(ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ) فَقَطْ
، وَأَمَّا دَمُ الْفَسَادِ الْخَارِجِ قَبْلَ التِّسْعِ، وَدَمُ الْآيِسَةِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: دَمُ اسْتِحَاضَةٍ وَدَمُ فَسَادٍ: الْأَوَّلُ (دَمُ الْحَيْضِ وَ) الثَّانِي دَمُ (النِّفَاسِ وَ) الثَّالِثُ دَمُ (الِاسْتِحَاضَةِ) وَلِكُلٍّ مِنْهَا حَدٌّ يُمَيِّزُهُ.
(فَالْحَيْضُ) لُغَةً السَّيَلَانُ تَقُولُ الْعَرَبُ حَاضَتْ الشَّجَرَةُ إذَا سَالَ صَمْغُهَا وَحَاضَ الْوَادِي إذَا سَالَ وَشَرْعًا دَمُ جِبِلَّةٍ أَيْ تَقْضِيهِ الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ (وَهُوَ) الدَّمُ (الْخَارِجُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ) أَيْ مِنْ أَقْصَى رَحِمِهَا (عَلَى سَبِيلِ الصِّحَّةِ) احْتِرَازًا عَنْ
_________________
(١) [حاشية البجيرمي] تَحْتَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَهُوَ مَخْرَجُ الْوَلَدِ وَالْمَنِيِّ وَمَدْخَلُ الذَّكَرِ ق ل. قَوْلُهُ: (مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ. حَاصِلُهُ أَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْفَرْجِ مِنْ الدِّمَاءِ لَا يَنْحَصِرُ فِي الثَّلَاثَةِ، بَلْ هُنَاكَ غَيْرُهَا كَدَمِ الصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ. فَأَجَابَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ الدِّمَاءُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا الْأَحْكَامُ وَهِيَ الثَّلَاثَةُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يُعْتَرَضُ عَلَى الشَّارِحِ، وَيُقَالُ: مَا مُرَادُك بِالْأَحْكَامِ الَّتِي نَفَيْتَهَا عَنْ دَمِ الصَّغِيرِ وَالْآيِسَةِ؟ إنْ أَرَدْت أَحْكَامَ الْحَيْضِ أَيْ الْأَحْكَامَ الْمُحَرَّمَةَ بِالْحَيْضِ فَهِيَ مَنْفِيَّةٌ أَيْضًا عَنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ الَّتِي فِي الْمَتْنِ فَكَأَنَّ الْمَتْنَ يُسْقِطُهُ أَيْضًا. وَإِنْ أَرَدْتَ أَحْكَامَ الِاسْتِحَاضَةِ فَهِيَ لَيْسَتْ مَنْفِيَّةً عَنْ دَمِ الصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ، بَلْ ثَابِتَةً لَهُمَا كَمَا هِيَ ثَابِتَةٌ لِدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، فَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ قَوْلِهِ مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ، وَحَذْفَ قَوْلِهِ: وَأَمَّا دَمُ الصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ إلَخْ. وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ قَوْلُهُ: مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ، هَذَا الْقَيْدُ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقُيُودِ أَنْ تَكُونَ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ، وَلَا يَصِحُّ الِاحْتِرَازُ بِهِ عَنْ الِاسْتِحَاضَةِ؛ لِأَنَّهَا حَدَثٌ دَائِمٌ كَالْبَوْلِ، فَلَا تَمْنَعُ صَلَاةً، وَلَا صَوْمًا فَيَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ، وَهُوَ عَدَمُ مَنْعِهَا الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ. قَوْلُهُ: (مِنْ الدِّمَاءِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ الْفَرْجِ لَا يَنْحَصِرُ فِي الثَّلَاثَةِ، بَلْ يَخْرُجُ مِنْهُ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَالْمَذْيُ وَالْوَدْيُ. فَأَجَابَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ الدِّمَاءِ فَهُوَ حَصْرٌ إضَافِيٌّ. قَوْلُهُ: (وَدَمُ الْآيِسَةِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ) قَدْ يُشْكِلُ عَلَى عُمُومِهِ قَوْلُهُمْ: إنَّ اسْتِقْرَاءَ سِنِّ الْيَأْسِ نَاقِصٌ حَتَّى لَوْ وُجِدَتْ خَوَاصُّ الْحَيْضِ أَيْ مِنْ كَوْنِهِ مُحْتَدِمًا لَذَّاعًا فِي دَمِهَا بَعْدَ سِنِّهِ أُدِيرَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ أَيْ: عَلَى هَذَا الدَّمِ لَتَبَيَّنَ أَنَّهُ حَيْضٌ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ دَمُهَا أَقَلَّ الْحَيْضِ أَوْ جَاوَزَ أَكْثَرَهُ أَيْ بَعْدَ سِنِّ الْيَأْسِ. اهـ. م د. قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ) هَذَا مُقَابِلُ قَوْلِهِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ. [دَمُ الْحَيْضِ] قَوْلُهُ: (فَالْحَيْضُ) لَمْ يَقُلْ فَدَمُ الْحَيْضِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ كَمَا يُسَمَّى دَمَ الْحَيْضِ يُسَمَّى حَيْضًا سم. قَوْلُهُ: (لُغَةً السَّيَلَانُ) وَمِنْهُ الْحَوْضُ لِحَيْضِ الْمَاءِ أَيْ سَيَلَانِهِ فِيهِ، وَالْوَاوُ وَالْيَاءُ يَتَعَاقَبَانِ أَيْ يَأْتِي أَحَدُهُمَا بَدَلَ الْآخَرِ. قَوْلُهُ: (إذَا سَالَ) أَيْ مَاؤُهُ. قَوْلُهُ: (دَمِ جِبِلَّةً) أَيْ سَيَلَانُ دَمِ جِبِلَّةٍ لِيَكُونَ بَيْنَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ مُنَاسَبَةٌ، ثُمَّ إنْ كَانَ تَعْرِيفًا آخَرَ غَيْرَ مَا فِي الْمَتْنِ، فَهُوَ غَيْرُ مَانِعٍ لِشُمُولِهِ النِّفَاسَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ تَمَامِ تَعْرِيفِ الْمَتْنِ فَيُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ عَلَى سَبِيلِ الصِّحَّةِ، وَأَيْضًا يَمْنَعُ مِنْهُ الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَهُوَ إلَّا أَنْ يُقَالَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ، وَهُوَ رَاجِعٌ لِدَمِ الْجِبِلَّةِ اهـ تَأَمَّلْ. وَعِبَارَةُ اج: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ عَلَى سَبِيلِ الصِّحَّةِ إيضَاحٌ؛ إذْ قَوْلُهُ: " جِبِلَّةٍ " يُغْنِي عَنْهُ اهـ. وَالْإِضَافَةُ فِي دَمِ جِبِلَّةٍ مِنْ إضَافَةِ الْمُسَبَّبِ إلَى السَّبَبِ أَيْ دَمٌ مُسَبَّبٌ وَنَاشِئٌ عَنْ الطَّبِيعَةِ. قَوْلُهُ: (الْمَرْأَةُ) أَيْ بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ وَلَوْ حَامِلًا كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ دَمَ الْحَامِلِ حَيْضٌ. قَالُوا: وَسَبَبُ خُرُوجِ الدَّمِ مِنْ الْحَامِلِ ضَعْفُ الْوَلَدِ، فَإِنَّهُ يَتَغَدَّى بِدَمِ الْحَيْضِ، فَإِذَا ضَعُفَ الْوَلَدُ فَاضَ الدَّمُ، وَخَرَجَ ثُمَّ إنَّ الضَّعْفَ لَا يَكُونُ غَالِبًا إلَّا فِي الْأَشْفَاعِ مِنْ الشُّهُورِ، فَإِنَّ الْوَلَدَ يَقْوَى فِي الْفَرْدِ، وَلِذَلِكَ كَانَ مَنْ وُلِدَ لِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ يَعِيشُ وَمَنْ وُلِدَ لِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ لَا يَعِيشُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ذَكَرَهُ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْمِيزَانِ. فَائِدَةٌ: قَالَ مُجَاهِدٌ: إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فِي حَمْلِهَا كَانَ ذَلِكَ نُقْصَانًا فِي وَلَدِهَا، فَإِنْ زَادَتْ عَلَى التِّسْعَةِ كَانَ ذَلِكَ تَمَامًا لِمَا نَقَصَ. اهـ. شَبْرَخِيتِيٌّ. قَوْلُهُ: (أَيْ مِنْ أَقْصَى رَحِمِهَا) وَالرَّحِمُ جِلْدَةٌ دَاخِلَ الْفَرْجِ يَدْخُلُ فِيهَا الْمَنِيُّ ثُمَّ تَنْكَمِشُ عَلَيْهِ فَلَا تَقْبَلُ مَنِيًّا غَيْرَهُ وَلِهَذَا جَرَتْ عَادَةُ اللَّهِ لَا يَخْلُقُ وَلَدًا مِنْ مَاءَيْنِ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ مِنْ أَقْصَى رَحِمِ الْمَرْأَةِ أَيْ مِنْ عِرْقٍ فَمُهُ فِي أَقْصَى رَحِمِ الْمَرْأَةِ وَالرَّحِمُ وِعَاءُ الْوَلَدِ وَهُوَ جِلْدَةٌ وَهِيَ مُعَلَّقَةٌ بِعِرْقٍ عَلَى صُورَةِ الْجَرَّةِ الْمَقْلُوبَةِ فَبَابُهُ الضَّيِّقُ مِنْ جِهَةِ الْفَرْجِ وَوَاسِعُهُ مِنْ أَعْلَاهُ وَيُسَمَّى بِأُمِّ الْأَوْلَادِ شَيْخُنَا. ثُمَّ رَأَيْت فِي نُزْهَةِ الْمُتَأَمِّلِ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا صِفَةُ رَحِمِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّ خِلْقَتَهَا
[ ١ / ٣٣٨ ]
الِاسْتِحَاضَةِ (مِنْ غَيْرِ سَبَبِ الْوِلَادَةِ) فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ احْتِرَازًا عَنْ النِّفَاسِ. وَالْأَصْلُ فِي الْحَيْضِ آيَةُ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]
_________________
(١) [حاشية البجيرمي] مِنْ الْمَرْأَةِ كَالْكِيسِ، وَهِيَ عَضَلَةٌ وَعُرُوقٌ وَرَأْسٌ عَصَبُهَا فِي الدِّمَاغِ، وَلَهَا فَمٌ، وَلَهَا قَرْنَانِ شِبْهُ الْخَنَاجِرِ تَجْذِبُ بِهِمَا النُّطْفَةَ لِقَبُولِهَا، فَإِنَّ اللَّهَ ﷾ أَوْدَعَ فِيهَا قُوَّتَيْنِ قُوَّةَ انْبِسَاطٍ تَنْبَسِطُ بِهَا عِنْدَ وُرُودِ مَنِيِّ الرَّجُلِ عَلَيْهَا فَتَأْخُذُهُ يَخْتَلِطُ مَعَ مَنِيِّهَا، وَقُوَّةَ انْقِبَاضٍ تَقْبِضُهَا لِئَلَّا يَنْزِلَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَإِنَّ الْمَنِيَّ ثَقِيلٌ بِطَبْعِهِ، وَفَمُ الرَّحِمِ مَنْكُوسٌ، وَأَوْدَعَ فِي مَنِيِّ الرَّجُلِ قُوَّةَ الْفِعْلِ، وَفِي مَنِيِّ الْمَرْأَةِ قُوَّةَ الِانْفِعَالِ فَعِنْدَ الِامْتِزَاجِ يَصِيرُ مَنِيُّ الرَّجُلِ كَالْإِنْفَحَةِ الْمُمْتَزِجَةِ بِاللَّبَنِ. وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ وُقُوعِ النُّطْفَةِ فِي رَحِمِ الْمَرْأَةِ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ -: النُّطْفَةُ إذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ مِنْهَا بَشَرًا طَارَتْ فِي بَشَرَةِ الْمَرْأَةِ تَحْتَ كُلِّ ظُفُرٍ وَشَعْرَةٍ، ثُمَّ تَمْكُثُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ تَنْزِلُ دَمًا فِي الرَّحِمِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «إنَّ الْمَلَكَ الْمُوَكَّلَ فِي الْأَرْحَامِ يَأْخُذُ النُّطْفَةَ مِنْ الرَّحِمِ فَيَضَعُهَا عَلَى كَفِّهِ ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ مُخَلَّقَةٌ أَمْ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ؟ فَإِنْ قَالَ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ لَمْ تَكُنْ نَسَمَةً وَقَذَفَتْهَا الْأَرْحَامُ، وَإِنْ قَالَ مُخَلَّقَةٌ قَالَ: يَا رَبِّ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ فَمَا الرِّزْقُ فَمَا الْأَجَلُ؟ فَيُقَالُ: اُنْظُرْ فِي أُمِّ الْكِتَابِ فَتَجِدُ فِيهِ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ، ثُمَّ يَأْخُذُ التُّرَابَ فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥] الْآيَةَ ثُمَّ يُحَرِّكُ النُّطْفَةَ بِالْيَدِ الْيُمْنَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَصَارَتْ عَلَقَةً وَيُحَرِّكُ بِالْيَدِ الْيُسْرَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَصَارَتْ عِظَامًا، وَأَوَّلُ مَا يَظْهَرُ عَظْمُ الْعَجُزِ وَهُوَ آخِرُ مَا يَبْلَى فِي التُّرَابِ، وَتَظْهَرُ سَبَّابَتُهُ الْيُمْنَى وَكَفُّهُ الْيُمْنَى فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَفِي الثَّانِي يَظْهَرُ رَأْسُهُ، وَفِي الثَّالِثِ يَدُهُ الْيُسْرَى ثُمَّ رِجْلَاهُ، وَفِي الرَّابِعِ مِائَتَانِ وَأَرْبَعُونَ عَظْمًا وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ عَصَبًا وَثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ عِرْقًا نِصْفُهَا سَاكِنٌ، وَنِصْفُهَا مُتَحَرِّكٌ، فَفِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ دَمٌ، وَفِي النِّصْفِ الثَّانِي رِيحٌ وَفِي الْيَوْمِ الْخَامِسِ الْجِلْدَةُ، وَفِي الْيَوْمِ السَّادِسِ الشَّعْرُ وَالْأَظَافِرُ، وَفِي الْيَوْمِ السَّابِعِ أَنْفُهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ لِسَانُهُ، وَفِي الْيَوْمِ التَّاسِعِ أُذُنَاهُ، وَفِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ مِنْ طَرَفِ الْهَامَّةِ، وَآخِرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِسَانُهُ، فَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَوَجْهُهُ إلَى صَدْرِ رَأْسِهِ، وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى فَوَجْهُهَا إلَى بَطْنِ أُمِّهَا وَيَدَاهُ عَلَى وَجْهِهِ وَذَقَنُهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ مُنْقَبِضًا فِي الْمَشِيمَةِ فِي أَحْشَاءِ أُمِّهِ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا تَحِيضُ الْمَرْأَةُ إلَّا قَلِيلًا» . وَقَدْ صَحَّ أَنَّ مِنْ الْحَوَامِلِ مَنْ تَحِيضُ لِكَثْرَةِ الدَّمِ، فَإِذَا تَمَّ لَهُ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ خَرَجَ الْوَلَدُ مِنْ الرَّحِمِ إلَى دَارِ الدُّنْيَا، وَدَفَعَتْ الطَّبِيعَةُ ذَلِكَ الدَّمَ الَّذِي كَانَ يَتَغَذَّاهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَقَدْ يُولَدُ الْمَوْلُودُ فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَيَعِيشُ وَيُولَدُ إلَى ثَمَانِيَةٍ فَلَا يَعِيشُ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ - ﷺ - وُلِدَ فِي ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ، وَقَدْ يُولَدُ الْجَنِينُ إلَى أَكْثَرَ مِنْ عَامٍ كَثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ وَذَكَرَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: أَنَّ امْرَأَةً حَمَلَتْ خَمْسَ سِنِينَ، وَذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ دَاخِلَ الرَّحِمِ خَشِنٌ كَالسَّفِنْجِ وَجُعِلَ فِيهِ قَبُولٌ لِلْمَنِيِّ كَطَلَبِ الْأَرْضِ الْعَطْشَى لِلْمَاءِ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ طَالِبًا لِلْمَاءِ مُشْتَاقًا إلَيْهِ بِالطَّبْعِ، فَيُمْسِكُهُ، وَيَشْتَمِلُ عَلَيْهِ وَلَا يَزْلِقُهُ بَلْ يَنْضَمُّ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُفْسِدَهُ الْهَوَاءُ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ -: إنَّ لِلرَّحِمِ أَفْوَاهًا وَأَبْوَابًا، فَإِذَا دَخَلَ الْمَنِيُّ لِلْمَاءِ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ خَلَقَ اللَّهُ ﷿ جَنِينًا وَاحِدًا، وَإِذَا دَخَلَ مِنْ بَابَيْنِ خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُ وَلَدَيْنِ، وَإِنْ دَخَلَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ فَيَكُونُ عَدَدُ الْأَجِنَّةِ فِي الرَّحِمِ بِعَدَدِ دُخُولِ الْمَنِيِّ فِي الرَّحِمِ فَافْهَمْ. قَوْلُهُ: (عَلَى سَبِيلِ الصِّحَّةِ) وَلِذَا كَانَ عَدَمُهُ عَيْبًا فِي الْأَمَةِ فَتُرَدُّ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَيْبًا فِي الْحُرَّةِ فَلَا تُرَدُّ بِهِ إذَا عَقَدَ عَلَيْهَا فَوُجِدَتْ لَا تَحِيضُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عُيُوبِ النِّكَاحِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ عَيْبًا فِي الْمَبِيعِ أَنْ يَكُونَ عَيْبًا فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ عُيُوبَ الْبَيْعِ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، وَعُيُوبُ النِّكَاحِ مَحْصُورَةٌ. قَوْلُهُ: (فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ) بِأَنْ تَبْلُغَ سِنَّ الْحَيْضِ، وَأَنْ لَا يُجَاوِزَ أَكْثَرَهُ، وَلَا يَنْقُصَ عَنْ أَقَلِّهِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ فِي الْحَيْضِ) أَيْ فِي وُجُودِهِ وَبَعْضِ أَحْكَامِهِ، فَالْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى أَمْرَيْنِ أَيْ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَقَوْلُهُ: ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى الْأَوَّلِ. قَوْلُهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، وَالسَّائِلُ لَهُ هُوَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ كَمَا قَالَهُ الدَّمِيرِيُّ، وَقِيلَ السَّائِلُ عَنْهُ هُوَ الدَّحْدَاحُ - ﵁ -. وَقَوْلُهُ: أَيْ الْحَيْضِ أَيْ عَنْ حُكْمِهِ، وَإِنَّمَا فَسَّرَهُ بِالْحَيْضِ لِيَصِحَّ قَوْلُهُ بَعْدَهُ أَذًى؛ لِأَنَّ الْمَحِيضَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ يُطْلَقُ عَلَى مَحَلِّ الْحَيْضِ
[ ١ / ٣٣٩ ]
أَيْ الْحَيْضِ وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ: «هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ» قَالَ الْجَاحِظُ فِي كِتَابِ الْحَيَوَانِ: وَاَلَّذِي يَحِيضُ مِنْ الْحَيَوَانِ أَرْبَعَةٌ الْآدَمِيَّاتُ وَالْأَرْنَبُ وَالضَّبُعُ وَالْخُفَّاشُ وَجَمَعَهَا بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ:
أَرَانِبُ يَحِضْنَ وَالنِّسَاءُ ضَبُعٌ وَخُفَّاشٌ لَهَا دَوَاءٌ
وَزَادَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ أَرْبَعَةً أُخَرَ وَهِيَ: النَّاقَةُ وَالْكَلْبَةُ وَالْوَزَغَةُ وَالْحِجْرُ أَيْ الْأُنْثَى مِنْ الْخَيْلِ. وَلَهُ عَشَرَةُ أَسْمَاءٍ حَيْضٌ وَطَمْثٌ بِالْمُثَلَّثَةِ وَضَحِكٌ وَإِكْبَارٌ وَإِعْصَارٌ وَدِرَاسٌ وَعِرَاكٌ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفِرَاكٌ بِالْفَاءِ وَطَمْسٌ بِالسِّينِ
_________________
(١) [حاشية البجيرمي] وَعَلَى زَمَانِهِ وَعَلَى الدَّمِ، وَالْمَحَلُّ وَالزَّمَانُ لَا يَتَّصِفَانِ بِالْأَذَى، وَإِنَّمَا يَتَّصِفُ بِهِ الدَّمُ فَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِهِ. وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ «أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ أَخْرَجُوهَا مِنْ الْبُيُوتِ وَلَمْ يُسَاكِنُوهَا وَلَمْ يُؤَاكِلُوهَا، فَسَأَلَتْ الصَّحَابَةُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ فَقَالَ - ﷺ -: اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ»، بِرْمَاوِيٌّ. فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا حُضُورُ الْمُحْتَضَرِ، وَلَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ مَا مَسَّتْهُ بِطَبْخٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا فِعْلُهَا لَهُ، وَلَا غَسْلُ الثِّيَابِ، وَفِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ: كَانَتْ النَّصَارَى يُجَامِعُونَ الْحَائِضَ وَالْيَهُودُ يُحَرِّمُونَ مُخَالَطَتَهَا، وَيَعْتَزِلُونَهُنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْقَصْدَ أَيْ التَّوَسُّطَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ تَحْرِيمُ الْجِمَاعِ، وَجَوَازُ الْمُخَالَطَةِ. قَوْلُهُ: (كَتَبَهُ اللَّهُ) أَيْ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ وَلَوْ حُكْمًا، فَتَدْخُلُ حَوَّاءُ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ بِنْتِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِهِ الْأَيْسَرِ، بِأَنْ سُلَّ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَأَلُّمٍ وَخُلِقَتْ مِنْهُ، وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ إنْسَانٍ نَاقِصًا ضِلْعًا مِنْ جِهَةِ يَسَارِهِ فَأَضْلَاعُ جِهَةِ الْيَمِينِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَأَضْلَاعُ جِهَةِ الْيَسَارِ سَبْعَةَ عَشَرَ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ يَقُولُونَ: إنَّهَا خُلِقَتْ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ ح ف. وَالْمُرَادُ بِبَنَاتِ آدَمَ غَالِبُهُنَّ فَلَا يُنَافِي عَدَمُ الْحَيْضِ فِي بَعْضِهِنَّ كَسَيِّدَتِنَا فَاطِمَةَ بِنْتِهِ - ﷺ -، وَلِذَلِكَ وُصِفَتْ بِالزَّهْرَاءِ، وَحِكْمَتُهُ عَدَمُ فَوَاتِ زَمَنٍ عَلَيْهَا بِلَا عِبَادَةٍ. وَرُوِيَ أَنَّهَا وَلَدَتْ وَقْتَ غُرُوبِ الشَّفَقِ وَطَهُرَتْ مِنْ النِّفَاسِ وَاغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ الْعِشَاءَ فِي وَقْتِهَا، وَلِهَذَا قِيلَ: إنَّ أَقَلَّ النِّفَاسِ لَحْظَةٌ، وَإِنَّمَا لَمْ تَحِضْ؛ لِأَنَّ أَصْلَ خِلْقَتِهَا كَانَ مِنْ تُفَّاحِ الْجَنَّةِ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ الْجَنَّةَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، فَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ أَعْطَاهُ رِضْوَانُ تُفَّاحَةً مِنْ تُفَّاحِ الْجَنَّةِ كَانَ رِيحُهَا أَطْيَبَ مِنْ الْمِسْكِ وَأَلْيَنَ مِنْ الزُّبْدِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ، فَلَمَّا أَكَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - تَقَوَّى بِهَا وَتَفَرَّقَتْ الْقُوَّةُ فِي جَمِيعِ أَعْضَائِهِ، فَجَامَعَ خَدِيجَةَ - ﵂ - فَرَاحَ مَعَهَا رِيحُ الْمِسْكِ مِنْ تُفَّاحِ الْجَنَّةِ، وَكَانَ لَهَا نُورٌ يُضِيءُ مِنْهَا - ﵂ -»، حَتَّى رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْت أَسْلُكُ السِّلْكَ أَيْ أُدْخِلُ الْخَيْطَ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ مِنْ نُورِ وَجْهِ فَاطِمَةَ - ﵂ -، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ زَهْرَاءَ. ذَكَرَهُ فِي تُحْفَةِ السَّائِلِ. اهـ. وَمِثْلُ بَنَاتِ آدَمَ الْجِنُّ. قَوْلُهُ: (قَالَ الْجَاحِظُ) لَقَبٌ لِعَالِمٍ مَشْهُورٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ جَحَظَتْ عَيْنُهُ كَمَنْ جُرِحَتْ مُقْلَتُهُ أَوْ عَظُمَتْ، وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ بَحْرِ بْنِ مَحْبُوبٍ أَبُو عُثْمَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ. قِيلَ: وَهُوَ جُحَا الْمَشْهُورِ. وَقَالَ الشَّعْرَانِيُّ: لَيْسَ هُوَ جُحَا؛ لِأَنَّ جُحَا وَلِيٌّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَكَانَ مِنْ التَّابِعِينَ وَمَا حُكِيَ عَنْهُ كَذِبٌ. قَوْلُهُ: (وَاَلَّذِي يَحِيضُ إلَخْ) الْمُرَادُ بِحَيْضِ غَيْرِ النِّسَاءِ رُؤْيَةُ دَمٍ لَهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ زَمَنٍ لَهَا وَلَا غَيْرِهِ فَهُوَ حَيْضٌ لُغَوِيٌّ. قَالَ الْعَلَّامَةُ سم وَلَا أَثَرَ لِحَيْضِ غَيْرِ النِّسَاءِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ حَتَّى لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا لَمْ يَقَعْ، إلَّا إنْ أَرَادَ مُجَرَّدَ خُرُوجِ الدَّمِ مِنْهَا؛ إذْ لَا وَقْتَ لَهُ مُعَيَّنٌ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا فِي النِّسَاءِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى هَذَا بَعْضُ مَنْ نَظَمَهَا مِنْ الطَّوِيلِ بِقَوْلِهِ: ثَمَانِيَةٌ مِنْ جِنْسِهَا الْحَيْضُ يَثْبُتُ وَلَكِنْ فِي غَيْرِ النَّسَا لَا يُؤَقَّتُ نِسَاءٌ وَخُفَّاشٌ وَضَبُعٌ وَأَرْنَبٌ وَنَاقَةٌ مَعَ وَزَغٍ وَحِجْرٍ وَكَلْبَةٍ وَزَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بَنَاتِ وَرْدَانَ وَالْقِرَدَةِ، وَزَادَ الْمُنَاوِيُّ الْحِدَأَةَ وَزَادَ غَيْرُهُ السَّمَكَ. قَوْلُهُ: (وَالْخُفَّاشُ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ. قَوْلُهُ: (لَهَا دَوَاءٌ) أَيْ لِهَذِهِ الْأَرْبَعَةِ دَوَاءٌ بِخُرُوجِ الدَّمِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ حُبِسَ فِيهَا لَضَرَّهَا فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى سَلَامَةِ طَبَائِعِهَا. قَوْلُهُ: (وَالْحِجْرُ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَرَاءٍ وَلَا تَلْحَقُهَا تَاءٌ اهـ اج. قَوْلُهُ: (وَلَهُ عَشَرَةُ أَسْمَاءٍ) أَيْ عَلَى مَا ذَكَرَ هُنَا وَإِلَّا فَذَكَرَ بَعْضُهُمْ لَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ اسْمًا نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
[ ١ / ٣٤٠ ]