إذا علم الزوج أن امرأته زنت - فإن رآها بعينه وهى تزني ولم يكن نسب يلحقه - فله أن يقذفها، وله أن يسكت لما روى علقمة عن عبد الله " أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يا رسول الله إن رجل وجد مع امرأته رجلا ان تكلم جلدتموه أو قتل قتلتموه أو سكت سكت على غيظ، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم اللهم افتح، وجعل يدعو فنزلت آية اللعان " والذى يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء الا أنفسهم.
الآية " فذكر أنه يتكلم أو يسكت ولم ينكر النبي ﷺ كلامه ولا سكوته.
وان أقرت عنده بالزنا فوقع في نفسه صدقها أو أخبره بذلك ثقة أو استفاض أن رجلا يزنى بها ثم رأى الرجل يخرج من عندها في أوقات الريب فله أن يقذفها وله أن يسكت، لان الظاهر أنها زنت فجاز له القذف والسكوت.
وأما إذا رأى رجلا يخرج من عندها ولم يستفض أنه يزنى بها لم يجز أن يقذفها، لانه يجوز أن يكون قد دخل إليها هاربا أو سارقا، أو دخل ليراودها عن نفسها ولم تمكنه، فلا يجوز قذفها بالشك.
وان استفاض أن رجلا يزنى بها ولم يجده عندها ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يجوز قذفها لانه يحتمل أن يكون عدو قد أشاع ذلك عليهما
(والثانى)
يجوز.
لان الاستفاضة أقوى من خبر الثقة.
ولان الاستفاضة تثبت القسامة في القتل فثبت بها جواز القذف (الشرح) قصة الملاعن التى ساقها المصنف هنا رويت من طرق وبأسانيد مختلفة.
منها ما رواه الشيخان وأحمد في مسنده عن سعيد بن جبير أنه قال لعبد الله ابن عمر " يا أبا عبد الرحمن المتلاعنان أيفرق بينهما؟ قال سبحان الله.
نعم.
ان أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان.
قال يا رسول الله أرأيت لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف يصنع؟ ان تكلم تكلم بأمر عظيم وان سكت سكت
[ ١٧ / ٣٨٥ ]
على مثل ذلك.
قال فسكت النبي ﷺ فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذى سألتك عنه ابتليت به، فأنزل الله ﷿ هؤلاء الآيات في سورة النور " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء " فتلاهن عليه
ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقال لا والذى بعثك بالحق ما كذبت عليها، ثم دعاها فوعظها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقالت: لا والذى بعثك بعثك بالحق انه لكاذب فبدأ الرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله انه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ثم فرق بينهما " وعند الشيخين وأحمد وأصحاب السنن إلا الترمذي عن سهل بن سعد " أن عويمر العجلاني أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فيقتلونه، أم كيف يفعل؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ نزل فيك وفى صاحبتك فاذهب فائت بها، قال سهل: فتلاعنا، وأنا مع الناس عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فلما فرغ قال عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله قال ابن شهاب فكانت سنة المتلاعنين " وفى رواية الشيخين وأحمد " ذاكم التفريق بين كل متلاعنين " وفى لفظ لاحمد ومسلم " وكان فراقه إياها سنة في المتلاعنين " أما اللغات فاللعان مصدر لاعن يلاعن لعانا وملاعنة، كقاتل يقاتل قتالا ومقاتلة، أي لعن كل واحد الآخر، ولاعن الرجل زوجته قذفها بالفجور.
وقال ابن دريد كلمة إسلامية في لغة فصيحة.
وقال في الفتح: اللعان مأخوذ من اللعن، لان الملاعن يقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
واختير لفظ اللعن دون الغضب في التسمية لانه قول الرجل، وهو الذى بدئ به في الآية، وهو أيضا يبدأ به وقيل سمى لعانا لان اللعن الطرد والابعاد وهو مشترك بينهما، وإنما خصت
المرأة بلفظ الغضب لعظم الذنب بالنسبة إليها
[ ١٧ / ٣٨٦ ]
قوله " واستفاض " أي شاع.
قوله " في أوقات الريب " أي الشك في سبب دخوله لماذا دخل إليها.
وقد اختلف العلماء فيمن وجد مع امرأته رجلا وتحقق وجود الفاحشة منهما فقتله، هل يقتل به أم لا؟ فمنع الجمهور الاقدام، وقالوا يقتص منه إلا أن يأتي ببينة الزنا، أو يعترف المقتول بذلك بشرط أن يكون محصنا.
