الْبَحْرِ الْفَهَّامَةِ، شِهَابِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ أَحْمَدَ
ابْن الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ
الْأَصْفَهَانِيُّ الشَّهِيرُ بِأَبِي شُجَاعٍ، الْمُسَمَّى بِغَايَةِ
_________________
(١) [حاشية البجيرمي] لِلْمُصَنِّفِ، وَالسَّابِعُ وَهُوَ الشَّهِيرُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لِلْمُصَنِّفِ وَأَنْ يَكُونَ وَصْفًا لِلْمُخْتَصَرِ، وَالثَّامِنُ وَهُوَ الْمُسَمَّى وَصْفٌ لِلْمُخْتَصَرِ. قَوْلُهُ: (شِهَابُ الدُّنْيَا وَالدِّينِ) أَيْ مُنَوِّرُهُمَا لِأَنَّ الشِّهَابَ فِي الْأَصْلِ الْكَوْكَبُ أَوْ مَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا النُّورُ النَّاشِئُ عَنْ الْعِلْمِ فَشَبَّهَهُ الشَّيْخُ بِالشِّهَابِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُضِيئًا لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُحْرِقًا، فَهُوَ - ﵁ - كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ مُضِيءٌ فِي أَهْلِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ كَالْكَوْكَبِ فِي الْإِحْرَاقِ أَيْضًا فِي أَنَّهُ يَحْرُقُ مَنْ عَادَاهُ فِي الدُّنْيَا مَجَازًا. اهـ. فَاكِهِيٌّ. مَبْحَثُ تَقْدِيمِ الِاسْمِ عَلَى اللَّقَبِ وَعَكْسِهِ وَإِذَا اجْتَمَعَ الِاسْمُ وَاللَّقَبُ وَجَبَ تَأْخِيرُ اللَّقَبِ عَنْ الِاسْمِ عِنْدَ النُّحَاةِ مَا لَمْ يَشْتَهِرْ بِاللَّقَبِ وَإِلَّا فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ كَمَا فَعَلَ الشَّارِحُ هُنَا، فَإِنَّهُ قَدَّمَ اللَّقَبَ وَهُوَ شِهَابُ الدُّنْيَا وَالدِّينِ لِاشْتِهَارِهِ بِهِ لِأَنَّهُ اُشْتُهِرَ تَلْقِيبُ كُلِّ مَنْ تَسَمَّى بِأَحْمَدَ بِشِهَابِ الدِّينِ، وَمَنْ تَسَمَّى مُحَمَّدًا بِشَمْسِ الدِّينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَوْلُ شَيْخِنَا الْمَدَابِغِيِّ: وَقَدَّمَهُ عَلَى الِاسْمِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُؤَرِّخِينَ فِيهِ تَأَمُّلٌ فَإِنَّ مُجَرَّدَ طَرِيقَةِ الْمُؤَرِّخِينَ لَا يَكْفِي فِي التَّقْدِيمِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ قَدَّمَهُ عَلَى الِاسْمِ لِاشْتِهَارِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٥٧] وَقَوْلُ الشَّاطِبِيِّ " وقالون عِيسَى " وَشِهَابٌ بَدَلٌ مِنْ الْإِمَامِ وَكَذَا قَوْلُهُ أَحْمَدُ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أَحْمَدُ بَدَلًا مِنْ شِهَابٍ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الْإِبْدَالِ مِنْ الْبَدَلِ، لَكِنَّ الْأَوْلَى كَوْنُهُ بَدَلًا آخَرَ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ عَلَيْهِ. [مَبْحَثُ الْكَلَامِ عَلَى لَفْظِ ابْنِ] قَوْلُهُ: (ابْنُ الْحُسَيْنِ) اسْمُ أَبِيهِ. مَبْحَثُ الْكَلَامِ عَلَى لَفْظِ ابْنِ وَابْنٌ إذَا وَقَعَ بَيْنَ عَلَمَيْنِ تَسْقُطُ أَلِفُهُ مَا لَمْ تَكُنْ فِي أَوَّلِ سَطْرٍ، وَلَفْظُ الْحُسَيْنِ مَعْرِفَةٌ كَاسْمِ السَّيِّدِ الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَدَخَلَتْ أَلْ عَلَيْهِ لِلَمْحِ الصِّفَةِ عَمَلًا بِقَوْلِ الْخُلَاصَةِ: وَبَعْضُ الْأَعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلًا الْبَيْتَ. وَفِي سِيرَةِ الشَّامِيِّ أَنَّ أَلِفَ ابْنٍ تَثْبُتُ فِي تِسْعِ مَوَاضِعَ: إذَا أُضِيفَ إلَى مُضْمَرٍ كَهَذَا ابْنُك، أَوْ نُسِبَ إلَى الْأَبِ الْأَعْلَى كَقَوْلِك مُحَمَّدُ ابْنُ شِهَابٍ التَّابِعِيُّ فَشِهَابٌ جَدُّهُ، أَوْ أُضِيفَ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ كَالْمِقْدَادِ ابْنِ الْأَسْوَدِ أَبُوهُ عَمْرٌو وَتَبَنَّاهُ الْأَسْوَدُ وَمُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ فَالْحَنَفِيَّةُ أُمُّهُ، أَوْ عُدِلَ عَنْ الصِّفَةِ إلَى الْخَبَرِ كَقَوْلِك أَظُنُّ مُحَمَّدًا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ، أَوْ إلَى الِاسْتِفْهَامِ كَقَوْلِك هَلْ تَيْمُ ابْنُ مُرَّةَ، أَوْ ثُنِّيَ كَقَوْلِك زَيْدٌ وَعَمْرٌو ابْنَا مُحَمَّدٍ، أَوْ ذُكِرَ بِغَيْرِ اسْمٍ كَجَاءَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَوْ كُتِبَ أَوَّلَ سَطْرٍ أَوْ اتَّصَلَ بِصِفَةٍ كَقَوْلِك زَيْدٌ الْفَاضِلُ ابْنُ عَمْرٍو. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَمِثْلُ ابْنٍ ابْنَةٌ. وَقَدْ نَظَمَ الْعَلَّامَةُ الَأُجْهُورِيُّ تِلْكَ الْمَوَاضِعَ فَقَالَ: احْذِفْ مِنْ ابْنٍ أَلِفًا إنْ وَقَعَا فِي وَسَطِ اسْمَيْنِ تَكُنْ مُتَّبِعَا إلَّا إذَا أُضِيفَ لِلضَّمِيرِ فَالْأَلِفَ اُكْتُبْ فِيهِ يَا سَمِيرِي وَمِثْلُهُ إنْ اسْمُهُ قَدْ حُذِفَا كَأَكْرِمْ ابْنَ عُمَرَ مَنْ اَنْصَفَا قُلْت وَفِي اسْتِثْنَاءِ ذَيْنِ نَظَرُ إذْ لَيْسَ بَيْنَ اسْمَيْنِ مَنْ يُذْكَرُ كَذَاك مَكْتُوبٌ بِصَدْرِ السَّطْرِ أَوْ مَا نِسْبَتُهُ لِجَدٍّ قَادِرٍ
[ ١ / ١٥ ]
الِاخْتِصَارِ: لَمَّا كَانَ مِنْ أَبْدَعِ مُخْتَصَرٍ فِي الْفِقْهِ صُنِّفَ، وَأَجْمَعِ مَوْضُوعٍ لَهُ فِيهِ عَلَى مِقْدَارِ حَجْمِهِ أُلِّفَ، الْتَمَسَ مِنِّي
_________________
(١) [حاشية البجيرمي] أَوْ مَنْ لِغَيْرِ أَبِيهِ قَدْ انْتَسَبْ كَخَالِهِ فَالْحُكْمُ لَهُ وَجَبْ وَمَا بِهِ لِصِفَةٍ قَدْ عَدَلَا لِخَبَرٍ كَذَلِكَ اللَّذَ فَصَلَا مَوْصُوفُهُ مِنْهُ وَمَا يُثَنَّى أَوْ عَدْلُ الِاسْتِفْهَامِ صَدَّ عَنَّا قَدْ قَالَ ذَا الشَّامِيُّ وَبَعْضُ ابْنِهْ كَالِابْنِ فِي ذَا وَعَلَيْهِ الْعُهْدَهْ قَوْلُهُ: (الْأَصْفَهَانِيُّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا مَعَ الْفَاءِ أَوْ الْبَاءِ نِسْبَةٌ إلَى أَصْفَهَانَ بَلَدِهِ أَوْ بَلَدِ جَدِّهِ، وَهِيَ بَلْدَةٌ مِنْ بِلَادِ الْعَجَمِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ نَزَلَ بِهَا أَصْبَهَانُ بْنُ فَلُّوحٍ بْنِ الْمَطِيِّ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ - ﵇ -. قَوْلُهُ: (الشَّهِيرَ بِأَبِي شُجَاعٍ) بِالنَّصْبِ نَعْتٌ لِمُخْتَصَرٍ، وَبِالْجَرِّ نَعْتٌ لِأَحْمَدَ، وَبِالرَّفْعِ نَعْتٌ مَقْطُوعٌ. وَقَوْلُهُ: (الْمُسَمَّى بِغَايَةِ الِاخْتِصَارِ) نَعْتٌ لِمُخْتَصَرٍ فَقَطْ وَعَدَّى سَمَّى بِالْبَاءِ وَيَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ أَيْضًا، وَجُمْلَةُ لَمَّا كَانَ خَبَرُ إنَّ وَاسْمُ كَانَ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ إلَى مُخْتَصَرٍ، وَخَبَرُهَا مِنْ أَبْدَعِ أَيْ أَحْسَنِ الْمُخْتَصَرَاتِ إذْ الْإِبْدَاعُ فِي الْأَصْلِ الِاخْتِرَاعُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ وَيَلْزَمُهُ الْحُسْنُ وَمِنْهُ ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ مُخْتَرَعٌ بِالنِّسْبَةِ لِأَلْفَاظِهِ وَتَرَاكِيبِهِ وَهَيْئَتِهِ الْمَجْمُوعَةِ، فَإِنَّهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ مِثَالٌ يَكُونُ هَذَا عَلَى نَمَطِهِ وَشَكْلِهِ. اهـ. أُجْهُورِيٌّ. (فَائِدَةٌ): قَالَ الدِّيرِيّ: عَاشَ الْقَاضِي أَبُو شُجَاعٍ مِائَةً وَسِتِّينَ سَنَةً وَلَمْ يَخْتَلَّ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: مَا عَصَيْت اللَّهَ بِعُضْوٍ مِنْهَا، فَلَمَّا حَفِظْتهَا فِي الصِّغَرِ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ حَفِظَهَا اللَّهُ فِي الْكِبَرِ. وَفِي كَلَامِ الْبُولَاقِيِّ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ. وَوُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَتَوَلَّى الْوَزَارَةَ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ، فَنَشَرَ الْعَدْلَ وَالدِّينَ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ وَيَقْرَأَ مِنْ الْقُرْآنِ مَا أَمْكَنَهُ، وَلَا يَأْخُذُهُ فِي الْحَقِّ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَكَانَ لَهُ عَشَرَةُ أَنْفَارٍ يُفَرِّقُونَ عَلَى النَّاسِ الصَّدَقَاتِ أَيْ الزَّكَوَاتِ، وَيُتْحِفُونَهُمْ أَيْ يُعْطُونَهُمْ الْهِبَاتِ يَصْرِفُ عَلَى يَدِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ مِائَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَعَمَّ إنْعَامُهُ الصَّالِحِينَ وَالْأَخْيَارَ، ثُمَّ زَهِدَ الدُّنْيَا وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ الشَّرِيفَ وَيَفْرِشُ الْحُصْرَ وَيُشْعِلُ الْمَصَابِيحَ إلَى أَنْ مَاتَ أَحَدُ خَدَمَةِ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ فَأَخَذَ وَظِيفَتَهُ إلَى أَنْ مَاتَ وَدُفِنَ بِمَسْجِدِهِ الَّذِي بَنَاهُ عِنْدَ بَابِ جِبْرِيلَ أَيْ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ مِنْهُ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَرَأْسُهُ بِالْقُرْبِ مِنْ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَى صَاحِبِهَا مِنْ الْجِهَةِ الشَّرْقِيَّةِ وَهِيَ جِهَةُ الْبَقِيعِ الْقَرِيبِ. قَوْلُهُ: (فِي الْفِقْهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ صُنِّفَ قَدَّمَهُ لِلسَّجْعِ، وَجُمْلَةُ صُنِّفَ فِي مَحَلِّ جَرٍّ نَعْتٌ لِمُخْتَصَرٍ، يَعْنِي أَنَّ الْمُخْتَصَرَاتِ الَّتِي فِي الْفِقْهِ كَثِيرَةٌ وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِهَا، وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: أَيَا مَنْ رَامَ نَفْعًا مُسْتَمِرًّا لِيَحْظَى بِارْتِفَاعٍ وَانْتِفَاعٍ تَقَرَّبْ لِلْعُلُومِ وَكُنْ شُجَاعًا بِتَقْرِيبِ الْإِمَامِ أَبِي شُجَاعٍ وَأَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي الْفِقْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ عِلْمَ الْفِقْهِ بِمِصْرٍ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ح ف. قَوْلُهُ: (وَأَجْمَعِ مَوْضُوعٍ) أَيْ أَكْثَرَ جَمْعًا لِلْمَسَائِلِ مِنْ كُلِّ كِتَابٍ وُضِعَ لِلتَّصْنِيفِ فِي الْفِقْهِ مُؤَلَّفٌ عَلَى مِقْدَارِ حَجْمِ ذَلِكَ الْمُخْتَصَرِ، وَالضَّمِيرُ فِي لَهُ رَاجِعٌ لِلتَّصْنِيفِ الْمَأْخُوذِ مِنْ صُنِّفَ، وَفِي فِيهِ رَاجِعٌ لِلْفِقْهِ، وَفِي حَجْمِهِ لِلْمُخْتَصَرِ، وَالتَّقْدِيرُ وَأَكْثَرَ جَمْعًا وُضِعَ لِمَسَائِلِ التَّصْنِيفِ فِي الْفِقْهِ عَلَى مِقْدَارِ حَجْمِ الْمُخْتَصَرِ اهـ اج. وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ أَيْ أَكْثَرِ جَمْعًا لِلْمَسَائِلِ مِنْ كُلِّ كِتَابٍ وُضِعَ
[ ١ / ١٦ ]
بَعْضُ الْأَعِزَّةِ عَلَيَّ الْمُتَرَدِّدِينَ إلَيَّ، أَنْ أَضَعَ عَلَيْهِ شَرْحًا، يُوَضِّحُ مَا أَشْكَلَ مِنْهُ، وَيَفْتَحُ مَا أُغْلِقَ مِنْهُ، ضَامًّا إلَى ذَلِكَ مِنْ الْفَوَائِدِ الْمُسْتَجَادَاتِ، وَالْقَوَاعِدِ الْمُحَرَّرَاتِ، الَّتِي وَضَعْتهَا فِي شُرُوحِي عَلَى التَّنْبِيهِ وَالْمِنْهَاجِ وَالْبَهْجَةِ، فَاسْتَخَرْت اللَّهَ
_________________
(١) [حاشية البجيرمي] لِلتَّصْنِيفِ أَيْ لِمَسَائِلِ التَّصْنِيفِ فِي الْفِقْهِ مُؤَلَّفٍ عَلَى مِقْدَارِ حَجْمِ ذَلِكَ الْمُخْتَصَرِ اهـ. فَالضَّمِيرُ فِي حَجْمِهِ لِلْمُخْتَصَرِ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لِلْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ، وَالْأَلْفَاظُ لَا حَجْمَ لَهَا وَإِنَّمَا الْحَجْمُ لِلْأَوْرَاقِ الْمَكْتُوبِ فِيهَا النُّقُوشُ الدَّالَّةُ عَلَى الْأَلْفَاظِ، فَإِطْلَاقُ الْحَجْمِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ إذْ الْأَلْفَاظُ شَأْنُهَا أَنْ تُنْقَشَ فِي الْأَوْرَاقِ، وَالْمَعْنَى عَلَى قَدْرِ الْجِرْمِ الَّذِي فِيهِ نُقُوشُهُ أُلِّفَ. قَوْلُهُ: (الْتَمَسَ مِنِّي) جَوَابُ لَمَّا، وَيُقَالُ فِيهَا حَرْفُ وُجُودٍ لِوُجُودٍ، وَقِيلَ ظَرْفٌ وَهُوَ الْعَامِلُ فِيهَا إنْ كَانَتْ ظَرْفًا بِمَعْنَى حِينَ أَوْ إذْ لِأَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْمَاضِي وَبِالْإِضَافَةِ إلَى الْجُمْلَةِ كَمَا فِي الْمُغْنِي، وَعَبَّرَ بِالِالْتِمَاسِ إشَارَةً إلَى أَنَّ السَّائِلَ مُسَاوٍ لَهُ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْمُتَرَدِّدِينَ إلَيَّ، إذْ الشَّخْصُ يَتَرَدَّدُ إلَى مِثْلِهِ وَمَنْ دُونَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ دُونَهُ وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا اج. وَفِيهِ إيمَاءٌ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ مِنْ الْأَعْلَى، وَالِالْتِمَاسَ مِنْ الْمُسَاوِي، وَالدُّعَاءَ مِنْ الْأَدْنَى وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ: وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ أَيْ فِي مُسَمَّى الْأَمْرِ عُلُوٌّ وَلَا اسْتِعْلَاءٌ، وَقِيلَ يُعْتَبَرَانِ اهـ. وَالْأَعِزَّةُ جَمْعُ عَزِيزٍ وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى عَزَائِزَ وَعَلَى أَعِزَّاءٍ وَيُطْلَقُ الْعَزِيزُ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا أَنَّهُ الَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ هُنَا كَمَا قِيلَ وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْكَرِيمِ خُصُوصًا مَعَ تَعَلُّقِ مَا بَعْدَهُ بِهِ وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَعَانِيهِ. قَوْلُهُ: (الْمُتَرَدِّدِينَ) أَيْ الرَّاجِعِينَ إلَيَّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَمَفْعُولُ الْتَمَسَ قَوْلُهُ: إنْ أَضَعَ عَلَيْهِ شَرْحًا أَيْ الْتَمَسَ مِنِّي وَضْعَ شَرْحٍ عَلَى ذَلِكَ الْمُخْتَصَرِ أَيْ: تَأْلِيفَ شَرْحٍ فَشَبَّهَ الشَّرْحَ وَالْمَتْنَ بِرَاكِبٍ وَمَرْكُوبٍ بِجَامِعِ شِدَّةِ التَّمَكُّنِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ وَإِثْبَاتُ الْوَضْعِ تَخْيِيلٌ، أَوْ شَبَّهَ مَزْجَ الشَّرْحِ بِالْمَتْنِ بِوَضْعِ جِسْمٍ عَلَى جِسْمٍ وَأَطْلَقَ الْوَضْعَ عَلَيْهِ ثُمَّ اشْتَقَّ مِنْهُ أَضَعُ فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ. وَالشَّرْحُ لُغَةً الْكَشْفُ وَالْإِظْهَارُ وَاصْطِلَاحًا أَلْفَاظٌ مَخْصُوصَةٌ دَالَّةٌ عَلَى مَعَانٍ مَخْصُوصَةٍ، وَقَالَ الَأُجْهُورِيُّ: لَمَّا كَانَ الشَّرْحُ مُبَيِّنًا وَمُوَضِّحًا لَهُ ارْتَفَعَتْ مَنْزِلَتُهُ فَكَأَنَّهُ اسْتَعْلَى عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (يُوَضِّحُ) أَيْ يَكْشِفُ مَا أَشْكَلَ أَيْ مَا خَفِيَ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ: (وَيَفْتَحُ مَا أَغْلَقَ مِنْهُ) أَيْ مَا صَعُبَ فَهْمُهُ، وَفِي الْكَلَامِ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ فِي يَفْتَحُ وَأَغْلَقَ تَرْشِيحٌ أَوْ اسْتِعَارَةٌ مَكْنِيَّةٌ فِي مَا فَإِنَّهَا وَاقِعَةٌ عَلَى الْمَسَائِلِ الصَّعْبَةِ، وَأَغْلَقَ تَخْيِيلٌ وَيَفْتَحُ تَرْشِيحٌ أَوْ عَكْسُهُ، وَعَطْفُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى مَا قَبْلَهَا عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ أَوْ مُرَادِفٌ، وَالْخُطَبُ مَحَلُّ إطْنَابٍ. قَوْلُهُ: (ضَامًّا) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ أَضَعَ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَسْئُولِ لَا أَنَّ الْمَسْئُولَ مُجَرَّدُ حَلِّ الْأَلْفَاظِ فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ: وَأَسْتَعِينُ اللَّهَ فِي أَلْفِيَّهْ مَقَاصِدُ النَّحْوِ بِهَا مَحْوِيَّهْ وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ إلَى ذَلِكَ عَائِدَةٌ عَلَى الْإِيضَاحِ وَالْفَتْحِ، لِأَنَّ الْكُلَّ مِنْ مُسَمَّى الشَّرْحِ، وَالْمُرَادُ بِالضَّمِّ وَضْعُ الْمَسَائِلِ فِي أَمَاكِنِهَا. " وَمِنْ " فِي قَوْلِهِ: مِنْ الْفَوَائِدِ لِلتَّبْعِيضِ فَهِيَ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ بِهِ بِمَعْنَى بَعْضٍ أَيْ بَعْضِ الْفَوَائِدِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] فَإِنَّهُ جَعَلَ " مِنْ " فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ بِهِ قَالَ الطِّيبِيُّ: فَهِيَ اسْمٌ بِمَعْنَى بَعْضٍ، وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ لِجَعْلِ مَفْعُولِ ضَامًّا مَحْذُوفًا، وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً فِي الْإِثْبَاتِ عَلَى قِلَّةٍ، وَأَلْ فِي الْفَوَائِدِ وَالْقَوَاعِدِ لِلْجِنْسِ فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ جَمِيعَهَا. قَوْلُهُ: (الْمُسْتَجَادَاتِ) أَيْ الْبَالِغَةِ فِي الْجَوْدَةِ أَيْ الْحُسْنِ، فَالْمُرَادُ الْفَوَائِدُ الْمُسْتَحْسَنَةُ فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ وَالدَّالُ مُخَفَّفَةٌ لَا مُشَدَّدَةٌ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَهُ. قَوْلُهُ: (وَالْقَوَاعِدِ) جَمْعُ قَاعِدَةٍ وَهِيَ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ يَتَعَرَّفُ مِنْهَا أَحْكَامَ جُزْئِيَّاتِ مَوْضُوعِهَا وَعَطْفُ الْقَوَاعِدِ عَلَى الْفَوَائِدِ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ. قَوْلُهُ: (فِي شُرُوحِي عَلَى التَّنْبِيهِ) وَهُوَ عَلَى التَّوْزِيعِ، إذْ لَيْسَ لَهُ عَلَى التَّنْبِيهِ إلَّا شَرْحٌ وَاحِدٌ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ وَالتَّنْبِيهُ لِأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَالْمِنْهَاجُ لِلْإِمَامِ النَّوَوِيِّ وَالْبَهْجَةُ لِابْنِ الْوَرْدِيِّ. قَوْلُهُ: (فَاسْتَخَرْت اللَّهَ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْتَمَسَ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُجِبْهُ بِالْقَوْلِ وَلَا بِالْفِعْلِ بَلْ عَدَلَ إلَى الِاسْتِخَارَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهَا بِغَيْرِ صَلَاةٍ لِأَنَّهُ جَعَلَ مُدَّتَهَا بَعْدَ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ فِي مَقَامِ
[ ١ / ١٧ ]