إذا طلق الرجل امرأته قبل الدخول والخلوة لم تجب العدة لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) ولان العدة تجب لبراءة الرحم، وقد تيقنا براءة رحمها، وإن طلقها بعد الدخول وجبت العدة لانه لما أسقط العدة في الآية قبل الدخول دل على وجوبها بعد الدخول، ولان بعد الدخول يشتغل الرحم بالماء فوجبت العدة لبراءة الرحم.
وإن طلقها بعد الخلوة وقبل الدخول ففيه قولان
(أحدهما)
لا تجب العدة لما ذكرناه من الآية والمعنى (والثاني) تجب لان التمكين من استيفاء المنفعة جعل كالاستيفاء، ولهذا تستقر به الاجرة في الاجارة كما تستقر بالاستيفاء، فجعل كالاستيفاء في إيجاب العدة.
(فصل)
وان وجبت العدة على المطلقة لم تخل - إما أن تكون حرة أو أمة - فإن كانت حرة نظرت، فإن كانت حاملا من الزوج اعتدت بالحمل لقوله تعالى (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) ولان براءة الرحم لا تحصل في الحامل الا بوضع الحمل، فإن كان الحمل ولدا واحدا لم تنقض العدة حتى ينفصل
[ ١٨ / ١٢٤ ]
جميعه، وإن كان ولدين أو أكثر لم تنقض حتى ينفصل الجميع، لان الحمل هو الجميع، ولان براءة الرحم لا تحصل الا بوضع الجميع.
وان وضعت ما بان فيه خلق آدمى انقضت به العدة، وان وضعت مضغة لم يظهر فيه خلق آدمى وشهد أربع نسوة من أهل المعرفة أنه خلق آدمى ففيه طريقان من أصحابنا من قال تنقضي به العدة قَوْلًا وَاحِدًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ وقد بيناه في عتق أم الولد، وأقل مدة الحمل ستة أشهر لما روى أنه أتى عثمان ﵁ بامرأة ولدت لستة أشهر فشاور القوم في رجمها، فقال ابن عباس ﵁: أنزل الله ﷿ (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) وأنزل وفصاله في عامين فالفصال في عامين والحمل في ستة أشهر وذكر القتيبى في المعارف أن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر، وأكثره أربع سنين، لما روى الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك بن أنس: حدثت جميلة بنت سعد عن عائشة ﵂: لا تزيد المرأة على السنتين في الحمل.
قال مالك: سبحان الله من يقول هذا؟ هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان تحمل أربع
سنين قبل أن تلد.
وأقل ما تنقضي به عدة الحامل أن تضع بعد ثمانين يوما من بعد امكان الوطئ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إنَّ أحدكم ليخلق في بطن أمه نطفة أربعين يوما: ثم يكون علقة أربعين يوما، ثم يكون مضغة أربعين يوما.
ولا تنقضي العدة بما دون المضغة فوجب أن يكون بعد الثمانين (الشرح) قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم الخ) خاطب الله المؤمنين بحكم الزوجة تطلق قبل البناء، وبين ذلك الحكم للامة، فالمطلقة إذا لم تكن مسوسة لا عدة عليها بنص الكتاب واجماع الامة، وعلى هذا فإن النكاح في الآية هنا يطلق على العقد وان كان في الحقيقة يطلق على الوطئ، وسمى العقد نكاحا لملابسته له من حيث هو طريق إليه، ولم يرد النكاح في كتاب الله الا في معنى العقد لانه في معنى الوطئ، وهو من آداب القرآن، وقد كنى عن الوطئ بلفظ الملامسة والمماسة والقربان والتنشى والاتيان وفي قوله (ثم طلقتموهن) أحكام مضى ذكرها في الطلاق.
وقد استدل
[ ١٨ / ١٢٥ ]
داود الظاهرى ومن قال بقوله أن المطلقة الرجعية إذا راجعها زوجها قبل أن تنقضي عدتها ثم فارقها قبل أن يمسها أنه ليس له عليها أن تتم عدتها ولاعدة مستقبلة، لانها مطلقة قبل الدخول بها وقال عطاء بن أبي رباح وفرقة: تمضى في عدتها من طلاقها الاول، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ﵁، لان طلاقه لها إذا لم يمسها في حكم من طلقها في عدتها قبل أن يراجعها، ومن طلق امرأته في كل طهر مرة بنت ولم تستأنف، وقال مالك إذا فارقها قبل أن يمسها انها لاتبنى على ما مضى من عدتها، وإنها تنشئ من يوم طلقها عدة مستقبلة، وقد ظلم زوجها نفسه وأخطا إن كان ارتجعها ولا حاجة له بها، وعلى هذا أكثر أهل العلم، لانها في حكم الزوجات المدخول بهن في النفقة
والسكنى وغير ذلك، ولذلك تستأنف العدة من يوم طلقت، وهو قول جمهور فقها البصرة والكوفة ومكة والمدينة والشام وقال الثوري: أجمع الفقهاء عندنا على ذلك.
قال أبن قدامة: وأجمعوا على أن المطلقة قبل المسيس لا عدة عليها، لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم النساء ثم طلقتموهن) الآية (فرع)
هل تجب العدة على المطلقة إذا خلا بها ولم يمسها؟ فيه قولان:
(أحدهما)
وهو قوله في القديم: إن العدة تجب على كل من خلا بها زوجها ولم يصبها ثم طلقها.
وبهذا قال أحمد وروى عن الخلفاء الراشدين وزيد بن ثابت وابن عمر، وبه قال عروة وعلي ابن الحسين وعطاء والزهرى والثوري والاوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأى.
(الثاني) وهو قوله في الجديد: لا عدة عليها لقوله تعالى (ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) وهذا نص، ولانها مطلقة لم تمس فأشبهت من لم يخل بها ووجه القول الاول ماروى أحمد في مسنده عن زرارة بن أوفى قال: قضى الخلفاء الراشدون أن من أرخى سترا أو أغلق بابا فقد وجب المهر ووجبت
[ ١٨ / ١٢٦ ]
العدة، ولانه عقد على المنافع فالتمكين فيه يجرى مجرى الاستيفاء في الاحكام المتعلقة به كعقد الاجارة.
(مسألة) إذا كانت المطلقة حرة أو أمة وكانت حاملا من الزوج فقد أجمع أهل العلم في جميع الامصار والاعصار أنها تنقضي عدتها بوضع حملها، وكذلك كل مفارقة في الحياة، وأجمعوا أيضا على أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا اجلها وضع حملها إلا ابن عباس، وسيأتى مزيد
وقد شرعت العدة لمعرفة براءتها من الحمل ووضعه أدل الاشياء على البراءة منه فوجب أن تنقضي العدة ولانه لا خلاف في بقاء العدة ببقاء الحمل فوجب أن تنقضي به.
فإذا كان الحمل واحدا انقضت العدة بوضعه وانفصال جميعه، وان ظهر بعضه فهى في عدتها حتى يفصل باقيه، لانها لا تكون واضعة لحملها ما لم يخرج كله، وان كان الحمل اثنين أو أكثر لم تنقض عدتها إلا بوضع الآخر لان الحمل هو الجميع، هذا قول عامة أهل العلم إلا أبا قلابة وعكرمة فإنهما قالا: تنقضي عدتها بوضع الاول ولا تتزوج حتى تضع الآخر وذكر ابن أبى شيبة عن قتادة عن عكرمة أنه قال: إذا وضعت أحدهما فقد انقضت عدتها، قيل له فتتزوج؟ قال لا.
قال قتادة خصم العبد وهذا قول شاد باتفاق جمهور العلماء، ويخالف ظاهر الكتاب، فإن العدة شرعت لمعرفة البراءة من الحمل.
فإذا علم وجود الحمل فقد تيقن وجود الموجب للعدة وانتفت البراءة الموجبة لانقضائها، ولانها لو انقضت عدتها بوضع الاول لابيح لها النكاح كما لو وضعت الآخر، فإن وضعت ولدا وشكت في وجود ثان لم تنقض عتدها حتى تزول الريبة: وتيقن أنها لم يبق معها حمل، لان الاصل بقاؤها فلا يزول بالشك (فرع)
الحمل الذي تنقضي به العدة ما يتبين فيه شئ من خلق الانسان حرة كانت أو أمة، فإذا ألقت المرأة بعد فرقة زوجها شيئا لم يخل (١) أن يكون مابان فيه هو الشكل الآدمي من الرأس واليد والرجل، فهذا تنقضي به العدة بلا خلاف قال ابن المنذر: أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم على أن عدة المرأة تنقضي بالسقط إذا علم أنه ولد وممن تحفظ عنه ذلك الحسن وابن سيرين وشريح والشعبى
[ ١٨ / ١٢٧ ]
والنخعي والزهرى والثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال أحمد بن
حنبل، إذا بان فيه شئ من خلق الآدمى علم بأنه حمل: فيدخل في عموم قوله تعالى (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) (٢) أن تلقى نطفة أو دما لا تدري هل هو ما يخلق منه الآدمى أولا؟ فهذا لا يتعلق به شئ من الاحكام، لانه لم يثبت أنه ولد ولا بالمشاهدة ولا بالبينة (٣) أن تلقى مضغة لم تبن فيها الخلقة، فشهد أربع ثقات من القوابل أن فيه صورة خفية بان بها أنه خلقة آدمى، فهذا فيه طريقان، من أصحابنا من قال.
تنقضي به العدة كالحال الاولى قولا واحدا، لانه قد تبين بشهادة أهل المعرفة أنه ولد.
والثانى من أصحابنا من قال فيه قولان بنيهما المصنف في عتق أم الولد أحدهما أن عدتها لا تنقضي به ولا تصير أم ولد لانه لم يبين فيه خلق آدمى فأشبه الدم.
والثاني أن عدتها لا تنقضي به ولكن تصير أم ولد لانه مشكوك في كونه ولدا، فلم يحكم بانقضاء العدة المتيقنة بأمر مشكوك فيه.
وعن أحمد روايتان، إحداهما نقلها الاثرم والاخرى نقلها حنبل كالقولين عندنا (٤) إذا ألقت مضغة لاصورة فيها فشهد أربع من ثقات القوابل أنه مبتدأ خلق آدمى فهو كالذى قبله (٥) أن تضع مضغة لاصورة فيها ولم تشهد القوابل بأنها مبتدأ خلق آدمى فهذا لا تنقضي به العدة ولا تصير به أم ولد لانه لم يثبت كونه ولدا ببينة ولا مشاهدة، فأشبه العلقة، فلا تنقضي العدة بوضع ما قبل المضغة بحال، سواء كان نطفة أو علقة، وسواء قيل إنه مبتدأ خلق آدمى أو لم يقل، فإذا كان علقة فلا تنقضي به العدة بإجماع الفقهاء ما عدا الحسن البصري فإنه قال: إذا علم أنها حمل انقضت به العدة وفيه الغرة والاصح ما عليه الجمهور وأقل ما تنقضي به مدة الحمل ستة أشهر، لان الله تعالى يقول (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا)
قال ابن عباس: إذا حملت تسعة أشهر أرضعت إحدى وعشرين شهرا.
وإن حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرا، وروى أن عثمان قد أتى بأمرأة قد ولدت سفاحا لستة أشهر فأراد أن يقضى عليها بالحد فقال له على:
[ ١٨ / ١٢٨ ]
ليس ذلك عليها، قال تعالى (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) وقال تعالى (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) فالرضاع أربعة وعشرون شهرا والحمل ستة أشهر، فرجع عثمان ولم يحدها وقد روى الاثرم بإسناده عن أبى الاسود أنه رفع إلى عمر أن امرأة ولدت لستة أشهر فهم عمر برجمها فقال له على " ليس لك ذلك وتلا الآيتين، فخلى عمر سبيلها: وولدت مرة أخرى لذلك الحد، ورواه الاثرم أيضا عن عكرمة أن ابن عباس قال ذلك.
قال عاصم الاحول فقلت لعكرمة إنا بلغنا أن عليا قال هذا فقال عكرمة " لا " ما قال هذا الا ابن عباس وذكر ابن قتيبة في المعارف أن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر، وهذا قول أحمد ومالك وأصحاب الرأى وغيرهم.