وقيل بل يقتل به لانه ليس له أن يقيم الحد بغير اذن الامام.
وقال بعض السلف: لا يقتل أصلا، ويعذر فيما فعله إذا ظهرت أمارات صدقه.
وشرط أحمد واسحاق ومن تبعهما أن يأتي بشاهدين أنه قتله بسبب ذلك ووافقهم ابن القاسم وابن حبيب من المالكية، لكن زاد أن يكون المقتول قد أحصن.
وعند الامام الهادى من العترة أنه يجوز للرجل أن يقتل من وجده مع زوجته وأمته وولده حال الفعل، وأما بعده فيقاد به ان كان بكرا.
ولنعد إلى ما في الفصل.
قال في البيان.
اللعان مشتق من اللعن وهو الطرد والابعاد فسمى المتلاعنان بذلك لان في الخامسة اللعنة.
ولما يتعقب من المأثم والطرد، لانه لابد أن يكون أحدهما كاذبا فيكون ملعونا اه إذا ثبت هذا فإن رأى الرجل امرأته تزني أو أقرت عنده بالزنا أو أخبره بذلك ثقة واستفاض في الناس أن رجلا زنا بها ثم وجده عندها ولم يكن هناك نسب يلحقه من هذا الزنا فله أن يقذفها بالزنا، لانه إذا رآها فقد تحقق زناها.
وإذا أقرت عنده أو أخبره ثقة أو استفاض في الناس ووجد الرجل عندها غلب على ظنه زناها فجاز له قذفها.
ولا يجب عليه قذفها لما روى أَنَّ رَجُلًا قَالَ
" يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ امرأتي لا ترد يد لامس " تعريضا منه بزناها.
فقال النبي ﷺ طلقها.
فقال إنى أحبها.
فقال أمسكها.
وللاحاديث التى سقناها في صدر هذا البحث إذ أذن النبي ﷺ للملاعن أن يتكلم أو يسكت حيث لم ينكر عليه أيهما.
فأما إذا لم يظهر على المرأة الزنا ببينة ولا سبب حرم عليه قذفها لقوله تعالى " إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم - إلى قوله تعالى - سبحانك هذا بهتان عظيم " ولقوله ﷺ
[ ١٧ / ٣٨٧ ]
" من قذف محصنة أحبط الله عمله ثمانين عاما " وإن أخبر بزناها من لا يثق بقوله حرم عليه قذفها، لانه لا يغلب على الظن إلا قول الثقة، وإن وجد عندها رجلا ولم يستفض في الناس أنه زنا بها حرم عليه قذفها لجواز أن يكون دخل إليها هاربا أو لحاجة أو لطلب الزنا ولم تجبه، فلا يجوز قذفها بأمر محتمل وإن استفاض في الناس أن فلانا زنى بها ولم يجده عندها فهل يجوز له أن يقذفها؟ فيه وجهان حكاهما المصنف
(أحدهما)
يجوز له قذفها لان الاستفاضة أقوى من خبر الثقة، والقسامة تثبت بالاستفاضة فيثبت بها جواز القذف.
(والثانى)
لا يجوز له قذفها، ولم يذكر في التعليق والشامل غيره لجواز أن يكون أشاع ذلك عدو لها.
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
ومن قذف امرأته بزنا يوجب الحد أو تعزير القذف، فطولب بالحد أو بالتعزير فله أن يسقط ذلك بالبينة، لقوله ﷿ " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة " فدل على أنه إذا أتى بأربعة شهداء لم يجلد.
ويجوز أن يسقط باللعان، لما روى ابن عباس ﵁ " أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: البينة أو الحد في ظهرك، فقال يا رسول الله إذا رأى أحدنا رجلا على امرأته يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول: البينة وإلا حد في ظهرك.
فقال هلال: والذى بعثك بالحق إنى لصادق، ولينزلن الله ﷿ في أمرى ما يبرئ ظهرى من الحد، فنزلت: والذين يرمون أزواجهم " ولان الزوج يبتلى بقذف امرأته لنفى العار والنسب الفاسد، ويتعذر.
عليه إقامة البينة فجعل اللعان بينة له، ولهذا لما نزلت آية اللعان قال النبي ﷺ " أبشر يا هلال، فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا.
قال هلال قد كنت أرجو ذلك من ربى ﷿ " فإن قدر على البينة ولاعن جاز لانهما بينتان في اثبات حق، فجاز إقامة كل واحدة منهما مع القدرة على الاخرى، كالرجلين، والرجل والمرأتين في المال.
[ ١٧ / ٣٨٨ ]
وان كان هناك نسب يحتاج إلى نفيه لم ينتف بالبينة، ولا ينتفى الا باللعان، لان الشهود لا سبيل لهم إلى العلم بنفى النسب.
وان أراد أن يثبت الزنا بالبينة ثم يلاعن لنفى النسب جاز، وان أراد أن يلاعن ويثبت الزنا وينفى النسب باللعان جاز.
(الشرح) حديث ابن عباس أخرجه احمد والبخاري وابو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني ولفظه " أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ البينة أو حد في ظهرك.
فقال يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول البينة والا حد في ظهرك، فقال هلال والذى بعثك بالحق انى لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهرى من الحد، فنزل جبريل وأنزل الله عليه (والذين يرمون أزواجهم) فقرأ حتى بلغ (ان كان من الصادقين) فانصرف النبي ﷺ فأرسل اليهما فجاء هلال فشهدوا النبي ﷺ
يقول ان الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت، فلما كان عند الخامسة وقفوها فقالوا انها موجبة فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، فقال النبي ﷺ انظروها فإن جاءت به أكحل العينين سابع الاليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ لولا ما مضى من كتاب الله لكان لى ولها شأن " قوله " البينة أو حد في ظهرك " فيه دليل على أن الزوج إذا قذف امرأته بالزنا وعجز عن اقامة البينة وجب عليه حد القاذف.
وإذا وقع اللعان سقط وهو قول الجمهور.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن اللازم بقذف الزوج انما هو اللعان فقط، ولا يلزمه الحد، والحديث وما في معناه حجة عليه قوله فنزلت " والذين يرمون أزواجهم " فيه التصريح بأن الآية نزلت في شأن هلال.
وقد تقدم الخلاف في ذلك.
وفى الحديث مشروعية تقديم الوعظ للزوجين قبل اللعان وقد أخرج هذا الحديث احمد ومسلم والنسائي عن أنس بلفظ " ان هلال بن
[ ١٧ / ٣٨٩ ]
أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء وكان أخا لبراء بن مالك لامه، وكان أول رجل لاعن في الاسلام.
قال فتلاعنا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أبصروها فإن جاءت به أبيض سبطا قضئ العينين فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحل جعدا حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء.
قال فأنبئت أنها جاءت به أكحل جعدا حمش الساقين " وفى رواية أن أول لعان كان في الاسلام أن هلال بن أمية قذف شريك بن السحماء بامرأته، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بذلك، فقال النبي ﷺ
أربعة شهداء وإلا حد في ظهرك، يردد ذلك عليه مرارا، فقال له هلال: والله يا رسول الله إن الله ليعلم انى لصادق ولينزلن الله عليك ما يبرئ ظهرى من الحد فبينما هم كذلك إذ نزلت عليه آية اللعان (والذين يرمون أزواجهم) إلى آخر الآية وذكر الحديث.
رواه النسائي ورجاله رجال الصحيح وقوله " قضئ العينين " بفتح فكسر بعدها همزة على وزن حذر، وهو فاسد العينين، والجعد خلاف السبط ويسميه عوام المصريين (أكرت) قوله " حمش الساقين " أي دقيق الساقين.
ورواه أحمد وابو داود مطولا وفى إسناده عباد بن منصور وقد تكلم فيه غير واحد.
وقيل فيه إنه كان قدريا داعية أما الاحكام فإنه إذا قدف الرجل رجلا محصنا أو امرأة أجنبية منه محصنة وجب عليه حد القذف وحكم بفسقه وردت شهادته.
فإن أقام القاذف بينة على زنا المقذوف سقط عنه الحد وزال التفسيق وقبلت شهادته ووجب على المقذوف حد الزنا لقوله تعالى " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة " الآية وإن قذف الرجل امرأته وجب عليه حد القذف إن كانت محصنة، والتعزير إن كانت غير محصنة وحكم بفسقه، فإن طولب بالحد أو التعزير فله أن يسقط ذلك عن نفسه بإقامة البينة على الزنا، وله ان يسقط ذلك باللعان، فإن لاعن والا أقيم عليه الحد أو التعزير.
هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذا قذف الرجل امرأته لم يجب عليه الحد بقذفها وإنما يجب عليه اللعان فإن لاعن وإلا حبس حتى يلاعن.
[ ١٧ / ٣٩٠ ]
دليلنا قوله تعالى " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " الآية.
وهذا عام في الازواج وغير الازواج، فأخبر الازواج بأن
لعانهم يقوم مقام شهادة أربعة غيرهم بقوله تعالى " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء الا أنفسهم " الآية.
وحديث ابن عباس الذى ساقه المصنف في الفصل في قصة هلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن السحماء، فقال النبي ﷺ " البينة أو حد في ظهرك " فقال والذى بعثك بالحق انى لصادق ولينزلن الله في امرى ما يبرئ ظهرى من الحد، فأنزل الله تعالى (والذين يرمون أزواجهم) الآية، فدعاه النبي ﷺ وقال " أبشر يا هلال قد جعل الله لك فرجا مخرجا " فقال قد كنت أرجو ذلك من ربى وحديث عويمر العجلاني الذى مضى في اول هذا البحث وفيه: قد انزل الله فيك وفى صاحبتك اذهب فأت بها، فأتى بها فتلاعنا.
فيكون المعنى قد انزل الله فيك وفى صاحبتك، أي ما انزل في هلال بن امية وامرأته لانها عامة، ويجوز ان تكون الآية نزلت في الجميع، والمشهور هو الاول، وإنما خص الازواج باللعان بقذف الزوجات، لان الأجنبي لا حاجة به إلى القذف فغلظ عليه ولم يقبل منه في اسقاط الحد عنه الا بالبينة.
وإذا زنت الزوجة فقد أفسدت على الزوج فراشه وخانته فيما ائتمنها عليه، وألحقته من الغيظ مالا يلحق الأجنبي، وربما ألحقت به نسبا ليس منه، فاحتاج إلى قذفها لنفى ذلك النسب عنه، فخفف عنه بأن جعل لعانه يقوم مقام شهادة أربعة.
وان قدر الزوج على البينة واللعان فله أن يسقط الحد عن نفسه بأيهما شاء.
وقال بعض الناس ليس له ان يلاعن.
دليلنا انهما بينتان في اثبات حق فجاز له اقامة كل واحدة منهما مع القدرة على الاخرى، كالرجلين في الشهادة في المال والرجل والمرأتين (فرع)
وسواء قال الزوج رأيتها تزني أو قذفتها بزنى ولم يضف ذلك إلى رؤيته فله ان يلاعن لاسقاط الحد عنه.
وبه قال ابو حنيفة.
وقال مالك ليس له
أن يلاعن الا إذا قال رأيتها تزني، لان آية اللعان نزلت في هلال بن امية وكان
[ ١٧ / ٣٩١ ]
قال رأيت بعينى وسمعت بأذنى.
دليلنا قوله تعالى " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم " الآية.
ولم يفرق بين أن يقول رأيت بعين أو أطلق ولانه معنى يخرج به من القذف المضاف إلى المشاهدة، فصح الخروج به من القذف المطلق كالبينة (فرع)
وإن كان هناك ولد يريد نفيه لم ينتف بالبينة وإنما ينتفى باللعان، لان الشهود لا سبيل لهم إلى ذلك.
وإن أراد أن يثبت الزنا بالبينة ويلاعن لنفى النسب أو يلاعن لهما جاز له ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وإن عفت الزوجة عن الحد أو التعزير - ولم يكن نسب - لم يلاعن، ومن أصحابنا من قال له أن يلاعن لقطع الفراش، والمذهب الاول، لان المقصود باللعان درء العقوبة الواجبة بالقذف ونفى النسب لما يلحقه من الضرر بكل واحد منهما، وليس ههنا واحد منهما، وأما قطع الفراش فإنه غير مقصود ويحصل له ذلك بالطلاق فلا يلاعن لاجله وإن لم تعف الزوجة عن الحد أو التعزير ولم تطالب به فقد روى المزني أنه ليس عليه أن يلاعن حتى تطلب المقذوفة حدها.
وروى فيمن قذف امرأته ثم جنت أنه إذا التعن سقط الحد، فمن أصحابنا من قال لا يلاعن لانه لا حاجة به إلى اللعان قبل الطلب.
وقال ابو إسحاق: له أن يلاعن لان الحد قد وجب عليه فجاز أن يسقطه من غير طلب، كما يجوز أن يقضى الدين المؤجل قبل الطلب.
وقوله: ليس عليه أن يلتعن، لا يمنع الجواز وإنما يمنع الوجوب
(فصل)
وإن كانت الزوجة أمة أو ذمية أو صغيرة يوطأ مثلها فقذفها عزر وله أن يلاعن لدرء التعزير لانه تعزير قذف، وإن كانت صغيرة لا يوطأ مثلها فقذفها عزر ولا يلاعن لدرء التعزير، لانه ليس بتعزير قذف، وإنما هو تعزير على الكذب لحق الله تعالى.
وإن قذف زوجته ولم يلاعن فحد في قذفها ثم قذفها بالزنا الذى رماها به عزر
[ ١٧ / ٣٩٢ ]
ولا يلاعن لدرء التعزير لانه تعزير لدفع الاذى، لانا قد حددناه للقذف، فإن ثبت بالبينة أو بالاقرار أنها زانية ثم قذفها فقد روى المزني انه لا يلاعن لدرء التعزير.
وروى الربيع انه يلاعن لدرء التعزير.
واختلف أصحابنا فيه على طريقين، فقال ابو اسحاق: المذهب ما رواه المزني وما رواه الربيع من تخريجه لان اللعان جعل لتحقيق الزنا وقد تحقق زناها بالاقرار أو البينة، ولان القصد باللعان إسقاط ما يجب بالقذف، والتعزير ههنا على الشتم لحق الله تعالى لا على القذف، لانه بالقذف لم يلحقها معرة.
وقال ابو الحسن بن القطان وأبو القاسم الداركى: وهى على قولين
(أحدهما)
لا يلاعن لما ذكرناه
(والثانى)
يلاعن لانه إذا جاز أن يلاعن لدرء التعزير فيمن لم يثبت زناها، فلان يلاعن فيمن ثبت زناها أولى.
(الشرح) درء العقوبة دفعها وإزالتها، وبابه نفع، ودارأته دافعته، وفى الحديث " ادرءوا الحدود بالشبهات " وفى الكتاب " ويدرءون بالحسنة السيئة " وقال تعالى (فادارأتم فيها) أي تماريتم وتدافعتم، والمدارأة بالهمز المدافعة.
قال الشاعر بلسان ناقته: تقول وقد درأت لها وضينى
* أهذا دينه أبدا وديني؟ أكل الدهر حل وارتحال؟
* فما تبقى على ولا تقيني
والمداراة بغير همز الاخذ بالرفق أو المخاتلة.
يقال داريته إذا لاينته، ودريته إذا ختلته.
ومنه: فإن كنت لا أدرى الظباء فانني
* أدس لها تحت التراب الدواهيا أما الاحكام فإن حد القذف حق للمقذوف، فإن عفا عنه سقط وان مات قبل أن يستوفيه ورث عنه، وقال أبو حنيفة: وهو حق لله لا حق للمقذوف فيه، فإن عفا عنه لم يسقط، وان مات لم يورث عنه.
ووافقنا أنه لا يستوفى الا بمطالبته.
دليلنا قوله ﷺ " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام " فأضاف العرض الينا كإضافة الدم والمال، فوجب أن يكون ما في مقابلته
[ ١٧ / ٣٩٣ ]
للمقذوف كالدم والمال، ولانه حق على البدن إذا ثبت بالاعتراف لم يسقط بالرجوع فكان للآدمي كالقصاص، ففى قولنا إذا ثبت بالاعتراف لم يسقط بالرجوع، احتراز من حد الزنا والخمر والقطع في السرقة.
إذا ثبت هذا فقذف زوجته ثم عفت عما وجب لها من الحد أو التعزير ولم يكن هناك ولد لم يكن له أن يلاعن، لانه يلاعن لاسقاط الحد عنه، وقد سقط بالعفو.
ومن أصحابنا من قال: له أن يلاعن لانه يستفيد به قطع الفراش والفرقة المؤبدة.
والمذهب الاول لان الفرقة يمكنه إحداثها بالطلاق الثلاث.
وان كان هناك ولد فله أن يلاعن لنفيه، وان لم تطالبه بالحد ولم تعف عنه، فإن كان هناك نسب فله يلاعن لنفيه عنه، وان لم يكن هناك نسب فليس له أن يلاعن.
ومن أصحابنا من قال: له أن يلاعن لقطع الفراش، والمذهب الاول، لانه انما يلاعن لنفى النسب أو لاسقاط الحد عنه، وليس هناك أحدهما، وقطع الفراش يمكنه بالطلاق الثلاث.
وجملة ما تقدم انه لا يتعرض له بإقامة الحد عليه ولا طلب اللعان منه حتى
تطالبه زوجته بذلك، فإن ذلك حق لها فلا يقام من غير طلبها كسائر حقوقها، وليس لوليها المطالبة عنها ان كانت مجنونة أو محجورا عليها، ولا لولى الصغيرة وسيد الامة المطالبة بالتعزير من أجلهما، لان هذا حق ثبت للتشفي فلا يقوم غير المستحق فيه مقام المستحق كالقصاص فإن أراد الزوج اللعان من غير مطالبة نظرنا فإن لم يكن هناك نسب يريد نفيه لم يكن له أن يلاعن، وكذلك كل موضع سقط فيه الحد، مثل أن أقام البينة بزناها أو أبرأته من قذفها أو حد لها ثم أراد لعانها ولا نسب هناك ينفى فإنه لا يشرع اللعان، وهذا قول أكثر اهل العلم، ولا نعلم فيه مخالفا الا بعض أصحابنا الذين قالوا: له الملاعنة لازالة الفراش، ولكن الصحيح عندنا مثل قول سائر الفقهاء لان ازالة الفراش تمكنه بالطلاق، والتحريم المؤبد ليس بمقصود يشرع اللعان لاجله، وانما حصل ذلك ضمنا.
أفاده ابن قدامة في المغنى فإذا قذف امرأته ثم جنت، أو قذفها في حال جنونها بزنا أضافه إلى حال الصحة، فإنه لا يجب عليه الحد بذلك، وانما يجب عليه التعزير، وان أراد الولى
[ ١٧ / ٣٩٤ ]
أن يطالب بما وجب لها من الحد أو التعزير لم يكن له ذلك، لان طريقة التشفي من القاذف بإقامة الحد عليه فلم يكن له ذلك كالقصاص، فإن التعن الزوج منها فقد قال الشافعي ﵁: وقعت الفرقة واختلف أصحابنا فيه على وجهين، فمنهم من قال إن كانت حاملا فللزوج أن يلاعن لان اللعان يحتاج إليه لنفى الولد عنه.
وإن كانت حائلا لم يكن له أن يلاعن لان اللعان يراد لاسقاط الحد أو لنفى الولد ولا ولد ههنا فتحتاج إلى نفيه، ولا يجب عليه الحد إلا بمطالبتها ولا مطالبة لها قبل الافاقة، فلم يكن له أن يلاعن.
وقال أبو إسحاق المروزى: له أن يلاعن سواء كانت حاملا أو حائلا، لانها إن كانت حاملا احتاج إلى اللعان لنفى الولد، وإن كانت حائلا احتاج إلى اللعان
لاسقاط الحد الواجب عليه في الظاهر كمن وجب عليه دين إلى أجل فله أن يدفعه قبل حلول الاجل، والاول أصح لان الشافعي قال " ليس على الزوج أن يلتعن حتى تطالب المقذوفة بحدها.
(مسألة) وإن قذف زوجته الصغيرة - فإن كانت لا يوطأ مثلها - كإبنة سبع سنين يعلم يقينا أنها لا توطأ وأنه كاذب ويجب عليه التعزير للكذب، وليس له أن يلاعن لاسقاط هذا التعزير لانا نتحقق كذبه فلا معنى للعان.
قال الشيخ أبو حامد ولا يقام عليه التعزير إلا بعد بلوغها، لانه لا يصح مطالبتها ولا ينوب عنها الولى في المطالبة.
وإن كانت صغيرة يوطأ مثلها كإبنة تسع سنين فما زاد صح قذفه، لان ما قاله يحتمل الصدق والكذب، ولا يجب عليه الحد بقذفها لانها ليس بمحصنة، وإنما يجب عليها التعزير، وهل للزوج أن يلاعن لاسقاط التعزير؟ فيه وجهان.
من أصحابنا من قال ليس له أن يلاعن، لان اللعان يراد لنفى النسب أو لاسقاط ما وجب عليه من الحد أو التعزير بقذفها، وذلك لا يجب قبل مطالبتها.
وقال أبو إسحاق، له أن يلاعن لاسقاط ما وجب عليه من التعزير في الظاهر وإن لم تطالب به كما يجوز أن يقدم ما وجب عليه من الدين المؤجل قبل حلوله.
وإن كانت له زوجة كتابية فقذفها لم يجب عليه الحد لانها ليست بمحصنة، ويجب عليه التعزير، وحكمه حكم الحد الذى يجب عليه بقذف المحصنة يسقط عنه
[ ١٧ / ٣٩٥ ]
بإقامة البينة على زناها أو باللعان، لانه إذا سقط عنه الحد الكامل بذلك فلان يسقط ما هو دونه بذلك أولى.
وإن كانت الزوجة أمة فقذفها لم يجب عليه الحد لانها ليست بمحصنة، ويجب عليه التعزير، وليس للسيد أن يطالب به لانه ليس بمال ولا له بدل هو مال،
وحق السيد إنما يتعلق بالمال أو بما بدله المال، فإن طالبته الامة به كان له أن يسقط ذلك بالبينة أو باللعان كما قلنا في الحد الذى يجب عليه بقذف المحصنة.
وإن عفت الامة عما وجب لها من التعزير سقط لانه لا حق للسيد فيه (مسألة) إذا قامت البينة على امرأة بالزنا أو أقرت بذلك ثم قذفها الزوج أو أجنبي بذلك الزنا أو بغيره لم يجب عليه حد القذف لقوله تعالى " والذين يرمون المحصنات " الآية.
وهذه ليست بمحصنة، ولان القذف هو ما احتمل الصدق والكذب.
فأما ما احتمل أحدهما فإنه لا يكون قذفا، ألا ترى أنه لو قذف الصغيرة التى لا يوطأ مثلها في العادة.
أو قال الناس كلهم زناة لم يكن قذفا ولان الحد إنما جعل دفعا للعار عن نسب المقذوفة، وهذه لا عار عليها بذلك القذف، لان زناها قد ثبت ويجب عليه التعزير لانه أذاها وسبها وذلك محرم فعزر لاجله، فإن كان المؤذى لها بذلك أجنبيا لم يسقط عنه ببينة ولا بغيرها، لان هذا تعزير أذى وليس بتعذير قذف.
وإن كان المؤذى لها بذلك زوجها فهل له إسقاطه باللعان.
نقل المزني ليس له إسقاطه باللعان.
ونقل الربيع أن له إسقاطه باللعان، فاختلف أصحابنا في ذلك، فقال ابو اسحاق الصحيح ما نقله المزني، وما نقله الربيع غلط، لان اللعان إنما يراد لتحقيق الزنا والزنا هنا متحقق فلا فائدة في اللعان.
ولان اللعان إنما أسقط حق المقذوفة، وأما حق الله فلا يسقط، وهذا التعزير لحق الله تعالى فلم يجز إسقاطه باللعان، كما قلنا فيمن قذف صغيرة لا يوظأ مثلها فإن قيل لو كان هذا التعزير لحق الله تعالى لما كان يفتقر إلى مطالبتها، كما لو قال، الناس كلهم زناة، فإن الامام يعزره من غير مطالبة.
قلنا انما افتقر إلى مطالبتها لانه يتعلق بحق امرأة بعينها.
وقال أبو الحسين ابن القطان وابو القاسم الداركى هي على قولين
[ ١٧ / ٣٩٦ ]
(أحدهما)
لا يلاعن لما ذكرناه
(والثانى)
يلاعن، لانه إذا جاز أن يلاعن لدرء التعزير فيمن لم يثبت زناها فلان يلاعن فيمن ثبت زناها أولى.
ومنهم من قال ليست على قولين.
وإنما هي على اختلاف حالين، فالموضع الذى قال لا يلاعن إذا كان قد رماها بالزنا مضافا إلى ما قبل الزوجية، مثل ان رماها بالزنا وهما أجنبيان فأقام عليها البينة بذلك ثم تزوجها ورماها بذلك الزنا لانه كان في الاصل لا يجوز له اللعان لاجله فكذلك في الثاني، والموضع الذى قال: له أن يلاعن إذا رماها بالزنا في حال الزوجية، فحققه عليها بالبينة ثم رماها به ثانيا فله أن يلاعن لانه كان في الاصل له إسقاط حده باللعان قبل البينة فكذلك بعد البينة (فرع)
وإن قذف امرأته بالزنا ولم يقم عليها البينة ولم يلاعن فحد ثم رماها بذلك الزنا فإنه لا يجب عليه الحد، لان القذف هو ما احتمل الصدق والكذب وهذا لا يحتمل إلا الكذب، ولان الحد إنما يراد لدفع العار عن نسب المقذوفة وقد دفع عنه العار بالحد الاول فلا معنى لاقامة الحد ثاينا، ويجب عليه التعزير لانه آذاها بذلك، والاذى بذلك محرم ولا يلاعن لاسقاط هذا التعزير، لانه تعزير أذى فهو كالتعزير لاذى الصغيرة التى لا يوطأ مثلها وإن قذف أجنبي أجنبية بالزنا ولم يقم البينة على الزنا فحد القاذف ثم رماها القاذف بذلك ثانيا فإنه لا يجب عليه الحد وإنما يجب عليه التعزير للاذى.
وقال بعض الناس يجب عليه حد القذف دليلنا ما روى أن أبا بكرة شهد هو ورجلان معه على المغيرة بن شبعة بالزنا فحدهم عمر ﵁.
ثم قال أبو بكرة للمغيرة: قد كنت زنيت، فهم عمر بجلده فقال له على ﵁: إن كنت تريد أن تحده فارجم صاحبك، فأدرك عمر معنى قول على ﵇: إن كنت تجعل هذا قذفا ثانيا فقد تمت الشهادة على
المغيرة.
وإن كان هو القذف الاول فقد حددته.
(فرع)
قال ابن الصباغ في الشامل: إذا قذف الرجل امرأته وثبت عليها الحد بلعانه نظرت - فإن لاعنته - فقد عارض لعانه لعانها فلا يثبت عليها الزنا ولا يجب عليها الحد ولا تزول حصانتها.
ومتى قذفها هو أو غيره وجب عليه حد القذف.
وإن قذفها ولاعنها ولم تلاعن هي فقد وجب عليها الحد ويسقط احصانها
[ ١٧ / ٣٩٧ ]
في حق الزوج.
وهل تسقط حصانتها في حق الأجنبي؟ فيه وجهان
(أحدهما)
تسقط حصانتها لانه قد ثبت زناها بلعان الزوج فلا يسقط احصانها لان اللعان حجة تختص بالزوج، ولهذا لا يسقط عن الأجنبي حد القذف به فلا يسقط احصانها به في حقه.
وذكر الشيخ أبو إسحاق أن الزوج إذا قذفها وتلاعنا، ثم قذفها بذلك الزنا الذى تلاعنا عليه لم يجب عليه الحد.
وان قذفها بزنا آخر ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يجب عليه الحد، لان اللعان لا يسقط الا ما يجب بالقذف في الزوجية لحاجته إلى القذف.
وقد زالت الزوجية فزالت الحاجة إلى القذف.
وان تلاعنا ثم قذفها أجنبي حد، فكل موضع قلنا لا يجب على الزوج الحد بقذفها بعد الزوجية فإنه يجب عليه التعزير لانه أذاها والاذى محرم، ولا خلاف أنه لا يسقط هذا التعزير ولا الحد الذى يجب عليه إذا قذفها برنا آخر باللعان، لان اللعان انما يكون بين الزوجين وهما أجنبيان.
هذا مذهبنا وقال أبو حنيفة إذا قذفها أجنبي فإن كان الزوج لاعنها ونفى حملها وكان الولد حيا فعلى الأجنبي الحد، وان كان لم ينف حملها، أو نفاه وكان الولد ميتا فإنه لا حد على الأجنبي.
دليلنا ما رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لاعن بين هلال بن أمية
وامرأته ففرق بينهما وقضى بأن لا يدعى الولد لاب، وأنها لا ترمى ولا ولدها فمن رماها أو ولدها فعليه الحد ولم يفرق وهذا حجة لما قال ابن الصباغ فإنها أجابته باللعان وقال ﷺ " فمن رماها أو ولدها فعليه الحد " ولم يفرق بين الزوج وغيره.
والله تعالى أعلم بالصواب
[ ١٧ / ٣٩٨ ]
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: