يجوز عقد الاجارة على المنافع المباحة، والدليل عليه قوله تعالى (فان ارضعن لكم فآتوهن أجورهن) وروى سعيد بن المسيب عن سعد ﵁ قال: كنا نكرى الارض بما على السواقى من الزرع، فنهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذلك وامرنا ان نكريها بذهب أو ورق.
وروى أبو أمامة التيمى قال: سألت ابن عمر فقلت: إنا قوم نكرى في هذا الوجه، وإن قوما يزعمون أن لا حج لنا، فقال ابن عمر: ألستم تلبون وتطوفون بين الصفا والمروة، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فسأل عما تسألونني عنه فلم يرد عليه حتى نزل (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ ربكم) فتلاها عليه.
وروى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره، ولان الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الاعيان، فلما جاز عقد البيع على الاعيان وجب أن يجوز على المنافع
(فصل)
ولا تجوز على المنافع المحرمة لانه يحرم فلا يجوز أخذ العوض عليه كالميتة والدم.
(فصل)
واختلف أصحابنا في استئجار الكلب المعلم، فمنهم من قال يجوز لان فيه منفعة مباحة فجاز استئجاره كالفهد، ومنهم من قال: لا يجوز، وهو الصحيح، لان اقتناءه لا يجوز إلا للحاجة.
وهو الصيد وحفظ الماشية وما لا يقوم غير الكلب فيه مقامه إلا بمؤن، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ وما ابيح للحاجة لم يجز أخذ العوض عليه كالميتة، ولانه لا يضمن منفعته بالغصب فدل على أنه لا قيمة لها.
(فصل)
واختلفوا في استئجار الفحل للضراب، فمنهم من قال يجوز لانه
[ ١٥ / ٣ ]
يجوز أن يستباح بالاعارة فجاز أن يستباح بالاجارة كسائر المنافع، ومنهم من قال لا يجوز، وهو الصحيح، لما روى ابْنِ عُمَرُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهى عن ثمن عسب الفحل، ولان المقصود منه هو الماء الذى يخلف منه وهو محرم لا قيمة له فلم يجز أخذ العوض عليه كالميتة والدم
(فصل)
واختلفوا في استئجار الدراهم والدنانير ليجمل بها الدكان واستئجار الاشجار لتجفيف الثياب والاستظلال، فمنهم من قال يجوز، لانه منفعة مباحة فجاز الاستئجار لها كسائر المنافع.
ومنهم من قال لا يجوز، وهو الصحيح، لان الدراهم والدنانير لا تراد للجمال ولا الاشجار لتجفيف الثياب والاستظلال، فكان بذل العوض فيه من السفه وأخذ العوض عنه من أكل المال بالباطل، ولانه لا يضمن منفعتها بالغصب فلم يضمن بالعقد (الشرح) حديث سعد بن أبى وقاص رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وقد
سكت عنه أبو داود والمنذري.
قال ابن حجر في فتح الباري: رجاله ثقات إلا أن محمد بن عكرمة المخزومى لم يرو عنه الا ابراهيم بن سعد.
وأما حديث أبى أمامة التيمى فاخرجه احمد وغيره، وقد مضى تخريجه وبيان ما يشتمل عليه من احكام في كتاب الحج.
واما حديث (مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ ماشية) فقد أخرجه أحمد في مسنده والبخاري ومسلم والترمذي عن ابن عمر.
وأما حديث النهى عن ثمن عسب الفحل فقد رواه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود، ورواه الدارقطني عن أبى سعيد الخدرى بلفظ (نهى عن عسب الفحل وعن قفيز الطحان) وقال في مجمع الزوائد: رجال أحمد رجال الصحيح، الا أن ابراهيم النخعي لم يسمع من أبى سعيد فيما أحسب.
وأخرجه أيضا البيهقى وعبد الرزاق واسحاق في مسنده وأبو داود في المراسيل والنسائي في الزراعة غير مرفوع والاصل في جواز الاجارة الكتاب والسنة والاجماع، فأما الكتاب فقوله تعالى (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) (قالت إحداهما: يا أبت استأجره
[ ١٥ / ٤ ]
إن خير من استأجرت القوى الامين، قال إنى أريد أن أنكحك إحدى إبنتى هاتين على أن تأجرني ثمانى حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك) وروى ابن ماجه عن عتبة بن المنذر قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فقرأ (طس) حتى إذا بلغ قصة موسى قال (إن موسى ﵇ أجر نفسه ثمانى حجج أو عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه) وقال تعالى (فوجد فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه، قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا) وأما السنة فقد ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأبا بكر استأجرا
عبد الله بن الاريقط الديلى وكان خريتا - وهو الخبير بمسالك الصحراء والوهاد العالم بجغرافية بلاد العرب على الطبيعة - ليكون هاديا ومرشدا لهما في هجرتهما من مكة إلى المدينة.
وفى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بى ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره) والاحاديث في هذا كثيرة أما الاجماع فقد انعقد بين أهل العلم في كل عصر وكل مصر على جواز الاجارة إلا ما روى عن عبد الرحمن الاصم الذى قيل فيه: إنه عن الحق أصم من أنه لا يجوز ذلك لانه غرر، لانه يعقد على منافع لم تخلق، ولو تحقق ما يتصوره الاصم صوابا لتعطلت الصنائع والمساكن والمتاجر والموصلات بكل أنواعها لانها كلها - وهى تستغرق مظاهر الحياة قديما وحديثا - قائمة على المؤاجرات والمعاوضات على المنافع كالمعاوضات على الاعيان سواء بسواء.
بل إن المعاوضات على المنافع أوسع مدى وأكثر عددا وأشمل مرفقا، ولان المنافع المتاحة أوسع آفاقا من الاعيان والعروض.
فإذا ثبت هذا فإن الاجارة كالبيع تنعقد بأربعة: بمؤجر ومستأجر ومؤاجر وأجرة.
فالاول فهو باذل المنفعة كالبائع، والثانى طالب المنفعة كالمشترى، وكل من صح شراؤه صح استئجاره.
والثالث فهو كل عين صح الانتفاع بها مع بقائها صحت إجارتها كالدور والعقار إذا لم يكن المقصود من منافعها أعيانا كالنخل
[ ١٥ / ٥ ]
والشجر، وما تم الانتفاع به مع عينه لم تصح اجارته كالدراهم والمأكول، لان منفعة الدراهم بإزالتها عن الملك، ومنفعة المأكول بالاستهلاك كاستئجار الدراهم والدنانير للجمال والزينة والطعام ليعتبر مكيلا ففيه لاصحابنا وجهان:
(أحدهما)
يصح لوجود المعنى وحصول الانتفاع مع بقاء العين (والوجه الثاني) لا يصح لان هذا نادر من منافع ذلك، والاغلب سواه، فصار حكم الاغلب هو المغلب، ولان المنافع المضمونة بالاجارة هي المضمونة بالغصب، ومنافع الدراهم والطعام لا تضمن بالغصب كنشر الثياب فوق الشجر فلم يصح أن تضمن بالاجارة.
وهكذا كل ما كانت منافعها أعيانا من النخل والشجر، لان منافعها ثمار هي أعيان يمكن العقد عليها بعد حدوثها، فلم يصح العقد عليها قبله.
فإن استأجر ذلك لمنفعة تستوفى مع بقاء العين كالاستظلال بالشجر أو ربط ماشية إليها فذلك ضربان:
(أحدهما)
أن يكون هذا غالبا فيها ومقصودا من منافعها فتصح الاجارة عليها
(والثانى)
أن يكون نادرا غير مقصود في العرف، فيكون على ما مضى من الوجهين.
ثم العقد وان توجه إلى العين فهو أنه ربما تناول المنفعة لان الاجرة في مقابلتها وانما توجه إلى العين لتعتبر المنفعة بها.
وقال أبو إسحاق المروزى: العقد انما تناول العين دون المنفعة ليستوفى من العين مقصوده من المنفعة، لان المنافع غير موجودة حين العقد فلم يجز أن يتوجه العقد إليها.
وهذا خطأ، ألا ترى أنه قد يصح العقد على منفعة مضمونة في الذمة غير مضافة إلى عين؟ كرجل استأجر من رجل عملا مضمونا في ذمته، وإذا كان كذلك فلا بد أن تكون المنفعة معلومة كما لابد أن يكون المبيع معلوما، فإن كانت مجهولة لم تصح الاجارة، كما لو كان المبيع مجهولا، والعلم بها قد يكون من وجهين:
(أحدهما)
تقدير العمل مع الجهل بالمدة
(والثانى)
تقدير المدة مع الجهل بقدر العمل، وسيأتى تفصيلهما وبالله والتوفيق.
[ ١٥ / ٦ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
واختلفوا في الكافر إذا استأجر مسلما إجارة معينة، فمنهم من قال فيه قولان لانه عقد يتضمن حبس المسلم فصار كبيع العبد المسلم منه.
ومنهم من قال يصح قولا واحدا لان عليا كرم الله وجهه كان يستقى الماء لامرأة يهودية كل دلو بتمرة
(فصل)
ولا يصح إلا من جائز التصرف في المال لانه عقد يقصد به المال فلم يصح الا من جائز التصرف في المال كالبيع
(فصل)
وينعقد بلفظ الاجارة لانه لفظ موضوع له، وهل ينعقد بلفظ البيع، فيه وجهان
(أحدهما)
ينعقد لانه صنف من البيع لانه تمليك يتقسط العوض فيه على المعوض كالبيع فانعقد بلفظه
(والثانى)
لا ينعقد لانه يخالف البيع في الاسم والحكم فلم ينعقد بلفظه كالنكاح.
(فصل)
ويجوز على منفعة عين حاضرة، مثل أن يستأجر ظهرا بعينه للركوب ويجوز على منفعة عين في الذمة مثل أن يستأجر ظهرا في الذمة للركوب، ويجوز على عمل معين مثل أن يكترى رجلا ليخيط له ثوبا أو يبنى له حائطا، ويجوز على عمل في الذمة، مثل أن يكترى رجلا ليحصل له خياطة ثوب أو بناء حائط لانا بينا أن الاجارة بيع والبيع يصح في عين حاضرة وموصوفة في الذمة، فكذلك الاجارة.
وفى استئجار عين لم يرها قولان
(أحدهما)
لا يصح
(والثانى)
يصح ويثبت الخيار إذا رآها كما قلنا في البيع
(فصل)
وتجوز على عين مفردة وعلى جزء مشاع لانا بينا أنه بيع، والبيع يصح في المفرد والمشاع فكذلك الاجارة.
(فصل)
ولا تجوز إلا على عين يمكن استيفاء المنفعة منها، فان استأجر أرضا للزراعة لم تصح حتى يكون لها ماء يؤمن انقطاعه، كماء العين والمد بالبصرة
والثلج والمطر في الجبل لان المنفعة في الاجارة كالعين في البيع فإذا لم يجز بيع عين لا يقدر عليها لم تجز إجارة منفعه لا يقدر عليها فإن اكترى أرضا على نهر إذا زاد سقى وإذا لم يزد لم يسق، كأرض مصر والفرات وما انحدر من دجلة نظرت فان اكتراها بعد الزيادة صح العقد لانه يمكن استيفاء المعقود عليه، فهو كبيع الطير
[ ١٥ / ٧ ]
في القفص، وإن كان قبل الزيادة لم يصح لانه لم يعلم هل يقدر على المعقود عليه أو لا يقدر فلم يصح كبيع الطير في الهواء، وان اكترى أرضا لا ماء لها ولم يذكر أنه يكتريها للزراعة ففيه وجهان، أحدهما: لا يصح لان الارض لا تكترى في العادة الا للزراعة، فصار كما لو شرط أنه يكتريها للزراعة، والثانى: ان كانت الارض عالية لا يطمع في سقيها صح العقد لانه يعلم أنه لم يكترها للزراعة.
وان كانت مستفلة يطمع في سقيها بسوق الماء إليها من موضع لم يصح لانه اكتراها للزراعة مع تعذر الزراعة، فإن اكترى أرضا غرقت بالماء لزراعة ما لا يثبت في الماء كالحنطة والشعير نظرت فان كان للماء مغيض إذا فتح انحسر الماء عن الارض وقدر على الزراعة صح العقد، لانه يمكن زراعتها بفتح المغيض، كما يمكن سكنى الدار بفتح الباب، وان لم يكن له مغيض ولا يعلم أن الماء ينحسر عنها لم يصح العقد لانه لا يعلم هل يقدر على المعقود عليه أم لا يقدر فلم يصح العقد كبيع ما في يد الغاصب، فان كان يعلم أن الماء ينحسر وتنشفه الريح ففيه وجهان: أحدهما لا يصح لانه لا يمكن استيفاء المنفعة في الحال.
والثانى يصح وهو قول أبى إسحاق وهو الصحيح لانه يعلم بالعادة امكان الانتفاع به، فان اكترى أرضا على ماء إذا زاد غرقت فاكتراها قبل الزيادة صح العقد لان الغرق متوهم فلا يمنع صحة العقد (الشرح) خبر على ﵁ رواه أحمد وجود الحافظ بن حجر اسناده ولفظه (جعت مرة جوعا شديدا فخرجت لطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا
بامرأة قد جمعت مدرا فظننتها تريد بله، فقاطعتها كل ذنوب على تمرة، فمددت ستة عشر ذنوبا حتى مجلت يداى، ثم أتيتها فعدت لى ست عشرة تمرة، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فأكل معى منها) وقد أخرجه ابن ماجه والبيهقي عن ابن عباس أن عليا أجر نفسه من يهودى يسقى له كل دلو بتمرة) وعندهما أن كل عدد التمر سبع عشرة تمرة.
وفى اسناده حنش راويه عن عكرمة وهو ضعيف، وقوله (ذنوبا) الدلو مطلقا أو التى فيها ماء أو الممتلئة أو غير الممتلئة وكلها في القاموس، وقوله (مجلت) بكسر الجيم أي غلظت وتنفطت وقد أمجلها العمل أو المجل أن يكون بين الجلد واللحم ماء، أو المجلة جلدة رقيقة يجتمع فيها ماء من أثر العمل.
[ ١٥ / ٨ ]
وهذا الخبر يدل دلالة يعجز القلم عن استقصاء ما توحى به، من بيان ما كانت الصحابة عليه من الحاجة وشدة الفاقة والصبر على الجوع وبذل الوسع وإتعاب النفس في تحصيل القوام من العيش للتعفف عن السؤال وتحمل المتن، وأن تأجير النفس لا يعد دناءة، وإن كان المستأجر غير شريف أو كافرا والاجير من أشراف الناس وعظمائهم، وقد أورده صاحب المنتقى ليستدل به على جواز الاجارة معاددة يعنى أن يفعل الاجير عددا معلوما من العمل بعدد معلوم من الاجرة.
(فرع)
الاجارة عوض في مقابلة المنفعة كالثمن في مقابلة المبيع وحكمه كحكمه في جوازه معينا وفى الذمة، قال الشافعي: فالاجارات صنف من البيوع لانها تمليك من كل واحد منهما لصاحبه اه.
ومن هذا اخذ الفقهاء انه عقد لازم لا يجوز فسخه إلا بعيب كالبيع، فإن كان العيب موجودا في الشئ المؤاجر كالدار إذا خربت والدابة إذا مرضت فللمستأجر أن يفسخ دون المؤجر كما لو وجد بالمبيع عيب كان للمشترى أن يفسخ
دون البائع، وإن كان العيب موجودا في الاجرة فان كانت في الذمة أبدل المعيب بغيره ولا خيار، وان كانت معيبة فللمؤجر ان يفسخ دون المستاجر كما يفسخ البائع بوجود العيب في الثمن المعين دون المشترى: ولا يجوز فسخ الاجارة بعذر يطرأ إذا لم يطرأ في المعقود عليه عيب، ومن هنا كان لاصحابنا وجهان في انعقاده بلفظ البيع، ونظرا لان عقد الاجارة كعقد النكاح يؤخذ جانب البيع فيه بمفهوم المعاوضه وليس بمنطوق التعاقد لذلك قالوا: إنه يخالف البيع في الاسم والحكم فلم ينعقد بلفظه كالنكاح، والوجه الثاني: ينعقد بلفظ البيع لانه تمليك يتقسط العوض فيه على الباذل كالبيع سواء بسواء.
إذا ثبت هذا: فهل المعقود عليه العين لانها الموجودة فيقال: أجرتك دارى أم أن العقد يتعلق بالمنفعه دون الاعيان، فيقال: أجرتك دارى أو منفعة دارى بكذا، أو بعتك منفعتها، وهذا الاخير هو قول مالك وأبى حنيفة وأحمد وأكثر أصحاب الشافعي، ويصح العقد على منفعة مضمونه في الذمه غير مضافه إلى عين كرجل استأجر من رجل عملا مضمونا في ذمته، وإذا كان كذلك فلابد أن تكون
[ ١٥ / ٩ ]
المنفعة معلومة كما لا بد ان يكون المبيع معلوما، فإن كانت مجهوله لم تصح الاجارة كما لو كان المبيع مجهولا، ومن ثم كانت الاجارة على نوعين، نوع يكون عقده على مدة معلومه: ونوع يكون على عمل معلوم فالاول كالدار والارض فلا تجوز إجارتها إلا على مدة ومتى تقدرت المدة لم يجز تقدير العمل، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد، لان الجمع بينهما يزيدها غررا، لانه قد يفرغ من العمل قبل انقضاء المدة، فإن استعمل في بقية المدة فقد زاد على ما تعاقدا عليه وإن لم يعمل كان تاركا للعمل في بعض المدة، وقد لا يفرغ من العمل في المدة، فإن أتمه عمل في غير المدة، وهذا غرر أمكن التحرز منه، ولم يوجد مثله في محل الوفاق
فلم يجز العقد معه، (فرع)
قال الشافعي: إذا تكارى الرجل الارض ذات الماء من العين أو النهر نيل أو غير نيل أو الغيل أو الآبار على أن يزرعها غلة الشتاء والصيف فزرعها إحدى الغلتين والماء قائم ثم نضب فذهب قبل الغلة الثانية فأراد رد الارض بذهاب الماء فذلك له ويكون عليه من الكراء بحصة ما زرع إن كانت حصة الزرع الذى زرع الثلث أو النصف أو الثلثين أو أقل أو أكثر أدى ذلك وسقطت عنه حصه الزرع الثاني اه.
قال النووي في المنهاج: ولا يصح استئجار آبق ومغصوب وأعمى للحفظ وأرض للزراعة لا ماء لها دائم، ولا يكفيها المطر المعتاد، ويجوز إن كان لها ماء دائم، وكذا إن كفاها ماء المطر الدائم أو الثلوج المجتمعة، والغالب حصولها في الاصح اه.
قال الشربينى الخطيب في المغنى: ومجرد الامكان لا يكفى كإمكان عود الآبق والمغصوب، نعم لو قال المكرى أنا أحفر لك بئرا وأسقى أرضك منها أو أسوق الماء إليها من موضع آخر صحت الاجارة كما قال الرويانى.
أما لو استأجرها للسكنى فإنه يصح، وإن كانت بمحل لا يصلح لها كالمفازة، إلى أن قال: ويجوز استئجار أراضي مصر للزراعة بعد ريها بالزيادة، وكذا قبله على الاصح إن كانت ترزى من الزيادة الغالبة كخمسة عشر ذراعا فما دونها كما نقله في الكفايه عن أبى الطيب وابن الصباغ واقتضاه كلام الشيخين.
وقال السبكى: وما يروى من خمسة عشر كالموثوق به عادة.
وما يروى من
[ ١٥ / ١٠ ]
ستة عشر وسبعة عشر غالب الحصول، وإن كان الاحتمال متطرقا إلى الستة عشر وإلى السبعة عشر كثيرا اه وتصح الارض للزراعة قبل انحسار الماء عنها، وإن سترها عن الرؤية، لان
الماء من مصلحتها كاستتار اللوز والجوز بالقشرة، فإن قيل: ينبغى عدم الصحة لان الانتفاع عقب العقد شرط، والماء يمنعه أجيب بأن الماء من مصالح الزرع، وبأن صرفه ممكن في الحال بفتح موضع ينصب إليه فيتمكن من الزرع حالا كاستئجار دار مشحونة بالامتعة التى يمكن نقلها في زمن لا أجرة له هذا إن وثق بانحساره وقت الزراعة وإلا فلا يصح، وإن كانت الارض على شط نهر، والظاهر أنه يجرفها بفيضانه أو تنهار من أمواجه لم يصح استئجارها لعدم القدرة على تسليمها، وإن احتمله ولم يظهر جاز لان الاصل والغالب السلامة.
وإن استأجر أرضا للزراعة وأطلق دخل فيها شربها ان اعتيد دخوله بعرف مطرد والشرب بكسر الشين النصيب من الماء، بخلاف مالو باعها لا يدخل، لان المنفعة هنا لا تحصل بدونه أو شرط في العقد، فإن اضطرب العرف فيه أو استثنى الشرب ولم يوجد شرب غيره لزوال المانع بالاغتناء عن شربها، والامتناع الشرعي لتسليم المنفعة كالحسى في حكمه.
وقد أورد المصنف وجهين في الارض التى يغطيها الماء وعلم انحسار أو احتمال تبخرها وجفافها، أحدهما: عدم صحة العقد لعدم امكان استيفاء المنفعة حالا، والثانى: وهو قول أبى اسحاق المروزى وهو الصحيح والذى عليه الفتوى من أئمه المذهب أنه يصح، لانه يعلم بالعادة المطردة إمكان الانتفاع وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(فصل)
وان استأجر رجلا ليعلمه بنفسه سورة وهو لا يحسنها ففيه وجهان
(أحدهما)
يصح كما يصح أن يشترى سلعه بدراهم، وهو لا يملكها ثم يحصلها ويسلم
(والثانى)
لا يصح لانه عقد على منفعة معينة لا يقدر عليها فلم يصح كما لو أجر عبد غيره.
(فصل)
ولا تصح الاجارة الا على منفعة معلومة القدر لانا بينا أن الاجارة
[ ١٥ / ١١ ]
بيع والبيع لا يصح إلا في معلوم القدر فكذلك الاجارة ويعلم مقدار المنفعة بتقدير العمل أو بتقدير المدة، فإن كانت المنفعة معلومة القدر في نفسها كخياطة ثوب وبيع عبد والركوب إلى مكان قدرت بالعمل لانها معلومة في نفسها فلا تقدر بغيرها، وإن قدر بالعمل والمدة بأن استأجره يوما ليخيط له قميصا فالاجارة باطله لانه يؤدى إلى التعارض وذلك انه قد يفرغ من الخياطة في بعض اليوم فان طولب في بقية اليوم بالعمل اخل بشرط العمل وان لم يطالب اخل بشرط المدة، فان كانت المنفعة مجهولة المقدار في نفسها كالسكنى والرضاع وسقى الارض والتطيين والتجصيص قدر بالمدة لان السكنى وما يشبع به الصبى من اللبن وما تروى به الارض من السقى يختلف ولا ينضبط، ومقدار التطيين والتجصيص لا ينضبط لاختلافهما في الرقة والثخونة فقدر بالمدة، واختلف اصحابنا في استئجار الظهر للحرث، فمنهم من قال يجوز ان يقدر بالعمل بان يستأجره ليحرث أرضا بعينها، ويجور ان يقدر بالمدة بأن يستأجره ليحرث له شهرا، ومنهم من قال لا يجوز تقديره بالمدة والاول أظهر لانه يمكن تقديره بكل واحد منهما فجاز التقدير بكل واحد منهما
(فصل)
وما عقد على مدة لا يجوز الا على مدة معلومة الابتداء والانتهاء.
فان قال أجرتك هذه الدار كل شهر بدينار فالاجارة باطلة، وقال في الاملاء تصح في الشهر الاول وتبطل فيما زاد، لان الشهر الاول معلوم وما زاد مجهول فصح في المعلوم وبطل في المجهول، كما لو قال اجرتك هذا الشهر بدينار وما زاد بحسابه، والصحيح هو الاول لانه عقد على الشهر وما زاد من الشهور.
وذلك مجهول فبطل، ويخالف هذا إذا قال أجرتك هذا الشهر بدينار وما زاد بحسابه لان هناك أفرد الشهر الاول بالعقد وههنا لم يفرد الشهر عما بعده بالعقد، فبطل
بالجميع، فإن أجره سنة مطلقة حمل على سنة بالاهلة، لان السنة المعهودة في الشرع سنة الاهلة.
والدليل عليه قوله عزوجل: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج.
فوجب ان يحمل العقد عليه، فإن كان العقد في أول الهلال عد اثنا عشر شهرا بالاهلة، تاما كان الشهر أو ناقصا، وان كان في اثناء الشهر عد ما بقى من الشهر وعد بعده احد عشر شهرا بالاهلة ثم كمل عدد الشهر
[ ١٥ / ١٢ ]
الاول بالعدد ثلاثين يوما لانه تعذر اتمامه بالشهر الهلالي فتمم بالعدد، فان أجره سنة شمسيه ففيه وجهان:
(أحدهما)
لا يصح لانه على حساب انسئ فيه أيام والنسئ حرام، والدليل عليه قوله تعالى، (انما النسئ زيادة في الكفر)
(والثانى)
انه يصح لانه وان كان النسئ حراما، الا أن المدة معلومة فجاز العقد عليها كالنيروز والمهرجان، وفى أكثر المدة التى يجوز عقد الاجارة عليه طريقان ذكرناهما في المساقاة
(فصل)
ولا تصح الاجارة الا على منفعة معلومة، لان الاجارة بيع والمنفعة فيها كالعين في البيع، والبيع لا يصح الا في معلوم فكذلك الاجارة، فان كان المكترى دارا لم يصح العقد عليها حتى تعرف الدار لان المنفعة تختلف باختلافها فوجب العلم بها ولا يعرف ذلك الا بالتعيين لانها لا تضبط بالصفة فافتقر إلى التعيين كالعقار والجواهر في البيع، وهل يفتقر إلى الرؤية؟ فيه قولان بناء على القولين في البيع، ولا يفتقر إلى ذكر السكنى ولا إلى ذكر صفاتها لان الدار لا تكترى الا للسكنى وذلك معلوم بالعرف فاستغنى عن ذكرها كالبيع بثمن مطلق في موضع فيه نقد معروف، وان اكترى ارضا لم يصح حتى تعرف الارض لما ذكرناه في الدار، ولا يصح حتى يذكر ما يكترى له من الزراعة
والغراس والبناء، لان الارض تكترى لهذه المنافع وتاثيرها في الارض يختلف فوجب بيانها.
وان قال: أجرتك هذه الارض لتزرعها ما شئت جاز، لانه جعل له زراعة أضر الاشياء، فأى صنف زرع لم يستوف به أكثر من حقه، وان قال اجرتك لتزرع واطلق ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يصح لان الزروع مختلفة في التأثير في الارض فوجب بيانها
(والثانى)
يصح لان التفاوت بين الزرعين يقل وان قال أجرتك لتزرعها أو تغرسها لم يصح لانه جعل له أحدهما ولم يعين فلم يصح، كما لو قال بعتك أحد هذين العبدين، وان قال أجرتك لتزرعها وتغرسها ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يصح وهو قول المزني وأبى العباس وأبى اسحاق لانه
[ ١٥ / ١٣ ]
لم يبين المقدار من كل واحد منهما
(والثانى)
يصح وله ان يزرع النصف ويغرس النصف، وهو ظاهر النص، وهو قول أبى الطيب بن سلمة، لان الجمع يقتضى التسوية فوجب ان يكون نصفين (الشرح) هذا الحكم في تعليم القران ينبنى على ان تعليم القرآن هل يجوز بأجر أو لا؟ فقد روى ابن ماجه والبيهقي والرويانى في مسنده عن أبى بن كعب قال: علمت رجلا القرآن فاهدى لى قوسا، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ (إن أخذتها أخذت قوسا من نار) فرددتها.
قال البيهقى وابن عبد البر: هو منقطع، يعنى عطية الكلاعى وأبى بن كعب وكذلك قال المزى، وتعقبهم الحافظ بن حجر بأن عطية ولد فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وأعله ابن القطان بالجهل بحال عبد الرحمن بن سلم الراوى عن عطية،
*
*
*
وورد عن عبادة بن الصامت عند أبى داود وابن ماجه بلفظ (علمت ناسا من أهل الصفة الكتاب والقرآن، فاهدى إلى رجل منهم قوسا فقلت: ليست بمال وأرمى عليها في سبيل الله عزوجل، لآتين رسول الله ﷺ فلاسألنه فاتيته فقلت: يا رسول الله، إنه رجل اهدى إلى قوسا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليست بمال وأرمى عليها في سبيل الله، فقال: إن كنت تحب ان تطوق طوقا من نار فاقبلها) وفى اسناده المغيرة بن زياد أبو هاشم الموصلي، وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وتكلم فيه جماعة.
وقال احمد: ضعيف الحديث، حدث بأحاديث مناكير وكل حديث رفعه فهو منكر.
وقال أبو زرعة الرازي: لا يحتج بحديثه، ولكنه قد روى عن عبادة من طريق اخرى عند أبى داود بلفظ (فقلت: ما ترى فيها يا رسول الله؟ فقال جمرة
[ ١٥ / ١٤ ]
بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها) وفى هذه الطريق بقية بن الوليد، وقد تكلم فيه جماعة ووثقة الجمهور إذا روى عن الثقات، وقد أورد ابن حجر حديث عبادة هكذا في كتاب النفقات من تخليص الحبير وتكلم عليه، وفى هذا المعنى ورد عن معاذ عند الحاكم والبزار بنحو حديث أبى، وعن أبى الدرداء عند الدارمي بإسناد على شرط مسلم بنحوه أيضا.
وقد استدل بهذه الاحاديث القائلون بعدم جواز الاجرة على تعليم القرآن كاحمد بن حنبل واصحابه وأبى حنيفة، وبهذا قال عطاء والضحاك بن قيس والزهرى واسحاق بن راهوية وعبد الله بن شقيق، وذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والمالكية إلى أنها تحل الاجرة على تعليم القرآن، وأجابوا عن هذه الاحاديث بأجوبة منها ان حديثى عبادة وأبى قضيتان في عين فيحتمل أَنَّ النَّبِيَّ
ﷺ عَلِمَ أنهما فعلا ذلك خالصا لله فكره أخذ العوض عنه، وأما من علم القرآن على أنه لله وأن يأخذ من المتعلم ما دفعه إليه بغير سؤال ولا استشراف نفس فلا بأس به.
وقد استدلوا على الجواز بحديث سهل بن سعد عند الشيخين (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَتْهُ امرأة فقالت: يا رسول الله إنى قد وهبت نفسي لك فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها ان لم يكن لك بها حاجة فقال ﷺ: هل عندك من شئ تصدقها إياه؟ فقال: ما عندي الا إزارى هذه، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّ أعطيتها إزارك، جلست لا إزار لك فالتمس شيئا فقال، ما اجد شئا فقال: التمس ولو خاتما من حديد فالتمس فلم يجد شيئا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: هل معك من القران شئ؟ فقال: نعم سورة كذا وسورة كذا يسميها، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ زوجتكها بما معك من القرآن) وفى رواية (قد ملكتكها بما معك من القرآن) ولمسلم (زوجتكها تعلمها القرآن) وفى رواية لابي داود (علمها عشرين آية وهي امرأتك) ولاحمد (قد أنكحتكها على ما معك من القرآن)
[ ١٥ / ١٥ ]
ومن أدلة الجواز حديث عمر المتقدم في كتاب الزكاة (إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ له: ما اتاك من هذا المال من غير مسألة ولا اشراف نفس فخذه، ومن ادلة الجواز حديث الرقية المشهور الذى اخرجه البخاري عن ابن عباس وفيه (ان أحق ما اخذتم عليه اجرا كتاب الله) .
فإذا ثبت هذا: فان كان الاجر على تعليم السورة لا يحفظها ففى صحة ذلك وجهان (احدهما) يصح كما يصح شراء مالا يملكه ثمنه على ان يحصلها ثم يدفعها
(والثانى)
لا يصح لان المنفعة غير مقدور عليها فلم يصح.
قال العلامة الشربينى في المغنى على المنهاج: اما إذا استاجره مدة لجميعه فانه لا يصح على الاصح فان فيه جمعا بين الزمان والعمل وحينئذ كان ينبغى ان يقول المصنف - يعنى النووي - تعليم قرآن بالتنكير، فان الشافعي ﵁ في باب التدبير نص على ان القران بالالف واللام لا يطلق الا على جميعه، فإذا قدر التعليم بمدة كشهر هل يدخل الجميع اولا؟ أفتى الغزالي بان ايام السبوت مستثناة في استئجار اليهودي شهرا لاطراد العرف به.
وقال البلقينى: ويقاس عليه الاحد للنصارى، والجمع في حق المسلمين، ثم قال ويشترط على المنعاقدين بما يقع العقد على تعليمه، فان لم يعلماه وكلا من يعلم ذلك ولا يكفى ان يفتح المصحف ويقول: تعلمني من هنا إلى هنا، لان ذلك لا يفيد معرفة المشار إليه بسهولة أو صعوبة، فإذا اطلق العقد في تعلم القرآن ولم يشترط قراءة بعينها فقد قال الماوردى والرويانى تفريعا على ذلك: يعلمه الاغلب من قراءة البلد كما لو اصدقها دراهم فانه يتعين دراهم البلد، أي فان لم يكن فيها أغلب علمه ما شاء من ذلك وهذا أوجه، فان عين له قراءة تعينت.
فان أقرأه غيرها ولم يستحق اجرة في احد وجهين يظهر ترجيحه، ولا يشترط رؤية المتعلم، ويشترط في المتعلم أن يكون مسلما أو يرجى إسلامه، فان لم يرج لم يعلم كما يباع المصحف من الكافر.
(فرع)
قال الشافعي وكذلك يملك المستأجر المنفعة التى في العبد والدار والدابة إلى المدة التى اشترط حتى يكون أحق بها من مالكها، ويملك بها صاحبها
[ ١٥ / ١٦ ]
العوض فهى منفعة معقولة من عين معروفة فهى كالعين المبيعة، ولو كان حكمها خلاف حكم العين لكان في حكم الدين ولم يجز أن يكترى بدين لانه حينئذ يكون
دينا بدين، وقد نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الدين بالدين، فإذا وقع ما أكرى وجب له جميع الكراء كما إذا دفع ما باع وجب له جميع الثمن إلا أن يشترط أجلا اه.
وجملة القول في عقد الاجارة أن يتضمن تمليك منافع في مقابلة أجرة، فأما المنافع فلا خلاف أنها تملك بالعقد ويستقر الملك بالقبض، وأما الاجارة فلها ثلاثة أحوال.
(أحدها) أن يشترطا حلولها وتكون حالة اتفاقا.
(والثانى)
أن يشترطا تأجيلها أو تنجيمها فتكون مؤجلة أو منجمه اجماعا (والثالث) ان يطلقاها فلا يشترطا فيها حلولا ولا تأجيلا، فقد اختلف الفقهاء فيها على ثلاثة مذاهب: فمذهب الشافعي منها أن الاجرة تكون حالة تملك بالعقد وتستحق بالتمكين، وقال أبو حنيفة: لا يتعجل الاجرة بل تكون في مقابلة المنفعة، فكلما مضى من المنفعة جزء ملك ما في مقابلته من الاجرة، وقال مالك: لا يستحق الاجرة الا بمضي جميع المدة استدلالا بقوله تعالى، فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن، فاقتضى أن تكون باستكمال الرضاع يستحق الاجرة، وبما رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال (أعطوا الاجير أجره قبل أن يجف عرقه) فكان ذلك منه حثا على تعجيلها في أول زمان استحقاقها، وذلك بعد العمل الذى يعرف به، ولان أصول العقود موضوعة على تساوى المتعاقدين فيما يملكانه بالعقد ويكون ملك العوض تاليا لملك المعوض كالبيع إذا ملك على البائع المبيع ملك به الثمن، وإذا سلم المبيع استحق قبض المنافع مؤجلا وجب أن يكون قبض الاجرة مؤجلا، وتحريره قياسا أنه عقد معاوضه فوجب أن يكون استحقاق العوض بعد اقباض المعوض كالبيع، ولان ما استحق من الاعواض على المنافع يلزم أداؤه بعد تسليم المنافع كالجعالة والقراض، ولان
من ملك للاجرة يمنع من استحقاقها عليه بالعقد، وقد ثبت أن الدار المؤجرة من الاجرة فدل على أنه لم يكن مالكا للاجرة.
[ ١٥ / ١٧ ]
ودليلنا هو أن ما لزم من عقود المنافع استحق العوض فيه حالا كالنكاح، ولان كل عوض تعجل بالشرط فإطلاقه يوجب حلوله كالثمن، ولان الاصول موضوعة على أن تسليم المعوض يوجب تسليم العوض ليستوي حكم المتعاقدين فيما يملكانه من عوض ومعوض كما هو مقرر في الاصول فلا يكون حظ أحدهما فيه أقوى من حظ الآخر كالبيع إذا سلم المبيع فيه وجب تسليم الثمن، وكالنكاح إذا حصل التمكين وجب تسليم الصداق، كذلك الاجارة إذا حصل تسليم المنفعة وجب تسليم الاجرة، والمنافع ههنا مقبوضة بالتمكين حكما، وإن لم يكن القبض مستقرا.
(فرع)
قال الشافعي: وله أن يؤاجر عبده وداره ثلاثين سنة، أما عقد الاجارة على سنة واحدة فيجوز لان الغرر يسير فيها والضرورة داعية إليها فأما ما زاد على السنة الواحدة فقد حكى مالك أنه جوزها إلى خمس سنين أو ست سنين لا غير، وللشافعي فيما زاد على السنة الواحدة قولان.
(أحدهما)
لا تجوز الاجارة أكثر من سنة، لان الاجارة غرر لانها عقد قد تسلم وقد لا تسلم، فإذا قل الزمان قل غررها فجاز، وإذا طال الزمان كثر غررها فبطل كالخيار، ولان السنه هي المدة التى تكمل فيها منافع الزراعة في الارضين، ولا تتغير فيها غالبا الحيوانات والدور فلذلك تقدرت مدة الاجارة بها وبطلت فيما جاوزها.
(والقول الثاني) وهو أصح القولين هنا، أن الاجارة تجوز أكثر من سنة بثلاثين سنة قدرها الشافعي على سبيل الكثرة، أما أدناها فأقل مدتها ما أمكن
فيه استيفاء المنفعة المعقود عليها وذلك قد يختلف باختلاف المؤاجر، فإن كان ذلك دارا للسكنى جازت إجارتها يوما واحدا، وان كان ذلك أرضا للزراعة فأقلها مدة زراعتها، فأما أكثر المدة فهو ما علم بقاء الشئ المؤاجر فيها، فإن كان ذلك أرضا تأيد بقاؤها، وإن كان دارا روعى فيها مدة يبقى فيها بناؤها، وإن كان حيوانا روعى فيه الاغلب من مدة حياته.
[ ١٥ / ١٨ ]
(فرع)
فأما إذا آجر داره كل شهر بدينار ولم يذكر عدد الشهور وغايتها لم تصح الاجارات فيما عدا الشهر الاول للجهالة بمبلغه، فصار كقوله: أجرتكها مدة، واختلف أصحابنا في صحتها ولزومها في الشهر الاول على وجهين.
(أحدهما)
أن الاجارة فيه صحيحه لكونه معلوما.
(والوجه الثاني) وهو الاصح أنها باطلة لكونه واحدا من عدد مجهول فلم يتميز في الحكم.
وقال أبو حنيفة: الاجارة صحيحه وللمستأجر فسخ الاجارة في كل شهر قبل دخوله، فإذا دخل قبل فسخه لزمه وجعل إطلاق الشهور مع تسمية الاجرة لكل شهر جاريا مجرى بيع الصبرة المجهولة القدر إذا سمى ثمن كل قفيز، وهذا خطأ للخطأ بما تناوله العقد من الشهور بخلاف الصبرة التى قد أشير إليها وينحصر كيلها، ولانه لا يخلو أن تصح الاجارة فلا يكون له فسخها من غير عذر أو تبطل، فلا يجوز أن يقيم عليها مع العذر، ويلزم أجرة المثل إن سكن دون المسمى.
فإذا قدر المدة بسنه حملت على السنه الهلاليه المعهودة شرعا فان شرط هلاليه كان تأكيدا، وإن قال عدديه أو سنه بالايام كان له ثلاثمائة وستون يوما، لان الشهر العددى يكون ثلاثين يوما، وإن استأجر سنه هلاليه أول الهلال عد اثنى عشر شهرا بالاهلة سواء كان الشهر تاما أو ناقصا، لان الشهر الهلالي ما بين
الهلالين ينقص مرة ويزيد أخرى، وإن كان العقد في أثناء شهر عد ما بقى من الشهر وعد بعده أحد عشر شهرا بالهلال ثم كمل الشهر الاول بالعدد ثلاثين يوما لانه تعذر اتمامه بالهلال فتممناه بالعدد وأمكن استيفاء ما عداه بالهلال فوجب ذلك لانه الاصل، وقد مضى في السلم بحث في الشهور العربية الهلاليه والشمسية الرومية ويعد ذلك أساسا لتوقيت التعامل هنا كمثله هناك.
(فرع)
قال في المنهاج: يشترط كون المنفعة معلومة ثم تارة تقدر بزمان كدار سنه، وتارة بعمل كدابه إلى مكة وكخياطه ذا الثوب فلو جمعهما فاستأجره ليخيطه بياض النهار لم يصح في الاصح، ويقدر تعليم القرآن بمدة أو تعيين سور وفى البناء يبين الموضع والطول والعرض والسمك وما يبنى به إن قدر بالعمل،
[ ١٥ / ١٩ ]
وإذا صلحت الارض لبناء وزراعة وغراس اشترط تعيين المنفعة، ويكفى تعيين الزراعة عن ذكر ما يزرع في الاصح، ولو قال: لتنتفع بما شئت صح، وكذا لو قال: إن شئت فازرع وإن شئت فاغرس في الاصح، ويشترط في إجارة دابة لركوب معرفة الراكب بمشاهدة أو وصف تام، وقيل لا يكفى الوصف، وكذا الحكم فيما يركب عليه من محمل وغيره إن كان له.
وقال السبكى: لا بد في تصوير هذه المسألة من زيادة ما شئت فيقول: إن شئت فازرع ما شئت أو اغرس ما شئت، فإن لم يزد ما ذكر عاد الخلاف في وجوب تعيين ما يزرع، اه وإذا صلحت الارض لغراس أو بناء أو زراعة أو لاثنين من هذه الثلاثة اشترط تعيين المنفعة في الصورتين لاختلاف الضرر اللاحق باختلاف منافع هذه الجهات، فإن أطلق لم يصح، أما إذا لم تصلح إلا لجهة واحدة فإنه يكفى الاطلاق فيها كأراضي الاحكار فإنه يغلب فيها البناء، وبعض البساتين فانه
يغلب فيها الغراس، ويكفى في أرض استؤجرت للزراعة تعيين الزراعة عن ذكر ما يزرع فيها، كقوله أجرتكها للزراعة أو لتزرعها، فيصح لقلة التفاوت بين أنواع الزرع، ويزرع ما شاء للاطلاق قال الرافعى: وكان يحتمل أن ينزل على أقل الدرجات.
وما قاله حكاه الخوارزمي وجها، فيكون الوجه الثاني أنه لا يكفى لان ضرر الزرع مختلف.
نعم إن أجر على غيره بولاية أو نيابة لا يكفى الاطلاق لوجوب الاحتياط.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(فصل)
وإن استأجر ظهرا للركوب لم يصح العقد حتى يعرف جنس المركوب، لان الغرض يختلف باختلافه، ويعرف ذلك بالتعيين والوصف لانه يضبط بالصفة فجاز أن يعقد عليه بالتعيين والوصف كما قلنا في البيع، فإن كان في الجنس نوعان مختلفان في السير كالمهماج والقطوف من الخيل ففيه وجهان
(أحدهما)
يفتقر إلى ذكره لان سيرهما يختلف
(والثانى)
لا يفتقر لان التفاوت
[ ١٥ / ٢٠ ]
في جنس واحد يقل ولا يصح حتى يعرف الراكب، ولا يعرف ذلك إلا بالتعيين لانه يختلف بثقله وخفته وحركته وسكونه، ولا يضبط ذلك بالوصف فوجب تعيينه، ولا يصح حتى يعرف ما يركب به من سرج وغيره، لانه يختلف ذلك على المركوب والراكب.
فإن كان عماريه أو محملا ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) أنه يجوز العقد عليه بالوصف لانه يمكن وصفه فجاز العقد عليه بالصفة كالسرج والقتب، والثانى إن كانت من المحامل البغدادية الخفاف جاز العقد عليه بالصفة لانها لا تختلف وإن كانت من الخراسانيه الثقال لم يجز إلا بالتعيين لانها تختلف وتتفاوت
(والثالث) وهو المذهب انه لا يجوز إلا بالتعيين لانها تختلف بالضيق والسعه والثقل والخفه وذلك لا يضبط بالصفة فوجب تعيينه.
واختلف أصحابنا في المعاليق كالقدر والسطيحه، فمنهم من قال لا يجوز حتى يعرف قولا واحدا لانها تختلف فوجب العلم بها.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ:
(أَحَدُهُمَا)
لَا يَجُوزُ حتى يعرف لما ذكرناه
(والثانى)
يجوز وتحمل على ما جرت به العادة لانه تابع غير مقصود فلم تؤثر الجهالة فيه كالغطاء في الاجارة والحمل في البيع، وان كان السير في طريق فيه منازل معروفه جاز العقد عليه مطلقا لانه معلوم بالعرف فجاز العقد عليه مطلقا كالثمن في موضع فيه نقد متعارف، فان لم يكن فيه منازل معروفه لم يصح حتى يبين لانه مختلف لا عرف فيه فوجب بيانه كالثمن في موضع لا نقد فيه.
(فصل)
فان استأجر ظهر الحمل متاع صح العقد من غير ذكر جنس الظهر لانه لا غرض في معرفته ولا يصح حتى يعرف جنس المتاع انه حديد أو قطن لان ذلك يختلف على البهيمه ولا يصح حتى يعرف قدره لانه يختلف، فان كان موزونا ذكر وزنه، وان كان مكيلا ذكر كيله، فإن ذكر الوزن فهو أولى لانه أخصر وأبعد من الغرر، فان عرف بالمشاهدة جاز كما يجوز بيع الصبرة بالمشاهدة وان لم يعرف كيلها، فان شرط أن يحمل عليها ما شاء بطل العقد لانه دخل في الشرط ما يقتل البهيمه، وذلك لا يجوز فبطل به العقد.
فأما الظروف التى فيها المتاع فانه ان دخلت في وزن المتاع صح العقد لان
[ ١٥ / ٢١ ]
الغرر قد زال بالوزن وإن لم تدخل في وزن المتاع نظرت فان كانت ظروفا معروفة كالغرائر الجبلية جاز العقد عليها من غير تعيين لانها لا تتفاوت، وإن كانت غير معروفة لم يجز حتى تعين لانها تختلف ولا تضبط بالصفة فوجب تعيينه.
(الشرح) المهملج.
قال في القاموس: والهملجة فارسي معرب، وشاة هملاج لا مخ فيها لهزالها، وأمر مهملج مذلل منقاد، والهملاج بالكسر من البراذين، والقطوف الدابة ضاق مشيها، قال زهير: بارزة الفقارة لم يخنها قطاف في الركاب ولا خلاء والعمارية نسبة إلى موضع باليمامة والمحمل كمجلس الهودج فكأن منها ما يصلح للركوب، ومنها ما يصلح للحمل، والمعاليق جميع معلاق، وهو ما يعلق بعروة بلا شد ولا ربط، والسطيحة إناء مسطح من الجلد.
أما الاحكام فإنه يشترط في إجارة الظهر للركوب عينا أو ذمة معرفة الراكب بمشاهدة أو وصف تام له لينتفي الغرر.
وذلك بنحو ضخامة أو نحافة، كما في الحاوى الصغير خلافا للبلقينى وغيره من اعتبار الوزن، إذ أن ثقل الوزن يخل بتوازنه أو بحشمته، وإنما اعتبروا في نحو المحمل الوصف مع الوزن لانه إذا عين لا يتغير، والراكب قد يتغير بسمن أو هزال، فلم يعتبر جمعهما فيه، وقيل لا يكفى الوصف وتتعين المشاهدة لانه ليس الخبر كالعيان، ولما يأتي من عدم الاكتفاء بوصف الرضيع، وكذا الحكم فيما معه من متاع، وفيما يركب عليه من محمل وسرج وأكاف إن فحش تفاوته ولم يكن هناك عرف مطرد أو كان ذلك تحت يد المكترى ولو بعارية فيشترط معرفته بمشاهدته أو وصفه التام، فإذا كان الراكب مجردا فلا حاجة إلى ذكر ما يركب عليه، ويركبه المؤجر على ما شاء من سرج يليق بالدابة ويناسب قوتها، فان كان هناك عرف مطرد فلا حاجة إلى ذكره أو النص عليه خلافا للاذرعي، ولا بد في نحو المحمل من وطاء وهو ما يجلس عليه.
وكذا غطاء إن شرط في العقد، فان كان ثمة عرف مطرد حمل الاطلاق عليه، ولو شرط في عقد الاجارة حمل المعاليق فسد العقد في الاصح لاختلاف الناس فيها قلة وكثرة
(والثانى)
يصح ويحمل على الوسط المعتاد،
[ ١٥ / ٢٢ ]
وإن لم يشرطه لم يستحق حملها في الاصح، هكذا أفاده النووي والرملى وغيرهما ويقاس على هذا ما ينبغى أن تكون عليه مؤاجرة السيارات للركوب لانتقال أو ارتحال، فقد تحددت في زماننا هذا حمولة السيارات الركوبية بعدد الراكبين وما يجوز حمله بالعرف المطرد من حقائب، وكذلك السيارات الحمولية تحددت حمولتها بالوزن ومقصد الشرع المحافظة على البهيمة من وجهين: حرمة الحياة وحرمة المال.
(فرع)
وأما الآلات والعربات ففيها حرمة يجب في الايجار أن يعرف المحمول وقدره وجنسه، فإذا كان في أو طبه وأجوله أو صناديق امتحنها وعرف ما فيها، فان كانت عارية فلا كلام وإن كانت مظروفة في أكياس أو معبأة وجب امتحانها ومعرفتها جنسا ووزنا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: وَلَا يَجُوزُ من ذلك شئ على شئ مغيب لا يجوز حتى يرى الراكب والراكبين، وظرف المحمل والوطاء وكيف الظل إن شرطه لان ذلك يختلف فيتباين أو تكون الحمولة بوزن معلوم أو كيل معلوم أو ظرف ترى أو تكون إذا شرطت عرفت مثل غرائر الحلبه وما أشبه هذا.
وقال أيضا (وإذا تكارى الرجل الدابه إلى موضع فجاوزه إلى غيره فعليه كراء الموضع الذى تكاراها إليه الكراء الذى تكاراها به وعليه من حين تعدى إلى أن ردها كراء مثلها من ذلك الموضع، وإذا عطبت عليه لزمه الكراء إلى الموضع التى عطبت فيه وقيمتها.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
فان استأجر ظهرا للسقي لم يصح العقد حتى يعرف الظهر، لانه لا يجوز الا على مدة، وذلك يختلف باختلاف الظهر فوجب العلم به على الاظهر
ويجوز أن يعرف ذلك بالتعيين والصفة، لانه يضبط بالصفة فجاز أن يعقد عليه بالتعيين والصفة، كما يجوز بيعه بالتعيين والصفة، ولا يصح حتى يعرف الدولاب لانه يختلف، ولا يعرف ذلك إلا بالتعيين، لانه لا يضبط بالصفة فوجب تعيينه.
[ ١٥ / ٢٣ ]
(فصل)
وإن استأجر ظهرا للحرث لم يصح حتى يعرف الارض، لانه يختلف ذلك بصلابة الارض ورخاوتها، فإن كان على جربان لم يفتقر إلى العلم بالظهر لانه لا يختلف، وإن كان على مدة وقلنا إنه يصح لم يجز حتى يعرف الظهر الذى يحرث به، لان العمل يختلف باختلافه، ويعرف ذلك بالتعيين والصفه لما ذكرناه في السقى.
(فصل)
وان استأجر ظهرا للدياس لى يصح حتى يعرف الجنس الذى يداس لان العمل يختلف باختلافه، فان كان على زرع معين لم يفتقر إلى ذكر الحيوان الذى يداس به، لانه لا غرض في تعيينه، فان كان على مدة لم يصح حتى يعرف الحيوان الذى يداس به، لان العمل يختلف باختلافه
(فصل)
وإن استأجر جارحة للصيد لم يصح حتى يعرف جنس الجارحه لان الصيد يختلف باختلافه ويعرف ذلك بالتعيين والصفه لانه يضبط بالصفة ولا يصح حتى يعرف ما يرسله عليه من الصيد، لان لكل صنف من الصيد تأثيرا في اتعاب الجارحه.
(الشرح) يجوز اكتراء الدابه للاستقاء بالغرب وهو الدلو العظيمه ونحوه كالدولاب، فلا بد من معرفته لانه يختلف بكبره وصغره، ويقدر بكيله متريا أو قياسه أو وزنه، ولا يجوز تقدير ذلك بحوض في الارض أو حفرة فيها للجهالة ولتسرب الماء في باطن التربه
فإن قدره بعدد المرات احتاج إلى معرفة الموضع الذى يستقى منه والذى يذهب إليه، لان ذلك يختلف بالقرب والبعد والسهولة والحزونه، وان قدره بملء شئ معين احتاج إلى معرفته ومعرفة ما يستقى منه، هذا ما يقال في الاستيقاء.
ولما كانت البهيمة تؤجر للحرث والدراس والطحن غير ما مضى من الحمل والنقل فنقول: ان جواز كراء الدابة للحمل ثابت بالكتاب (وتحمل أثقالكم إلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إلَّا بِشِقِّ الانفس)
[ ١٥ / ٢٤ ]
أما كراء البقر للحرث فقد ثبت بالنص والعرف قال النبي ﷺ (بينما رجل يسوق بقرة أراد أن يركبها فقالت: إنى لم أخلق لهذا، وإنما خلقت للحرث، رواه الشيخان، على أن هذا يحتاج إلى شرطين، معرفة الارض وتقدير العمل، فأما الارض فلا تعرف الا بالمشاهدة لاختلافها صلابة ورخاوة وسعة وضيقا وقد كانت الارض تقدر مساحتها بالجربان جمع جريب وهو ما يبلغ ستين ذراعا مربعا مهيا للزرع ولذلك كانوا يقولون فلان يملك ألف جريب وألف خريب ويعنون بالخريب غير المهيأ للزراعة ويحتاج إلى اصلاح حتى يكون جريبا، ومن هنا اختلف كراء الجريب عن الخريب لان الجريب تكون مستوية السطح خالية من الحجارة والحفر بعكس الخريب لذلك وجب رؤيتها لانها لا تعرف الا بالمشاهدة وأما تقدير العمل فيجوز بأحد شيئين اما بالمدة كيوم ويومين واما بالارض كهذه القطعة، أو من هذا المكان أو بالمساحة كقصبة أو قصبتين (والقصبة ٣٥٥ س م.
) والفدان ٣٣٣ وثلث قصبة.
أما الدراس أو الدياس والدياس جعلوها مصدرا لداس يدوس دوسا
ودياسا مثل الدراس فمن علماء اللغة من ينكر كون الدياس من كلام العرب، ومنهم من يقول: هو مجاز وكأنه مأخوذ من داس الارض دوسا إذا شدد وطأه عليها بقدمه، والمدوس الذى تداس به الحنطة بكسر الميم لانه آلة.
وأما المداس الذى ينتعله الانسان فإن صح سماعه فقياسه كسر الميم لانه آلة والا فالكسر أيضا حملا على النظائر الغالبة من العربية، ولا أدرى وجه صاحب القاموس المحيط في جعله زنة سحاب قلت: أما تأجير البقر للدراس أو غير البقر فأشبه الحرث في معرفة نوع الزرع المراد دياسه وهل بالنورج أم بدونه وعلى مدة ومعرفة الحيوان، لان الغرض يختلف باختلافه، فمن الحيوانات ما يكون نجس البول والروث فيختلط بالطعام فيحتاج إلى اختياره وتحديد نوعه وكذلك ادارة الرحى للطحن يفتقر إلى شيئين، معرفة الحجر بالمشاهدة، واما بصفة تعرف بها حالته من الثقل أو الخفة وتقدير العمل اما بالزمان كيوم ويومين ونوع المطحون فقد يكون عسير الطحن لصلابته.
[ ١٥ / ٢٥ ]
(فرع)
إذا استأجر جارحة للصيد لم يصح حتى يعرف جنسها لانها إذا كانت الجارحة كلبا فلا يصح استئجاره كما صحح ذلك النووي، وحكى الرملي والشربينى منازعة النووي في هذا، وقال الاذرعى: المختار قول الغزالي، يعنى من حيث جواز إجارة الكلب المعلم للصيد.
أما الجوارح الاخرى كالبازي والعقاب والفهد فيجوز استئجارها قولا واحدا كما يجوز استئجار السنور لصيد الفأر وعلى هذا يصح استئجارها أعنى الجوارح من ذمى أو مجوسي ويجرى عليها حكم صيد المسلم بكلب النصراني واليهودى، إن قلنا بصحة استئجاره فإن صيده جائز.
أما الجوارح الاخرى فإنه يصح استئجارها من يهودى أو نصراني ويصح صيدها
قال العبدرى: وبه قال الفقهاء كافة.
وقال ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَكَمُ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وهو أصح الروايتين عن عطاء وَمِمَّنْ كَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ راهويه، وقال أحمد: كلب النصراني واليهودى عندي أهون من المجوسى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(فصل)
وان استأجر رجلا ليرعى له مدة لم يصح حتى يعرف جنس الحيوان: لان لكل جنس من الماشية تأثيرا في اتعاب الراعى.
ويجوز أن يعقد على جنس معين وعلى جنس في الذمة، فإن عقد على موصوف لم يصح حتى يذكر العدد، لان العمل يختلف باختلافه، ومن أصحابنا من قال: يجوز مطلقا ويحمل على ما جرت به العادة أن يرعاه الواحد من مائه أو أقل أو أكثر، والاول أظهر لان ذلك يختلف وليس فيه عرف واحد.
(فصل)
وان استأجر امرأة للرضاع لم يصح العقد حتى يعرف الصبى الذى عقد على ارضاعه، لانه يختلف الرضاع باختلافه، ولا يعرف ذلك الا بالتعيين، لانه لا يضبط بالصفة ولا يصح حتى يذكر موضع الرضاع لان الغرض يختلف باختلافه.
[ ١٥ / ٢٦ ]
(فصل)
وان استأجر رجلا ليحفر له بئرا أو نهرا لم يصح العقد حتى يعرف الارض لان الحفر يختلف باختلافها ولا يصح حتى يذكر الطول والعرض والعمق، لان الغرض يختلف باختلافها، وان استأجر لبناء حائط لم يصح العقد حتى يذكر الطول والعرض وما يبنى به من الآجر واللبن والجص والطين، لان الاغراض تختلف باختلافها، وان استأجره لضرب اللبن لم يصح حتى يعرف
موضع الماء والتراب، ويذكر الطول والعرض والسمك والعدد، وعلى هذا جميع الاعمال التى يستأجر عليها.
وان كان فيما يختلف الغرض باختلافه، رجع فيه إلى أهل الخبره ليعقد على شرطه، كما إذا أراد أن يعقد النكاح، ولم يعرف شروط العقد رجع إلى من يعرفه ليعقد بشروطه، وان عجز عن ذلك فوضه إلى من يعرفه ليعقد بشرطه كما يوكل الاعمى في البيع والشراء من يشاهد المبيع.
(فصل)
وان استأجر رجلا ليلقنه سورة من القرآن لم يصح حتى يعرف السورة لان الغرض يختلف باختلافها، وان كان على تلاوة عشر آيات من القرآن لم يصح حتى يعينها لان آيات القرآن تختلف، فإن كان على عشر آيات من سورة معينة ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يصح، لان الاعشار تختلف
(والثانى)
يصح، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فعرضت نفسها عليه، فقال لها: اجلسي بارك الله فيك، أما نحن فلا حاجة لنا فيك، ولكن تملكيننا أمرك؟ قالت: نعم، فنظر رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وجوه القوم، فدعا رجلا منهم فقال لها: انى أريد أن أزوجك هذا ان رضيت فقالت: ما رضيت لى يا رسول الله فقد رضيت، ثم قال للرجل: هل عندك من شئ؟ قَالَ لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: ما تحفظ من القرآن؟ قال سورة البقرة والتى تليها، قال: قم فعلمها عشرين آية وهى امرأتك) وهل يفتقر إلى تعيين الحرف؟ فيه وجهان
(أحدهما)
لا يصح حتى يعين الحرف، لان الاغراض تختلف باختلاف الحرف
(والثانى)
لا يحتاج إلى تعيين الحرف، لان ما بين الاحرف من الاختلاف قليل.
[ ١٥ / ٢٧ ]
(فصل)
وإن استأجر للحج والعمرة لم يصح حتى يذكر أنه إفراد أو قران أو تمتع، لان الاغراض تختلف باختلافها، فأما موضع الاحرام فقال في الام لا يجوز حتى يعين وقال في الاملاء: إذا استأجر أجيرا أحرم من الميقات ولم يشرط التعيين، واختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق المروزى: فيه قولان:
(أحدهما)
لا يجوز حتى يعين، لان الاحرام قد يكون من الميقات، وقد يكون من دويرة أهله، وقد يكون من غيرهما، فإذا أطلق صار العقد على مجهول فلم يصح
(والثانى)
أنه يجوز من غير تعيين ويحمل على ميقات الشرع، لان الميقات معلوم بالشرع فانصرف الاطلاق إليه كنقد البلد في البيع ومن أصحابنا من قال: إن كان الحج عن حى لم يجز حتى يعين، لانه يمكن الرجوع إلى معرفة غرضه، وإن كان عن ميت جاز من غير تعيين، لانه لا يمكن الرجوع إلى معرفة غرضه، وحمل القولين على هذه الحالين.
ومنهم من قال: إن كان للبلد ميقاتان لم يجز حتى يبين لانه ليس أحدهما بأولى من الآخر، فوجب بيانه كالثمن في موضع فيه نقدان.
وإن لم يكن له إلا ميقات واحد جاز من غير تعيين، كالثمن في موضع ليس فيه إلا نقد واحد، وحمل القولين على هذين الحالين، فإن ترك التعيين وقلنا إنه لا يصح فحج الاجير، انعقد الحج للمستأجر لانه فعله بإذنه مع فساد العقد فوقع له كما لو وكله وكالة فاسدة في بيع (الشرح) أوردنا في صدر هذا الباب آية استئجار شعيب لموسى، وقد روى أحمد والبخاري وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه قال: ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه وأنت؟ قال نعم.
كنت أرعاها على قراريط لاهل مكة، وقال سويد بن سعيد: يعنى كل شاة بقيراط.
وقال ابراهيم الحربى: قراريط اسم موضع، وقد صوب ابن الجوزى وابن ناصر التفسير الذى ذكره ابراهيم الحربى: لكن الذى رجح تفسير ابن سويد
أن أهل مكة لا يعرفون مكانا يقال له: قراريط وقد روى النسائي من حديث نصر بن حزن قال: افتخر أهل الابل والغنم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (بعث موسى وهو راعى غنم، وبعث داود
[ ١٥ / ٢٨ ]
وهو راعى غنم وبعثت وأنا راعى غنم أهلى بجياد، وفى الحديث دليل على جواز الاجارة على رعى الغنم، ويلحق بها في الجواز غيرها من الحيوان، وهل يصح أن يرعى قطيعا بغير عدد من الغنم، أو قطيعا بغير عدد من البقر قل أو كثر؟ قولان
(أحدهما)
وهو الاصح أن يذكر العدد وأن يكون الاجر مناسبا لقدر المنفعة والعمل
(والثانى)
إذا جرى عرف مطرد بأن يرعى القطيع من غير عدد صح عقده.
(فرع)
مذهب الشافعي ﵁ على أنه يجوز استئجار الام لارضاع ولدها.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز ما دامت في النكاح أو العدة اه.
ولا يجوز استئجار امرأة حرة منكوحة لرضاع أو غيره مما يؤدى إلى خلوة محرمة إلا بإذن زوجها على الاصح، ويؤخذ من قول الاذرعى أنه يجوز لها ذلك إذا كان زوجها غائبا فأجرت نفسها لعمل مباح لا خلوة فيه بأجنبى ينقضى أجله قبل قدومه، وقد اعترض الغزى على هذا بأن المرأة ومنافعها مستحقة لزوجها بعقد النكاح.
قال الرملي: وهذا الاعتراض ممنوع بأنه لا يستحقها، وانما يستحق المنفعة منها وهى متعذرة منه، ولو اختلفت الزوجة مع زوجها حول الاذن صدق الزوج ولا كلام.
على أن الاقيس على ظاهر المذهب أنه يصح لها ذلك على حد قول الاذرعى لانه لما جاز للزوج أن يستأجر زوجته لارضاع ولده ولو كان منها فان ذلك يفيد بمفهومه ملكها المنفعة، إذا تقرر هذا فهل يجوز أن يستأجر المرضعة بطعامها
وكسوتها؟ مذهب الشافعي على أن ذلك لا يجوز في الظئر ولا في غيره من أنواع الاجارات وقد اختلفت الرواية عن أحمد فيمن استأجر أجيرا بطعامه وكسوته أو جعل أجرا وشرط طعامه وكسوته فروى عنه جواز ذلك وهو مذهب مالك واسحاق وروى عن أبى بكر وعمر وأبى موسى أنهم استأجروا الاجراء بطعامهم وكسوتهم، وروى عن أحمد أن ذلك جائز في الظئر دون غيره لقوله تعالى (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) فأوجب لهن النفقة والكسوة
[ ١٥ / ٢٩ ]
على الرضاع، ولم يفرق بين المطلقة وغيرها، بل في الآية قرينة تدل على طلاقها لان الزوجة تجب نفقتها وكسوتها بالزوجية وإن لم ترضع، لان الله تعالى قال (وعلى الوارث مثل ذلك) والوارث ليس بزوج، ولان المنفعة في الحضانة والرضاع غير معلومة، فجاز أن يكون عوضها كذلك.
وروى عنه رواية ثالثة: لا يجوز ذلك بحال، لا في الظئر ولا في غيرها.
وبهذا قال الشافعي وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، لان ذلك يختلف اختلافا كثيرا متباينا فيكون مجهولا، والاجر من شرطه أن يكون معلوما.
إذا ثبت هذا فهل تدخل الحضانة في الرضاع أم لا؟ على وجهين
(أحدهما)
لا تدخل وهو قول أبى ثور وابن المنذر لان العقد لم يتناولها
(والثانى)
تدخل وهو قول أصحاب الرأى، لان العرف جار بأن المرضعة تحضن الصبى فحمل الاطلاق على ما جرى به العرف والعادة.
ويشترط لعقد الرضاعة أربعة شروط: ١ - أن تكون مدة الرضاع معلومة، لانه لا يمكن تقديره إلا بها، فإن السقى والعمل فيها يختلف.
٢ - معرفة الصبى بالمشاهدة، لان الرضاع يختلف باختلاف الصبى في كبره وصغره ونهمته وقناعته.
٣ - موضع الرضاع لانه يختلف فيشق عليها في بيته ويسهل عليها في بيتها
٤ - معرفة العوض وكونه معلوما كما سبق (فرع)
إذا استأجر عاملا يحفر له بئرا وحدد له مكان البئر وسعتها وأجره، أو استأجر عاملا يضرب له لبنا وهيأ له الماء والتبن والتراب والمكان الصالح اضرب اللبن، ثم انهارت البئر أو تلف اللبن بمطر أو داست عليه بهيمة فأتلفته فقد استحق العامل أجره، ولا ضمان عليه في البئر ولا في اللبن (فرع)
يجوز أن يأخذ الاجرة على تعليم القرآن أو سورة منه مع تعيينها أو قدر منه مع تعيينه وتحديده كما يجوز أن يأخذ الاجرة على تعليم الفقه والحديث ونحوهما ان كان محتاجا وهو وجه في المذهب، ولا يصح الاستئجار على القراءة على الموتى لنصه في الام حيث قال: إن القراءة لا تحصل له.
وقال الشربينى في المغنى: الاجارة للقرآن على القبر مدة معلومة أو قدرا معلوما
[ ١٥ / ٣٠ ]
جائزة للانتفاع بنزول الرحمة حيث يقرأ القرآن ويكون الميت كالحى الحاضر، سواء أعقب القرآن بالدعاء أم جعل قراءته له أم لا فتعود منفعة القرآن إلى الميت في ذلك، ولان الدعاء يلحقه وهو بعدها أقرب إلى الاجابة وأكثر بركة، ولانه إذا جعل أجرة الحاصل بقراءة للميت فهو دعاء بحصول الاجر فينتفع به.
فقول الشافعي ﵁ أن القراءة لا تحصل له محمول على غير ذلك.
وقد أفتى الشهاب الرملي بذلك وأفاده ولده شمس الدين في نهاية المحتاج قلت: وقد أجمع أهل العلم على أن القارئ إذا قرأ ابتغاء المال وطلبا للنقود لا سيما في زماننا الذى عمت فيه حرفة القراءة، وصاروا يتقاولون على القراءة ويتزيدون كما يتزيد المتبذلون من أهل الغناء والفتنة فإنه لا ثواب له وقد يكون مأزورا آثما لانه لا يبتغى بالقرآن وجه الله، ولم يقف عند عجائبه فيحرك به قلبه، وكما يقول أبو حامد الغزالي ﵀: الموعظة زكاة نصاب الاتعاظ
ومن لا نصاب عنده لا زكاة عليه، ففاقد الاتعاظ بكتاب الله ليس عنده ما يمنحه غيره من الموعظة (فرع)
قال أصحابنا: أعمال الحج معروفة فإذا علمها المتعاقدان عند الاجارة صَحَّتْ الْإِجَارَةُ، وَإِنْ جَهِلَهَا أَحَدُهُمَا لَمْ تَصِحَّ بِلَا خِلَافٍ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ والبغوى وَالْمُتَوَلِّي، وَهَلْ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْمِيقَاتِ الَّذِي يُحْرِمُ مِنْهُ الْأَجِيرُ؟ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ، وَنَصَّ فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّهُ لا يشترط وللاصحاب أَرْبَعُ طُرُقٍ، أَصَحُّهَا وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ، وَوَافَقَ الْمُصَنَّفُونَ عَلَى تَصْحِيحِهِ: فِيهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يُشْتَرَطُ، وَيُحْمَلُ عَلَى مِيقَاتِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ، لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَقَعُ عَلَى حَجٍّ شَرْعِيٍّ، وَالْحَجُّ الشَّرْعِيُّ لَهُ مِيقَاتٌ مَعْقُودٌ شَرْعًا وَغَيْرُهَا فَانْصَرَفَ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يُقَرِّرَهُ الْمُتَعَاقِدَانِ وَمَا تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ أَوْ الْعُرْفِ، كَمَا لَوْ بَاعَ بِثَمَنٍ مُطْلَقٍ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْعُرْفِ، وَهُوَ النَّقْدُ الْغَالِبُ ويكون كما لو قَرَّرَاهُ.
وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى تَصْحِيحِ هَذَا الْقَوْلِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ والرافعي وآخرون.
والثانى: يُشْتَرَطُ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ قَدْ يَكُونُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَفَوْقَهُ وَدُونَهُ، وَالْغَرَضُ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ فَوَجَبَ بَيَانُهُ
[ ١٥ / ٣١ ]
والطريق الثاني: إن كان للبلد طريقان مختلفان إلى الميقات أو طريق يفضى إلى ميقاتين اشترط بيانه وإلا فلا.
والطريق الثالث: إنْ كَانَ الِاسْتِئْجَارُ عَنْ حَيٍّ اُشْتُرِطَ، وَإِنْ كان عن ميت فلا لانه قد يتعلق للحى غرض فيه وهذا الطريق هو الذى حكاه المصنف هنا وحكاه الشيخ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَضَعَّفَهُ الشَّيْخُ أبو حامد الاسفرايينى وآخرون، وهذا والذى قبله ليس بشئ عندهم ونقله إمام الحرمين.
والطريق الرابع: ما حكاه الدارمي من أنه يشترط قولا واحدا، وعلى هذا إن شرطاه فأهملاه فسدت الْإِجَارَةُ، لَكِنْ يَصِحُّ الْحَجُّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَعَلَيْهِ أجرة المثل، أما تَعْيِينُ زَمَانِ الْإِحْرَامِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ بِلَا خِلَافٍ.
قالوا: وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ اُشْتُرِطَ بِلَا خلاف بيان أنهما إفراد أو تمتع أو قران لاختلاف الغرض بذلك، هذا وقد نَقَلَ الْمُزَنِيّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ فِي الْمَنْثُورِ أَنَّهُ إذَا قَالَ الْمَعْضُوبُ: مَنْ حَجَّ عَنَى فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَحَجَّ عَنْهُ إنْسَانٌ اسْتَحَقَّ الْمِائَةَ، قَالَ الْمُزَنِيّ: يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحِقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، لِأَنَّ هَذَا إجَارَةٌ فَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ الْأَجْرِ، هَذَا كَلَامُ الشَّافِعِيِّ وَالْمُزَنِيِّ، وقد ذكر المصنف المسألة في باب الجعالة، وللاصحاب فيها ثلاثة أوجه (أصحها) صحة الحج عن المستأجر واستحقاق الاجير أجرة المثل، لِأَنَّهُ جَعَالَةٌ وَلَيْسَ بِإِجَارَةٍ وَالْجَعَالَةُ تَجُوزُ عَلَى عمل مجهول فوقوعها عن معلوم أولى، هذا وبقيه ما يتعلق بالاجارة عن الحج من انفراد أجير أو تعدد أجراء أو حصول الاجارة بمكة أو غيرها مفصل مبسوط في كتاب الحج من المجموع فاشدد به يديك وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(فصل)
ولا تصح الاجارة الا على أجرة معلومة لانه عقد يقصد به العوض، فلم يصح من غير ذكر العوض كالبيع، ويجوز اجارة المنافع من جنسها ومن غير جنسها: لان المنافع في الاجارة كالاعيان في البيع، ثم الاعيان يجوز بيع بعضها ببعض فكذلك المنافع.
(فصل)
ولا تجوز الا بعوض معلوم لم روى أبو سعيد الخدرى (رض)
[ ١٥ / ٣٢ ]
إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (من استأجر أجيرا فليعلمه أجره) ولانه عقد معاوضة فلم يجز بعوض مجهول كالبيع، وان عقد بمال جزاف نظرت، فإن كان
العقد على منفعة في الذمة ففيه قولان، لان اجارة المنفعة في الذمة كالسلم، وفى السلم على مال جزاف قولان، فكذلك في الاجارة، فإن كان العقد على منفعة معينه ففيه طريقان، من أصحابنا من قال يجوز قولا واحدا، لان اجارة العين كبيع العين، وفى بيع العين يجوز أن يكون العوض جزافا قولا واحدا، فكذلك في الاجارة، ومنهم من قال: فيه قولان
(أحدهما)
يجوز
(والثانى)
لا يجوز، لانه عقد على منتظر، وربما انفسخ فيحتاج إلى الرجوع إلى العوض، فكان في عوضه جزافا قولان كالسلم.
وان كانت الاجارة على منفعه معينه جاز بأجرة حالة ومؤجلة، لان اجارة العين كبيع العين، وبيع العين يصح بثمن حال ومؤجل، فكذلك الاجارة، فإن أطلق العقد وجبت الاجرة بالعقد، ويجب تسليمها بتسليم العين، لما روى أبو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أعطوا الاجير أجره قبل أن يجف رشحه) .
ولان الاجارة كالبيع ثم في البيع يجب الثمن بنفس العقد ويجب تسليمه بتسليم العين، فكذلك في الاجارة، فإن استوفى المنفعة استقرت الاجرة لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: قَالَ ربكم عزوجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته، رجل أعطى بى ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره ولانه قبض المعقود عليه فاستقر عليه البدل كما لو قبض المبيع، فان سلم إليه العين التى وقع العقد على منفعتها ومضت مدة يمكن فيها الاستيفاء استقر البدل لان المعقود عليه تلف تحت يده فاستقر عليه البدل كالمبيع إذا تلف في يد المشترى فان عرض العين على المستأجر ومضى زمان يمكن فيه الاستيفاء استقرت الاجرة لان المنافع تلفت باختياره فاستقر عليه ضمانها كالمشترى إذا أتلف المبيع
في يد البائع.
فإن كان هذا في اجارة فاسدة استقر عليه أجرة المثل، لان الاجارة كالبيع
[ ١٥ / ٣٣ ]
والمنفعة كالعين، ثم البيع الفاسد كالصحيح في استقرار البدل، فكذلك في الاجارة فإن كان العقد على منفعة في الذمة لم يجز بأجره مؤجلة، لان إجارة ما في الذمة كالسلم، ولا يجوز السلم بثمن مؤجل، فكذلك الاجارة، ولا يجوز حتى يقبض العوض في المجلس كما لا يجوز في السلم، ومن أصحابنا من قال: إن كان العقد بلفظ السلم وجب قبض العوض في المجلس لانه سلم، وإن كان بلفظ الاجارة لم يجب لانه إجارة والاول أظهر، لان الحكم يتبع المعنى لا الاسم.
ومعناه معنى السلم فكان حكمه كحكمه، ولا تستقر الاجرة في هذه الاجارة إلا باستيفاء المنفعة، لان المعقود عليه في الذمة فلا يستقر بدله من غير استيفاء كالمسلم فيه: (الشرح) حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ رواه أحمد ولفظه (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن استئجار الاجير حتى يبين له أجره، وعن النجش واللمس والقاء الحجر) قال في مجمع الزوائد: رجال أحمد رجال الصحيح الا أن ابراهيم النخعي لم يسمع من أبى سعيد فيما أحسب.
وأخرجه أيضا البيهقى وعبد الرزاق وإسحاق بن راهويه وأبو داود في المراسيل والنسائي في الزراعة غير مرفوع، ولفظ بعضهم (من استأجر أجيرا فليسلم له أجرته) وفى هذا الحديث دليل على وجوب بيان قدر الاجرة، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال مالك وأحمد بن حنبل وابن شبرمة: لا يجب للعرف واستحسان المسلمين، قال صاحب البحر: لا نسلم بل الاجماع على خلافه اه.
ويؤيد قول المذهب القياس على ثمن المبيع.
اما حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَقُولُ الله
تعالى: ثلاثة انا خصمهم يوم القيامة، الحديث) فقد أخرجه أحمد والبخاري، وأخرجه أيضا البزار وفى اسناد البزار هشام بن زياد (أبو المقدام) وهو ضعيف قال ابن التين: هو سبحانه خصم لجميع الظالمين الا أنه أراد التشديد على هؤلاء بالتصريح، والخصم يطلق على الواحد والاثنين وعلى أكثر من ذلك.
وقال الهروي: الواحد بكسر أوله، قال الفراء في الطلاق الخصم على الواحد فاكثر هو قول الفصحاء، ويجوز في الاثنين خصمان، قلت: استعمل القرآن
[ ١٥ / ٣٤ ]
في الاثنين خصمان في قوله تعالى (خصمان بغى بعضنا على بعض) وهو ابلغ استعمال وافصحه.
قوله (من كنت خصمه خصمته) هذه الزيادة ليست في صحيح البخاري ولكنه أخرجها أحمد وابن حبان وابن خزيمة والاسماعيلي، قوله (باع حرا وأكل ثمنه) في رواية لابي داود (ورجل اعتبد محرره) وهو أعم في الفعل وأخص في المفعول.
قال الخطابى: اعتباد الحر يقع بأمرين، ان يعتقه ثم يكتم ذلك أو يجحده، والثانى أن يستخدمه كرها بعد العتق، والاول أشدهما.
قال في الفتح: الاول أشد لان فيه مع كتم الفعل أو جحده العمل بمقتضى ذلك من البيع وأكل الثمن فمن ثم كان الوعيد عليه أشد.
وفى قضاء الاجر عند توفية العمل خلاف بين العلماء فعند أبى حنيفة وأصحابه إنما تملك بالعقد فتتبعها أحكام الملك، وعند الشافعي واصحابه أنها تستحق بالعقد وهذا في الصحيحة، وأما الفاسدة فقال في البحر: لا تجب بالعقد إجماعا وتجب بالاستيفاء إجماعا.
والاجارة أصول في أنفسها تتنوع على وجهها، وهى كالبيع سواء بسواء، قال الشافعي ﵁: البيوع الصحيحة صنفان بيع عين يراها المشترى
والبائع، وبيع صفة مضمونة على البائع، وبيع ثالث وهو الرجل يبيع السلعة بعينها غائبة عن البائع والمشترى، غير مضمونة على البائع إن سلمت السلعة حتى يراها المشترى كان فيها بالخيار باعه إياها على صفة وكانت على تلك الصفة التى باعه إياها، أو مخالفة لتلك الصفة، لان بيع الصفات التى تلزم المشترى ما كان مضمونا على صاحبه، ولا يتم البيع في هذا حتى يرى المشترى السلعة فيرضاها ويتفرقان بعد البيع من مقامهما الذى رآه فيه، فحينئذ يتم البيع ويجب عليه الثمن كما يجب عليه الثمن في سلعة حاضرة اشتراها حتى يتفرقا بعد البيع عن تراض ولا يجوز أن تباع هذه السلعة بعينها إلى أجل من الآجال قريب ولا بعيد من قبل أنه إنما يلزم بالاجل ويجوز فيما حل لصاحبه، وأخذه مشتريه ولزمه بكل وجه اه.
ونقل السبكى في فتاويه عن القفال قوله: أما الاجارة على الذمة فيثبت فيها خيار المجلس لا محالة بناء على أنها ملحقه بالسلم حتى يجب فيها قبض البدل في المجلس
[ ١٥ / ٣٥ ]
وقال: أما الرجل يؤاجر نفسه فالاجارة تجوز معينا، وفى الذمة، فإن أجره معينا فلا بد أن تكون المنفعة معلومة بأحد أمرين بتقدير العمل أو المدة، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(فصل)
وما عقد من الاجارة على منفعة موصوفة في الذمة يجوز حالا ومؤجلا في الذمة كالسلم، والسلم يجوز حالا ومؤجلا، فكذلك الاجارة في الذمة وإن استاجر منفعة في الذمة وأطلق وجبت المنفعة حالة، كما إذا أسلم في شئ واطلق وجب حالا، فان استأجر رجلا للحج في الذمة لزمه الحج من سنته، فإن أخره عن السنة نظرت، فان كانت الاجارة عن حى كان له أن يفسخ، لان حقه تأخر، وله في الفسخ فائدة، وهو أن يتصرف في الاجرة، فإن كانت عن ميت
لم يفسخ، لانه لا يمكن التصرف في الاجرة إذا فسخ العقد، ولابد من استئجار غيره في السنة الثانية، فلم يكن للفسخ وجه، وما عقد على منفعة معينة لا يجوز إلا حالا، فإن كان على مدة لم يجز إلا على مدة يتصل ابتداؤها بالعقد، وإن كان على عمل معين لم يجز الا في الوقت الذى يمكن الشروع في العمل لان إجارة العين كبيع العين وبيع العين لا يجوز الا على ما يمكن الشروع في قبضها فكذلك الْإِجَارَةِ فَإِنْ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَحُجُّ لَمْ يَجُزْ إلَّا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ التَّوَجُّهِ، فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ قَرِيبٍ لَمْ يَجُزْ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، لِأَنَّهُ يَتَأَخَّرُ اسْتِيفَاءُ المعقود عليه عن حال العقد، وإن كان فِي مَوْضِعٍ بَعِيدٍ لَا يُدْرِكُ الْحَجَّ إلَّا أَنْ يَسِيرَ قَبْلَ أَشْهُرِهِ لَمْ يَسْتَأْجِرْ إلَّا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ وَقْتُ الشروع في الاستيفاء، فإن قال أجرتك: هذه الدار شهرا لم يصح.
لانه ترك تعيين المعقود عليه في عقد شرط فيه التعيين، فبطل كما لو قال: بعتك عبدا، فإن أجر دارا من رجل شهرا من وقت العقد ثم أجرها منه الشهر الذى بعده قبل انقضاء الشهر الاول، ففيه وجهان.
(أحدهما)
لا يصح، لانه اجارة منفعة معينة على مدة متأخرة عن العقد، فأشبه إذا أجرها من غيره.
[ ١٥ / ٣٦ ]
(والثانى)
أنه يصح، وهو المنصوص، لانه ليس لغيره يد تحول بينه وبين ما استاجره.
ولان أحد شهريه لا ينفصل عن الآخر، فأشبه إذا جمع بينهما في العقد.
(الشرح) قال المحاملى في المجموع: لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ إلا في الوقت الذى يتمكن فيه.
وقال النووي: إن كان في موضع قريب لم يجز استئجاره قبل أشهر الحج.
وإن كان في موضع بعيد لم يستأجره إلَّا فِي الْوَقْتِ
الَّذِي يَتَوَجَّهُ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ وقت الشروع في الاستيفاء.
وقال أبو الطيب لا يمكن إجارة إلَّا فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ الْعَمَلُ فِيهِ أَوْ يحتاج فيه إلى السبب.
اه ومن هنا إذَا لَمْ يَشْرُعْ فِي الْحَجِّ فِي السَّنَةِ الْأُولَى لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنْ كَانَتْ الاجارة على العين انفسخت لفوات موضوع العقد قولا واحدا، وإن كانت في الذمة، فإن لم تتعين السنة فهو كتعيين السنة الاولى، وعند بعض اصحابنا يجوز التأخر عن السنة الاولى ويثبت الخيار للمستأجر، وإن عينا السنة وتأخر عنها فطريقان أَصَحُّهُمَا: عَلَى قَوْلَيْنِ كَمَا لَوْ انْقَطَعَ الْمُسْلَمُ فيه عند حلول الاجل (أ) لا ينفسخ العقد وهو الاظهر (ب) يَنْفَسِخُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هنا.
وإن كان الاستئجار عن ميت فلا خيار للمستأجر، وهذا هو رأى المصنف وأصحابنا العراقيين، وقد قال إمام الحرمين: وفيما ذكروه نظر لانه لا يمنع أن يثبت للورثة الخيار ويستردون الاجرة بالفسخ، وهذا استدراك على المصنف يجعل للورثة الحق في أن يبذلوا الاجرة لاجير آخر، وهذا أجدر بحصول المقصود وقد تابع الغزالي شيخه على هذا.
وقال البغوي وآخرون بوجوب مراعاة الولى المصلحة في ذلك، فإن رأى الفسخ لخوف إفلاس الاجير أو هربه وإلا تركه وضمن، وصحح الرافعى هذا وحمل الرافعى قول المصنف وأصحابه من العراقيين على أن الْمَيِّتُ قَدْ أَوْصَى بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فُلَانٌ فتكون الوصية مستحقة الصرف إليه.
وقال أبو إسحاق المروزى: للمستأجر أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي لِيَفْسَخَ الْعَقْدَ
[ ١٥ / ٣٧ ]
إن كانت المصلحة تقتضيه.
قال الرافعى: فإن نَزَلَ مَا ذَكَرُوهُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ ارْتَفَعَ الخلاف، وإن على الثاني هان امره.
قوله (لانه اجارة منفعة معينة على مدة متأخرة) قال النووي في المنهاج: ولا تجوز اجارة عين لمنفعة مستقبلة.
اه وذلك كإجارة هذه الدار السنة المستقبلة أو سنة أولها من غد، وكذا ان قال أولها من أمس، وكإجارة أرض مزروعة لا يمكن تفريغها الا بعد مدة لمثلها أجرة، وذلك كما لو باعه عينا على ان يسلمها له بعد ساعة بخلاف اجارة الذمة كما مر، ولو قال وقد عقد آخر النهار: اولها يوم تاريخه لم يضر لان القرينة ظاهرة في أن المراد باليوم الوقت أو في التعبير باليوم عن بعضه، ويستثنى من المنع في المستقبلة صور، كما لو أجره ليلا ليعمل نهارا.
وهذا عرف شائع في ديارنا ابان الحصاد وجنى القطن ونقاوة الدودة وشتل الارز وتعفير الطماطم بالكبريت قبل جفاف الندى.
ومثله اجارة دار بغير بلد المتعاقدين، كمن يستأجر عشة برأس البر ليصطاف فيها فأجرها قبل الصيف لان استيفاء العقد لا يكون الا صيفا، وإذا لم يؤجرها فاته الانتفاع بمقصوده.
فلو آجر الشهر الثاني لمستأجر الشهر الاول أو السنة الثانية لمستأجر السنة الاولى قبل انقضائها جاز في الاصح لاتصال المدتين مع اتحاد المستأجر، كما لو آخر منه السنتين في عقد، ولا نظر إلى احتمال انفساخ العقد الاول لان الاصل عدمه، فان وجد ذلك لم يقدح في الثاني.
(فرع)
في جواز الوارث ما آجره الميت من المستأجر تردد.
أفاد شمس الدين الرملي أن الاقرب منه الجواز لانه نائبه.
وقال الزركشي: أنه الظاهر، وهذا إذا لم يحصل فصل بين السنين، والا فلا يصح، وهذا يشمل الطلق والوقف، نعم لو شرط الواقف أن لا يؤجر الوقف أكثر من ثلاث سنين فأجره الناظر ثلاثا في عقد آخر قبل مضى المدة فالمعتمد كما افتى به ابن الصلاح ووافقه السبكى والاذرعى وغيرهما عدم صحة
العقد الثاني.
وان قلنا بصحة اجارة الزمان القابل من المستأجر اتباعا لشرط الواقف، لان المدتين المتصلتين في العقدين في معنى العقد الواحد.
وهذا بعينه
[ ١٥ / ٣٨ ]
يقتضى المنع في هذه الصورة لوقوعه زائدا على ما شرطه الواقف، وان خالفه ابن الاستاذ وقال: ينبغى ان يصح نظرا إلى ظاهر اللفظ.
(فرع)
مذهبنا انه لا تصح اجارة المسلم للجهاد في سبيل الله لحرب أعداء الدين، لان الجهاد فرض عليه ما دام مستطيعا، ولانه إذا حضر الصف تعين عليه القتال فريضة، ويصح للامام ان يستأجر غير المسلمين لقتال غير المسلمين من الكفار.
ولا يصح استئجار المسلم لعبادة تحتاج إلى نية الا الحج وتفرقة الزكاة أو تعليم قرآن، وتصح الاجارة لتجهيز ميت ودفنه، وتصح الاجارة للصوم عن الميت، وتصح لذبح الهدى والاضاحي ونحوها.
ويصح الاستئجار لشعار غير فرض كالاذان.
قال الشربينى في المغنى: ولا يصح الاستئجار للامامة ولو نافلة كالتراويح لان فادتها من تحصيل فضيلة الجماعة لا تحصل للمستأجر بل للاجير، ويصح استئجار بيت ليتخذه مصلى، وصورته كما قال صاحب الانتصار ان يستأجره للصلاة، اما إذا استأجره ليجعله مسجدا فلا يصح بلا خلاف، ولا يصح الاستئجار لِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ.
قال الرملي وغيره: فزيارة قبر غيره أولى.
هكذا افاده الخطيب الشربينى وشمس الدين الرملي الشبراملسى في شروحهم لمنهاج النووي، وعزا الرملي إلى الماوردى هذا ووافقه عليه.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(فصل)
فإن اكرى ظهرا من رجلين يتعاقبان عليه أو اكترى من رجل عقبة ليركب في بعض الطريق دون بعض جاز.
وقال المزني: لا يجوز اكتراء
العقبة الا مضمونا لانه يتأخر حق احدهما عن العقد فلم يجز، كما لو اكراه ظهرا في مدة تتأخر عن العقد، والمذهب الاول، لان استحقاق الاستيفاء مقارن للعقد، وانما يتأخر عن القسمة وذلك لا يمنع صحة العقد، كما لو باع من رجلين صبرة فانه يصح، وان تأخر حق أحدهما عند القسمة، فان كان ذلك في طريق فيه عادة في الركوب والنزول، جاز العقد عليه مطلقا، وحملا في الركوب والنزول على العقادة لانه معلوم بالعادة.
فحمل الاصلاق عليه كالنقد المعروف
[ ١٥ / ٣٩ ]
في البيع، وإن لم يكن فيه عادة لم يصح حتى يبين مقدار ما يركب كل واحد منهما لانه غير معلوم بالعادة، فوجب بيانه كالثمن في موضع لا نقد فيه، فان اختلفا في البادئ في الركوب أقرع بينهما، فمن خرجت عليه القرعة قدم لانهما تساويا في الملك فقدم بالقرعة.
(الشرح) التعاقب التناوب، فينزل هذا نوبة وهذا نوبة.
وفى الحديث (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكه بالنهار) والعقب بضم العين جمع عقبة، أي نوبة قال الشافعي ﵁: فان تكارى منه لعبده فأراد أن يركب الليل دون النهار بالاميال، أو أراد ذلك به الجمال فليس ذلك لواحد منهما، ويركب على ما يعرف الناس العقبة، ثم ينزل فيمشي بقدر ما يركب، ثم يركب بقدر ما مشى، فيفدحه ولا الركوب فيضر بالبعير اه.
ويفهم من كلامه ان القصد من عقد الاجارة تحقيق المنفعة للمستأجر وعدم المضارة بالبهيم لحرمته.
قال النووي ﵁ (ويجوز كراء العقب في الاصح) وبيان ذلك ان يؤجر دابة رجلا ليركبها بعض الطريق ويمشى بعضها أو يركبه المالك تناوبا
أو يؤجرها رجلين ليركب ذا أياما وذا أياما كذلك تناوبا، أو يقول: آجرتك نصفها لمكان كذا أو كلها لتركبها نصف الطريق فيصح كبيع المشاع، ويبين البعضين في الصورتين كنصف أو ربع ما لم يكن ثم عادة معروفه مضبوطة بالزمن أو المسافة ثم يقتسمان بالتراضى، فإذا تنازعا أيهما يبدأ أقرع بينهما، لانهما يملكان المنفعة معا، ويغتفر التأجير الواقع لضرورة القسمة.
نعم شرط الصحه في الاولى تقدم ركوب المستأجر، وإلا بطلت لتعلقها حينئذ بزمن مستقبل، ومقابل الاصح في قول النووي أوجه أصحها المنع لانها إجارة أزمان متقطعه.
وفى الروضة أنه ليس لاحدهما أن يطلب المشى ثلاثا والركوب ثلاثا للمشقه.
اه
[ ١٥ / ٤٠ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وما عقد من الاجارة على مدة لا يجوز فيه شرط الخيار، لان الخيار يمنع من التصرف، فان حسب ذلك على المكرى زدنا عليه المدة، وإن حسب على المكترى نقصنا من المدة وهل يثبت فيه خيار المجلس؟ فيه وجهان
(أحدهما)
لا يثبت لما ذكرناه من النقصان والزيادة في خيار الشرط.
(والثانى)
يثبت لانه قدر يسير، ولكل واحد منهما إسقاطه، وإن كانت الاجارة على عمل معين ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) لا يثبت فيه الخياران، لانه عقد على غرر فلا يضاف إليه غرر الخيار
(والثانى)
يثبت فيه الخياران، لان المنفعة المعينة كالعين في البيع، ثم العين المعينه يثبت فيها الخياران فكذلك المنفعة (والثالث) يثبت فيه خيار المجلس دون خيار الشرط، لانه عقد على منتظر فيثبت فيه خيار المجلس دون خيار الشرط كالسلم.
وإن كانت الاجارة على منفعه في الذمه ففيه وجهان (احدهما) لا يثبت فيه
الخياران، لانه عقد على غرر فلا يضاف إليه غرر الخيار
(والثانى)
يثبت فيه خيار المجلس دون خيار الشرط، لان الاجارة في الذمة كالسلم، وفى السلم يثبت خيار المجلس دون خيار الشرط، فكذلك في الاجارة.
(فصل)
وإذا تم العقد لزم ولم يملك واحد منهما ان ينفرد بفسخه من غير عيب لان الاجارة كالبيع، ثم البيع إذا تم لزم فكذلك الاجارة وبالله التوفيق (الشرح) مذهبنا أنه لا خيار بعد لزوم العقد.
وقال أبو حنيفة: يجوز للمستأجر فسخ الاجارة بالاعذار الظاهرة مع السلامه من العيوب، ولا يجوز للمؤجر أن يفسخ بالاعذار، مثل أن يستأجر دارا ليسكنها ثم يريد النقلة عن البلد أو يستأجر حرز لمتاعه ثم يريد بيعه، أو يستأجر من يطحن له برا ثم يريد بذره.
إلى ما أشبه ذلك من الاعذار، فيجعل له بها فسخ الاجارة للعذر.
ألا ترى أن من استؤجر لقلع فدانين من الحطب جاز للمستأجر فسخ الاجارة للعذر الطارئ ولم يجبر على قلع فدانيه، وكذا كل عذر.
[ ١٥ / ٤١ ]
ودليلنا على أبى حنيفة قوله تعالى (يا ايها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) فكان عموم هذا الامر يوجب الوفاء بكل عقد ما لم يقم دليل بتخصيصه، ولان كل عقد لزم العاقدين مع سلامة الاحوال لزمهما ما لم يحدث بالعوضين نقص كالبيع، ولان كل عقد لزم العاقد عند ارتفاع العذر لم يحدث له خيار بحدوث عذر كالزوج، ولان كل سبب لا يملك المؤجر الفسخ لم يملك المستأجر به الفسخ كالاجرة لا يكون حدوث الزيادة فيها موجبا لفسخ المؤجر كما لم يكن حدوث النقصان فيها موجبا لفسخ المستأجر، لان نقصانها في حق المستأجر كزيادتها في حق المؤجر ولانه عقد إجارة فلم يجز فسخه بعذر كالمؤجر، ولان العقود نوعان، لازمة فلا يجوز فسخها بعذر كالبيع، وغير لازمة فيجوز فسخها بغير عذر كالقراض.
فلما لم يكن عقد الاجارة ملحقا بغير اللازم في جواز فسخه بغير عذر وجب أن يكون ملحقا باللازم في إبطال فسخه بعذر.
فأما الجواب عن قياسه على الوكالة فهو أن الوكالة غير لازمة يجوز فسخها بعذر وغير عذر، وليس كذلك الاجارة، وأما استدلاله بأن للاعذار تأثيرا في عقود الاجارات كالضرس المستأجر على قلعه إذا برئ، فالجواب عنه هو أن من ملك منفعة بعقد إجارة فقد استحقها، وليس يجب عليه استيفاؤها، ألا ترى أن من استأجر سكنى دار فله أن يسكنها، ولا يجبر على سكناها، فإن مكن من سكناها فلم يسكن فعليه الاجرة، هذا أصل مقرر في الاجارة، وإذا كان كذلك - فإن كان الضرس على حال مرضه وألمه - فقلعه مباح، وللمستأجر أن يأخذ الاجير بقلعه إن شاء، فإن أبى المستأجر أن يقعله من ألمه لم يجبر عليه.
وقيل له: قد بذل لك الاجير القلع وأنت ممتنع، فإذا مضت مدة يمكن فيها قلعه فقد استحق أجرته كما لو مضت مدة السكنى، وان برئ الضرس في الحال قبل إمكان القلع بطلت الاجارة، لان قلعه قد حرم، وعقد الاجارة انما يتناول مباحا لا محظورا، فصار محل العمل معدوما، فلذلك بطلت الاجارة كما لو استأجر لخياطة ثوب فلف، إذ لا فرق بين تعذر العمل بالتلف وبين تعذره بالحظر.
[ ١٥ / ٤٢ ]
فإذا تقرر أن عقد الاجارة من العقود اللازمة، وأن فسخه بالعذر غير جائز فلا يجوز اشتراط الثلاث فيه، وقال أبو حنيفة: يجوز اشتراط الخيار فيه كما يجوز في البيع لانهما معا من عقود المعاوضات.
ودليلنا: هو ان ما لزم من عقود المنافع لم يصح اشتراط الخيار فيه كالنكاح ولان اشتراط الثلاثة يتضمن اتلاف بعض المعقود عليه فيما ليس متابع للمعقود
عليه مع بقاء العقد في جميعه فلم يصح، كما لو شرط في ابتياع جوادين أنه ان تلف أحدهما في يد البائع لم يبطل البيع.
ولان المعقود إذا لم يبق جميعه في مدة الخيار لم يصح اشتراط الخيار قياسا على بيع الطعام الرطب.
فإذا صح ان خيار الشرط لا يدخله فقد اختلف أصحابنا هل يدخله خيار المجلس ام لا؟ على وجهين.
(احدهما) يدخله كالبيع لكونهما عقدى معاوضة.
فعلى هذا ان أخرها المؤجر من غير المستأجر في خيار المجلس صحت الاجارة الثانية وكان ذلك فسخا للاجارة الاولى.
هكذا أفاده الماوردى.
وقال بعض أصحابنا: تفسخ الاجارة الاولى ولا تصح الاجارة الثانية لتقدم الفسخ.
لانه لا يصير الفعل الواحد فسخا وعقدا لتنافيهما.
ولهذا القول وجه فإن كان المذهب هو ان استقرار العقد الثاني يوجب فسخ العقد الاول بالتأهب الثاني.
وعلى هذا الوجه لو أخره المستأجر كانت اجارته باطلة سواء قبضه أو لم يقبضه.
لان خيار المؤجر يمنع من امضاء المستأجر.
وعلى هذا الوجه لو افترقا عن تراض لم يكن للمستأجر أن يؤجر قبل قبضه كما ليس للمشترى بيع ما لم يقبضه (والوجه الثاني) ان خيار المجلس لا يدخله.
ويصير العقد بالبذل والقبول لازما.
لان خيار المجلس يفوت بعض المدة فاشبه خيار الشرط.
فعلى هذا لو أجره المؤجر قبل الافتراق أو بعده لم يجز.
ولو آجره المستأجر.
فان كان بعد القبض جاز.
وان كان قبله؟ فعلى وجهين.
(أحدهما)
يجوز لمفارقته البيع في الخيار ففارقه في القبض.
(الوجه الثاني) لا يجوز لكون المنفعة مضمونه على المستأجر فأشبه ضمان
[ ١٥ / ٤٣ ]