وسيأتى في الرضاع مزيد ان شاء الله قال القرطبى لم يعد ثلاثة أشهر في أبتداء الحمل، لان الولد فيه نطفة وعلقة ومضغة، فلا يكون له ثقل يحس به، وهو معنى قوله تعالى (فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به) والفصال الفطام وروى أن الآية نزلت في أبى بكر الصديق: وكان حمله وفصاله ثلاثين شهرا حملته أمه تسعة أشهر وأرضعته إحدى وعشرين شهرا، وفي الكلام إضمار.
أي ومدة حمله ومدة فصاله ثلاثون شهرا، ولولا هذا الاضمار لنصب ثلاثون على الظرف وتغير المعنى.
وقال أحمد أقل ما تنقضي به العدة من الحمل أن تضعه بعد ثمانين يوما منذ
أمكنه وطؤها، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " إنَّ خلق أحدكم ليجمع في بطن أمه فيكون نطفة أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ولا تنقضي العدة بما دون المضغة فوجب أن تكون بعد الثمانين، فأما بعد الاربعة اشهر فليس فيه إشكال، لانه منكس في الخلق الرابع (مسألة) خبر مالك ساقه الذهبي في الميزان عن ابراهيم بن موسى الفراء.
حدثنا الوليد بن مسلم قال، قلت لمالك أن حدثت عن عائشة انها قالت " لاتحمل المرأة فوق سنتين قدر ظل معتزل " فقال مالك سبحان الله من يقول هذا؟
[ ١٨ / ١٢٩ ]
هذه امرأة ابن عجلان جارتنا امرأة صدق ولدت ثلاث أولاد في ثنتي عشرة سنة تحمل أربع سنين قبل أن تلد.
اه (قلت) من الغريب أن محمد بن عجلان نفسه حملت به أمه بأكثر من ثلاث سنين، ورى هذا الواقدي، سمعت عبد الله بن محمد بن عجلان يقول حمل بأبى بأكثر من ثلاث سنين.
وروى العباس بن نصر البغدادي عن صفوان بن عيسى قال " مكث ابن عجلان في بطن أمه ثلاث سنين، فشق بطنها لما ماتت فأخرج وقد نبتت أسنانه.
روى هذا المحدث أبو بكر بن شاذان عن عبد العزيز بن أحمد الغافقي المصرى عن العباس وكان محمد بن عجلان هذا رجلا صالحا تقيا، اختلف نقاد الرجال فيه، فقال الحاكم أخرج له مسلم في كتابه ثلاثة عشر حديثا كلها شواهد.
وقد تكلم المتأخرون من أئمتنا في سوء حفظه.
وقال الذهبي إمام صدوق مشهور.
روى عن أبيه والمقبرى وطائفة.
وعنه مالك وشعبة ويحيى القطان.
وثقة أحمد وابن معين وابن عيينة وأبو حاتم.
وروى عباس عن أبن معين قال ابن عجلان أوثق من محمد ابن عمر.
وما يشك أحد في هذا
وقال البخاري في ترجمة ابن عجلان في الضعفاء قال لى علي بن أبى الوزير عن عائشة إنه ذكر ابن عجلان فذكر خبرا، وقال يحيى القطان كان مضطربا في حديث نافع.
وقال البخاري، قال يحيى القطان لاأعلم إلا أنى سمعت ابن عجلان يقول كان سعيد المقبرى يحدث عن أبيه عن أبي هريرة وعن رجل عن أبى هريرة، فاختلط فجعلهما عن أبى هريرة.
كذا في نسختي بالضعفاء للبخاري.
وعندي في مكان آخر أن أبن عجلان كان يحدث عن سعيد عن أبيه عن أبى هريرة.
وعن رجل عن أبي هريرة، فاختلط عليه فجعلهما عن أبي هريرة
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
فإن كانت المعتدة غير حامل فإن كانت ممن تحيض اعتدت بثلاثة أقراء لقوله ﷿ (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) والاقراء هي الاطهار، والدليل عليه قوله تعالى (فطلقوهن لعدتهن) والمراد به في وقت
[ ١٨ / ١٣٠ ]
عدتهن كما قال (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) والمراد به في يوم القيامة والطلاق المأمور به في الطهر، فدل على أنه وقت العدة، وان كان الطلاق في وقت الحيض كان أول الاقراء الطهر الذي بعده، فإن كان في حال الطهر نظرت فإن بقيت في الطهر بعد الطلاق لحظة ثم حاضت احتسبت تلك اللحظة قرءا، لان الطلاق انما جعل في الطهر ولم يجعل في الحيض حتى لا يؤدي إلى الاضرار بها في تطويل العدة، فلو لم تحسب بقية الطهر قرءا كان الطلاق في الطهر أضر بها من الطلاق في الحيض، لانه أطول للعدة، فإن لم يبق بعد الطلاق جزء من الطهر - بأن وافق آخر لفظ الاطلاق آخر الطهر، أو قال لها أنت طالق في آخر جزء من طهرك - كان أول الاقراء الطهر الذي بعد الحيض.
وخرج أبو العباس وجها آخر أنه يجعل الزمان الذي صادفه الطلاق من الطهر
قرءا، وهذا لا يصح لان العدد لا يكون إلا بعد وقوع الطلاق فلم يجز الاعتداد بما قبله.
وأما آخر العدة فقد روى المزني والربيع أنها إذا رأت الدم بعد الطهر الثالث انقضت العدة برؤية الدم.
وروى البويطى وحرملة أنها لا تنقضي حتى يمضى من الحيض يوم وليلة: فمن أصحابنا من قال هما قولان، أحدهما تنقضي العدة برؤية الدم، لان الظاهر أن ذلك حيض، والثاني لا تنقضي حتى يمضى يوم وليلة لجواز أن يكون دم فساد فلا يحكم بانقضاء العدة.
ومنهم من قال هي على اختلاف حالين.
فالدى رواه المزني والربيع فيمن رأت الدم لعادتها فيعلم بالعادة أن ذلك حيض، والذى رواه البويطى وحرملة فيمن رأت الدم لغير عادة، لانه لا يعلم انه حيض قبل يوم وليلة، وهل يكون ما رأته من الحيض من العدة؟ فيه وجهان
(أحدهما)
أنه من العدة لانه لابد من اعتباره، فعل هذا إذا راجعها فيه صحت الرجعة، وإن تزوجت فيه لم يصح النكاح (والثاني) ليس من العدة لانا لو جعلناه من العدة لزادت العدة على ثلاثة أقراء، فعلى هذا إذا راجعها لم تصح الرجعة، فإن تزوجت فيه صح النكاح (الشرح) قوله تعالى (يتربصن بأنفسن ثلاثة قروء) يتربصن ينتظرن والتربص الانتظار.
قال تعالى (فتربصوا فستعلمون) قال ابن بطال، واختلف
[ ١٨ / ١٣١ ]
أهل العلم في الاقراء، فذهب قوم إلى أنها الاطهار، وهو مذهب الشافعي ﵀، وذهب قوم إلى أنها الحيض وأهل اللعنة يقولون ان القرء يقع على الحيض وعلى الطهر جميعا وهو عندهم من الاضداد، وأصل القراء الجمع، يقال قريت الماء في الحوض جمعته، فكأن الدم يجتمع في الرحم ثم يخرج.
اه وقال في اللسان، قال أبو عبيد القرء يصلح للحيض والطهر، قال وأظنه
من أقرأت النجوم إذا غابت والجمع أقراء، وفي الحديث " دعى الصلاة أيام أقرائك " وقروء على فعول وأقرؤ الاخيرة عن اللحيانى في أدنى العدد، ولم يعرف سيبوية أقراءا ولا أقرؤا.
قال استغنوا عنه بفعول، وفي التنزيل " ثلاثة قروء " كما قالوا خمسة كلاب يراد خمسة من كلاب.
قال الاعشى مورثة مالا وفي الحى رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا وقد اختلف الرواية عن أحمد بن حنبل فروى أنها الحيض، وهو مروى عن أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وابن عباس وسعيد بن المسيب والثوري والاوزاعي والعنبري واسحاق وأبى عبيد وأصحاب الرأى، وروى عن أبى موسى وعبادة بن الصامت وأبى الدرداء والرواية الثانية عن أحمد أن القروء الاطهار، وهو قول زيد وابن عمر وعائشة وسليمان بن يسار وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وأبان بن عثمان وعمر ابن عبد العزيز والزهرى ومالك وأبى بكر بن عبد الرحمن الذي قال: ما أدركت أحدا من فقهائنا إلا وهو يقول ذلك.
قال ابن عبد البر: رجع أحمد إلى إلى أن القروء الاطهار قال في رواية الاثرم: رأيت الاحاديث عمن قال القروء الحيض تختلف: والاحاديث عمن قاله إنه أحق بها حتى تدخل في الحيضة الثالثة أحاديثها صحاح وقوية.
واحتج من قال بقول الله (فطلقوهن لعدتهن) أي في عدتهن، كقوله تعالى (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) أي في يوم القيامة، وإنما أمر بالاطلاق في الطهر لا في الحيض.
[ ١٨ / ١٣٢ ]
(فرع)
لما كانت القروء هي الاطهار عندنا احتسبنا لها بالطهر الذي طلقها فيه، قرءا طلقها - وقد من طهرها لحظة - حسبها قرءا، وهذا قول
كل من قال: القروء الاطهار إلا الزهري وحده قال: تعتد بثلاثة قروء سوى الطهر الذي طلقها فيه.
وحكى عن أبي عبيد أنه إن كان جامعها في الطهر لم يحتسب ببقيته لانه زمن حرم فيه الطلاق فلم يحتسب به من العدة كزمن من الحيض.
وقال الحنابلة: القروء الحيض: وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة " ولان الاستبراء تعرف به براءة الرحم، وإنما يحصل بالحيضة لا بالطهر الذي قبلها، ولان العدة تتعلق بخروج خارج من الرحم فوجب أن تتعلق بالطهر كوضع الحمل يحققه أن العدة مقصودها معرفة براءة المرأة من الحمل، فتارة تحصل بوضعه وتارة تحصل بما ينافيه وهو الحيض الذي لا يتصور وجوده معه.
ووجه القول بأن المرأة تعتد بالطهر الذي طلقت فيه أن الطلاق حرم في زمن الحيض دفعا لضرر تطويل العدة عليها، فلو لم يحتسب ببقية قرءا كان الطلاق في الطهر أضر بها وأطول عليها، وما ذكر عن أبى عبيد لا يصح، لان تحريم الطلاق في الحيض لكونها لا تحتسب ببقيته فلا يجوز أن نجعل العلة في عدم الاحتساب تحريم الطلاق فتصير العلة معلولا، وإنما تحريم الطلاق في الطهر الذي أصابها فيه لكونها مرتابة، ولكونه لا يأمن الندم بظهور حملها (فرع)
إذا انقضت حروف الطلاق مع انقضاء الطهر، أو قال لها: أنت طالق في آخر جزء من طهرك، كان أول الاقراء الطهر الذي بعد الحيض ويكون محرما ولا تحتسب بتلك الحيضة من عدتها، وتحتاج أن تعتد بثلاث حيضات في قول الربيع بن سليمان والمزنى عن الشافعي: إذا رأت الدم بعد الطهر الثالث انقضت العدة برؤية الدم، وفي قوله من رواية البويطى وحرملة أنها لا تنقضي حتى يمضى من الحيض يوم وليلة.
ووجه القول الاول ما رواه الشافعي أخبرنا مالك عن نافع زيد بن أسلم
[ ١٨ / ١٣٣ ]
عن سليمان بن يسار أن الاحوص بن حكيم هلك بالشام حين دخلت امرأته في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها، ولا ترثه ولا يرثها.
ووجه الثاني ما أخرجه عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة.
قال ابن شهاب فذكر ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن فقالت: صدق عروة، وقد جادلها في ذلك ناس فقالوا: ان الله تبارك اسمه يقول: ثلاثة قروء، فقالت عائشة ﵂: صدقتم، وهل تدرون ما الاقراء؟ الاقراء الاطهار.
وقال الشافعي: فإذا طلق الرجل امرأته طاهرا قبل جماع أو بعده أعتدت بالطهر الذي وقع عليها فيه الطلاق ولو كان ساعة من نهار وتعتد بطهرين تامين بين حيضتين، فإذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة حلت، ولا يؤخذ أبدا في القرء الاول الا أن يكون فيما بين أن يوقع الطلاق وبين أول حيض، ولو طلقها حائضا لم تعتد بتلك الحيضة، فإذا طهرت استقبلت القرء، ولو طلقها فلما أوقع الطلاق حاضت - فإن كانت على يقين من أنها كانت طاهرا حين تم الطلاق ثم حاضت بعد تمامه بطرفة عين فذلك قرء وان علمت أن الحيض وتمام الطلاق كانا معا استأنفت العدة في طهرها من الحيض ثلاثة قروء اه ومحصل هذا أنه إذا طلقها وهي طاهر انقضت عدتها برؤية الدم من الحيضة الثالثة، وأن طلقها حائضا أنقضت عدتها برؤية الدم من الحيضة الرابعة، وهذا قول زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وأبان ابن عثمان ومالك وأبى ثور وأحمد وهو ظاهر أحد القولين للشافعي، والقول
الآخر لا تنقضي العدة حتى يمضى زمن الدم يوم وليلة، لجواز أن يكون الدم دم فساد فلا نحكم بانقضاء العدة حتى يزول الاحتمال.
وقال أصحاب أحمد ان الله تعالى جعل العدة ثلاثة قروء فالزيادة عليها مخالفة للنص فلا يعول عليه ولفظ حديث زيد بن ثابت " إذا دخلت في الدم من الحيضة
[ ١٨ / ١٣٤ ]
الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها ولا ترثه ولا يرثها " والقول: إن الدم يكون دم فساد يقتضى الرد بكونه حيضا في ترك الصلاة وتحريمها على الزوج وسائر أحكام الحيض فكذلك في انقضاء العدة، ثم إن كان التوقف عن الحكم بانقضاء العدة للاحتمال، فإذا تبين أنه حيض علمنا أن العدة قد انقضت حين رأت الدم، كما لو قال لها: إن حضت فأنت طالق وقد اختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: اليوم والليلة من العدة، لانه دم تكمل به العدة فكان منها كالذي في أثناء الاطهار، ومنهم من قال: ليس منها إنما يتبين به انقضاؤها، ولاننا لو جعلناه منها أوجبنا الزيادة على ثلاثة قروء، ولكننا نمنعها من النكاح حتى يمضى يوم وليلة ولو راجعها زوجها لم تصح الرجعة
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وأقل ما يمكن أن تعتد فيه الحرة بالاقراء اثنان وثلاثون يوما وساعة وذلك بأن يطلقها في الطهر ويبقى من الطهر بعد الطلاق ساعة فتكون تلك الساعة قرءأ ثم تحيض يوما، ثم تطهر خمسة عشر يوما وهو القرء الثاني ثم تحيض يوما ثم تطهر خمسة عشر يوما وهو القرء الثالث، فإذا طعنت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها.
(فصل)
وان كانت من ذوات الاقراء فارتفع حيضها، فإن كان لعارض معروف كالمرض والرضاع تربصت إلى أن يعود الدم، فتعتد بالاقراء: لان
ارتفاع الدم بسبب يزول فانتظر زواله، فإن ارتفع بغير سبب معروف، ففيه قولان.
قال في القديم تمكث إلى أن تعلم براءة رحمها ثم تعتد عدة الآيسة، لان العدة تراد لبراءة الرحم.
وقال في الجديد تمكث إلى أن تيأس من الحيض ثم تعتد عدة الآيسة لان الاعتداد بالشهور جعل بعد الاياس فلم يجز قبله، فإن قلنا بالقول القديم ففي القدر الذي تمكث فيه قولان.
(أحدهما)
تسعة أشهر، لانه غالب عادة الحمل ويعلم به براءة الرحم في الظاهر
[ ١٨ / ١٣٥ ]
(والثاني) تمكث أربع سنين، لانه لو جاز الاقتصار على براءة الرحم في الظاهر لجاز الاقتصار على حيضة واحدة، لانه يعلم بها براءة الرحم في الظاهر، فوجب أن يعتبر أكثر مدة الحمل ليعلم براءه الرحم بيقين.
فإذا علمت براءة الرحم بتسعة أشهر أو بأربع سنين اعتدت بعد ذلك بثلاثة أشهر، لما روى عن سعيد ابن المسيب ﵁ " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قضى في المرأة إذا طلقت فارتفعت حيضتها أن عدتها تسعة أشهر لحملها وثلاثة أشهر لعدتها، ولان تربصها فيما تقدم ليس بعدة وانما اعتبر ليعلم أنها ليست من ذوات الاقراء فإذا علمت أعتدت بعدة الآيسات فان حاضت قبل العلم ببراءة رحمها أو قبل انقضاء العدة بالشهور لزمها الاعتداد بالاقراء لانها تبينا أنها من ذوات الاقراء، فإن اعتدت وتزوجت ثم حاضت لم يؤثر ذلك في العدة لانها انقضت العدة وتعلق بها حق الزوج فلم يبطل، فإن حاضت بعد العدة وقبل النكاح ففيه وجهان.
أحدهما لا يلزمها لا عتداد بالاقراء لانا حكمنا بانقضاء العدة فلم يبطل بما حدث بعده، والثاني يلزمها لانها صارت من ذوات الاقرار قبل تغلق حق الزوج بها
فلزمها الاعتداد بالاقراء، فإن قلنا بقوله الجديد أنها تقعد إلى الاياس ففي الاياس قولان
(أحدهما)
يعتبر اياس أقاربها لانها أقرب اليهن (والثاني) يعتبر اياس نساء العالم، وهو أن تبلغ اثنتين وستين سنة، لانه لا يتحقق الاياس فيما دونها فإذا تربصت قدر الاياس اعتد ت بعد ذلك بالاشهر لان ما قبلها لم يكن عدة، وانما اعتبر ليعلم أنها ليست من ذوات الاقراء.
(الشرح) قال النووي، قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا تُؤْمَرُ فِي الْعِدَّةِ بِالْأَحْوَطِ والقعود إلى أن تَبَيُّنِ الْيَأْسِ، بَلْ إذَا طَلُقَتْ أَوْ فُسِخَ نِكَاحُهَا اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ أَوَّلُهَا مِنْ حِينِ الْفِرْقَةِ فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٌ وَلَمْ يَكُنْ حَمْلٌ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَحَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَحِيضُ وَتَطْهُرُ فِي كُلِّ شَهْرٍ فَحُمِلَ أَمْرُهَا عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ أَصْحَابُنَا وَلِأَنَّا لَوْ أَمَرْنَاهَا بِالْقُعُودِ إلَى الْيَأْسِ عَظُمَتْ الْمَشَقَّةُ وَطَالَ الضَّرَرُ لِاحْتِمَالٍ نَادِرٍ مُخَالِفٍ لِلظَّنِّ وَغَالِبِ عَادَةِ النِّسَاءِ بِخِلَافِ إلْزَامِهَا وَظَائِفَ الْعِبَادَاتِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ فِيهِ سَهْلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا، وَلِأَنَّ غَيْرَهَا يُشَارِكُهَا فِيهِ.
[ ١٨ / ١٣٦ ]
وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هُنَا وَالْغَزَالِيُّ فِي الْعِدَدِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ أَنَّهُ حَكَى وَجْهًا أَنَّهُ يَلْزَمُهَا الْقُعُودُ إلَى الْيَأْسِ ثُمَّ تَعْتَدُّ بثلاثة أشهر.
قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا الْوَجْهُ بَعِيدٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ الِاكْتِفَاءُ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي مُعْظَمِ الطُّرُقِ وَحَكَى الدَّارِمِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْ الْجُمْهُورِ.
قَالَ حَتَّى رَأَيْتُ لِلْمَحْمُودِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ الْحَيْضِ أَنَّهَا إذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا لَمْ يُرَاجِعْهَا بَعْدَ مُضِيِّ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَسَاعَتَيْنِ، وَلَا تَتَزَوَّجُ إلَّا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ احْتِيَاطًا لِأَمْرَيْنِ، ثُمَّ أَنْكَرَ الدَّارِمِيُّ عَلَى الْأَصْحَابِ قَوْلَهُمْ تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَغَلَّطَهُمْ فِي ذلك وبالغ في ابطال قولهم
قال الدرامى: يَنْبَغِي أَنْ نُبَيِّنَ عِدَّةَ غَيْرِهَا لِنَبْنِيَ عَلَيْهَا عِدَّتَهَا، فَعِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ الْحَائِلِ ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ كُلُّ قُرْءٍ طُهْرٌ إلَّا الْأَوَّلَ فَقَدْ يَكُونُ بَعْدَ طُهْرٍ، وَطَلَاقُهَا فِي الْحَيْضِ بِدْعَةٌ وَفِي الطُّهْرِ سُنَّةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَامَعَهَا فِيهِ فَبِدْعَةٌ أَخَفُّ مِنْ الْحَيْضِ، وَهَلْ يُحْسَبُ قُرْءًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فيه حسبت بقيته طهرا وَأَتَتْ بِطُهْرَيْنِ بَعْدَهُ، فَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ خَرَجَتْ مِنْ الْعِدَّةِ.
وَقِيلَ يُشْتَرَطُ مُضِيُّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.
وَقِيلَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ اُشْتُرِطَ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ فَإِنْ حَسِبْنَاهُ قُرْءًا فَكَمَا لَوْ لَمْ يُجَامِعْ فِيهِ وَإِلَّا وَجَبَ ثَلَاثَةُ أَطْهَارٍ بَعْدَهُ، وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي حَيْضٍ وَجَبَ ثَلَاثَةُ أَطْهَارٍ.
وَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ مَعَ آخِرِ اللَّفْظِ أَمْ عَقِبَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَهَلْ تَشْرَعُ فِي الْعِدَّةِ مَعَ وَقْتِ الْحُكْمِ بِالطَّلَاقِ أَمْ عَقِيبَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَلِلنَّاسِ خِلَافٌ فِي تُجْزِئُ الْقُرْءِ.
هَلْ هُوَ إلَى غَايَةٍ أَمْ إلَى غَيْرِ غَايَةٍ؟ وَقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَقَلُّ زَمَانٍ يُمْكِنُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ فِيهِ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ، بِأَنْ يُطَلِّقَهَا وَقَدْ بقى شئ مِنْ الطُّهْرِ فَتَعْتَدُّ بِهِ قُرْءًا ثُمَّ تَحِيضُ يوما وليلة ثم تطهر خمسة عشر، ثم تحيض يوما وليلة ثم تطهر خمسة عشر وَهُوَ الْقُرْءُ الثَّالِثُ ثُمَّ تَرَى الدَّمَ لَحْظَةً، وينغبى أن تنبى العدة على ما سبق، فإن طَلَّقَهَا وَكَانَ جُزْءٌ مِنْ آخِرِ لَفْظِهِ أَوْ شئ مِنْهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَقُولُ بِالْجُزْءِ فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ بِلَا خِلَافٍ وَتَعْتَدُّ بِالْأَطْهَارِ بَعْدَهُ.
وَإِنْ طَابَقَ الطلاق آخر
[ ١٨ / ١٣٧ ]
الطُّهْرِ اعْتَدَّتْ بِهِ قُرْءًا عَلَى قَوْلِ مَنْ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ عَلَى آخِرِ لَفْظِهِ وَحُسِبَ مِنْ الْعِدَّةِ وَلَا يُحْسَبُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْآخَرِ.
