلى فقير فمات أو استغنى.
وان دفع إليها نفقة شهر مستقبل فمات أحدهما أو بانت منه في أثناء الشهر استرجع منها نفقة ما بعد اليوم الذى مات أحدهما فيه أو بانت فيه.
وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
وَقَالَ أبو حنيفة وأبو يوسف لا يسترجع منها لانه ملكته بالقبض ودليلنا أنه دفع ذلك إليها عما سيجب لها بالزوجية في المستقبل، فإذا بان أنه لم يجب لها شئ استرجع منها، كما لو قدم زكاة ماله قبل الحول إلى فقير فاستغنى الفقير من غير ما دفع إليه أو مات
[ ١٨ / ٢٦٤ ]
(فرع)
وان دفع إليها الكسوة أو النعل فبليت نظرت، فإن بليت في الوقت الذي يبلى فيه مثلها، مثل أن يقال: مثل هذا يبقى ستة أشهر، فأبلته بأربعة أشهر أو دونها لم يلزمه أن يدفع إليها بدله، لانه قد دفع إليها ما تستحقه عليه، فإذا بلى قبل ذلك لم يلزمه ابداله، كما لو سرقت كسوتها أو احترقت، وكما لو دفع إليها نفقة يوم فأكلتها قبل اليوم.
وان مضى الزمان الذي تبلى فيه مثل تلك الكسوة بالاستعمال المعتاد ولم تبل تلك الكسوة بل يمكن لباسها، فهل يلزمه أن يكسوها؟ فيه وجهان
(أحدهما)
لا يلزمه لانها غير محتاجة إلى الكسوة
(والثانى)
يلزمه أن يكسوها قال الشيخان أبو إسحاق وأبو حامد: وهو الاصح لان الاعتبار بالكسوة بالمدة لا بالبلاء.
ألا ترى أن كسوتها لو بليت قبل وقت بلائها لم يلزمه ابدالها، فإذا بقيت بعد مدة بلائها لم يلزمه ابدالها، ولانه لو دفع إليها نفقة يوم فلم تأكلها حتى جاء اليوم الثاني لزمه نفقة لليوم الثاني، وان كانت مستغنية فيه بنفقة اليوم الاول فكذلك في الكسوة مثله
وان دفع إليها كسوة مدة فمات أحدهما أو بانت منه قبل انقضائها والكسوة لم تبل، فهل يسترجع من وارثها أو منها؟ فيه وجهان
(أحدهما)
يسترجع منها، كما لو دفع إليها نفقة ما بعد يوم الموت والبينونة
(والثانى)
لا يسترجع لانه دفع الكسوة إليها بعد وجوبها عليه فلم يسترجع منها كما لو دفع إليها نفقة يوم فمات أحدهما أو بانت قبل انقضائه، ويخالف إذا دفع إليها نفقة الشهر، فإنها لا تستحق عليه نفقة ما بعد يوم الموت والبينونة.
فلذلك استرجعت منها (فرع)
قال ابن الحداد " إذا دفع إلى امرأته كسوة فأرادت بيعها لم يكن لها ذلك لانها لا تملكها، ألا ترى أن له ان يأخذها منها ويبدلها بغيرها، ولو دفع إليها طعاما فباعته كان لها ذلك واختلف أصحابنا في ذلك فمنهم من وافق ابن الحداد وقال، لا يصح لها بيع ما يدفع إليها من الكسوة لانها تستحق عليه الانتفاع بالكسوة وهو استتارها بها فلا تملكها بالقبض كالمسكن.
وان أتلفت كسوتها لزمها قيمتها له ولزمه أن
[ ١٨ / ٢٦٥ ]
يكسوها.
ومنهم من خطأ ابن الحداد وقال: تملك الكسوة إذا قبضتها ويصح بيعها، لانه يجب عليه دفع الكسوة إليها، فإذا قبضتها ملكتها وصح بيعها لها كالنفقة ويخالف المسكن فإنه لا يلزمه أن يسلم إليها المسكن وإنما له أن يسكن معها وقال أبو الحسن الماوردى صاحب الحاوى: إن أرادت بيعها بما دونها في الجمال لم يجز، لان للزوج حظأ في جمالها، وعليه ضرر في نقصان جمالها، وإن أرادت بيعها بمثلها أو أعلى منها كان لها ذلك لانها ملكتها ولا ضرر على الزوج في ذلك قال ابن الصباغ: وعندي أنه لو أراد أن يكترى لها ثيابا تلبسها لم يلزمها أن تستجيب إلى ذلك، ولو أراد أن يكترى لها مسكنا لزمها الاستجابة إلى ذلك.
هذا نقل أصحابنا البغداديين أن الذي يستحق عليه دفع النفقة والكسوة ولم يذكر أحد منهم أنه يجب عليه أن يملكها وأما المسعودي فقال: يجب عليه أن يملكها الحب، فلو رضيت أن يملكها الخبز فالظاهر أنه يصح، وفيه وجه آخر أنه لا يصح، لانه إبدال قبل القبض.
وأيضا فإنه بيع الحب بالخبز.
وذلك ربا.
وأما الكسوة فتجب عليه على طريق الكفاية ولا يجب عليه التمليك، فلو سرقت أو تحرقت في الحال وجب عليه الابدال، وفيه وجه أخر أنه يجب عليه التمليك تخريجا من النفقة.
(فرع)
وإن دفع إليها نفقتها وأرادت بيعها أو ابدالها بغيرها لم تمنع منها.
ومن أصحابنا من قال: إنه إذا أرادت إبدالها بما تستضر بأكلها كان للزوج منعها لان عليه ضررا في الاستمتاع بها مريضة، والمذهب الاول، لان الضرر بأكلها لغيرها لا يتحقق.
فإن تحقق الضرر بذلك منعت منه، لئلا تقتل نفسها، كما لو أرادت قتل نفسها.
قال الشافعي: وليس على الزوج أن يضحى عن امرأته لانه لا يجب عليه أن يضحى عن نفسه، فلان لا يجب عليه أن يضحى عنها أولى.
والله أعلم
[ ١٨ / ٢٦٦ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى: