_________________
(١) [حاشية البجيرمي] بَلْ فَيْءٌ) خُمْسُهُ لِأَهْلِ الْخُمْسِ وَبَقِيَّتُهُ لِمَنْ وَجَدَهُ كَمَا نَقَلَهُ م د عَنْ سم. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يُصْرَفُ مَصْرِفَ الْغَنِيمَةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُصْرَفُ مَصْرِفَ الْفَيْءِ خُمْسُهُ لِلْخَمْسَةِ الْمَذْكُورِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] الْآيَةَ، وَذِكْرُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِيهَا لِلتَّبَرُّكِ. وَالْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ لِلْمُرْتَزِقَةِ أَيْ الْمُرْصَدِينَ لِلْجِهَادِ. قَوْلُهُ: (وَسَيَأْتِي) سَيَأْتِي أَنَّهُ لُقَطَةٌ. فَكَانَ الْأَخْصَرُ أَنْ يَقُولَ بَدَلَ قَوْلِهِ " وَإِنْ شَكَّ ": وَكَذَا لَوْ شَكَّ. قَوْلُهُ: (فَلُقَطَةٌ) أَيْ يُعَرِّفُهُ الْوَاجِدُ لَهُ سَنَةً ثُمَّ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَالِكُهُ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ. قَوْلُهُ: (مِنْ أَيِّ الضَّرْبَيْنِ) كَانَ الْمُنَاسِبُ مِنْ أَيِّ الدَّفِينَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التِّبْرَ لَا ضَرْبَ فِيهِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ قَوْلَهُ لَمْ يَعْلَمْ سَالِبَةٌ تَصَدَّقَ بِنَفْيِ الْمَوْضُوعِ. قَوْلُهُ: (فِي مَوَاتٍ) وَفِي مَعْنَى الْمَوَاتِ الْقُبُورُ وَالْقِلَاعُ الْجَاهِلِيَّةُ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ. قَوْلُهُ: (فَلُقَطَةٌ) أَيْ مَا لَمْ يَعْلَمْ مَالِكَهُ، وَإِلَّا فَيَجِبُ رَدُّهُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ وَجَدَهُ فِي مِلْكِ شَخْصٍ) أَيْ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ م ر. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ شَخْصٍ أَيْ يَمْلِكُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ الذِّمِّيِّينَ، أَمَّا لَوْ وَجَدَهُ فِي مِلْكِ شَخْصٍ حَرْبِيٍّ بِدَارِ الْحَرْبِ فَلَهُ حُكْمُ الْفَيْءِ إلَّا إنْ دَخَلَ دَارَهُمْ بِأَمَانِهِمْ فَيُرَدُّ عَلَى مَالِكِهِ وُجُوبًا، وَإِنْ أُخِذَ قَهْرًا فَهُوَ غَنِيمَةٌ كَمَا نَقَلَهُ الَأُجْهُورِيُّ عَنْ الزِّيَادِيِّ. قَوْلُهُ: (أَوْ فِي مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى شَخْصٍ، فَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى نَحْوِ مَسْجِدٍ أَوْ جِهَةٍ عَامَّةٍ صُرِفَ لِجِهَةِ الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْجَهِ اهـ حَجّ. قَوْلُهُ: (فَيَكُونُ لَهُ) أَوْ لِوَارِثِهِ أج. قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ) بَلْ وَإِنْ نَفَاهُ ز ي وح ل وَاسْتَقَرَّ بِهِ ع ش خِلَافًا لِمَنْ خَالَفَ فِي النَّفْيِ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مَلَكَهُ) أَيْ لِأَنَّهُ بِالْإِحْيَاءِ مَلَكَ مَا فِي الْأَرْضِ وَبِالْبَيْعِ لَمْ يَزَلْ مِلْكَهُ، فَإِنَّهُ مَدْفُونٌ مَنْقُولٌ، فَإِنْ كَانَ الْمُحْيِي أَوْ مَنْ تَلْقَى الْمِلْكَ عَنْهُ مَيِّتًا فَوَرَثَتُهُ قَائِمُونَ مَقَامَهُ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ. وَقَوْلُهُ: " وَبِالْبَيْعِ " أَيْ فَيَخْرُجُ خُمْسُهُ الَّذِي لَزِمَهُ يَوْمَ مَلَكَهُ وَزَكَاةُ بَاقِيه لِلسِّنِينَ الْمَاضِيَةِ، شَرْحُ حَجّ وم ر. قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَنَازَعَ الرِّكَازَ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا الْمَالُ الْمَدْفُونُ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ دَفِينَ الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى يَأْتِيَ فِيهِ التَّنَازُعُ، تَأَمَّلْ. وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: هَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي مِلْكِ شَخْصٍ فَهُوَ لَهُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِلْبَائِعِ أَوْ الْمُؤَجِّرِ أَوْ الْمُعِيرِ، وَلَا يَتَأَتَّى هَذَا النِّزَاعُ. وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّكَازِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ وَهُوَ الشَّيْءُ الْمَدْفُونُ بِأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا: أَنَا دَفَنْته، وَيَقُولَ الْآخَرُ: أَنَا دَفَنْته، أَوْ قَالَ الْبَائِعُ: مَلَكْته بِالْإِحْيَاءِ اهـ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (صُدِّقَ ذُو الْيَدِ) إنْ أَمْكَنَ صِدْقُهُ وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لِكَوْنِ مِثْلِ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ دَفْنُهُ فِي مُدَّةِ يَدِهِ لَمْ يُصَدَّقْ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ. [فَصْلٌ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ] ِ وَهُوَ لَفْظٌ إسْلَامِيٌّ لَمْ يُعْرَفْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِأَنَّهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهَذَا الْفَصْلُ يَشْتَمِلُ عَلَى سِتَّةِ أَطْرَافٍ:
[ ٢ / ٣٤٨ ]
وَيُقَالُ لَهَا صَدَقَةُ الْفِطْرِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ وُجُوبَهَا بِدُخُولِ الْفِطْرِ وَيُقَالُ أَيْضًا زَكَاةُ الْفِطْرَةِ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالتَّاءِ فِي آخِرِهَا كَأَنَّهَا مِنْ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ الْخِلْقَةُ الْمُرَادَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] قَالَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ: زَكَاةُ الْفِطْرِ لِشَهْرِ رَمَضَانَ كَسَجْدَةِ السَّهْوِ لِلصَّلَاةِ تَجْبُرُ نُقْصَانَ الصَّوْمِ كَمَا يَجْبُرُ السُّجُودُ نُقْصَانَ الصَّلَاةِ.
وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ خَبَرُ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ
_________________
(١) [حاشية البجيرمي] وَقْتُ الْوُجُوبِ، وَوَقْتُ الْأَدَاءِ، وَصِفَةُ الْمُؤَدَّى عَنْهُ، وَصِفَةُ الْمُؤَدِّي، وَقَدْرُ الْمُخْرَجِ، وَجِنْسُهُ. قَوْلُهُ: (سُمِّيَتْ) أَيْ مَدْلُولُهَا الَّذِي هُوَ الْقَدْرُ الْمُخْرَجُ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ وُجُوبَهَا بِدُخُولِ الْفِطْرِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّ الْفِطْرَ أَحَدُ جُزْأَيْ سَبَبِهَا الْمُرَكَّبِ مِنْ شَيْئَيْنِ: إدْرَاكُ جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ وَجُزْءٍ مِنْ شَوَّالٍ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْوُجُوبَ لَمَّا كَانَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِإِدْرَاكِ الْجُزْءِ الثَّانِي أُضِيفَتْ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: (كَأَنَّهَا مِنْ الْفِطْرَةِ إلَخْ) لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ اتِّحَادُ الْمَأْخُوذِ وَالْمَأْخُوذِ مِنْهُ لِاخْتِلَافِهِمَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفِطْرَةَ الْأُولَى بِمَعْنَى الْقَدْرِ الْمُخْرَجِ، وَاَلَّتِي فِي الْمَأْخُوذِ مِنْهُ بِمَعْنَى الْخِلْقَةِ، فَلَمْ يَتَّحِدْ الْمَأْخُوذُ وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ. وَالْمُنَاسَبَةُ بَيْنَهُمَا الِارْتِبَاطُ مِنْ جِهَةِ التَّطْهِيرِ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ يُطَهِّرُ الْخِلْقَةَ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ. قَوْلُهُ: (الَّتِي هِيَ الْخِلْقَةُ) وَالْمَعْنَى أَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى الْخِلْقَةِ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ، أَيْ تَطْهِيرًا لَهَا وَتَنْمِيَةً لِعَمَلِهَا، شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (فِطْرَةَ اللَّهِ) أَيْ أُلْزِمَ فِطْرَةَ اللَّهِ أَيْ خِلْقَتَهُ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا أَيْ خَلَقَهُمْ عَلَيْهَا وَهِيَ قَبُولُهُمْ الْحَقَّ وَتَمَكُّنُهُمْ مِنْ إدْرَاكِهِ، وَقِيلَ: الْفِطْرَةُ هِيَ الْإِسْلَامُ، وَقِيلَ: الْبُدَاءَةُ الَّتِي ابْتَدَأَهُمْ بِهَا مِنْ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ وَالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَقِيلَ: الْفَقْرُ وَالْفَاقَةُ، وَقِيلَ: الْعَهْدُ الْمَأْخُوذُ عَلَى آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ وَقَرَّرَهُمْ بِأَنَّهُ الرَّبُّ وَأَنَّهُمْ الرَّبِيبُ وَأَخَذَ عَلَيْهِمْ عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهُمْ وَكَتَبَ ذَلِكَ فِي رِقٍّ وَقَالَ لِلْحَجَرِ الْأَسْوَدِ: افْتَحْ فَاك، فَفَتَحَهُ، فَأَلْقَمَهُ ذَلِكَ الرِّقَّ وَقَالَ لَهُ: اشْهَدْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمَنْ وَافَاك بِالْوَفَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ وَلَهُ عَيْنَانِ وَلِسَانٌ وَشَفَتَانِ يَشْهَدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْوَفَاءِ وَعَلَى الْكَافِرِينَ بِالْجُحُودِ، وَإِنَّهُ لِيَشْهَدَ لِمَنْ اسْتَلَمَهُ أَوْ قَبَّلَهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا. اهـ. بِرْمَاوِيٌّ عَلَى الْغَزِّيِّ. قَوْلُهُ: (قَالَ وَكِيعٌ) شَيْخُ الشَّافِعِيِّ، وَمِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: شَكَوْت إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي فَأَرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ الْمَعَاصِي وَأَخْبَرَنِي بِأَنَّ الْعِلْمَ نُورٌ وَنُورُ اللَّهِ لَا يُهْدَى لِعَاصِي قَوْلُهُ: (تَجْبُرُ نُقْصَانَ الصَّوْمِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَصُومُ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ " تَجْبُرُ " إلَى الْجَامِعِ بَيْنَهُمَا. قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا إلَخْ) وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى خِلَافِ ابْنِ اللَّبَّانِ الْقَائِلِ بِسُنِّيَّتِهَا؛ لِأَنَّهُ خَارِقٌ لِلْإِجْمَاعِ وَغَيْرُ مَشْهُورٍ ز ي. وَالْمَشْهُورُ فَرْضُهَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ عَامَ الصَّوْمِ. اهـ. سم، أَيْ قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ. قَوْلُهُ: (فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) أَيْ فَوَّضَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فَرْضَهَا أَيْ لِمَا فِي فَرْضِهَا مِنْ الْمَصْلَحَةِ، فَإِنَّهَا جَابِرَةٌ لِخَلَلِ الصَّوْمِ، وَسَبَبٌ لِقَبُولِهِ. أَوْ الْمُرَادُ فَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - ﷺ -، أَوْ الْمُرَادُ بَلَّغَ فَرْضَهَا إلَخْ. فَانْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّ الَّذِي فَرَضَ وَأَوْجَبَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ أَنَّ اللَّهَ خَيَّرَهُ فِي ذَلِكَ. وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ بِالسُّنَّةِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقِيلَ: وَجَبَتْ بِالْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] الْآيَةَ. وَإِنَّمَا حَكَاهُ بِقِيلِ لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا. وَأَيْضًا لَمْ يَقُلْ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى. وَأَخْذُ الزَّكَاةِ مِنْ تَزَكَّى بَعِيدٌ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: هِيَ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَالسُّنَّةُ بَيَّنَتْ الْكِتَابَ وَوُجُوبُهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَلَا نَظَرَ لِمُخَالَفَةِ ابْنِ اللَّبَّانِ حَيْثُ قَالَ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ جَحَدَهَا إنْسَانٌ فَلَا يُكَفَّرُ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا لَكِنَّهَا مِمَّا يَخْفَى فَلَا يُكَفَّرُ جَاحِدُهَا لِخَفَائِهَا.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ» (وَتَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ) بَلْ بِأَرْبَعَةٍ كَمَا سَتَعْرِفُهُ: الْأَوَّلُ (الْإِسْلَامُ) فَلَا فِطْرَةَ عَلَى كَافِرٍ أَصْلِيٍّ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «مِنْ الْمُسْلِمِينَ» وَهُوَ إجْمَاعٌ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَيْسَ مُطَالَبًا بِإِخْرَاجِهَا وَلَكِنْ يُعَاقَبُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا فِطْرَةُ الْمُرْتَدِّ وَمَنْ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ فَمَوْقُوفَةٌ عَلَى عُودِهِ إلَى الْإِسْلَامِ وَكَذَا الْعَبْدُ الْمُرْتَدُّ وَلَوْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَمَنْ تَلْزَمُ الْكَافِرَ نَفَقَتُهُ مُرْتَدٌّ لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ حَتَّى يَعُودَ إلَى الْإِسْلَامِ، وَتَلْزَمُ الْكَافِرَ الْأَصْلِيَّ فِطْرَةُ رَقِيقِهِ الْمُسْلِمِ وَقَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ كَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِمَا.
(وَ) الشَّرْطُ الثَّانِي (بِغُرُوبِ) كُلِّ (الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ) لِأَنَّهَا مُضَافَةٌ فِي الْحَدِيثِ إلَى الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ فِي الْخَبَرِ الْمَاضِي، وَلَا بُدَّ مِنْ إدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ وَجُزْءٍ مِنْ لَيْلَةِ شَوَّالٍ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا قَالَ
_________________
(١) [حاشية البجيرمي] قَوْلُهُ: (صَاعًا) بَدَلٌ أَوْ حَالٌ وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ. قَوْلُهُ: (عَلَى كُلِّ إلَخْ) بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ قَوْلِهِ " عَلَى النَّاسِ " ع ش. وَقَالَ ح ل: " عَلَى " بِمَعْنَى " عَنْ " وَهُوَ بَيَانٌ لِلْمُخْرَجِ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ " عَلَى النَّاسِ " بَيَانٌ لِلْمُخْرِجِ وَعُمُومُهُ لَيْسَ مُرَادًا، وَالْمَعْنَى: فُرِضَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُؤَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ إلَخْ. وَمَا ذَكَرَهُ ع ش أَوْلَى لِأَنَّهُ يُفِيدُ وُجُوبَهَا عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ ابْتِدَاءً. قَوْلُهُ: (بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ بَلْ بِأَرْبَعَةٍ) مِنْهَا ثَلَاثَةٌ فِي الْمُؤَدِّي وَهُوَ أَحَدُ أَرْكَانِهَا الْأَرْبَعَةِ، وَالثَّانِي: النِّيَّةُ، وَالثَّالِثُ: الْمُؤَدَّى عَنْهُ، وَالرَّابِعُ: الْمَالُ الْمُؤَدَّى. وَالْوَجْهُ أَنَّ الْإِسْلَامَ مُعْتَبَرٌ فِي الْمُؤَدَّى عَنْهُ، فَقَوْلُهُ " فَلَا فِطْرَةَ عَلَى كَافِرٍ " أَيْ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ إذَا كَانَ مُسْلِمًا. وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ مُتَعَلِّقٌ بِزَمَنِ الْوُجُوبِ ق ل. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ) الْأَوْلَى وَلِأَنَّهَا عَطْفُ عِلَّةٍ عَلَى عِلَّةٍ لِأَنَّهُ تَعْلِيلٌ ثَانٍ. قَوْلُهُ: (أَنَّهُ لَيْسَ مُطَالَبًا) أَيْ مِنَّا، وَإِلَّا فَهُوَ مُطَالَبٌ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ. وَقَوْلُهُ " بِإِخْرَاجِهَا " أَيْ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُطَالَبٌ بِإِخْرَاجِهَا عَنْ رَقِيقِهِ وَقَرِيبِهِ الْمُسْلِمِينَ أَيْ بِطَرِيقِ الْحَوَالَةِ لِأَنَّهَا تَجِبُ ابْتِدَاءً عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ ثُمَّ يَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ الْمُؤَدِّي. قَوْلُهُ: (وَأَمَّا فِطْرَةُ الْمُرْتَدِّ) أَيْ الَّتِي وَجَبَتْ فِي الرِّدَّةِ. قَوْلُهُ: (فَمَوْقُوفَةٌ) لَكِنْ إذَا أَخْرَجَهَا هُوَ فِي حَالِ رِدَّتِهِ أَجْزَأَتْهُ إنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ وَتَكُونُ نِيَّتُهُ لِلتَّمْيِيزِ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ) يُغْنِي عَنْهُ. قَوْلُهُ: وَكَذَا الْعَبْدُ الْمُرْتَدُّ، فَلَوْ أَسْقَطَهُ أَوْ أَتَى بِفَاءِ التَّفْرِيعِ لَكَانَ أَوْلَى كَذَا قِيلَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْهُ لِشُمُولِهِ الْقَرِيبَ. قَوْلُهُ: (وَمَنْ تَلْزَمُ الْكَافِرَ) لَيْسَ بِقَيْدٍ. وَقَوْلُهُ " وَقَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ " الْمُرَادُ بِهِ الْأَصْلُ وَإِنْ عَلَا وَالْفَرْعُ وَإِنْ سَفَلَ ح ف. قَوْلُهُ: (وَبِغُرُوبِ) أَيْ وَبِإِدْرَاكِ غُرُوبِ إلَخْ وَأَتَى بِالْبَاءِ لِتَوَهُّمِ ذِكْرِهَا فِيمَا قَبْلَهُ، أَيْ وَلَوْ كَانَ الْغُرُوبُ تَقْدِيرًا لِيَشْمَلَ أَيَّامَ الدَّجَّالِ، أَوْ الْبَاءُ فِي " بِغُرُوبِ " لِلتَّصْوِيرِ أَيْ مُصَوَّرٌ بِغُرُوبِ إلَخْ. قَوْلُهُ: (كُلِّ الشَّمْسِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ وُلِدَ بَعْدَ غُرُوبِ جُزْءٍ مِنْهَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ وَإِنْ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ شَوَّالٍ لِعَدَمِ إدْرَاكِهِ كُلَّ الْغُرُوبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ تَجِبُ فِي هَذَا لِإِدْرَاكِهِ الْجُزْأَيْنِ. وَيُخَالِفُهُ قَوْلُ سم عَلَى الْمَتْنِ: قَوْلُهُ " بِغُرُوبِ الشَّمْسِ " احْتِرَازًا عَمَّا يَحْدُثُ بَعْدَهُ أَوْ مَعَهُ مِنْ وَلَدٍ وَنِكَاحٍ وَإِسْلَامٍ وَمِلْكِ رَقِيقٍ وَغِنًى، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُهَا لِعَدَمِ وُجُودِ ذَلِكَ وَقْتَ الْوُجُوبِ، وَلَوْ شَكَّ فِي الْحُدُوثِ أَقَبْلَ الْغُرُوبِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا وُجُوبَ لِلشَّكِّ. اهـ. م د. وَقَدْ يُقَالُ: لَا مُخَالَفَةَ؛ لِأَنَّ قَوْلَ سم " أَوْ مَعَهُ " مَعْنَاهُ أَنَّهُ حَدَثَ مَعَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْغُرُوبُ إلَّا بِمَغِيبِ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الشَّمْسِ، فَالْمَعِيَّةُ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِمُقَارَنَةِ الْحُدُوثِ لِآخِرِ جُزْءٍ؛ وَلَوْ ادَّعَى بَعْدَ وَقْتِ الْغُرُوبِ أَنَّهُ أَعْتَقَ الْقِنَّ قَبْلَهُ عَتَقَ وَلَزِمَهُ فِطْرَتُهُ لِأَنَّهُ يَدَّعِي نَقْلَهَا عَنْهُ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا، وَلَوْ وَقَعَ بَيْعُ الْعَبْدِ مَعَ الْغُرُوبِ فَلَا زَكَاةَ عَنْهُ عَلَى أَحَدٍ، وَلَوْ وَقَعَ الْجُزْءَانِ فِي زَمَنِ خِيَارِهِمَا فَعَلَى مَنْ تَمَّ لَهُ الْمِلْكُ أَوْ لِأَحَدِهِمَا فَعَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ لَهُ الْمِلْكُ. قَوْلُهُ: (فِي الْخَبَرِ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ " فِي الْحَدِيثِ ". قَوْلُهُ: (وَلَا بُدَّ مِنْ إدْرَاكِ جُزْءٍ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَلَا بُدَّ مِنْ إدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ لَيْلَةِ شَوَّالٍ؛ لِأَنَّ إدْرَاكَ جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمَتْنِ " بِغُرُوبِ الشَّمْسِ " فَيَكُونُ مُكَرَّرًا، وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " وَلَا بُدَّ إلَخْ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ فِي كَلَامِهِ قُصُورًا حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِ الْجُزْأَيْنِ مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا. قَوْلُهُ: (فِيمَا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ إلَخْ) وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا زَكَاةَ عَلَى السَّيِّدِ لِخُرُوجِ الْعَبْدِ عَنْ مِلْكِهِ قَبْلَ إدْرَاكِ الْجُزْءِ الثَّانِي وَلَا عَلَى الْعَبْدِ لِأَنَّهُ
[ ٢ / ٣٥٠ ]
لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ مَعَ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةِ شَوَّالٍ أَوْ مَعَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ كَانَ هُنَاكَ مُهَايَأَةٌ فِي رَقِيقٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ بِلَيْلَةٍ وَيَوْمٍ أَوْ نَفَقَةُ قَرِيبٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ كَذَلِكَ فَهِيَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ حَصَلَ فِي نَوْبَتِهِمَا فَتَخْرُجُ عَمَّنْ مَاتَ بَعْدَ الْغُرُوبِ دُونَ مَنْ وُلِدَ بَعْدَهُ وَيُسَنُّ أَنْ تُخْرَجَ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ لِلِاتِّبَاعِ، وَهَذَا جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَإِنْ أُخِّرَتْ اُسْتُحِبَّ الْأَدَاءُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ بِلَا عُذْرٍ كَغَيْبَةِ مَالِهِ أَوْ الْمُسْتَحِقِّينَ.
(وَ) الثَّالِثُ مِنْ الشُّرُوطِ (وُجُودُ الْفَضْلِ) أَيْ الْفَاضِلِ (عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ) مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ (عِيَالِهِ) مِنْ زَوْجِيَّةٍ أَوْ
_________________
(١) [حاشية البجيرمي] لَمْ يُدْرِكْ الْجُزْأَيْنِ وَهُوَ حُرٌّ. وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ أَرْبَعُ صُوَرٍ، وَخَالَفَ حَجّ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ فَجَعَلَهَا عَلَى السَّيِّدِ فِي الْأُولَى وَلَا تَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الثَّانِيَةِ؛ نَعَمْ قَدَّمَ هُوَ فِي شَرْحِهِ الثَّانِيَةَ عَلَى الْأُولَى. قَوْلُهُ: (بِلَيْلَةٍ وَيَوْمٍ) بِأَنْ كَانَ يَخْدُمُ أَحَدَهُمَا يَوْمًا وَالْآخَرَ لَيْلَةً، وَكَذَا الْقَرِيبُ كَأَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ وَاحِدٌ نَهَارًا وَالثَّانِي لَيْلًا. قَوْلُهُ: (فَهِيَ عَلَيْهِمَا) أَيْ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ؛ أَمَّا فِي الْأُولَى فَلَا فِطْرَةَ عَلَى أَحَدٍ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَهِيَ عَلَى الْعَتِيقِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ يَقْتَضِي رُجُوعَهُ لِلصُّوَرِ الْأَرْبَعِ. وَفِيهِ مِنْ الْإِجْمَالِ مَا لَا يَخْفَى. وَقَوْلُهُ " عَلَى الْعَتِيقِ " لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ حَاصِلَةٌ مَعَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ كَالْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ فَقَدْ تَحَقَّقَتْ الْحُرِّيَّةُ مَعَ سَبَبَيْ الْوُجُوبِ سم عَلَى الْمَنْهَجِ، لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ مُعْسِرٌ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا وَالْمُعْسِرُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ وَمَا يَقَعُ لَهُ مِنْ الْإِرْثِ أَوْ الْهِبَةِ أَوْ نَحْوِهِمَا بَعْدَ الْوُجُوبِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْإِخْرَاجَ. وَقَالَ ع ش عَلَى م ر: وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِمَا لَوْ مَاتَ مُوَرِّثُهُ مُقَارِنًا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ فَيَكُونُ الْعِتْقُ وَمِلْكُ مَا يَصْرِفُهُ فِي الزَّكَاةِ مُتَقَارِنَيْنِ، فَيُقَدَّرُ سَبْقُ مِلْكِهِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ أَوْ سَبْقُهُمَا مَعًا عَلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ وَانْظُرْ مَا الْمَانِعُ مِنْ تَصْوِيرِ مَا ذُكِرَ بِالْمُكَاتَبِ كِتَابَةً فَاسِدَةً فَإِنَّهُ يَمْلِكُ بَعْدَ عِتْقِهِ وَفِطْرَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ مَا دَامَ فِي مِلْكِهِ، وَتَعْلِيقُ عِتْقِهِ بِمَا ذُكِرَ صَحِيحٌ، فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ قَدْ حَصَلَ فِي نَوْبَتِهِمَا) الْمُرَادُ أَنَّ جُزْءًا مِنْ جُزْأَيْهِ وَقَعَ فِي نَوْبَةِ أَحَدِهِمَا، وَالْجُزْءَ الثَّانِي وَقَعَ فِي نَوْبَةِ الْآخَرِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ وُجُوبُ الْفِطْرَةِ لَا لِأَجْلِ الْمُهَايَأَةِ لِأَنَّهَا لَاغِيَةٌ وَإِنَّمَا هُوَ لِلْمِلْكِيَّةِ أَوْ الْقَرَابَةِ. قَوْلُهُ: (فِي نَوْبَتِهِمَا) الْأَوْلَى فِي نَوْبَتَيْهِمَا بِالتَّثْنِيَةِ. قَوْلُهُ: (دُونَ مَنْ وُلِدَ بَعْدَهُ) وَكَذَا مَنْ شَكَّ فِي أَنَّهُ وُلِدَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ بَعْضُ الْجَنِينِ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَبَاقِيهِ بَعْدَهُ فَلَا وُجُوبَ؛ لِأَنَّهُ جَنِينٌ، مَا لَمْ يَتِمَّ انْفِصَالُهُ م ر وسم أج. قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ أَنْ تَخْرُجَ إلَخْ) الْحَاصِلُ أَنَّ لَهَا خَمْسَةَ أَوْقَاتٍ: وَقْتُ جَوَازٍ، وَوَقْتُ وُجُوبٍ، وَوَقْتُ فَضِيلَةٍ، وَوَقْتُ كَرَاهَةٍ، وَوَقْتُ حُرْمَةٍ. فَوَقْتُ الْجَوَازِ أَوَّلَ الشَّهْرِ وَالْوُجُوبِ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَالْفَضِيلَةِ قَبْلَ الْخُرُوجِ لِصَلَاةِ الْعِيدِ وَالْكَرَاهَةِ تَأْخِيرُهَا عَنْ صَلَاتِهِ إلَّا لِعُذْرٍ مِنْ انْتِظَارِ قَرِيبٍ أَوْ أُحْوِجَ وَالْحُرْمَةُ تَأْخِيرُهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ اهـ اط ف. قَوْلُهُ: (كَغَيْبَةِ مَالِهِ) أَيْ فِي دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ ح ل وحج. فَلَوْ أَخَّرَهَا بِلَا عُذْرٍ عَصَى وَصَارَتْ قَضَاءً فَيَقْضِيهَا وُجُوبًا فَوْرًا. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ زَكَاةَ الْمَالِ الْمُؤَخَّرَةَ عِنْدَ التَّمَكُّنِ تَكُونُ أَدَاءً، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْفِطْرَةَ مُؤَقَّتَةٌ بِزَمَنٍ مَحْدُودٍ كَالصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ " أَوْ الْمُسْتَحِقِّينَ " يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ فِي مَحِلٍّ يَحْرُمُ نَقْلُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ ح ل. قَوْلُهُ: (وُجُودُ الْفَضْلِ إلَخْ) وَيُعْتَبَرُ الْفَضْلُ، عَمَّا ذُكِرَ وَقْتَ الْوُجُوبِ فَوُجُودُهُ بَعْدَهُ لَا يُوجِبُهَا اتِّفَاقًا، وَفَارَقَ الْكَفَّارَةَ حَيْثُ تَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ إذَا عَجَزَ عَنْهَا بِأَنَّ الْيَسَارَ هُنَا شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ وَثُمَّ شَرْطٌ لِلْأَدَاءِ؛ وَكَأَنَّ حِكْمَتَهُ أَنَّ هَذِهِ مُوَاسَاةٌ فَخُفِّفَ فِيهَا بِخِلَافِ تِلْكَ. وَبِهِ يُفَرَّقُ أَيْضًا بَيْنَ مَا هُنَا وَوُجُوبِ الصَّلَاةِ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ وَقْتِ أَدَائِهَا أَوْ أَدَاءِ مَا يُجْمَعُ مَعَهَا اهـ شَوْبَرِيٌّ. وَيُؤْخَذُ مِنْ هُنَا قَاعِدَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْحَقَّ الْمَالِيَّ إذَا وَجَبَ عَلَى شَخْصٍ فَإِنْ تَسَبَّبَ فِي وُجُوبِهِ عَلَيْهِ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَقْتَ وُجُوبِهِ كَالْكَفَّارَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَسَبَّبْ فِي وُجُوبِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُعْسِرًا وَقْتَ وُجُوبِهِ وَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَهُ كَالْفِطْرَةِ. اهـ. م د. وَلَيْسَ مِنْ الْفَاضِلِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْعِيدِ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي الْعِيدِ مِنْ كَعْكٍ وَسَمَكٍ وَنَقْلٍ، فَلَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَنِهِ إذَا لَمْ يَزِدْ عَنْ الْحَاجَةِ؛ وَهَذَا إذَا هَيَّأَهُ وَأَعَدَّهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ. قَوْلُهُ: (مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) أَيْ وَلَوْ بَهِيمَةً فَمَنْ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْعَاقِلِ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (مِنْ زَوْجِيَّةٍ) أَيْ إذَا كَانَتْ فِي طَاعَتِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَكُنْ فِي طَاعَتِهِ فَإِنَّهَا عَلَيْهَا حِينَئِذٍ
[ ٢ / ٣٥١ ]
بَعْضِيَّةٍ أَوْ مِلْكِيَّةٍ (فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ) أَيْ يَوْمِ الْعِيدِ (وَلَيْلَتِهِ) وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ لَائِقَيْنِ بِهِ يَحْتَاجُ إلَيْهِمَا كَمَا فِي الْكَفَّارَةِ. بِجَامِعِ التَّطْهِيرِ وَالْمُرَادُ بِحَاجَةِ الْخَادِمِ أَنْ يَحْتَاجَهُ لِخِدْمَتِهِ أَوْ خِدْمَةِ مُمَوِّنِهِ، أَمَّا حَاجَتُهُ لِعَمَلِهِ فِي أَرْضِهِ أَوْ مَاشِيَتِهِ فَلَا أَثَرَ لَهَا، وَخَرَجَ بِاللَّائِقِ بِهِ مَا لَوْ كَانَا نَفِيسَيْنِ يُمْكِنُ إبْدَالُهُمَا بِلَائِقٍ بِهِ وَيَخْرُجُ التَّفَاوُتُ لَزِمَهُ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْحَجِّ، نَعَمْ لَوْ ثَبَتَتْ الْفِطْرَةُ فِي ذِمَّةِ إنْسَانٍ فَإِنَّهُ يُبَاعُ فِيهَا مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ الْتَحَقَتْ بِالدُّيُونِ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا كَوْنُهُ فَاضِلًا عَنْ دَسْتِ ثَوْبٍ يَلِيقُ بِهِ وَبِمُمَوِّنِهِ، كَمَا أَنَّهُ يَبْقَى لَهُ فِي الدُّيُونِ وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فَاضِلًا عَنْ دَيْنِهِ وَلَوْ لِآدَمِيٍّ كَمَا رَجَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ الَّذِي تَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ الْحُرِّيَّةُ، فَلَا فِطْرَةَ عَلَى رَقِيقٍ لَا عَنْ نَفْسِهِ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ، أَمَّا غَيْرُ الْمُكَاتَبِ كِتَابَةً صَحِيحَةً فَلِعَدَمِ مِلْكِهِ، وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ الْمَذْكُورُ فَلِضَعْفِ مِلْكِهِ إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ مَالِهِ وَلَا نَفَقَةُ قَرِيبِهِ، وَلَا فِطْرَةٌ عَلَى سَيِّدِهِ عَنْهُ لِاسْتِقْلَالِهِ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ كِتَابَةً فَاسِدَةً فَإِنَّ فِطْرَتَهُ عَلَى سَيِّدِهِ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ يَلْزَمُهُ مِنْ الْفِطْرَةِ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَبَاقِيهَا عَلَى مَالِكِ الْبَاقِي هَذَا حَيْثُ لَا مُهَايَأَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكِ بَعْضِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مُهَايَأَةً اخْتَصَّتْ الْفِطْرَةُ بِمَنْ وَقَعَتْ فِي نَوْبَتِهِ وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ الرَّقِيقُ الْمُشْتَرَكُ
(وَيُزَكِّي عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ) زَوْجَتِهِ وَبَعْضِهِ وَرَقِيقِهِ (الْمُسْلِمِينَ) .
تَنْبِيهٌ: ضَابِطُ ذَلِكَ مَنْ لَزِمَهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ لَزِمَهُ فِطْرَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ بِمِلْكٍ أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ زَوْجِيَّةٍ إذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ وَوَجَدَ مَا يُؤَدِّي عَنْهُمْ، وَاسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الضَّابِطِ مَسَائِلَ مِنْهَا لَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ فِطْرَةُ الرَّقِيقِ وَالْقَرِيبِ وَالزَّوْجَةِ الْكُفَّارِ، وَإِنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُمْ لِقَوْلِهِ - ﷺ - فِي الْخَبَرِ السَّابِقِ «مِنْ الْمُسْلِمِينَ» وَمِنْهَا لَا يَلْزَمُ الْعَبْدَ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا وَإِنْ
_________________
(١) [حاشية البجيرمي] وَهِيَ النَّاشِزَةُ، وَمِثْلُهَا صَغِيرَةٌ لَا تُطِيقُ الْوَطْءَ كَمَا قَالَهُ ق ل وَغَيْرُهُ. وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ بِعَبْدِهِ لَزِمَهُ فِطْرَتُهُمَا قَطْعًا اهـ. وَقَوْلُهُ " مِنْ زَوْجِيَّةٍ " أَيْ مِنْ ذِي زَوْجِيَّةٍ إلَخْ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ وَمَا بَعْدَهَا لَيْسَتْ هِيَ الْعِيَالَ، وَإِنَّمَا الْعِيَالُ الزَّوْجَةُ أَوْ الْبَعْضُ إلَخْ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ. وَتَجِبُ فِطْرَةُ الرَّجْعِيَّةِ وَالْبَائِنِ الْحَامِلِ كَمَا فِي ح ل لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِمَا. قَوْلُهُ: (أَوْ بَعْضِيَّةٍ) الْمُرَادُ بِهَا الْأُصُولُ وَالْفُرُوعُ قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا) أَيْ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ وُجُوبِ الْفِطْرَةِ، أَمَّا إذَا ثَبَتَتْ فِي ذِمَّتِهِ صَارَتْ دَيْنًا فَيُبَاعُ فِيهَا كَذَلِكَ أَيْ مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي. قَوْلُهُ: (وَخَادِمٍ) أَيْ ثَمَنُهُ إنْ كَانَ مَمْلُوكًا وَأُجْرَتُهُ إنْ كَانَ حُرًّا. قَوْلُهُ: (يَحْتَاجُ إلَيْهِمَا) أَيْ مُطْلَقًا لَا فِي خُصُوصِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ كَالْقُوتِ، بِدَلِيلِ إطْلَاقِهِ فِيهِمَا وَتَقْيِيدِهِ فِي الْقُوتِ بِالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ح ل. قَوْلُهُ: (بِجَامِعِ التَّطْهِيرِ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُطَهِّرُ مُخْرِجَهُ. قَوْلُهُ: (نَفِيسَيْنِ) الْمُرَادُ أَنَّهُمَا غَيْرُ لَائِقَيْنِ بِهِ فَيَبِيعُهُمَا وَيُبَدِّلُهُمَا بِلَائِقٍ وَيَصْرِفُ الزَّائِدَ لِلْفِطْرَةِ، وَلَوْ أَلِفَهُمَا بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ لَا يُبَاعَانِ إذَا أَلِفَهُمَا؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَهَا بَدَلٌ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يُبَاعُ فِيهَا مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ) أَيْ وَلَوْ لَائِقَيْنِ لَا مَلْبَسُهُ اللَّائِقُ ح ل. قَوْلُهُ: (الْتَحَقَتْ بِالدُّيُونِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ الدُّيُونِ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ دَيْنٌ لَا مُلْحَقَةٌ بِهِ. ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِالْتِحَاقِهَا بِهَا كَوْنُهَا صَارَتْ مِنْهَا. قَوْلُهُ: (وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ) أَيْ الِاخْتِصَاصِ وَالِاشْتِرَاكِ. قَوْلُهُ: (وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) مَنْ هُنَا خَاصَّةٌ بِمَنْ يَعْقِلُ. قَوْلُهُ: (ضَابِطُ ذَلِكَ) أَيْ لُزُومِ فِطْرَةِ الْغَيْرِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ " وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ إلَخْ " وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ خَلَلًا، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْعَبْدَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي لَا تَلْزَمُهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الضَّابِطِ حَتَّى يُسْتَثْنَى، وَكَذَا عَبْدُ الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ كَمَا يَأْتِي؛ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ يَلْزَمُ عَبْدَ الْمَسْجِدِ فِطْرَةُ نَفْسِهِ، نَعَمْ يُقَالُ يَلْزَمُ النَّاظِرَ فِطْرَةُ نَفْسِهِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ فِطْرَةُ هَذَا الْعَبْدِ مِنْ رِيعِ الْمَسْجِدِ مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَا تَلْزَمُهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَضَابِطُ ذَلِكَ مَنْ لَزِمَهُ نَفَقَةُ شَخْصٍ لَزِمَهُ فِطْرَتُهُ، ثُمَّ يُسْتَثْنَى مَا ذُكِرَ لِيَنْدَفِعَ الْخَلَلُ فِي الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ. قَوْلُهُ: (مَسَائِلَ) أَيْ عَشَرَةً. قَوْلُهُ: (الْكُفَّارِ) لَا وَجْهَ لِاسْتِثْنَاءِ
[ ٢ / ٣٥٢ ]
أَوْجَبْنَا نَفَقَتَهَا فِي كَسْبِهِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِفِطْرَةِ نَفْسِهِ فَكَيْفَ يَتَحَمَّلُ عَنْ غَيْرِهِ؟ وَمِنْهَا لَا يَلْزَمُ الِابْنَ فِطْرَةُ زَوْجَةِ أَبِيهِ وَمُسْتَوْلِدَتِهِ وَإِنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُمَا عَلَى الْوَلَدِ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَازِمَةٌ لِلْأَبِ مَعَ إعْسَارِهِ فَيَتَحَمَّلُهَا الْوَلَدُ بِخِلَافِ الْفِطْرَةِ، وَمِنْهَا عَبْدُ بَيْتِ الْمَالِ تَجِبُ نَفَقَتُهُ دُونَ فِطْرَتِهِ، وَمِنْهَا الْفَقِيرُ الْعَاجِزُ عَنْ الْكَسْبِ يَلْزَمُ الْمُسْلِمِينَ نَفَقَتُهُ دُونَ فِطْرَتِهِ، وَمِنْهَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ لَوْ آجَرَ عَبْدَهُ وَشَرَطَ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنَّ الْفِطْرَةَ عَلَى سَيِّدِهِ، وَمِنْهَا عَبْدُ الْمَالِكِ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْقِرَاضِ إذَا شَرَطَ عَمَلَهُ مَعَ الْعَامِلِ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ وَفِطْرَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ، وَمِنْهَا مَا لَوْ حَجَّ الْعَبْدُ بِالنَّفَقَةِ، وَمِنْهَا عَبْدُ الْمَسْجِدِ فَلَا تَجِبُ فِطْرَتُهُمَا، وَإِنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُمَا سَوَاءٌ أَكَانَ عَبْدُ الْمَسْجِدِ مِلْكًا لَهُ أَوْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَمِنْهَا الْمَوْقُوفُ عَلَى جِهَةٍ أَوْ مُعَيَّنٍ كَرَجُلٍ وَمَدْرَسَةٍ وَرِبَاطٍ.
وَلَوْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ وَقْتَ الْوُجُوبِ أَوْ كَانَ عَبْدًا لَزِمَ سَيِّدَ الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ فِطْرَتُهَا لَا الْحُرَّةِ فَلَا تَلْزَمُهَا وَلَا زَوْجَهَا لِانْتِفَاءِ يَسَارِهِ، وَالْفَرْقُ كَمَالُ تَسْلِيمِ الْحُرَّةِ نَفْسَهَا بِخِلَافِ الْأَمَةِ لِاسْتِخْدَامِ السَّيِّدِ لَهَا.
_________________
(١) [حاشية البجيرمي] هَذِهِ لِعَدَمِ دُخُولِهَا فِي الضَّابِطِ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ " إذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ " فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْإِسْلَامِ فِطْرَةُ الرَّقِيقِ إلَخْ، وَكَذَا. قَوْلُهُ " وَمِنْهَا " لَا يَلْزَمُ الْعَبْدَ لَا وَجْهَ لِاسْتِثْنَائِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي قَوْلِهِ " مَنْ لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ " لِأَنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ، فَكَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ: كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ نَفَقَةُ شَخْصٍ لَزِمَتْهُ فِطْرَتُهُ ثُمَّ يَسْتَثْنِي مِنْهَا؛ وَهَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتُ مِنْ مَنْطُوقِ الْقَاعِدَةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ مَفْهُومِهَا الْمُكَاتَبُ كِتَابَةً فَاسِدَةً فَإِنَّ نَفَقَتَهُ لَا تَلْزَمُ السَّيِّدَ وَتَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ، وَكَذَا الْأَمَةُ إذَا كَانَتْ مُسَلَّمَةً لِزَوْجِهَا فَلَا يَلْزَمُ سَيِّدَهَا نَفَقَتُهَا وَيَلْزَمُهُ فِطْرَتُهَا إذَا كَانَ زَوْجُهَا مُعْسِرًا أَوْ عَبْدًا. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا) هَذَا التَّعْلِيلُ يَشْمَلُ الْكَافِرَ فَكَانَ الْأَوْلَى التَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَإِنْ مَلَكَهُ سَيِّدُهُ. قَوْلُهُ: (تَجِبُ نَفَقَتُهُ) أَيْ عَلَى الْإِمَامِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الضَّابِطِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ تَلْزَمُهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ فِطْرَةُ هَذَا الْعَبْدِ الَّذِي تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الْفِطْرَةَ عَلَى سَيِّدِهِ) كَانَ الْأَوْلَى: فَلَا فِطْرَةَ عَلَى الْمُكْتَرِي. قَوْلُهُ: (فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْعَامِلِ. قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا مَا لَوْ حَجَّ بِالنَّفَقَةِ) كَأَنْ أَجَّرَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِالنَّفَقَةِ قَبْلَ الْعَبْدِ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُمَا) وُجُوبُ نَفَقَةِ عَبْدِ الْمَسْجِدِ مِنْ رِيعِهِ، وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ فَإِنَّ نَفَقَتَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ثُمَّ عَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَى جِهَةٍ أَوْ مُعَيَّنٍ كَمَا يَأْتِي. وَاسْتِثْنَاءُ عَبْدِ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ نَاظِرَ الْمَسْجِدِ تَلْزَمُهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ وَلَا تَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَهُوَ عَبْدُ الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ مِنْ رِيعِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ النَّاظِرَ مُلْزَمٌ بِهَا تَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (مِلْكًا لَهُ) أَيْ لِلْمَسْجِدِ بِأَنْ وُهِبَ لَهُ أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ، فَإِنَّ الْمَسْجِدَ يَمْلِكُهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولٍ مِنْ النَّاظِرِ. وَفَائِدَةُ كَوْنِهِ مِلْكًا لِلْمَسْجِدِ أَنَّهُ يُبَاعُ فِي مَصَالِحِهِ دُونَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. قَوْلُهُ: (عَلَى جِهَةٍ) كَالْفُقَرَاءِ أَوْ مُعَيَّنٍ كَرَجُلٍ وَمَدْرَسَةٍ، وَعَدَّدَ الْمِثَالَ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْمُعَيَّنِ بَيْنَ كَوْنِهِ عَاقِلًا أَوْ لَا، كَذَا بِخَطِّ الْمَيْدَانِيِّ. وَقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ " كَرَجُلٍ وَمَدْرَسَةٍ " لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوَّشٌ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ) أَيْ وَلَوْ عَبْدًا، فَقَوْلُ الشَّارِحِ " أَوْ كَانَ إلَخْ " مِنْ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ، وَقَوْلُهُ " لَا الْحُرَّةِ " أَيْ لَا يَلْزَمُ الْحُرَّةَ وَلَوْ كَانَتْ غَنِيَّةً فَلَا فِطْرَةَ لَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. قَوْلُهُ: (فَلَا تَلْزَمُهَا) أَيْ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهَا مِنْ بَابِ الْحَوَالَةِ، وَأَمَّا لَوْ جَرَيْنَا عَلَى خِلَافِ الْأَصَحِّ أَنَّهَا مِنْ بَابِ الضَّمَانِ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى الزَّوْجَةِ إذَا أَعْسَرَ الزَّوْجُ كَمَا يَرْجِعُ عَلَى الْأَصِيلِ إذَا أَعْسَرَ الضَّامِنُ، وَتَجِبُ فِطْرَةُ الزَّوْجَةِ الْمُطِيعَةِ وَخَادِمِهَا إنْ كَانَ مَمْلُوكًا لَهَا أَوْ لَهُمَا دُونَ الْمُؤَجَّرَةِ بِالدَّرَاهِمِ. قَالَ شَيْخُنَا ع ش: وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ فِي مِصْرِنَا وَقُرَاهَا مِنْ اسْتِئْجَارِ شَخْصٍ لِرَعْيِ دَوَابِّهِ أَوْ خِدْمَةِ زَرْعِهِ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ لَا فِطْرَةَ لَهُ لِكَوْنِهِ مُؤَجَّرًا إجَارَةً صَحِيحَةً أَوْ فَاسِدَةً، بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَخْدَمَهُ بِالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ فَإِنَّهُ تَجِبُ فِطْرَتُهُ. وَأَمَّا الَّتِي صُحْبَتُهَا بِالنَّفَقَةِ فَلَا تَجِبُ فِطْرَتُهَا عَلَى مَا فِي الْمَجْمُوعِ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمُسْتَأْجَرَةِ، أَيْ إذَا كَانَتْ نَفَقَتُهَا مُقَدَّرَةً. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا الْوُجُوبَ، أَيْ إذَا كَانَتْ نَفَقَتُهَا غَيْرَ مُقَدَّرَةٍ لِأَنَّهَا تَتْبَعُ النَّفَقَةَ، وَبِهِ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ، وَلَوْ كَانَتْ الْخَادِمَةُ مُتَزَوِّجَةً بِزَوْجٍ غَنِيٍّ فَالْقِيَاسُ الْوُجُوبُ عَلَى زَوْجِ الْخَادِمَةِ نَظَرًا لِلْأَصْلِ، فَإِنْ أَعْسَرَ وَجَبَتْ عَلَى زَوْجِ
[ ٢ / ٣٥٣ ]
وَيُزَكِّي عَنْ نَفْسِهِ (صَاعًا مِنْ) غَالِبِ (قُوتِ بَلَدِهِ) إنْ كَانَ بَلَدِيًّا، وَفِي غَيْرِهِ مِنْ غَالِبِ قُوتِ مَحَلِّهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ النَّوَاحِي، وَالْمُعْتَبَرُ فِي غَالِبِ الْقُوتِ غَالِبُ قُوتِ السَّنَةِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ لَا غَالِبُ قُوتِ وَقْتِ الْوُجُوبِ خُلَاصَةً
_________________
(١) [حاشية البجيرمي] الْمَخْدُومَةِ إذَا كَانَتْ مُسْتَأْجَرَةً بِنَفَقَةٍ غَيْرِ مُقَدَّرَةٍ، كَذَا بَحَثَ. اهـ. بِرْمَاوِيٌّ عَلَى الْمَنْهَجِ. وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ مُوسِرًا فَأَخْرَجَتْ عَنْ نَفْسِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا رُجُوعَ لَهَا لِأَنَّهَا مُتَبَرِّعَةٌ وَلِأَنَّهَا عَلَى الزَّوْجِ كَالْحَوَالَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْمُحِيلُ لَوْ أَدَّى بِغَيْرِ إذْنِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ. فَرْعٌ: خَادِمُ الزَّوْجَةِ حَيْثُ وَجَبَتْ فِطْرَتُهُ يَكُونُ فِي أَيِّ مَرْتَبَةٍ؟ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الزَّوْجَةِ وَقَبْلَ سَائِرِ مَنْ عَدَاهَا حَتَّى وَلَدُهُ الصَّغِيرُ وَمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِسَبَبِ الزَّوْجِيَّةِ الْمُقَدَّمَةِ عَلَى سَائِرِ مَنْ عَدَاهَا وِفَاقًا فِي ذَلِكَ لَمْ ر. اهـ. سم عَلَى الْمَنْهَجِ. وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الْإِخْرَاجُ عَنْ زَوْجَتِهِ الرَّجْعِيَّةِ وَالْبَائِنِ الْحَامِلِ مِنْ دُونِ الْحَائِلِ م ر عَلَى الْبَهْجَةِ. وَقَوْلُهُ " وَالْبَائِنِ الْحَامِلِ دُونَ الْحَائِلِ " أَيْ لِأَنَّ النَّفَقَةَ وَاجِبَةٌ لَهَا دُونَهَا، إذْ وُجُودُ الْحَمْلِ اقْتَضَى وُجُوبَ النَّفَقَةِ فَيَقْتَضِي وُجُوبَ الْفِطْرَةِ أَيْضًا. وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ النَّفَقَةَ لَهَا مَدْخَلٌ فِي نَحْوِ الْحَمْلِ وَزِيَادَتِهِ وَلَا كَذَلِكَ الْفِطْرَةُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ عَلَى بُعْدٍ: لَوْ لَمْ يَجِبْ إخْرَاجُ فِطْرَةِ الْحَامِلِ عَلَى الْغَيْرِ لَوَجَبَتْ عَلَيْهَا وَقَدْ تُخْرِجُ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَ الْفِطْرَةِ وَلَا تَجِدُ مَا تَقْتَاتُ بِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَيَحْصُلُ لَهَا وَهَنٌ فِي بَدَنِهَا فَيَتَعَدَّى لِحَمْلِهَا، فَأَوْجَبْنَا الْفِطْرَةَ عَلَى الْغَيْرِ خُلُوصًا مِنْ ذَلِكَ. اهـ. ع ش عَلَى م ر. فَرْعٌ: قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: فِطْرَةُ وَلَدِ الزِّنَا عَلَى أُمِّهِ إذْ لَا أَبَ لَهُ كَمَا تَلْزَمُهَا نَفَقَتُهُ، وَكَذَا مَنْ لَاعَنَتْ فِيهِ لِذَلِكَ؛ فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ لَمْ تَرْجِعْ الْأُمُّ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّتْهُ مِنْ فِطْرَتِهِ كَمَا لَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا غَرِمَتْهُ مِنْ نَفَقَتِهِ. وَكَأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ حَالَ إخْرَاجِ الْفِطْرَةِ وَالْإِنْفَاقِ كَانَ مَنْفِيًّا عَنْهُ ظَاهِرًا وَلَمْ يُثْبِتْ نَسَبَهُ إلَّا مِنْ حِينِ اسْتِلْحَاقِهِ، ثُمَّ رَأَيْته عَلَّلَ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ؛ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِإِجْبَارِ حَاكِمٍ رَجَعَتْ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ،. اهـ. عب وَشَرْحُهُ. قَوْلُهُ: (لِانْتِفَاءِ يَسَارِهِ) عِلَّةٌ لِلثَّانِي أَيْ قَوْلُهُ " وَلَا زَوْجَهَا "، وَأَمَّا هِيَ فَبِنَاءً عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ تَحَمَّلَهَا بَعْدَ أَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ أَيْ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ حَيْثُ وَجَبَتْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى سَيِّدِ الْأَمَةِ وَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْحُرَّةِ وَلَوْ غَنِيَّةً. قَوْلُهُ: (لِاسْتِخْدَامِ إلَخْ) إنْ قُلْت فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي أَمَةٍ تَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ نَفَقَتُهَا بِأَنْ لَمْ يَسْتَخْدِمْهَا السَّيِّدُ فَتَجِبُ حِينَئِذٍ فِطْرَتُهَا عَلَى الزَّوْجِ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَعَلَى السَّيِّدِ إنْ كَانَ مُعْسِرًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ السَّيِّدُ يَسْتَخْدِمُهَا فَالنَّفَقَةُ وَالْفِطْرَةُ وَاجِبَتَانِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا. وَقَوْلُ الشَّارِحِ: لِاسْتِخْدَامِ إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا كَانَ السَّيِّدُ يَسْتَخْدِمُهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِطْرَتُهَا إلَّا إذَا كَانَ الزَّوْجُ مُعْسِرًا. أُجِيبُ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ " لِاسْتِخْدَامِ السَّيِّدِ لَهَا " أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا وَلَا يَمْنَعَهُ مِنْهُ زَوْجُهَا أَيْ وَلَمْ يَسْتَخْدِمْهَا بِالْفِعْلِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ. وَعِبَارَةُ الْمَرْحُومِيِّ: لِاسْتِخْدَامِ إلَخْ، أَيْ لِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا، وَإِلَّا فَوَضْعُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهَا مُسَلَّمَةٌ لِلزَّوْجِ لَيْلًا وَنَهَارًا حَتَّى تَجِبَ نَفَقَتُهَا لِأَنَّ الْفِطْرَةَ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَمَةَ إنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً لِلزَّوْجِ لَيْلًا وَنَهَارًا فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا، ثُمَّ إنْ كَانَ مُوسِرًا فَفِطْرَتُهَا عَلَيْهِ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَعَلَى السَّيِّدِ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً لَيْلًا فَقَطْ وَيَسْتَخْدِمُهَا السَّيِّدُ نَهَارًا فَلَيْسَ عَلَى زَوْجِهَا شَيْءٌ، تَأَمَّلْ م د. قَوْلُهُ: (وَيُزَكِّي عَنْ نَفْسِهِ) اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ لَيْلًا. ثُمَّ. قَوْلُهُ " صَاعًا مِنْ قُوتِ بَلَدِهِ " إذْ زَكَاتُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ غَالِبِ قُوتِ بَلَدِ الْغَيْرِ كَمَا سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ قَرِيبًا. فَإِنْ قُلْتَ: صَرِيحُ الْمَتْنِ أَنَّ هَذَا رَاجِعٌ لِزَكَاتِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَزَكَاتِهِ عَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. قُلْتُ: فِي كَلَامِ الْمَتْنِ تَوْزِيعٌ، وَلَمَّا كَانَ فِي كَلَامِهِ نَوْعُ إجْمَالٍ بَيَّنَ الشَّارِحُ الْمُرَادَ مِنْهُ بِمَا ذَكَرَهُ. قَوْلُهُ: (وَفِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْبَلَدِيِّ وَهُوَ الْبَدْوِيُّ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ غَالِبَ قُوتِ مَحِلِّهِ، وَانْظُرْ هَذَا عِلَّةٌ لِمَاذَا. وَعِبَارَةُ م ر: وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ إلَخْ، مِنْ غَيْرِ جَعْلِهِ عِلَّةً، إذْ لَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ عِلَّةً لِلْغَالِبِ أَوْ الْقُوتِ إذْ لَا يُنْتَجُ الْمَطْلُوبُ
[ ٢ / ٣٥٤ ]
لِلْغَزَالِيِّ فِي وَسِيطِهِ.
وَيُجْزِئُ الْقُوتُ الْأَعْلَى عَنْ الْقُوتِ الْأَدْنَى لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا وَلَا عَكْسٌ لِنَقْصِهِ عَنْ الْحَقِّ، وَالِاعْتِبَارُ فِي الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى بِزِيَادَةِ الِاقْتِيَاتِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ فَالْبُرُّ خَيْرٌ مِنْ التَّمْرِ وَالْأُرْزِ وَمِنْ الزَّبِيبِ وَالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرُ خَيْرٌ مِنْ التَّمْرِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الِاقْتِيَاتِ وَالتَّمْرُ خَيْرٌ مِنْ الزَّبِيبِ فَالشَّعِيرُ خَيْرٌ مِنْهُ بِالْأَوْلَى، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الشَّعِيرُ خَيْرًا مِنْ الْأُرْزِ وَأَنَّ الْأَرُزَّ خَيْرٌ مِنْ التَّمْرِ.
وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ قُوتٍ وَاجِبٍ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ كَزَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ وَقَرِيبِهِ أَوْ عَمَّنْ تَبَرَّعَ عَنْهُ بِإِذْنِهِ أَعْلَى مِنْهُ لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا، وَلَا يُبَعِّضُ الصَّاعَ الْمُخْرَجَ عَنْ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ مِنْ جِنْسَيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْجِنْسَيْنِ أَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ، كَمَا لَا يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَنْ يَكْسُوَ خَمْسَةً وَيُطْعِمَ خَمْسَةً، أَمَّا لَوْ أَخْرَجَ الصَّاعَ عَنْ اثْنَيْنِ كَأَنْ مَلَكَ وَاحِدٌ نِصْفَيْ عَبْدَيْنِ أَوْ مُبَعَّضَيْنِ بِبَلَدَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْقُوتِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَبْعِيضُ الصَّاعِ، أَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ نَوْعَيْنِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ إذَا كَانَا مِنْ الْغَالِبِ وَلَوْ كَانَ فِي بَلَدٍ أَقْوَاتٌ لَا غَالِبَ فِيهَا تَخَيَّرَ، وَالْأَفْضَلُ أَعْلَاهَا فِي الِاقْتِيَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى
_________________
(١) [حاشية البجيرمي] قَوْلُهُ: (وَيُجْزِئُ الْقُوتُ الْأَعْلَى إلَخْ) أَيْ بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيهَا إخْرَاجُ الذَّهَبِ عَنْ الْفِضَّةِ مَثَلًا، قَالَ الرَّافِعِيُّ: لِأَنَّ الزَّكَاةَ الْمَالِيَّةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَالِ فَأُمِرَ أَنْ يُوَاسِيَ الْفُقَرَاءَ بِمَا وَاسَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَالْفِطْرَةُ زَكَاةُ الْبَدَنِ فَوَقَعَ النَّظَرُ فِيهَا لِمَا هُوَ غِذَاءُ الْبَدَنِ وَالْأَعْلَى يُحَصِّلُ هَذَا الْغَرَضَ وَزِيَادَةً ز ي مَرْحُومِيٌّ. قَوْلُهُ: (بِزِيَادَةِ الِاقْتِيَاتِ) أَيْ بِزِيَادَةِ نَفْعِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ بَعْدُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِزِيَادَةِ الِاقْتِيَاتِ كَثْرَتُهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَثُرَ الِاقْتِيَاتُ بِنَحْوِ الشَّعِيرِ كَانَ أَعْلَى مِنْ الْبُرِّ؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ بِالْأَعْلَى الْأَعْلَى قِيمَةً. قَوْلُهُ: (فَالْبُرُّ خَيْرٌ مِنْ التَّمْرِ) لِكَوْنِهِ أَنْفَعَ اقْتِيَاتًا. قَوْلُهُ: (وَالْأَرُزُّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ فِي أَشْهَرِ اللُّغَاتِ السَّبْعِ. الثَّانِيَةُ: كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّ الْهَمْزَةَ فِيهَا مَضْمُومَةٌ أَيْضًا. الثَّالِثَةُ: ضَمُّهُمَا، إلَّا أَنَّ الزَّايَ مُخَفَّفَةٌ. الرَّابِعَةُ: ضَمُّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونُ الرَّاءِ. الْخَامِسَةُ: حَذْفُ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدُ الزَّايِ. السَّادِسَةُ: رُنْزٌ بِنُونٍ بَيْنَ الرَّاءِ وَالزَّايِ. السَّابِعَةُ: فَتْحُ الْهَمْزَةِ وَضَمُّ الرَّاءِ مَعَ تَخْفِيفِ الزَّايِ عَلَى وَزْنِ عَضُدٍ ذَكَرَهُ م ر الْكَبِيرُ فِي حَوَاشِي الرَّوْضِ. قَالَ الْبُوَيْطِيُّ تِلْمِيذُ الشَّافِعِيِّ: يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - عِنْدَ أَكْلِ الْأَرُزِّ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ نُورِهِ - ﷺ -، لَكِنَّ قَوْلَهُ «خُلِقَ مِنْ نُورِهِ» فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ حَدِيثَهُ لَمْ يَثْبُتْ. وَالْعَدَسُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالدَّالِ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَاتِ رَدِيءُ الْغِذَاءِ عَسِرُ الْهَضْمِ لِأَنَّهُ بَارِدٌ يَابِسٌ، وَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ فِي جَامِعِهِ الصَّغِيرِ مِنْ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ: «وَعَلَيْكُمْ بِالْعَدَسِ فَإِنَّهُ قُدِّسَ عَلَى لِسَانِ سَبْعِينَ نَبِيًّا» رَدَّهُ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ بَلْ قَالَ بِوَضْعِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَمْ يُقَدَّسْ وَلَا عَلَى لِسَانِ وَلِيٍّ لِلَّهِ فَرَاجِعْهُ. قَالَ سَيِّدِي عَلِيٌّ الَأُجْهُورِيُّ: أَخْبَارُ رُزٍّ ثُمَّ بَاذِنْجَانِ عَدَسٌ هَرِيسَةٌ ذَوُو بُطْلَانِ قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْبَرِّ: لَمَّا حَرَثَ آدَم وَهُوَ أَوَّلُ حَارِثٍ فِي الْأَرْضِ، فَلَمَّا مَشَى الثَّوْرَانِ عَلَى الْأَرْضِ بَكَيَا عَلَى مَا فَاتَهُمَا مِنْ رَاحَةِ الْجَنَّةِ وَقَطَرَتْ دُمُوعُهُمَا عَلَى الْأَرْضِ فَنَبَتَ مِنْهَا الْحَشِيشُ الْأَخْضَرُ، وَبَالَا فَنَبَتَ مِنْ بَوْلِهِمَا الْحِمَّصُ، وَرَاثَا فَنَبَتَ مِنْ رَوْثِهِمَا الْعَدَسُ؛ ثُمَّ كَسَرَ جِبْرِيلُ تِلْكَ الْحُبُوبَ حَتَّى كَثُرَتْ ثُمَّ بَذَرَ وَنَبَتَ مِنْ سَاعَتِهِ. قَوْلُهُ: (فَالشَّعِيرُ خَيْرٌ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الزَّبِيبِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْأَعْلَى الْبُرُّ فَالشَّعِيرُ فَالْأَرُزُّ فَالتَّمْرُ فَالزَّبِيبُ، وَيَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِي بَقِيَّةِ الْحُبُوبِ كَالذُّرَةِ وَالْفُولِ وَالْحِمَّصِ، قَالَ شَيْخُنَا ح ف: وَتَرْتِيبُهَا فِي الْأَعْلَى كَتَرَتُّبِهَا الْوَاقِعِ فِي الْبَيْتَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ، أَعْنِي: بِاَللَّهِ سَلْ شَيْخَ ذِي رَمْزٍ حَكَى مَثَلًا عَنْ فَوْرِ تَرْكِ زَكَاةِ الْفِطْرِ لَوْ جَهِلَا حُرُوفُ أَوَّلِهَا جَاءَتْ مَرْتَبَةً أَسْمَاءُ قُوتِ زَكَاةِ الْفِطْرِ إنْ عَقْلًا قَوْلُهُ: (أَعْلَى مِنْهُ) مَفْعُولُ يُخْرِجُ الْمُقَدَّرَ. قَوْلُهُ: (أَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ نَوْعَيْنِ) هَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ مِنْ جِنْسَيْنِ. قَوْلُهُ: (لَوْ
[ ٢ / ٣٥٥ ]
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] .
تَنْبِيهٌ: لَوْ كَانُوا يَقْتَاتُونَ الْقَمْحَ الْمَخْلُوطَ بِالشَّعِيرِ تَخَيَّرَ إنْ كَانَ الْخَلِيطَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ وَجَبَ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا نِصْفًا مِنْ ذَا وَنِصْفًا مِنْ ذَا فَوَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا أَنَّهُ يُخْرِجُ النِّصْفَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَلَا يُجْزِئُ الْآخَرُ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَعَّضَ الصَّاعُ مِنْ جِنْسَيْنِ، وَأَمَّا مَنْ يُزَكِّي عَنْ غَيْرِهِ فَالْعِبْرَةُ بِغَالِبِ قُوتِ مَحَلِّ الْمُؤَدَّى عَنْهُ، فَلَوْ كَانَ الْمُؤَدِّي بِمَحَلٍّ آخَرَ اُعْتُبِرَ بِقُوتِ مَحَلِّ الْمُؤَدَّى عَنْهُ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّ الْفِطْرَةَ تَجِبُ أَوَّلًا عَلَيْهِ ثُمَّ يَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ الْمُؤَدِّي، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَحَلَّهُ كَعَبْدٍ آبِقٍ فَيَحْتَمِلُ كَمَا قَالَ جَمَاعَةٌ اسْتِثْنَاءَ هَذِهِ أَوْ يُخْرِجُ فِطْرَتَهُ مِنْ قُوتِ آخِرِ مَحَلٍّ عَهِدَ وُصُولَهُ إلَيْهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ فِيهِ، أَوْ يُخْرِجُ لِلْحَاكِمِ لِأَنَّ لَهُ نَقْلَ الزَّكَاةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُوتُ الْمَحَلِّ الَّذِي يُخْرِجُ مِنْهُ أَيْ الصَّاعَ بِالْوَزْنِ (خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثَ) رِطْلٍ (بِالْعِرَاقِيِّ) أَيْ بِالْبَغْدَادِيِّ.
وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي بَيَانِ رِطْلِ بَغْدَادَ فِي مَوْضِعِهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكَيْلُ، وَإِنَّمَا قُدِّرَ بِالْوَزْنِ اسْتِظْهَارًا وَالْعِبْرَةُ بِالصَّاعِ النَّبَوِيِّ إنْ وُجِدَ أَوْ مِعْيَارِهِ، فَإِنْ فُقِدَ أَخْرَجَ قَدْرًا يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ
_________________
(١) [حاشية البجيرمي] كَانُوا يَقْتَاتُونَ إلَخْ) عِبَارَةُ م ر: وَعُلِمَ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ تَبْعِيضِ الصَّاعِ الْمُخْرَجِ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا يَقْتَاتُونَ إلَخْ. قَوْلُهُ: (تَخَيَّرَ) أَيْ بَيْنَ إخْرَاجِ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ، قَالَ ع ش: قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ نِصْفٍ مِنْ هَذَا وَنِصْفٍ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَعِّضَ الصَّاعَ مِنْ جِنْسَيْنِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَخْ) رَاجِعٌ لِلصُّورَتَيْنِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ ع ش، وَقِيلَ: إنَّهُ رَاجِعٌ لِلثَّانِيَةِ قَوْلُهُ: (الْوَاجِبَ عَلَيْهِ) أَيْ الْآنَ وَيَبْقَى الْآخَرُ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ نِصْفٌ مِنْ الْأَكْثَرِ فِي الثَّانِيَةِ وَمِنْ أَحَدِهِمَا فِي الْأُولَى. قَوْلُهُ: (وَلَا يُجْزِئُ الْآخَرُ) أَيْ وَإِنْ كَانَ أَعْلَى فَيَجِبُ إبْدَالُهُ مِنْ جِنْسِ الَّذِي أَخْرَجَهُ. قَوْلُهُ: (فَالْعِبْرَةُ بِغَالِبِ إلَخْ) أَيْ وَالْعِبْرَةُ أَيْضًا بِفُقَرَاءِ مَحِلِّ الْمُؤَدَّى عَنْهُ، فَمَنْ يُخْرِجُ عَنْ غَيْرِهِ لَا يَدْفَعُ هَذَا الْمُخْرَجَ لِفُقَرَاءِ مَحَلِّ نَفْسِهِ بَلْ لِفُقَرَاءِ مَحَلِّ الْمُؤَدَّى عَنْهُ. قَوْلُهُ: (تَجِبُ أَوَّلًا عَلَيْهِ) أَيْ وَلَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ. وَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ عَدَمُ صِحَّةِ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ إلَيْهِ، إذْ هُوَ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ هُنَا م ر؛ أَيْ لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ عَنْهُ، فَمَحَلُّ قَوْلِهِمْ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ لَا يُخَاطَبُ أَيْ خِطَابَ اسْتِقْرَارٍ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ يُخَاطَبُ خِطَابَ إلْزَامٍ لِذِمَّتِهِ لَا خِطَابَ تَكْلِيفٍ، أَيْ فَهُوَ مُخَاطَبٌ هُنَا خِطَابَ شَغْلِ ذِمَّةٍ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْإِخْرَاجِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُخْرِجْ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، أَفَادَهُ شَيْخُنَا ح ف. قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ الْمُؤَدِّي) أَيْ بِطَرِيقِ الضَّمَانِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ بِطَرِيقِ الْحَوَالَةِ لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ لَهُ وَلَا يُطَالَبُ بِهَا الْمُتَحَمِّلُ عَنْهُ شَيْخُنَا. قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ) مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذَا إنْ عَرَفَ مَحِلَّهُ. قَوْلُهُ: (اسْتِثْنَاءُ هَذِهِ) أَيْ مِنْ كَوْنِ الصَّاعِ مِنْ قُوتِ مَحِلِّ الْمُؤَدَّى عَنْهُ، أَيْ وَيُخْرِجُ مِنْ قُوتِ مَحَلِّ الْمُؤَدِّي الَّذِي هُوَ السَّيِّدُ وَيُصْرَفُ لِفُقَرَاءِ مَحِلِّهِ. قَوْلُهُ: (مِنْ قُوتِ آخِرِ مَحَلٍّ إلَخْ) وَيَجِبُ إرْسَالُهُ لِأَهْلِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ ق ل. وَالْمُعْتَمَدُ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي. قَوْلُهُ: (أَوْ يُخْرِجُ لِلْحَاكِمِ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَعْلَى الْأَقْوَاتِ أَوْ مِنْ آخِرِ مَحَلٍّ عَهِدَ وُصُولَهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ لِلْحَاكِمِ النَّقْلَ حِينَئِذٍ ز ي وح ل. وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ أَوْ عَلَى بَابِهَا، وَنَقَلَ شَيْخُنَا عَنْ شَيْخِهِ عَبْدِ رَبِّهِ أَنَّهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ. وَحَاصِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ فِيهَا قَوْلَيْنِ، الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: يَقُولُ إنَّ هَذِهِ مُسْتَثْنَاةٌ، وَعَلَى هَذَا يُخْرَجُ مِنْ قُوتِ السَّيِّدِ أَوْ مِنْ أَشْرَفِ الْأَقْوَاتِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَيْسَتْ مُسْتَثْنَاةً، وَيُخْرَجُ مِنْ قُوتِ آخِرِ مَحَلٍّ عَهِدَ وُصُولَهُ إلَيْهِ؛ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقَوْلُهُ " أَوْ يُخْرِجُ لِلْحَاكِمِ " " أَوْ " بِمَعْنَى الْوَاوِ رَاجِعٌ لِلْقَوْلَيْنِ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ " أَوْ " فِي قَوْلِهِ " أَوْ يُخْرِجُ لِلْحَاكِمِ " عَلَى حَقِيقَتِهَا وَجَعَلَهُ قَوْلًا ثَالِثًا وَجَعَلَ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ ضَعِيفًا. قَوْلُهُ: (خَمْسَةُ أَرْطَالٍ إلَخْ) لِأَنَّهُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ وَكُلُّ مُدٍّ رِطْلٌ وَثُلُثٌ. قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكَيْلُ) أَيْ الْغَالِبُ فِيهِ ذَلِكَ فَلَا
[ ٢ / ٣٥٦ ]
لَا يَنْقُصُ عَنْ الصَّاعِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: قَالَ جَمَاعَةٌ: الصَّاعُ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ بِكَفَّيْ رَجُلٍ مُعْتَدِلِهِمَا انْتَهَى
وَالصَّاعُ بِالْكَيْلِ الْمِصْرِيِّ قَدَحَانِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَزِيدَ شَيْئًا يَسِيرًا لِاحْتِمَالِ اشْتِمَالِهِمَا عَلَى طِينٍ أَوْ تِبْنٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ كَانَ قَاضِي الْقُضَاةِ عِمَادُ الدِّينِ السُّكَّرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ حِينَ يَخْطُبُ بِمِصْرَ خُطْبَةَ عِيدِ الْفِطْرِ وَالصَّاعُ قَدَحَانِ بِكَيْلِ بَلَدِكُمْ هَذِهِ سَالِمٌ مِنْ الطِّينِ وَالْعَيْبِ وَالْغَلْتِ وَلَا يُجْزِئُ فِي بَلَدِكُمْ هَذِهِ إلَّا الْقَمْحُ. اهـ.
فَائِدَةٌ ذَكَرَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ مَعْنًى لَطِيفًا فِي إيجَابِ الصَّاعِ وَهُوَ أَنَّ النَّاسَ تَمْتَنِعُ غَالِبًا مِنْ الْكَسْبِ فِي الْعِيدِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَهُ وَلَا يَجِدُ الْفَقِيرُ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ فِيهَا لِأَنَّهَا أَيَّامُ سُرُورٍ وَرَاحَةٍ عَقِبَ الصَّوْمِ وَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ الصَّاعِ عِنْدَ جَعْلِهِ خُبْزًا ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ مِنْ الْخُبْزِ فَإِنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ كَمَا مَرَّ وَيُضَافُ إلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ نَحْوُ الثُّلُثِ فَيَأْتِي مِنْهُ ذَلِكَ وَهُوَ كِفَايَةُ الْفَقِيرِ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لِكُلِّ يَوْمٍ رِطْلَانِ
تَتِمَّةٌ: جِنْسُ الصَّاعِ الْوَاجِبِ الْقُوتُ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ لِأَنَّ النَّصَّ قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْمُعَشَّرَاتِ كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَقِيسَ الْبَاقِي عَلَيْهِ بِجَامِعِ الِاقْتِيَاتِ، وَيُجْزِئُ الْأَقِطُ لِثُبُوتِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ لَبَنٌ يَابِسٌ غَيْرُ مَنْزُوعِ الزُّبْدِ وَفِي مَعْنَاهُ لَبَنٌ وَجُبْنٌ لَمْ يُنْزَعْ زُبْدُهُمَا، وَإِجْزَاءُ كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ لِمَنْ هُوَ قُوتُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ
_________________
(١) [حاشية البجيرمي] يَرِدُ اللَّبَنُ وَنَحْوُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ " وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكَيْلُ " أَيْ إنْ تَأَتَّى كَيْلُهُ، وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ فِيهِ بِالْوَزْنِ كَالْجُبْنِ وَالْأَقِطِ. قَوْلُهُ: (اسْتِظْهَارًا) أَيْ اسْتِيفَاءً لِجَمِيعِ التَّقَادِيرِ لَا الِاحْتِيَاطِ كَمَا يَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْوَزْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: (بِالصَّاعِ النَّبَوِيِّ) أَيْ الَّذِي أَخْرَجَ بِهِ فِي عَصْرِهِ - ﷺ -. قَوْلُهُ: (أَوْ مِعْيَارُهُ) بِالرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلَى الصَّاعِ الْمَرْفُوعِ، وَقَوْلُهُ: " فَإِنْ فُقِدَ " أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا أَخْرَجَ إلَخْ. قَوْلُهُ: (أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْفَاءِ، أَيْ فَتَكُونُ الْحَفْنَةُ مُدًّا لِأَنَّ الصَّاعَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ، وَالْحَفَنَاتُ جَمْعُ حَفْنَةٍ وَالْحَفْنَةُ مِلْءُ الْكَفَّيْنِ، يُقَالُ: حَفَنَ يَحْفِنُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ يَضْرِبُ إذَا أَخَذَ مِلْءَ كَفَّيْهِ، وَالْحَفَنَاتُ عَلَى وَزْنِ سَجَدَاتٍ. قَوْلُهُ: (وَالْغَلَتِ) لَيْسَ بِكَلِمَةٍ عَرَبِيَّةٍ إذْ الَّذِي فِي كُتُبِ اللُّغَةِ أَنَّ الْغَلَتَ مَعْنَاهُ الْغَلَطُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا فِيهِ مِنْ نَحْوِ تُرَابٍ وَطِينٍ. قَوْلُهُ: (وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَزِيدَ) الزِّيَادَةُ مَنْدُوبَةٌ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (إلَّا الْقَمْحَ) أَيْ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ فِي مِصْرَ. قَوْلُهُ: (الشَّاشِيُّ) نِسْبَةً إلَى الشَّاشِ اسْمٌ لِمَدِينَةٍ مِنْ بِلَادِ الْعَجَمِ. اهـ. مِصْبَاحٌ. قَوْلُهُ: (ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ) أَيْ تَقْرِيبًا. قَوْلُهُ: (وَيُضَافُ إلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ) عِبَارَةُ حَجّ: وَهُوَ يَحْمِلُ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَرْطَالٍ مِنْ الْمَاءِ فَيَجِيءُ مِنْهُ نَحْوُ ثَمَانِيَةِ أَرْطَالٍ اهـ، وَقَالَ " نَحْوَ ثَمَانِيَةِ أَرْطَالٍ " لِأَنَّ الْمَجْمُوعَ ثَمَانِيَةٌ وَثُلُثٌ وَالثُّلُثُ تَحْتَ النَّارِ. قَوْلُهُ: (نَحْوَ الثُّلُثِ) أَيْ قَدْرَ ثُلُثِ الثَّمَانِيَةِ أَرْطَالٍ وَهُوَ رِطْلَانِ وَثُلُثَانِ، تُضَمُّ لِمَا ذُكِرَ تَبْلُغُ ثَمَانِيَةً. وَلَيْسَ الْمُرَادُ ثُلُثَ الْخَمْسَةِ وَالثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْلُغُ مَا ذُكِرَ. اهـ. شَيْخُنَا. وَوُجِدَ أَيْضًا مِثْلُهُ بِخَطِّ أج. قَوْلُهُ: (وَهُوَ كِفَايَةُ الْفَقِيرِ) قَالَ سم: هَذِهِ الْحِكْمَةُ لَا تَأْتِي عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مِنْ وُجُوبِ صَرْفِ الصَّاعِ لِلثَّمَانِيَةِ أَصْنَافٍ، فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهُ لِفَقِيرٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَتَأَتَّى مَا ذُكِرَ، وَلَا تَأْتِيَ أَيْضًا فِي صَاعِ التَّمْرِ وَالْأَقِطِ وَالْجُبْنِ وَاللَّبَنِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُجَابَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ قَلَّدَ مَنْ يُجَوِّزُ دَفْعَهَا لِوَاحِدٍ، أَوْ أَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِمَا كَانَ شَأْنُ النَّبِيِّ - ﷺ - وَالصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِنْ جَمْعِ الزَّكَوَاتِ وَتَفْرِقَتِهَا. وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ وَإِنْ جَمَعَهَا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ لِكُلِّ فَقِيرٍ صَاعًا، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِغَالِبِ الْوَاجِبِ وَهُوَ الْحَبُّ تَأَمَّلْ اهـ بِزِيَادَةٍ. وَقَوْلُهُ " لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَخْ " قَدْ يُقَالُ: يُنْدَبُ لَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ عِنْدَهُ زَكَوَاتٌ كَثِيرَةٌ مُرَاعَاةً لِمَا ذُكِرَ. قَوْلُهُ: (جِنْسُ الصَّاعِ) وَجُمْلَتُهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِنْسًا يَجْمَعُهُ رَمْزُ: بِاَللَّهِ سَلْ إلَخْ. قَوْلُهُ: (الْأَقِطُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَيَجُوزُ تَسْكِينُهَا مَعَ تَثْلِيثِ الْهَمْزَةِ، حَكَاهُ ابْنُ سِيدَهْ وَغَيْرُهُ دَمِيرِيٌّ. وَقَوْلُهُ " لَبَنٌ " أَيْ مَائِعٌ لِيُخَالِفَ الْأَقِطَ. قَوْلُهُ: (وَإِجْزَاءُ)
[ ٢ / ٣٥٧ ]