وَلَوْ بقى بعد طلاقه شئ مِنْ آخِرِ الطُّهْرِ فَعَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَا يَقُولُ بِالْجُزْءِ تَعْتَدُّ بِهِ قُرْءًا، لِأَنَّهُ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْأَوَّلِ مِنْهُمَا وَتَعْتَدُّ بِالثَّانِي وَهُوَ أَغْلَظُ - إذَا قُلْنَا بِالطَّلَاقِ عَقِيبَ لَفْظِهِ وَبِالْعِدَّةِ
عَقِيبَ الطَّلَاقِ - وَإِنْ قُلْنَا غَيْرَ ذَلِكَ فَأَوْلَى، وَعَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ بِالْجُزْءِ - إنْ كَانَ الثَّانِي جُزْءًا وَاحِدًا - فَإِنْ قُلْنَا الطَّلَاقُ عَقِيبَ لَفْظِهِ وَالْعِدَّةُ مُطَابِقَةٌ لِلطَّلَاقِ، أَوْ قُلْنَا الطَّلَاقُ بِآخِرِ لَفْظِهِ وَالْعِدَّةُ بَعْدَهُ حُسِبَ قرءا، لان ذلك الْجُزْءَ وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ وَطَابَقَتْهُ الْعِدَّةُ أَوْ صَادَفَتْهُ الْعِدَّةُ وَتَقَدَّمَهُ الطَّلَاقُ فِي آخِرِ لَفْظِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا الطَّلَاقُ بِآخِرِ لَفْظِهِ وَالْعِدَّةُ تُطَابِقُهُ فأولى بذلك.
وإن قلنا الطلاق عقيب لفظه والعدة عقيبه قُرْءًا، لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ فِي هَذَا الْجُزْءِ ولا يبقى بعده شئ مِنْ الطُّهْرِ لِلْعِدَّةِ.
وَإِنْ كَانَ بَقِيَ جُزْءٌ اعتدت به قرءا على جميع المذاهب، فقد تكون العدة على بعض الْمَذَاهِبِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَجُزْءًا، وَهُوَ أَقَلُّ مَا يُمْكِنُ، وَذَلِكَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَيُطَابِقُ آخِرُ طَلَاقِهِ آخِرَ الطُّهْرِ وَقُلْنَا وَقَعَ الطَّلَاقُ بِآخِرِ اللفظ وطابقه أول العدة، فأقل العدة إذا نوبتان وزيادة، وأكثرها ثلاث نوب يوم وَلَيْلَةٌ وَجُزْءٌ، وَذَلِكَ إنْ يُطَلِّقَهَا وَقَدْ بَقِيَ جُزْءٌ مِنْ الطُّهْرِ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِهِ وَلَا يُحْسَبُ قُرْءًا عِنْدَ مَنْ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ عَقِيبَ لَفْظِهِ.
وَجَعَلَ أَوَّلَ الْعِدَّةِ عَقِيبَ الطَّلَاقِ ثُمَّ تَمْضِي نَوْبَةُ حَيْضٍ وَطُهْرٍ، فَيَكُونُ قُرْءًا ثُمَّ ثَانِيَةٌ يَكُونُ ثَانِيًا، ثُمَّ ثَالِثُهُ قُرْءًا ثَالِثًا، ثُمَّ يَمْضِي يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ شَرَطَ ذَلِكَ وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ فَأَطْوَلُ الْعِدَّةِ عَلَى أَغْلَظِ المذاهب ثلاث نوب يوم وَلَيْلَةٌ وَطُهْرٌ إلَّا جُزْءًا.
وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ جامعها عاصيا في آخر الحيض وطلقها، فاتق آخِرُ لَفْظِهِ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الطُّهْرِ وَطَابَقَهُ فَنَقُولُ: الطَّلَاقُ بِآخِرِ لَفْظِهِ وَهُوَ أَوَّلُ جُزْءٍ مِنْ الطُّهْرِ وَفِيهِ جِمَاعٌ.
وَقُلْنَا لَا تَعْتَدُّ بِهِ وَذَلِكَ طُهْرٌ إلَّا جُزْءًا ثُمَّ تَمْضِي نَوْبَةٌ فَتَعْتَدُّ بِالطُّهْرِ قُرْءًا ثُمَّ نَوْبَةٌ ثَانِيَةٌ ثُمَّ ثَالِثَةٌ ثُمَّ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، فَهَذَا أَكْثَرُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عِدَّةً عَلَى أَشَدِّ مَذَاهِبِنَا، وَلَا يَخْفَى بِمَا ذَكَرْنَاهُ تَفْرِيعُ مَا فِي الْمَذَاهِبِ وَإِنَّمَا قَصَدْنَا بَيَانَ أَقْصَى الْغَايَتَيْنِ فِي الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ عَلَى أَقْصَى الْمَذَاهِبِ إذا ثبت هذا فإن الرجل إذا طلق امرأته وهى من ذوات الاقراء فلم تر الحيض
[ ١٨ / ١٣٨ ]
في عادتها ولم تدر ما رفعه؟ فإنها تعتد سنة تسعة أشهر منها تتربص فيها لتعلم براءة رحمها، لان هذه المدة هي غالب مدة الحمل، فإذا لم يبن الحمل فيها علم براءة الرحم ظاهرا فتعتد بعد ذلك عدة الآيسات ثلاثة أشهر، وهذا قول عمر ﵁ قال الشافعي: هذا قضاء عمر بين المهاجرين والانصار لا ينكره منهم منكر علمناه: وبه قال مالك والشافعي في أحد قوليه، وروى ذلك عن الحسن، وقال الشافعي في قول آخر: تتربص أربع سنين أكثر مدة الحمل ثم تعتد بثلاثة أشهر لان هذه المدة هي التي يتيقن بها براءة رحمها فوجب اعتبارها احتياطا وقال في الجديد تكون في عدة أبدا حتى تحيض أو تبلغ سن الاياس تعتد حنيئذ بثلاثة أشهر.
وهذا قول جابر بن زيد وعطاء وطاوس والشعبى والزهرى والنخعي وأبى الزناد والثوري وأبى عبيد وأهل العراق، لان الاعتداد بالاشهر جعل بعد الاياس فلم يجز قبله، وهذه ليست آيسة، ولانها ترجو عود الدم فلم تعتد بالشهور، كما لو تباعد حيضها لعارض أما إذا عرفت أن ارتفاع الحيض بعارض من مرض أو نفاس أو رضاع فإنها تنتظر زوال العارض وعود الدم.
وإن طال أن تصير في سن اليأس.
فعند ذلك تعتد عدة الآيسات على ما سنذكره وإن حاضت حيضة أو حيضتين ثم ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه؟ لم تنقض عدتها إلا بعد سنة بعد انقطاع الحيض.
وذلك لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ في رجل طلق امرأته فحاضت حيضة أو حيضتين فارتفع حيضها لا تدري ما رفعه؟ تجلس تسعة أشهر، فإذا لم يستبن بها حمل تعتد بثلاثد أشهر فذلك سنة ولا نعرف له مخالفا.
قال ابن المنذر " قضى به عمر بين المهاجرين والانصار ولم ينكره منكر "
ونختم هذا البحث بما قال الشافعي ﵁.
وإذا كانت تحيض في كل شهر أو شهرين فطلقت فرفعتها حيضتها سنة.
أو حاضت حيضة ثم رفعتها حيضتها سنة أنها لا تحل للازواج الا بدخولها في الدم من الحيضة الثالثة وان تباعد ذلك وطال.
وهى من أهل الحيض حتى تبلغ أن تيأس من المحيض وهي لا تيأس من المحيض حتى تبلغ السن التى من بلغتها من نسائها لم تحض بعدها.
فإذا بلغت ذلك
[ ١٨ / ١٣٩ ]
خرجت من أهل الحيض وكانت من المؤيسات من المحيض اللاتي جعل الله ﷿ عددهن ثلاثة أشهر واستقبلت ثلاثة أشهر من يوم بلغت سن المؤيسات من المحيض لا تخلو إلا بكمال الثلاثة الاشهر، وهذا يشبه - والله أعلم - ظاهر القرآن، لان الله تعالى جعل على الحيض الاقراء وعلى المؤيسا ت وغير البوالغ الشهور فقال " واللاتي يئسن من المحيض من نسائكم ان أرتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر " قال والحيض يتباعد فعدة المرأة تنقضي بأقل من شهرين إذا حاضت ثلاثة حيض ولا تنقضي إلا بثلاث سنين وأكثر إن كان حيضها يتباعد، لانه إنما جعل عليهن الحيض فيعتددن به وإن تباعد.
وإن كان البراءة من الحمل تعرف بأقل من هذا فإن الله ﷿ حكم بالحيض فلا أحيله إلى غيره.
فهذا عدتها الحيض حتى تؤيس من المحيض بما وضعت من أن تصير إلى السن التي من بلغها من أكثر نسائها لم تحض.
وقد يروى عن ابن مسعود وغيره مثل هذا القول أخبرنا مالك عن محمد بن يحيى بن حبان أنه كان عند جده هاشمية وأنصارية، فطلق الانصارية وهى ترضع ابنته فمكث سبعة عشر شهرا لا تحيض يمنعها الرضاع أن تحيض، ثم مرض حبان بعد أن طلقها بسبعة أشهر أو ثمانية فقلت له إن امرأتك تريد أن ترث، فقال لاهله أحملوني إلى عثمان، فحملوه إليه فذكر له
شأن امرأته وعنده على بن أبى طالب زيد بن ثابت، فقال لهما عثمان ماتريان؟ فقالا نرى أنها ترثه ان مات ويرثها ان ماتت فإنها ليست من القواعد التي قد يئسن من المحيض، وليست من الابكار اللاتى لم يبلغن المحيض، ثم هي على عدة حيضها ما كان من قليل أو كثير، فرجع حبان إلى أهله فأخذ ابنته، فلما فقد الرضاع حاضت حيضة، ثم حاضت حيضة أخرى، ثم توفى حبان من قبل أن تحيض الثالثة فاعتدت عدة المتوفى عنها زوجها وورثته ثم روى طرق هذا الخبر إلى أن قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد ويزيد ابن عبد الله بن قسيط عن ابن المسيب أنه قال: قال عمر بن الخطاب " أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعها حيضتها فإنها تنتظر تسعة أشهر، فإن بان بها حمل فذلك، والا اعتدت بعد التسعة أشهر ثم حلت اه
[ ١٨ / ١٤٠ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان كانت ممن لا تحيض ولا يحيض مثلها كالصغيرة والكبيرة الآيسة اعتدت بثلاثة أشهر، لقوله تعالى " واللائى يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر، واللائى لم يحضن " فإن كان الطلاق في أول الهلال اعتدت بثلاثة أشهر بالاهلة، لان الاشهر في الشرع بالاهلة.
والدليل عليه قوله ﷿ " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج " وان كان الطلاق في أثناء الشهر اعتدت بقية الشهر ثم اعتدت بشهرين بالاهلة ثم تنظر عدد ما اعتدت من الشهر الاول، وتضيف إليه من الشهر الرابع ما يتم به ثلاثون يوما.
وقال أبو محمد عبد الرحمن ابن بنت الشافعي ﵀ " إذا طلقت المرأة في أثناء الشهر اعتدت بثلاثة أشهر بالعدد كاملة، لانها إذا فانها الهلال في الشهر
الاول فاتها في كل شهر، فاعتبر العدد في الجميع، وهذا خطأ لانه لم يتعذر اعتبار الهلال الا في الشهر الاول فلم يسقط اعتباره فيما سواه
(فصل)
وان كانت ممن لا تحيض ولكنها في سن تحيض فيه النساء اعتدت بالشهور لقوله تعالى " واللائى يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر، واللائى لم يحضن " ولان الاعتبار بحال المعتدة لابعادة النساء، والدليل عليه أنها لو بلغت سنا لا تحيض فيه النساء وهى تحيض كانت عدتها بالاقراء اعتبارا بحالها، فذلك إذا لم تحض في سن تحيض فيه النساء وجب أن تتعد بالاشهر اعتبارا بحالها.
وان ولدت ولم تر حيضا قبله ولانفاسا بعده ففى عدتها وجهان
(أحدهما)
وهو قول الشيخ أبي حامد الاسفرايينى ﵀ أنها تعتد بالشهور للآية (والثاني) أنها لا تعتد بالشهور، بل تكون كمن تباعد حيضها من ذوات الاقراء، لانه لا يجوز أن تكون من ذوات الاحمال، ولا تكون من ذوات الاقراء.
(فصل)
وإذا شرعت الصغيرة في العدة بالشهور ثم حاضت لزمها الانتقال
[ ١٨ / ١٤١ ]
إلى الاقراء لان الشهور بدل عن الاقراء فلا يجوز الاعتداد بها مع وجود أصلها وهل يحسب ما مضى من الاشهر قرءا؟ فيه وجهان
(أحدهما)
يحتسب به - وهو قول أبى العباس - لانه طهر بعده حيض فاعتدت به قرءا، كما لو تقدمه حيض (والثاني) وهو قول أبى إسحاق انه لا يحتسب به، كما إذا اعتدت بقرأين ثم أيست لزمها الاستئناف ثلاثة أشهر ولم يحتسب ما مضى من زمان الاقراء شهرا وان انقضت عدتها بالشهور ثم حاضت لم يلزمها الاستئناف للعدة بالاقراء، لان
هذا معنى حدث بعد انقضاء العدة.
وإن شرعت في العدة بالاقراء ثم ظهر بها حمل من الزوج سقط حكم الاقراء إذا قلنا إن الحامل تحيض، لان الاقراء دليل على براءة الرحم من جهة الظاهر والحمل دليل على شغل الرحم من جهة القطع، والظاهر إذا عارضه قطع سقطت دلالته كالقياس إذا عارضه نص.
وإن اعتدت بالاقراء ثم ظهر حمل من الزوج لزمها الاعتداد بالحمل ويخالف إذا اعتدت بالشهور ثم حاضت، لان ما رأت من الحيض لم يكن موجودا في حال العدة وإنما حدث بعدها والحمل من الزوج كان موجودا في حال العدة بالاقراء فسقط معه حكم الاقراء (الشرح) قال أبو عثمان عمر بن سالم: لما نزلت عدة النساء في سورة البقرة في المطلقة والمتوفى عنها زوجها، قال أبى بن كعب يارسول الله إنا ناسا يقولون قد بقى من النساء من لم يذكر فيهن الصغار وذوات الحمل، فنزلت " واللائى يئسن من المحيض " الآية.
هكذا أخرجه ابن حرير وإسحاق بن راهويه والحاكم وغيرهم وقال السيوطي في اللباب: صحيح الاسناد.
وأخرج مقاتل بن سليمان في تفسيره أن خلاد بن عمرو بن الجموح سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ عدة التي لا تحيض فنزلت، وساق القرطبى روايات أخرى، منها أن معاذ بن جبل سأل عن عدة الكبيرة التي يئست فنزلت الآية
[ ١٨ / ١٤٢ ]
وقال مجاهد: الآية واردة في المستحاضة لا تدرى دم حيض هو أو دم علة وقوله " ان ارتبتم " أي شككتم، وقيل تيقنتم، وهو من الاضداد يكون شكا ويقينا كالظن، واختيار الطبري أن يكون المعنى إن شككتم فلم تدروا ما الحكم فيهن.
وقال الزجاج إن ارتبتم في حيضها وقد انقطع عنها الحيض وكانت ممن يحيض مثلها.
قال القشيرى وفي هذا نظر، لانا إذا شككنا هل بلغت سن اليأس لم نقل عدتها ثلاثة أشهر، والمعتبر في سن اليأس في قول: أقصى عادة أمرأة في العالم، وفي قول غالب نساء عشيرة المرأة على أن المرتابة في عدتها لا تنكح حتى تستبرئ من الريبة، وبارتفاع الريبة تنقضي عدتها.
وقد أجمع أهل العلم على أنها ان كانت من الآيسات أو ممن لم يحضن فعدتها ثلاثة أشهر لقوله تعالى " واللائى يسئن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن " فإن كان الطلاق في أول الهلال اعتبر ثلاثة أشهر بالاهلة لقوله تَعَالَى " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ للناس والحج " وقال سبحانه " إن عدة الشهور عند الله إثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والارض منها أربعة حرم " ولم يختلف الناس في أن الاشهر الحرم معتبرة بالاهلة.
وان وقع الطلاق في أثناء الشهر اعتدت بقيته ثم أعتدت شهرين بالاهلة ثم اعتدت من الشهر الثالث تمام ثلاثين يوما.
وهذا مذهب مالك وأحمد وقال أبو حنيفة: تحتسب بقية الاول وتعتد من الرابع بقدر ما فاتها من الاول تاما كان أو ناقصا، لانه لو كان من أول الهلال كانت العدة بالاهلة، فإذا كان من بعض الشهر وجب قضاء ما فات منه.
وخرج أصحاب أحمد وجها ثانيا أن جمع الشهور محسوبة بالعدد.
وهو قول ابن بنت الشافعي، لانه إذا حسب الاول بالعدد كان ابتداء من بعض الشهر فيجب أن يحسب بالعدد وكذلك الثالث، وهذا خطأ لان الشهر يقع على مابين الهلالين وعلى الثلاثين ولذلك إذا غم الشهر كمل ثلاثين والاصل الهلال، فإذا أمكن اعتبار الهلال اعتبروا.
وإذا تعذر رجعوا إلى العدد.
وفي هذا انفصال
[ ١٨ / ١٤٣ ]
عما ذكر لابي حنيفة.
وأما التخريج الذي ذكرناه فإنه لا يلزم إتمام الشهر الاول من الثاني ويجوز أن يكون تمامه من الرابع، ولهذا لم يسقط اعتبار الشهر الاول فيما سواه.
(فرع)
إذا بلغت سنا تحيض فيه النساء في الغالب فلم تحض كخمس عشرة سنة فعدتها ثلاثة أشهر، وهو مذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وضعف أبو بكر من أصحابه الرواية المخالفة لهذا، وقال رواها أبو طالب فخالف فيها أصحابه، وذلك ماروى أبو طالب عن أحمد أنها تعتد سنة، ووجه القول الاول قوله تعالى " واللائى لم يحضن " وهذه من اللائى لم يحضن، ولان الاعتبار بحال المعتدة لابحال غيرها ولهذا لو حاضت قبل بلوغ سن يحيض لمثله النساء في الغالب، مثل أن تحيض ولها عشر سنين اعتدت بالحيض، وفارق من ارتفع حيضها ولا تدري ما رفعه، فإنها من ذوات القروء وهذا لم تكن منهن.
وأقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنين، لان المرجع فيه إلى الوجود وقد وجد من تحيض لتسع.
وقد روى الشافعي ﵁ أنه قال: رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة، واختلف في السن التي تصير بها المرأة من الآيسات، فعن الشافعي قولان
(أحدهما)
يعتبر السن الذي يتيقن أنه إذا بلتغه لم تحض.
قال بعض أصحابنا هو إثنان وستون سنة.
(والثاني) يعتبر السن الذي ييأس فيه نساء عشريتها، لان الظاهر أن نشأها كنشئهن وطبعها كطبعهن.
واختلف عن أحمد في السن الذي تصير به المرأة من الآيسات، فعنه أوله خمسون سنة، لان عائشة قالت: لن ترى المرأة في بطنها ولدا بعد خمسين سنة،
وعنه إن كانت من نساء العجم فخمسون، وإن كانت من نساء العرب فستون " لانهن أقوى طبيعة، وقد ذكر الزبير بن بكار في كتاب النسب أن هندا بنت أبى عبيدة بن عبد الله بن زمعة ولدت موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ولها ستون سنة، وقال يقال إنه لن تلد بعد خمسين سنة إلا عربية ولا تلد لستين إلا قرشية
[ ١٨ / ١٤٤ ]
قال ابن قدامة: والصحيح أنه متى بلغت المرأة خمسين سنة فانقطع حيضها عن عادتها مرات لغير سبب فقد صارت آيسة، لان وجود الحيض في حق هذه نادر.
بدليل قول عائشة وقلة وجوده، فإذا انضم إلى هذه انقطاعه عن العادات مرات حصل اليأس من وجوده، فلها حينئذ أن تعتد بالاشهر، وان انقطع قبل ذلك فحكمها حكم من ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه، وإن رأت الدم بعد الخمسين على العادة التي كانت تراه فهو حيض في الصحيح: لان دليل الحيض الوجود في زمن الامكان.
وهذا يمكن وجود الحيض فيه وان كان نادرا، وان رأته بعد الستين فقد تيقن أنه ليس بحيض ذلك لا تعتد به وتعتد بالاشهر كالتي لا ترى دما.
(مسألة) إذا طلقها وهي من اللائى لم يحضن بأن كانت صغيرة أو كانت بالغا لم تحض إذا اعتدت بالشهور فحاضت قبل انقضاء عدتها ولو بساعة لزمها استئناف العدة في قول عامة الفقهاء.
منهم سعيد بن المسيب والحسن بن مجاهد وقتادة.
والشعبى والنخعي والزهرى والثوري ومالك وأحمد واسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأى وأهل المدينة وأهل البصرة.
وذلك لان الشهور بدل عن الحيض.
فإذا وجد المبدل بطل الحكم البدل كالتيمم مع الماء.
ويلزمها ان تعتد بثلاثة قروء.
وهل تعتد بما مضى من الطهر قبل الحيض قرءا؟ فيه وجهان
(أحدهما)
تعتد به
لانه طهر انتقلت منه إلى حيض فأشبه الطهر بين الحيضتين.
وهو قول أبى العباس لان القرء هو الطهر بين حيضتين.
وهذا لم يتقدمه حيض فلم يكن قرءا (والثاني) لا تعتد به كما إذا اعتدت بقرأين ثم أيست استأنفت ثلاثة أشهر وهو قول أبى اسحاق.
فأما إذا انقضت عدتها بالشهور ثم حاضت بعدها ولو بلحظة لم يلزمها استئناف العدة، لانه معنى حدث بعد انقضاء العدة كالتي حاضت بعد انقضاء العدة بزمن طويل.
ولو حاضت حيضة أو حيضتين ثم صارت من الآيسات استأنفت العدة بثلاثة أشهر.
لان العدة لا تلفق من جنسين.
وقد تعذر اتمامها بالحيض فوجب تكميلها
[ ١٨ / ١٤٥ ]
بالاشهر.
وان ظهر بها حمل من الزوج سقط حكم ما مضى وتبين أن ما رأته من الدم لم يكن حيضا، لان الحامل لا تحيض ولو حاضت بثلاثة حيض ثم ظهر بها حمل يمكن أن يكون حادثا بعد قضاء العده بأن تأتى به لستة أشهر منذ فرغت من عدتها لم تحلق بالزوج وحكمنا بصحة الاعتداد، وكان هذا الولد حادثا، وان أتت به لدون ذلك تبينا أن الدم ليس بحيض، لانه لا يجوز وجوده في مدة الحمل ولهذا الصورة أحكام في العبادات مضت في الحيض.
فإذا رأت المعتدة أمارات الحمل من حركة أو نفحة أو نحوهما وشكت هل هو حمل أم لا؟ فإذا حدثت الريبة قبل انقضاء عدتها فإنما تبقى في حكم الاعتداد حتى تزول الريبة، فإن بان حملا انقضت عدتها بوضعه، فإن زالت وبان أنه ليس يحمل تبينا أن عدتها انقضت بالقروء أو الشهور، فإن زوجت قبل زوال الريبة فالنكاح باطل لانها تزوجت وهى في حكم المعتدات في الظاهر قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن كانت المطلقة أمة نظرت فإن كانت حاملا اعتدت بالحمل لما ذكرناه في الحرة، وان كانت من ذوات الاقراء اعتدت بقرأين لما روى جابر عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ جَعَلَ الامة حيضتين، ولان القياس اقتضى أن تكون قرءا ونصفا كما كان حدها على النصف، إلا أن القرء لا يتبعض فكمل فصارت قرأين، ولهذا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لو استطعت أن أجعل عدة الامة حيضة ونصفا لفعلت، وإن كانت من ذوات الشهور ففيه ثلاثة أقوال (أحدها) أنها تعتد بشهرين لان الشهور بدل من الاقراء فكانت بعددها كالشهور في عدة الحرة
(والثانى)
أنها تعتد بثلاثة أشهر لان براءة الحرم لا تحصل إلا بثلاثة أشهر لان الحمل يمكث أربعين يوما نطفة، ثم أربعين يوما علقة، ثم أربعين يوما مضغة ثم يتحرك ويعلو جوف المرأة فيظهر الحمل (والثالث) أنها تعتد بشهر ونصف لان القياس يقتضى أن تكون على النصف من الحرة كما قلنا في الحمد، ولان القرء لا يتبعض فكمل والشهور تتبعض فتبعضت كما نقول في المحرم إذا وجب عليه نصف مد في جزءا الصيد وأراد أن يكفر بالصوم صام يوما لانه لا يتبعض، وان أراد أن يكفر بالاطعام أخرج نصف مد
[ ١٨ / ١٤٦ ]
(فصل)
وان أعتقت الامة قبل الطلاق اعتدت بثلاثة أقراء لانه وجبت عليها العدة وهى حرة، وإن انقضت عدتها بقرأين ثم اعتقت لم يلزمها زيادة لانها اعتدت على حسب حالها فلم يلزمها زيادة، كما لو اعتدت من لم تحض بالشهور ثم حاضت أو اعتدت ذات الاقراء ثم صارت آيسة، فإن أعتقت في أثناء العدة ففيه ثلاثة أقوال (أحدها) تتمم عدة أمة لانه عدد محصور يختلف بالرق والحرية فاعتبر فيه حال الوجوب كالحد
(والثانى)
أنها ان كانت رجعية أتمت عدة حرة، وان كانت بائنا أتمت عدة أمة، كما نقول فيمن مات عنها زوجها انها ان
كانت رجعية انتقلت إلى عدة الوفاة، وان كانت بائنا لم تنتقل (والثالث) وهو الصحيح أنه يلزمها أن تتمم عدة حرة، لان الاعتبار في العدة بالانتهاء، ولهذا لو شرعت في الاعتداد بالشهور ثم حاضت انتقلت إلى الاقراء (الشرح) الاخبار في عدة الامة عند ابن ماجه من حديث عائشة قالت " أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض " وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خير بريرة فاختارت نفسها وأمرها أن تعتد عدة الحرة.
رواه أحمد والدارقطني.
وروى الترمذي وأبو داود عن عائشة مرفوعا " طلاق الامة تطليقتان وعدتها حيضتان " وفي لفظ رواه الدارقطني " طلاق العبد اثنتان وقرء الامة حيضتان " ومثل ذلك روى عن ابن عمر عند ابن ماجه والدارقطني بإسنادين ضيعفين.
أما الاحكام في الفصلين فعلى وجهها
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان وطئت امرأة بشبهة وجبت عليها العدة لان وطئ الشبهة كالوطئ في النكاح في النسب فكان كالوطئ في النكاح في إيجاب العدة، فإن زنى بامرأة لم تجب عليها العدة لان العدة لحفظ النسب والزانى لايلحقه نسب
(فصل)
ومن مات عنها زوجها وجبت عليها العدة دخل بها أو لم يدخل، لقوله ﷿ " والذين يتوفون منكم ويذورن أزوجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر، عشرا " فإن كانت حائلا وهى حرة اعتدت بأربعة أشهر عشر للآية،
[ ١٨ / ١٤٧ ]
وان كانت أمة اعتدت بشهرين وخمس ليال، لانا دللنا على أن عدتها بالاقراء على النصف، إلا أنه لما لم يتبعض جعلناه قرأين، والشهور تتبعض فوجب عليها نصف ما يجب على الحرة.
وإن كانت حاملا بولد يلحق بالزوج اعتدت بوضعه لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا قالت " ولدت سبيعة الاسلمية بعد وفاة زوجها بليال: فذكرت ذلك لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: قد حللت فانكحى " وإن كانت حاملا بولد لا يحلق الزوج كامرأة الطفل لم تعتد بالحمل منه لانه لا يمكن أن يكون منه فلم تعتد به منه كامرأة الكبير إذا طلقها وأتت بولد لدون ستة أشهر من حين العقد، فإن كان الحمل لاحقا برجل وطئها بشبهة اعتدت به منه.
وإذا وضعت اعتدت عن الطفل بالشهور، لانه لا يجوز أن تعتد عن شخصين في وقت واحد.
وإن كان عن زنا احتسبت بما مضى من الشهور في حال الحمل عن عدة وفاة الطفل، لان الحمل عن الزنا لاحكم له فلا يمنع من الاعتداد بالشهور: وإن طلق امرأته طلاقا رجعيا ثم مات عنها وهي في العدة اعتدت بعدة الوفاة لانه توفى عنها وهى زوجته.
(الشرح) حديث أم سلمة أخرجه أحمد والشيخان وأصحاب السنن إلا أبا داود وابن ماجه بلفظ " إن امرأة من أسلم يقال لها سبيعة كانت تحت زوجها فتوفى عنها وهي حبلى فخطبها أبو السنابل بن بعكك فأبت أن تنكحه، فقال والله ما يصلح أن تنكحي حتى تعتدى آخر الاجلين، فمكثت قريبا من عشر ليال ثم نفست ثم جاءت النبي ﷺ فقال انكحي " وأخرجوه بمعناه من رواية سبيعة قالت " فأفتانى بأنى قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزويج ان بدا لى " وعن الزبير بن العوام " أن أم كلثوم بنت عقبة كانت عنده فقالت له وهى حامل: طيب نفسي بتطليقة، فطلقها تطليقة، ثم خرج إلى الطلاة، فرجع وقد وضعت، فقال مالها خدعتني خدعها الله، ثم أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ
[ ١٨ / ١٤٨ ]
" سبق الكتاب اجله، اخطبها إلى نفسها، قال القاضى عياض: والحديث - يعني حديث سبيعة - مبتور، نقص منه قولها " فنفست بعد ليال فخطبت " قال الحافظ بن حجر في الفتح: وقد ثبت المحذوف في رواية ابن ملحان عن يحيى ابن بكير شيخ البخاري ولفظه " فمكثت قريبا من عشرين ليلة ثم نفست " وقد وقع للبخاري اختصار المتن من طريق أخصر من هذه الطريق.
ووقع له في تفسير سورة الطلاق مطولا بلفظ " أن سبيعة بنت الحارث أخبرته أنها كانت تحت سعد بن خولة فتوفى عنها في حجة الوداع وهى حامل فلم تنشب أن وضعت حملها، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليه أبو السنابل بن بعكك رجل من بنى عبد الدار، فقال مالي أراك تجملت للخطاب، فإنك والله وما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سبيعة فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فسألته عن ذلك فأفتانى بأنى قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزويج " وقد ذهب جمهور الفقهاء من السلف والخلف إلى أن الحامل إذا مات عنها زوجها تنقضي عدتها بوضع الحمل، وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن على بسند صحيح أنها تعتد بآخر الاجلين، ومعناه أنها إن وضعت قبل مضى أربعة أشهر وعشر تربصت إلى انقضائها، وان انقضت المدة قبل الوضع تربصت إلى الوضع، وبه قال ابن عباس.
وروى عنه أنه رجع.
وروى عن ابن أبى ليلى أنه أنكر على ابن سيرين القول بانقضاء عدتها بالوضع، وأنكر أن يكون ابن مسعود قال بذلك، قال الشوكاني: وقد ثبت عن ابن مسعود من عدة طرق أنه كان يوافق الجمهور حتى كان يقول: من شاء لا عنته على ذلك.
أما الاحكام: فإن الموطوءة بشبهة تعتد عدة المطلقة، وكذلك الموطوءة في نكاح فاسد، لان كلا من وطئ الشبهة والنكاح الفاسد في لحوق النسب وشغل
الرحم كالوطئ الصحيح، فكانا مثله فيما تحصيل البراءة به، وإن وطئت المزوجة بشبهة لم يحل لزوجها وطؤها قبل انقضاء عدتها كيلا يفضى إلى اختلاط المياه واشتباه الانساب وله الاستمتاع منها بما دون الفرج في أحد الوجهين لانها زوجة
[ ١٨ / ١٤٩ ]
حرم وطؤها لعارض مختص بالفرج فأبيح الاستمتاع منها بما دونه الحائض.
(مسألة) المزني بها لا عدة لها، وهذا قول أبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄ وبه قال الثوري وأصحاب الرأى، لان العدة لحفظ النسب ولا يلحقه نسب، وقد روى عن علي نحوه.
وقال أحمد تستبرأ كالمزوجة بشبهة لانه وطئ يقتضى شغل الرحم فوجبت العدة منه كوطئ الشبهة.
وأما وجوبها كعدة المطلقة فلانها حرة فوجب استبراؤها بعدة كاملة كالموطوءة بشبهة وبهذا قال الحسن والنخعي، وهو قول مالك.
وروى ابن أبى موس عن أحمد رواية أخرى أنها تستبرأ بحيضة واحدة.
(مسألة) أجمع أهل العلم على أن عدة الحرة المسلمة الحائل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشر مدخولا بها أو غير مدخول بها، سواء كانت كبيرة بالغة أو صغيرة لم تبلغ.
وذلك لقوله تعالى " والذين يتوفون منكم ويذورن أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " وما رواه الشيخان مرفوعا " لا يحل لا مرأة تؤمن بالله واليوم الاخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " ولا تحمل الاية على المدخول بها كما في قوله تعالى " والمطلقات يتربصن بأنفسن ثلاثة قروء " لان هذا مخصصة بقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات من أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها " ولم يرد تخصيص عدة الوفاة، ولا أمكن قياسها على المطلقة في التخصيص، لان النكاح عقد عمر، فإذا انتهى والشئ إذا انتهى تقررت أحكامه.
وكذلك فإن المطلقة إذا أتت بولد يمكن للزوج تكذيبها ونفيه باللعان الامر الذي يمتنع في حق المتوفى.
فلا يؤمن أن تأتى بولد فيلحق الميت نسبه وما له من ينفيه، فاحتطنا بإيجاب العدة عليها لحفظها عن التصرف والمبيت في غير منزلها حفظا لها.
فإذا تقرر هذا فانه لا يعتبر وجود الحيض في عدة الوفاة في قول عامة أهل العلم.
وحكى عن مالك أنها إذا كانت مدخولا بها وجب أربعة أشهر وعشر فيها.
واتباع الكتاب والسنة أولى.
ولانه لو اعتبر الحيض في حقها لاعتبر ثلاثة قروء كالمطلقة.
وهذا الخلاف يختص بذات القرء.
فأما الايسة والصغيرة
[ ١٨ / ١٥٠ ]
فلا خلاف فيها.
وأما الامة المتوفى عنها زوجها فعدتها شهران وخمسة أيام في قول عامة أهل العلم منهم سعيد بن المسيب وعطاء وسليمان بن يسار وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثور واصحاب الرأى وغيرهم إلا ابن سيرين.
فإنه قال: ما أرى عدة الامه الا كعدة الحرة.
الا أن تكون قد مضت في ذلك سنه.
فإن السنة أحق أن تتبع وأخذ بظاهر النص وعمومه.
ولكن هذا لا ينهض أمام اتفاق الصحابة على أن عدة الامه المطلقة على النصف من عدة الحرة فكذلك عدة الوفاة.
(فرع)
إذا مات الصغير الذي لا يولد لمثله ولد عن زوجته، فأتت بولد لم يلحقه نسبه ولم تنقض العدة بوضعه.
وبهذا قال مالك والصحيح من مذهب أحمد وقال أبو حنيفة: أن مات وبها حمل ظاهر اعتدت عنه بالوضع.
فان ظهر الحمل بها بعد موته لم تعتد به.
وقد روى عن أحمد في الصبى مثل قول أبى حنيفة.
وهكذا خلاف فيما إذا تزوج بامرأة ودخل بها.
وان أتت بولد لدون ستة أشهر من حين عقد النكاح، فإنها لا تعتد بوضعه عندنا وعند أحمد، وتعتد به عند أبى حنيفة، واحتج بقوله تعالى " وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن "
ولا يخفى أن الآية واردة في المطلقات ثم هي مخصوصة بالقياس الذي ذكرناه فإذا تقرر هذا فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل من الوطئ الذي علقت به منه، سواء كان هذا الولد ملحقا بغير الصغير، مثل أن يكون من عقد فاسد أو وطئ شبهة، لان العدة تجب في هذه الاحوال، فإذا وضعته اعتدت من الصبى بأربعة أشهر وعشر، لان العدتين من رجلين لا يتداخلان ولو طلقها أو مات عنها فلم تنقض عدتها حتى تزوجت من أصابها فرق بينهما وبنت على ما مضى من عدة الاول، ثم استقبلت العدة من الثاني، والاجماع منعقد على هذا.
ولان العدة انما اعتبرت لمعرفة براءة الرحم لئلا يفضى إلى اختلاط المياه وامتزاج الانساب، وإن تزوجت فالنكاح باطل لانها ممنوعة من النكاح لحق الزوج الاول، فكان نكاحا باطلا، كما لو تزوجت وهى في نكاحه ويجب أن يفرق بينه وبينها - فإن لم يدخل بها فالعدة بحالها ولا تقطع بالعقد
[ ١٨ / ١٥١ ]
الثاني، لانه باطل لا تصير به المرأة فراشا ولا يستحق عليه بالعقد شئ وتسقط سكناها ونفقتها عن الزوج الاول لانها ناشز، وإن وطئها انقطعت العدة، سواء علم التحريم أو جهله وقال أبو حنيفة لا تنقطع لان كونها فراشا لغير من له العدة لا يمنعها، كما لو وطئت بشبهة وهى زوجة فإنها تعتد وإن كانت فراشا للزوج.
إذا ثبت هذا فعليه فراقها، فإن لم يفعل فعليه التفريق بينهما، فإن فارقها أو فرق بينهما وجب عليها أن تكمل عدة الاول لان حقه أسبق وعدته وجبت عن وطئ في نكاح صحيح، فإذا أكملت عدة الاول وجب عليها أن تعتد من الثاني ولا تتداخل العدتان لانهما من رجلين، وهذا مذهب أحمد.
وقال أبو حنيفة: يتداخلان فتأتى بثلاثة قروء بعد مفارقة الثاني تكون عن
بقية عدة الاول وعدة الثاني لان القصد معرفة براءة الرحم وهذا تحصل به براءة الرحم منهما جميعا.
وهذا خطأ لما روى مالك عن أبن شهاب عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار " أن طليحة كانت تحت رشيد الثقفى فطلقها ونكحها غيره في عدتها، فضربها عمر بن الخطاب وضرب زوجها ضربات بمخفقة وفرق بينهما ثم قال: أيما امرأة نكحت في عدتها فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الاول، وكان خاطبا من الخطاب، وان كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عتدها من الاول ثم اعتدت من الآخر ولا ينكحها أبدا.
وروى عن علي ﵇ أنه قضى في التي تزوج في عدتها أنه يفرق بينهما ولها الصداق بما استحل من فرجها، وتكمل ما أفسدت من عده الاول وتعتد من الآخر.
هذا ماقاله خليفتان من الراشدين لا نعلم لهما مخالفا من الصحابة (فرع)
إذا مات زوج الرجعية استأنفت عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا بلا خلاف.
قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك، وذلك لان الرجعية زوجة يلحقها وينالها وينالها ميراثه فاعتدت للوفاة كغير المطلقة، وإن مات مطلق البائن في عدتها بنت على عدة الطلاق لانه مات وليست زوجة له لانها بائن من النكاح فتكون غير منكوحة.
وبهذا قال مالك وأبو عبيد
[ ١٨ / ١٥٢ ]
وأبو ثور وابن المنذر وقال أحمد تلزمها عدة الطلاق، إلا أن يطلقها في مرض موته فإنها تعتد أطول الاجلين من عدة الوفاة أو ثلاثة قروء، وبه قال الثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن، لانها وارثة له فيجب عليها عدة الوفاة كالرجعية وتلزمها عدة الطلاق لما ذكروه في دليلهم، وإن مات المريض المطلق بعد انقضاء عدتها بالحيض أو بالشهور أو بوضع الحمل أو كان طلاقه قبل الدخول
فليس عليها عدة لموته
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن طلق إحدى امرأتيه بعينها ثلاثا ومات قبل أن يبين نظرت فان لم يدخل بهما اعتدت كل واحدة منهما أربعة أشهر وعشرا، لان كل واحدة منهما يجوز أن تكون هي الزوجة فوجبت العدة عليهما ليسقط الفرض بيقين، كمن نسى صلاة من صلاتين لايعرف عينها وإن دخل بهما - فان كانتا حاملتين - اعتدتا بوضع الحمل، لان عدة الطلاق والوفاة في الحمل واحدة، وان كانتا من ذوات الشهور اعتدتا بأربعة أشهر وعشر، لانها تجمع عدة الطلاق والوفاة، وان كانتا من ذوات الاقراء اعتدتا بأقصى الاجلين من أربعة أشهر وعشرا أو ثلاثة أقراء، وابتداء الاشهر من موت الزوج، وابتداء الاقراء من وقت الطلاق ليسقط الفرض بيقين.
وان اختلفت صفتهما في العدة كان حكم كل واحدة منهما على الانفراد كحكمها إذا اتفقت صفتهما، وقد بيناه.
وإن طلق أحداهما لا بعينها ومات قبل أن يعين فالحكم فيه على ما ذكرناه إذا كانت المطلقة معينه ومات قبل أن يبين الا في شئ واحد.
وهو أنا متى أمرناها بالاعتداد بالشهور أو الاقراء، فإن ابتداء الاشهر من حين الموت، فأما الاقراء، فان قلنا على أحد الوجهين إن ابتداء العدة من حين يلفظ بالطلاق كان ابتداء الاقراء من حين الطلاق، وان قلنا بالوجه الآخر ان ابتداء العدة من حين التعيين كان ابتداء الاقراء من حين الموت، لان بالموت وقع الاياس من بيانه وقبل الموت لم ييأس من بيانه
[ ١٨ / ١٥٣ ]
(الشرح) إذا طلق واحدة من نسائه بعينها وأنسيها فإنه يحرم عليه الجميع،
فإن مات فعلى الجميع الاعتداد بأقصى الاجلين إذا كن من ذوات الاقراء من عدة الطلاق والوفاة، لان النكاح كان ثابتا بيقين وكل واحدة منهن يحتمل أن تكون هي المطلقة وأن تكون زوجة فوجب أقصى الاجلين إن كان الطلاق بائنا ليسقط الفرض بيقين، كمن نسى صلاة من يوم لا يعلم عينها لزمه أن يصلى خمس صلوات لكن ابتداء القروء من حين طلق.
وابتداء عدة الوفاة من حين الموت، وهذا هو مذهب أحمد بن حنبل.
وإن طلق الجميع ثلاثا بعد ذلك فعليهن كلهن تكميل عدة الطلاق من حين طلقهن ثلاثا، وإن طلق الجميع ثم أنسيهن فهو كما لو طلق واحدة، وإذا طلق واحدة لا بعينها من نسائه فعلى ما قلنا في التي قبلها وقال أصحاب أحمد: أخرجت بالقرعة وعينها العدة دون غيرها، وتحسب عدتها من حين طلق لا من حين القرعة قال الشافعي ﵁: وإذا علمت المرأة يقين وفاة الزوج أو طلاقه ببينة تقوم لها على موته أو طلاقة أو أي علم صادق ثبت عندها اعتدت من يوم يكون الطلاق وتكون الوفاة، وإن لم تعتد حتى تمضى عدة الطلاق والوفاة لم يكن عليها عدة، لان العدة إنما هي مدة تمر عليها، فإذا مرت عليها فليس عليها مقام مثلها.
قال وإذا خفى ذلك عليها وقد استيقنت بالطلاق أو الوفاة اعتدت من يوم استيقنت أنها اعتدت منه.
وقد روى عن غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: تعتد من يوم يكون الطلاق أو الوفاة.
اه (فرع)
والعشر المعتبرة في العدة هي عشر ليال بأيامها، فتجب عشرة أيام مع الليالى، وبهذا قال مالك وأحمد وأبو عبيد وابن المنذر وأصحاب الرأى.
وقال الاوزاعي: يجب عشر ليالى وتسعة أيام، لان العشر تستعمل في الليالى دون الايام، وإنما دخلت الايام اللاتى في أثناء الليل تبعا
قلنا: العرب تغلب اسم التأنيث في العدد خاصه على المذكر فتطلق لفظ الليالى وتريد الليالى بأيامها، كما قال تعالى لزكريا " آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال
[ ١٨ / ١٥٤ ]
سويا " يريد أيامها بدليل أنه قال في موضع آخر " آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا " يريد بلياليها.
ولو نذر اعتكاف العشر الاخير من رمضان لزم الليالى والايام، ويقول القائل (سرنا عشرا) يريد الليالى بأيامها، فلم يجز نقلها عن العدة إلى الاباحة بالشك.
وما في الفصل من اختلاف صفاتهن أو اتفاقها فعلى وجهه.
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
إذا فقدت المرأة زوجها وانقطع عنها خبره ففيه قولان
(أحدهما)
وهو قوله في القديم إن لها أن تنفسخ النكاح ثم تتزوج، لما روى عمرو بين دينار عن يحيى بن جعدة " أن رجلا استهوته الجن فغاب عن أمرأته، فأتت عمر بن الخطاب ﵁ فأمرها أن تمكث أربع سنين، ثم أمرها أن تعتد ثم تتزوج " ولانه إذا جاز الفسخ لتعذر الوطئ بالتعنين وتعذر النفقة بالاعسار، فلان يجوز ههنا - وقد تعذر الجميع - أولى
(والثانى)
وهو قوله في الجديد وهو الصحيح أنه ليس لها الفسخ، لانه إذا لم يجز الحكم بموته في قسمة ماله لم يجز الحكم بموته في نكاح زوجته، وقول عمر ﵁ يعارضه قول علي ﵇ " تصبر حتى يعلم موته " ويخالف فرقة التعنين والاعسار بالنفقة، لان هناك ثبت سبب الفرقة بالتعنين، وههنا لم يثبت سبب الفرقة وهو الموت فإن قلنا بقوله القديم قعدت أربع سنين ثم تعتد عدة الوفاة ثم تتزوج، لما رويناه عن عمر ﵁، ولان بمضي أربع سنين يتحقق براءة رحمها ثم
تعتد: لان الظاهر أنه مات فوجب عليها عدة الوفاة قال أبو إسحق يعتبر ابتداء المدة حين أمرها الحاكم بالتربص.
ومن أصحابنا من قال يعتبر من حين انقطع خبره، والاول أظهر، لان هذه المدة ثبتت بالاجتهاد فافتقرت إلى حكم الحاكم كمدة التعنين، وهل يفتقر بعد انقضاء العدة إلى الحكم بالفرقة؟ فيه وجهان
(أحدهما)
أنه لا يفتقر، لان الحكم بتقدير المدة حكم بالموت بعد انقضائها
[ ١٨ / ١٥٥ ]
(والثانى)
أنه يفتقر إلى الحكم لانه فرقة مجتهد فيها فافتقرت إلى الحاكم كفرقة التعنين، وهل تقع الفرقة ظاهرا وباطنا؟ فيه وجهان
(أحدهما)
تقع ظاهرا وباطنا، فإن قدم الزوج وقد تزوجت لم يجز أن ينتزعها من الزوج، لانه فسخ مختلف فيه، فنفذ فيه الحكم ظاهرا وباطنا كفرقة التعنين (والثانى ينفذ في الظاهر دون الباطن، لان عمر ﵁ جعل للمفقود لما رجع أن يأخذ زوجته.
وإن قلنا بالقول الجديد إنها باقية على نكاح الزوج.
فإن تزوجت بعد مدة التربص وانقضاء العدة فالنكاح باطل، فإن قضى لها حاكم بالفرقة فهل يجوز نقضه على قوله الجديد؟ فيه وجهان
(أحدهما)
لا يجوز لانه حكم فيما يسوغ فيه الاجتهاد
(والثانى)
أنه يجوز لانه حكم مخالف لقياس جلى، وهو أنه لا يجوز أن يكون حيا في ماله ميتا في نكاح زوجته
(فصل)
وإن رجع المفقود، فإن قلنا بقوله الجديد سلمت الزوجة إليه، وإن قلنا بقوله القديم وقلنا إن حكم الحاكم لا ينفذ في الباطن سلمت إليه، وإن قلنا إنه ينفذ ظاهرا وباطنا لم تسلم إليه، وان فرق الحاكم بينهما وتزوجت ثم بان أن المفقود كان قد مات وقت الحكم بالفرقة - فإن قلنا بقوله القديم - صح النكاح، سواء قلنا إن الحكم ينفذ في الظاهر دون الباطن، أو قلنا إنه ينفذ في
الباطن دون الظاهر، لان الحكم أباح لها النكاح وقد بان أن الباطن كالظاهر.
وإن قلنا بقوله الجديد ففي صحة النكاح الثاني وجهان بناء على القولين فيمن وصى بمكاتبه ثم تبين أن الكتابة كانت فاسدة (الشرح) يحيى بن جعدة اختلف في صحبة أبيه جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومى القرشى، فقد تزوج هبيرة بن أبى وهب بأم هانئ بنت أبى طالب فولدت أم هانئ ثلاثة بنين: جعدة وهانئ ويوسف.
وقال الزبير بن بكار: أربعة بنين أحدهم جعدة، وقد تولى جعدة على خراسان لعلي بن أبي طالب، وهو ابن أخته وهو القائل: أبى من مخزوم ان كنت سائلا ومن هاشم أمي لخير قبيل فمن الذي يبنأى (١) على بخاله كخالي على ذى الندى وعقيل
_________________
(١) يبأى أي يفخر
[ ١٨ / ١٥٦ ]
اما ولده يحيى فليس من رواته ولكنه ثقة، وقد أرسل عن ابن مسعود ونحوه وهو الطبقة الثالثة.
أما رواية يحيى هنا فقد أخرجها ابن أبى الدنيا قال " وحدثنا أبو مسلم عبد الرحمن ابن يوسف حدثنا سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عن يحيى بن جعدة قال: انتسفت الجن رجلا على عهد عمر ﵁ فلم يدروا أحيا هو أم ميتا؟ فأتت امرأته عمر ﵁ فأمرها أن تتربص أربع سنين ثم أمر وليه أن يطلق ثم أمرها أن تعتد وتتزوج فإن جاء زوجها خير بينها وبين الصداق " ويحيى لم يعاصر عمر بن الخطاب ولم يره فيكون في الخبر انقطاع وقد أخرج ابن أبى الدنيا هذا الخبر بإسناد آخر: حدثنى اسماعيل بن اسحق حدثنا خالد بن الحارث حدثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أبى نضرة عن
عبد الرحمن بن أبى ليلى أن رجلا من قومة خرج ليصلى مع قومه صلاة العشاء ففقد، فانطلقت أمراته إلى عمر بن الخطاب فحدثته بذلك، فسأل عن ذلك قومها فصدقوها، فأمرها أن تتربص أربع سنين فتربصت ثم أتت عمر فأخبرته بذلك فسأل عن ذلك قومها فصدقوها، فأمرها أن تتزوج، ثم أن زوجها الاول قدم فارتفعوا إلى عمر فقال عمر: يغيب أحدكم الزمان الطويل لا يعلم أهله حياته، قال كان لي عذر؟ قال وما عذرك؟ قال خرجت أصلى مع قومي صلاة العشاء فسبتني أو قال أصابتني الجن فكنت فيهم زمنا طويلا، فعزاهم جن مؤمنون فقاتلوهم فظهروا عليهم فأصابوا لهم سبايا فكنت فيمن أصابوا، فقالوا ما دينك؟ قلت مسلم.
قالو أنت علي ديننا لا يحل لنا سبيك، فخيروني بين المقام وبين القفول فاخترت القفول، فأقبلوا معى بالليل بشرا يحدوني، وبالنهار اعصار وريح أتبعها، قال فما كان طعامك؟ قال كل ما لم يذكر اسم الله عليه.
قال فما كان شرابك؟ قال الجدف قال قتادة: الجدف ما لم يخمر من الشراب قال فخيره عمر ﵁ بين المرأة وبين الصداق.
وفي إسناده أبو نضرة وليس كل أحد يحتج به.
[ ١٨ / ١٥٧ ]
وأورد العقيلى في الضعفاء، وذكره صاحب الكامل ولم يذكر شيئا أكثر من أنه كان عريفا لقومه، قال الذهبي: ولكن احتج به البخاري.
وأخرجه الاثرم والجوزجاني بإسنادهما عن عبيد بن عمير وعبد الرزاق بسنده في الفقيد ومالك والشافعي مختصرا.
أما الاحكام: فإذا غاب الرجل عن امرأته غيبة غير منقطعة، يعرف فيها خبره ومكانه ويأتى كتابه، فهذا ليس لامرأته أن تتزوج في قول أهل العلم
أجمعين، إلا أن يعتذر الانفاق عليها من ماله، فلها أن تطلب فسخ النكاح فيفسخ نكاحه.
وأجمعوا على أن زوجة الاسير لا تنكح حت تعلم يقين وفاته، وهذا قول النخعي والزهرى ويحيى الانصاري ومكحول وأحمد بن حنبل وأبى عبيد وأبى ثور وإسحاق وأصحاب الرأى، وان أبق العبد فزوجته على الزوجية حتى تعلم موته أو ردته، وبه قال الاوزاعي والثوري وإسحاق.
وقال الحسن: اباقه طلاقه.
أما إذا غاب غيبة منقطعة بأن يفقد وينقطع خبره ولا يعلم مكانه فهذا ينقسم قسمين.
(أحدهما)
أن يكون ظاهر غيبته السلامة كسفر التجارة في غير مهلكة وطلب العلم والسياحة والاسر في حبس السلطان فلا تزوج الزوجية أيضا ما لم يثبت موته، هذا هو قوله في الجديد، وهو مروى عن علي وابن شبرمة وابن أبى ليلى الثوري وأبى حنيفة وأبى قلابة والنخعي وأبى عبيد.
وقال في القديم تتربص أربع سنين وتعتد للوفاة أربعة أشهر وعشرا وتحل للازواج لانه إذا جاز الفسخ لتعذر الوطئ بالعنة، وتعذر النفقة بالاعسار فلان يجوز ههنا لتعذر الجميع أولى، واحتجوا بحديث عمر في المفقود مع موافقة الصحابة له وتركهم إنكاره ولم يقل بهذا من الفقهاء إلا مالك.
ونقل أحمد من أصرم عن أحمد بن حنبل إذا مضى عليه تسعون سنة قسم ماله، وهذا يقتضى أن زوجته تعتد عدة الوفاة ثم تتزوج.
قال ابن قدامة، قال أصحابنا أنما اعتبر تسعين سنة من يوم ولادته، لان
[ ١٨ / ١٥٨ ]
الظاهر أنه لا يعيش أكثر من هذا العمر، فإذا اقترن به انقطاع خبره وجب الحكم بموته، كما لو كان فقده بغيبة ظاهرها الهلاك، والمذهب الاول لان هذه
غيبة ظاهرها السلامة فلم يحكم بموته كما قيل في الاربع سنين أو كما قبل التسعين، ولان هذا التقدير بغير توقيف، والتقدير لا ينبغى أن يصار إليه الا بالتوقيف لان تقديرها بتسعين سنة من يوم ولادته يفضى إلى اختلاف العدة في حق المرأة باختلاف عمر الزوج ولا نظير لهذا، وخبر عمر ظاهر فيمن ظاهر غيبته الهلاك فلا يقاس على غيره.
(القسم الثاني) أن تكون غيبته ظاهرها الهلاك كالذي يفقد من بين أهله ليلا أو نهارا، أو يخرج إلى الصلاة فلا يرجع، أو يمضى إلى مكان قريب ليقضى حاجته فلا يظهر له أثر ولاخبر أو يفقد في حومة القتال بين الصفين أو تتحطم بهم باخرة فيغرق بعض رفقته أو يفقد في مهلكة كصحراء الفيوم ومنخفض القطارة من ديار مصر حرسها الله أو في صحراء الجزائر الكبرى من قطر الجزائر أيده الله، أو الربع الخالى من البلاد الحجازية أعلى الله رايتها.
فقال في القديم: تتربص أربع سنين أكثر مدة الحمل ثم تعتد للوفاة أربعة أشهر وعشرا وتحل للازواج.
وقال أحمد: من ترك هذا القول فأى شئ يقول، وهو قول عمر وعثمان وعلى وابن عباس وابن الزبير.
وقال في الجديد تتربص حتى يتبين موته أو فراقه لما روى المغيرة بن شعبة إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " امرأة المفقود امرأته حتى يأتي زوجها ".
وروى الحكم وحماد عن علي: لا تتزوج امرأة المفقود حتى يأتي موته أو طلاقه، لانه شك في زوال الزوجية فلم نثبت به الفرقة كما لو كان ظاهر غيبته السلامه، وفي اعتبار ابتداء المدة من حين الغيبه أو من حين ضرب الحاكم المدة وجهان.
(أحدهما)
يعتبر ابتداؤهما من حين ضربها الحاكم لانها مدة مختلف فيها
فافتقرت إلى ضرب الحاكم كمدة العنه.
[ ١٨ / ١٥٩ ]
(والثانى)
من حين انقطع خبره وبعد أثره لان هذا ظاهر في موته، فكان ابتداء المدة منه كما لو شهد به شاهدان، ولاحمد روايتان كالوجهين.
(فرع)
إذا قدم زوجها الاول قبل أن تتزوج فهى امرأته.
وقال بعض أصحابنا إذا ضربت لها المدة فانقضت بطل نكاح الاول، والحق أننا انما أبحنا لها التزويج، لان الظاهر موته، فإذا بان حيا انخرم ذلك الظاهر وكان النكاح بحاله كما لو شهدت البينة بموته ثم بان حيا.
والقياس الجلي أنه لا ينبغى أن نثبت له الحياة في ملكه ولانثبتها له في نكاحه والنكاح أحد الملكين فأشبه ملك المال، وهذا هو أحد الوجهين عندنا.
فأما ان قدم بعد أن تزوجت نظرنا، فإن كان قبل الدخول بالثاني فهى زوجة الاول ترد إليه.
أما بعد الدخول فإن قلنا: التفريق بينها وبين الزوج الاول بحكم الحاكم وأن الفرقة وقعت، فعلى قوله الجديد تسلم الزوجة إلى زوجها الاول ولا كلام.
وإن قنلا بقوله القديم: وقلنا إن حكم الحاكم يقتصر على الظاهر دون الباطن سلمت الزوجة إلى زوجها الاول.
وإن قلنا: إن حكمه ينفذ ظاهرا وباطنا لم تسلم إليه.
وقال أحمد: أما قبل الدخول فهى امرأته، وإنما التخيير بعد الدخول، وهو قول الحسن وعطاء وخلاس بن عمرو والنخعي وقتادة ومالك وإسحاق، وفي رواية لاحمد: إذا تزوجت امرأته فجاء خير بين الصداق وبين امرأته.
قال ابن قدامة: والصحيح أن عموم كلام أحمد يحمل على أنه لا تخيير إلا بعد الدخول، فتكون زوجة الاول رواية واحدة لان النكاح إنما صح في الظاهر
دون الباطن، فإذا قدم تبينا أن النكاح كان باطلا، لانه صادف امرأة ذات زوج فكان باطلا كما لو شهدت بينة بموته، وليس عليه صداق لانه نكاح فاسد لم يتصل به دخول، ويعود الزوج بالعقد الاول كما لو لم تتزوج.
(فرع)
إذا تزوجت امرأة المفقود في وقت ليس لها أن تتزوج فيه مثل أن
[ ١٨ / ١٦٠ ]
تتزوج قبل مضى المدة التي يباح لها التزويج بعدها أو كانت غيبة زوجها ظاهرها السلامة أو ما أشبه هذا، فإن تبين أن زوجها قد مات وانقضت عدتها منه أو فارقها وانقضت عدتها ففي صحة نكاحها وجهان.
(أحدهما)
هو صحيح لانها ليست في نكاح ولاعدة فصح تزويجها كما لو علمت ذلك (والثاني) لا يصح لانها معتقدة تحريم نكاحها وبطلانه، وأصل هذا من باع عينا في يده يعتقدها لمورثه فبان موروثه ميتا والعين مملوكة له بالارث هل يصح البيع؟ فيه وجهان كذا ههنا، والله تعالى أعلم بالصواب.
[ ١٨ / ١٦١ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى: