رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(التَّاسِعُ، وَالْعَاشِرُ، وَالْحَادِي عَشَرَ: التَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فِيهِ) عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ (فَالتَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ إنْ عَقِبَهُمَا) مَعَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - (سَلَامٌ رُكْنَانِ وَإِلَّا فَسُنَّتَانِ) أَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَلِأَنَّهُ - ﵊ - قَامَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ وَلَمْ يَجْلِسْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ، ثُمَّ سَلَّمَ؛ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، دَلَّ عَدَمُ تَدَارُكِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَالتَّشَهُّدُ مِنْهُ دَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَا: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: " قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إلَخْ " وَالْمُرَادُ فَرْضُهُ فِي الْجُلُوسِ آخِرَ الصَّلَاةِ لِمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مَحَلُّهُ فَيَتْبَعُهُ فِي الْوُجُوبِ (وَكَيْفَ قَعَدَ) فِي التَّشَهُّدَيْنِ (جَازَ وَيُسَنُّ فِي الْأَوَّلِ الِافْتِرَاشُ فَيَجْلِسُ عَلَى كَعْبِ يُسْرَاهُ) بِحَيْثُ يَلِي
_________________
(١) [حاشية قليوبي] التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، فَتُسَنُّ لَهُ، وَخَرَجَ مَنْ يُصَلِّي قَاعِدًا. قَوْلُهُ: (التَّشَهُّدُ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ. قَوْلُهُ: (فَالتَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ) أَيْ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِمَا رُكْنَيْنِ، فَلَيْسَ التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ أَوَّلُهُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قَيْدِهِ. قَوْلُهُ: (مَعَ الصَّلَاةِ) نَصَّ عَلَيْهَا لِأَجْلِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إنْ عَقِبَهَا سَلَامٌ لَا لِسُكُوتِهِ عَنْهَا لِأَنَّهُ سَيَذْكُرُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ الْأَنْسَبُ جَعْلَ التَّشَهُّدِ شَامِلًا لَهَا لِتَدْخُلَ فِيهِ مَعَ قُعُودِهَا، وَيَكُونُ ذِكْرُهَا بَعْدُ لِبَيَانِ وُجُوبِهَا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّهَا كَبَعْضِ أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ الْمَنْدُوبَةِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (إنْ عَقِبَهُمَا) الْمُرَادُ بِالْعَقِبِ الْبَعْدِيَّةُ، وَغُلِّبَ فِي ذَلِكَ التَّشَهُّدُ عَلَى الْقُعُودِ لِأَنَّ السَّلَامَ فِيهِ لَا عَقِبَهُ، كَمَا تَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَيْهِ. وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَنْهَجِ أَنَّ عَقِبَهُمَا بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ الرَّاجِعِ لِلتَّشَهُّدِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ أَنْسَبُ مِمَّا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ ضَمِيرِ غَيْرِ التَّثْنِيَةِ الرَّاجِعِ إلَى الثَّلَاثَةِ: التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ وَالْقُعُودِ، لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ قُعُودُهُمَا خَرَجَ قُعُودُ السَّلَامِ أَوْ الْقُعُودُ مُطْلَقًا، لَزِمَ كَوْنُ السَّلَامِ عَقِبَ قُعُودِهِ، وَكُلُّ بَاطِلٍ وَفِيهِ تَسَمُّحٌ أَوْ الرَّاجِعُ إلَى الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَطْ، لِأَنَّهُ يُوهِمُ وُجُوبَ التَّشَهُّدِ فِي غَيْرِ الْآخِرِ وَفِيهِ مَا ذُكِرَ. قَوْلُهُ: (رُكْنَانِ) وَالرُّكْنُ مِنْ التَّشَهُّدِ أَلْفَاظُهُ الْوَاجِبَةُ، وَمِنْ الْقُعُودِ مَا قَارَنَهَا مَعَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَإِنْ لَمْ تَشْمَلْهُ الْعِبَارَةُ. قِيلَ: وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: الرُّكْنُ مِنْ الْقُعُودِ جُزْءٌ بِطُمَأْنِينَةٍ وَلَوْ قَبْلَ التَّشَهُّدِ، كَمَا قِيلَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي قِيَامِ الْقِرَاءَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. يَرُدُّهُ قَوْلُهُمْ: هُنَا وَالْقُعُودُ لَهُمَا أَيْ التَّشَهُّدُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالْوَجْهُ مُسَاوَاةُ مَا هُنَا لِمَا هُنَاكَ وَلَا مُعَارَضَةَ فَتَأَمَّلْ. نَعَمْ لَا يَجِبُ الْقُعُودُ فِي نَفْلِ الْمُسَافِرِ الْمَاشِي، وَيَكْفِي الِاضْطِجَاعُ فِي نَفْلِ غَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِيهِمَا. قَوْلُهُ: (أَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي) قَدَّمَهُ لِسُهُولَتِهِ مَعَ دَلِيلِهِ. قَوْلُهُ: (كُنَّا نَقُولُ) أَيْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ فِي الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ أَوْ الْمُتَعَيَّنُ، فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ: وَالْمُرَادُ فَرْضُهُ إلَخْ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَكَرَهُ لِقَوْلِهِ: وَهُوَ مَحَلُّهُ إلَخْ، وَضَمِيرُ نَقُولُ عَائِدٌ إلَى الصَّحَابَةِ وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا تَابِعِينَ لَهُ - ﷺ - وَلِجِبْرِيلَ فِيهِ فَكَانَا يَقُولَانِهِ، إذْ يَبْعُدُ اخْتِرَاعُ الصَّحَابَةِ لَهُ. قَوْلُهُ: (قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَوْلَ السَّابِقَ لَمْ يَكُنْ مَفْرُوضًا أَصْلًا أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا بِفَرْضِيَّتِهِ، وَيَحْتَمِلُ تَوَجُّهَ الْفَرْضِيَّةِ إلَى أَلْفَاظِهِ الْمَخْصُوصَةِ، فَلَا يُنَافِي كَوْنُ الْأَوَّلِ كَانَ مَفْرُوضًا مَعَ فَرْضِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ بُدِّلَتْ أَلْفَاظُهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مُلَازَمَتِهِمْ عَلَيْهِ، إذْ لَمْ يُنْقَلْ تَرْكُهُ. وَقَوْلُ الْمَنْهَجِ قَبْلَ عِبَادِهِ هُوَ بَيَانٌ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُقَدِّمُونَ ذِكْرَ اللَّهِ عَلَى ذِكْرِ عِبَادِهِ، لَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَلَفَّظُونَ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: (عَلَى فُلَانٍ) بَيَانٌ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْتَصِرُونَ عَلَى ذِكْرِ جِبْرِيلَ مَثَلًا، بَلْ يَذْكُرُونَ غَيْرَهُ نَحْوُ مِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِهِمْ لَكِنْ لَمْ يَرِدْ مِقْدَارٌ مُعَيَّنٌ فِيمَا يَقُولُونَهُ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (لِمَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي حَدِيثِ أَنَّهُ قَامَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ إلَخْ، وَهَذَا دَلِيلٌ لِكَوْنِهِ فِي الْآخِرِ، وَأَمَّا دَلِيلُ كَوْنِهَا فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ صَرِيحُ خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ وَلَفْظُهُ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَغَيْرِهِ، أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْك، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك إذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْك فِي صَلَاتِنَا؟، اهـ. وَعَلَى هَذَا فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ: وَأُولَى أَحْوَالِ وُجُوبِهَا الصَّلَاةُ، لِأَنَّ مَا ذُكِرَ نَصٌّ فِي ذَلِكَ وَإِرَادَةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِنْ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ، وَلَعَلَّ الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ - ﵁ - لَمْ يَسْتَدِلَّ بِهِ لِذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَالْأَوْلَى) بِمَعْنَى الْأَنْسَبِ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُهَا خَاصًّا بِالصَّلَاةِ وَالتَّبَرِّي بِقَوْلِهِ: قَالُوا لِمَا ذَكَرَهُ الْكَشَّافُ مِنْ أَنَّ وُجُوبَهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ - ﷺ - فِي مَحَلِّ الْخِتَامِ. قَوْلُهُ: (جَازَ) أَيْ بِالْإِجْمَاعِ بِمَعْنَى لَمْ يَحْرُمْ، فَلَا يُنَافِي كَرَاهَةَ الْإِقْعَاءِ كَمَا مَرَّ وَصَرَّحَ بِهِ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ هُنَا. قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ فِي الْأَوَّلِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْأَخِيرِ الِافْتِرَاشُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ رِجْلَهُ [حاشية عميرة] فَرْعٌ) جَزَمَ فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّ الْقِيَامَ أَفْضَلُ، ثُمَّ السُّجُودَ، ثُمَّ الرُّكُوعَ. [جلسة الِاسْتِرَاحَة] قَوْلُ الْمَتْنِ: (الصَّلَاةُ إلَخْ) اخْتَارَ الْحَلِيمِيُّ وُجُوبَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ - ﷺ - كَمَا ذُكِرَ. قَوْلُهُ: (قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ) هَذَا وَكَذَا قَوْلُهُ الْآتِي قُولُوا إلَخْ مَوْضِعُ الِاسْتِدْلَالِ. قَوْلُهُ: (لِمَا تَقَدَّمَ) يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ قَامَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ إلَخْ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (جَازَ) أَيْ بِالْإِجْمَاعِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِمَعْنَاهُ) أَيْ قَدَّمَهَا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالسَّاهِي)
[ ١ / ١٨٥ ]
ظَهْرُهَا الْأَرْضَ (وَيَنْصِبُ يُمْنَاهُ وَيَضَعُ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ) مِنْهَا (لِلْقِبْلَةِ وَفِي الْآخِرِ التَّوَرُّكُ وَهُوَ كَالِافْتِرَاشِ، لَكِنْ يُخْرِجُ يُسْرَاهُ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ وَيُلْصِقُ وَرِكَهُ بِالْأَرْضِ) لِلْإِتْبَاعِ فِيهِمَا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُصَلِّيَ مُسْتَوْفِزٌ فِي الْأَوَّلِ لِلْقِيَامِ بِخِلَافِهِ فِي الْآخِرِ، وَالْقِيَامُ عَنْ الِافْتِرَاشِ أَهْوَنُ (وَالْأَصَحُّ يَفْتَرِشُ الْمَسْبُوقُ) فِي التَّشَهُّدِ الْآخِرِ لِإِمَامِهِ لِاسْتِيفَازِهِ لِلْقِيَامِ.
(وَالسَّاهِي) فِي تَشَهُّدِهِ الْآخِرِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى السُّجُودِ بَعْدَهُ، وَالثَّانِي يَتَوَرَّكَانِ الْأَوَّلُ مُتَابَعَةً لِإِمَامِهِ وَالثَّانِي نَظَرًا إلَى أَنَّهُ قُعُودٌ آخِرَ الصَّلَاةِ، وَالثَّالِثُ فِي الْأَوَّلِ إنْ كَانَ جُلُوسُهُ مَحَلَّ تَشَهُّدِهِ افْتَرَشَ وَإِلَّا تَوَرَّكَ لِلْمُتَابَعَةِ. (وَيَضَعُ فِيهِمَا) أَيْ فِي التَّشَهُّدَيْنِ (يُسْرَاهُ عَلَى طَرَفِ رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى مَنْشُورَةَ الْأَصَابِعِ) لِلْإِتْبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (بِلَا ضَمٍّ) بِأَنْ يُفَرِّجَ بَيْنَهَا تَفْرِيجًا مُقْتَصِدًا (قُلْت: الْأَصَحُّ الضَّمُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِيَتَوَجَّهَ جَمِيعُهَا إلَى الْقِبْلَةِ (وَيَقْبِضُ مِنْ يُمْنَاهُ) وَيَضَعُهَا عَلَى طَرَفِ رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى (الْخِنْصِرَ وَالْبِنْصِرَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِمَا وَثَالِثِهِمَا (وَكَذَا الْوُسْطَى فِي الْأَظْهَرِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالثَّانِي يُحَلِّقُ بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالْوُسْطَى لِلْإِتْبَاعِ أَيْضًا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَالْأَصَحُّ فِي كَيْفِيَّةِ التَّعْلِيقِ أَنْ يُحَلِّقَ بِرَأْسَيْهِمَا، وَالثَّانِي يَضَعُ رَأْسَ الْوُسْطَى بَيْنَ عُقْدَتَيْ الْإِبْهَامِ (وَيُرْسِلَ الْمُسَبِّحَةَ) وَهِيَ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ (وَيَرْفَعَهَا عِنْدَ قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ) لِلْإِتْبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَلَا يُحَرِّكُهَا) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقِيلَ
_________________
(١) [حاشية قليوبي] كَالْفَرْشِ لَهُ، كَمَا سُمِّيَ التَّوَرُّكُ بِذَلِكَ لِجُلُوسِهِ عَلَى الْوَرِكِ. وَعِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵁ -: يُسَنُّ التَّوَرُّكُ مُطْلَقًا. وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ: يُسَنُّ الِافْتِرَاشُ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ: (وَيَضَعُ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ) أَيْ بُطُونَهَا وَيَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ كَمَا فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. قَوْلُهُ: (لِلْقِيَامِ) أَيْ أَصَالَةً فَيُنْدَبُ كَالتَّوَرُّكِ لِمَنْ يُصَلِّي مِنْ جُلُوسٍ، وَفِيهِ إعْلَامُ غَيْرِهِ بِالتَّشَهُّدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَدَفْعُ اشْتِبَاهِ مَا فَعَلَهُ مِنْ الرَّكَعَاتِ. قَوْلُهُ: (يَفْتَرِشُ الْمَسْبُوقُ) أَيْ وَلَوْ خَلِيفَةً عَنْ الْإِمَامِ الْأَصْلِيِّ وَلَوْ فِي الْجُمُعَةِ، وَيُقَدَّمُ عَلَى مُرَاعَاةِ الْمُسْتَخْلِفِ لِلِاتِّفَاقِ هُنَا. قَوْلُهُ: (وَالسَّاهِي) أَيْ مَنْ طُلِبَ مِنْهُ سُجُودُ السَّهْوِ وَلَوْ لِعَمْدٍ وَلَمْ يُرِدْ تَرْكَهُ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا وَعُلِمَ مِنْ إمَامِهِ تَرْكُهُ، وَلَوْ أَرَادَ السُّجُودَ بَعْدَ التَّوَرُّكِ فَلَهُ الِافْتِرَاشُ كَعَكْسِهِ وَيُنْدَبُ الِافْتِرَاشُ وَالتَّوَرُّكُ، وَلَوْ لِمَنْ لَا يُحْسِنُ التَّشَهُّدَ، وَلِمَنْ يُصَلِّي مُضْطَجِعًا إنْ أَمْكَنَ، وَطَلَبُ الِافْتِرَاشِ هُنَا لِمَنْ أَطْلَقَ لِكَوْنِ الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ مَحَلَّ سُجُودِ السَّهْوِ أَصَالَةً لَا يُنَافِي طَلَبَ تَرْكِ الرَّمَلِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ لِمَنْ لَمْ يُرِدْ السَّعْيَ عَقِبَهُ، لِأَنَّ مَحَلَّهُ أَصَالَةً طَوَافُ الْإِفَاضَةِ. قَوْلُهُ: (الْأَصَحُّ الضَّمُّ) وَلَوْ لِلْإِبْهَامِ. قَوْلُهُ: (إلَى الْقِبْلَةِ) أَيْ لِعَيْنِهَا غَالِبًا فَلَا يُرَدُّ ضَمُّ مَنْ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ مُسْتَلْقِيًا. قَوْلُهُ: (وَيَقْبِضُ مِنْ يُمْنَاهُ) أَيْ بَعْدَ وَضْعِهَا مَنْشُورَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ كَالْخَطِيبِ وَشَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِمْ أَنَّ الْقَبْضَ مُقَارِنٌ لِلْوَضْعِ، فَالْوَاوُ فِي وَيَضَعُ فِي عِبَارَةِ الْمَنْهَجِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْأَوَّلِ لِلْبَعْدِيَّةِ، وَعَلَى الثَّانِي لِلْمَعِيَّةِ. قَوْلُهُ: (وَثَالِثُهُمَا) الْأَفْصَحُ الْفَتْحُ فِي ثَالِثِ الْخِنْصَرِ قَالَهُ الْفَارِسِيُّ. قَوْلُهُ: (وَيُرْسِلُ الْمُسَبِّحَةَ) بِكَسْرِ الْبَاءِ سُمِّيَتْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا إلَى التَّسْبِيحِ، وَتُسَمَّى السَّبَّابَةُ لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا عِنْدَ السَّبِّ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (وَيَرْفَعُهَا) أَيْ مُمَايَلَةُ الرَّأْسِ إنْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهَا وَإِلَّا فَلَا يَرْفَعُ سَبَّابَةَ الْيُسْرَى عَنْهَا، بَلْ يُكْرَهُ لِأَنَّ هَيْئَتَهَا عَدَمُ الرَّفْعِ فَلَا نُغَيِّرُ. بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُسَمَّى مُسَبِّحَةً، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِلتَّنْزِيهِ. قَوْلُهُ: (عِنْدَ قَوْلِهِ) أَيْ مَعَهُ إنْ قَدَرَ وَإِلَّا فَوَقْتَهُ كَمَا يَرْفَعُ الْعَاجِزُ عَنْ الْقُنُوتِ يَدَيْهِ فِي الْوَقْتِ لَهُ، وَيَقْصِدُ أَنَّ الْمَعْبُودَ وَاحِدٌ فَيَجْمَعُ فِي التَّوْحِيدِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ وَالِاعْتِقَادِ، وَخُصَّتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ لَهَا عِرْقًا مُتَّصِلًا [حاشية عميرة] الْمُرَادُ بِهِ مَنْ عَلَيْهِ سُجُودُ سَهْوٍ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ سَوَاءٌ حَصَلَ سَبَبُهُ لِسَهْوٍ أَوْ عَمْدٍ، ثُمَّ إنَّ هَذَا وَاضِحٌ إنْ أَرَادَ السُّجُودَ أَوْ أَطْلَقَ وَإِلَّا فَالْمُتَّجَهُ التَّوَرُّكُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِلَا ضَمٍّ) أَيْ قِيَاسًا عَلَى وَضْعِهَا عَلَى الرُّكْبَةِ فِي الرُّكُوعِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (قُلْت: الْأَصَحُّ الضَّمُّ) حَتَّى الْإِبْهَامِ. قَوْلُهُ: (وَثَالِثُهُمَا) قَالَ الْفَارِسِيُّ: الْفَصِيحُ فَتْحُ صَادِ الْخِنْصَرِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُرْسِلُ الْمُسَبِّحَةَ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا يُشَارُ بِهَا إلَى التَّوْحِيدِ وَالتَّنْزِيهِ، وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّ التَّسْبِيحَ هُوَ التَّنْزِيهُ، وَتُسَمَّى أَيْضًا السَّبَّابَةُ لِأَنَّهَا يُشَارُ بِهَا عِنْدَ الْمُخَاصَمَةِ وَالسَّبِّ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَرْفَعُهَا) حِكْمَةُ الرَّفْعِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْمَعْبُودَ وَاحِدٌ فَيَكُونُ جَامِعًا فِي تَوْحِيدِهِ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالِاعْتِقَادِ، وَيُكْرَهُ
[ ١ / ١٨٦ ]
يُحَرِّكُهَا لِلِاتِّبَاعِ أَيْضًا، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: الْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ اهـ.
وَتَقْدِيمُ الْأَوَّلِ النَّافِي عَلَى الثَّانِي الْمُثْبِتِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ (وَالْأَظْهَرُ ضَمُّ الْإِبْهَامِ إلَيْهَا كَعَاقِدِ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ) لِلِاتِّبَاعِ، وَالثَّانِي يَضَعُ الْإِبْهَامَ عَلَى الْوُسْطَى الْمَقْبُوضَةِ كَعَاقِدِ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ لِلِاتِّبَاعِ أَيْضًا، رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.
(وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَرْضٌ فِي التَّشَهُّدِ الْآخِرِ وَفِي مَعْنَاهُ تَشَهُّدُ الصُّبْحِ وَالْجُمُعَةِ وَالصَّلَاةِ الْمَقْصُورَةِ لِأَنَّهَا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - ﵁ - وَاجِبَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] وَأُولَى أَحْوَالِ وُجُوبِهَا الصَّلَاةُ وَالْمُنَاسِبُ لَهَا مِنْهَا التَّشَهُّدُ آخِرَهَا، فَتَجِبُ فِيهِ أَيْ مَعَهُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْغَزَالِيُّ، وَمَعِيَّةُ لَفْظٍ لِآخَرَ مِنْ مُتَكَلِّمٍ بِمَعْنَى الْبَعْدِيَّةِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهَا بَعْدَهُ، وَذَلِكَ مُوَافِقٌ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ وُجُوبِ تَرْتِيبِ الْأَرْكَانِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَقَالَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ التَّشَهُّدِ. (وَالْأَظْهَرُ سَنُّهَا فِي الْأَوَّلِ) أَيْ الْإِتْيَانُ بِهَا فِيهِ قِيَاسًا عَلَى الْآخِرِ، وَتَكُونُ فِيهِ سُنَّةً لِكَوْنِهِ سُنَّةً، وَالثَّانِي لَا تُسَنُّ فِيهِ لِبِنَائِهِ عَلَى التَّخْفِيفِ.
(وَلَا
_________________
(١) [حاشية قليوبي] بِنِيَاطِ الْقَلْبِ، فَرَفْعُهَا يُحَرِّكُهُ لِيَنْتَبِهَ لِلتَّوْحِيدِ، وَيُدِيمُ رَفْعَهَا إلَى الْقِيَامِ أَوْ السَّلَامِ بِخِلَافِ الْوُسْطَى، فَإِنَّ لَهَا عِرْقًا مُتَّصِلًا بِالذَّكَرِ، وَلِذَلِكَ يُسْتَقْبَحُ الْإِشَارَةُ بِهَا. وَلَوْ جَعَلَ لِلسَّبَّابَةِ بَدَلًا وَأَمْكَنَ رَفْعُهُ نُدِبَ. قَوْلُهُ: (وَلَا يُحَرِّكُهَا) لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ خِلَافًا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. قَوْلُهُ: (لِمَا قَامَ إلَخْ) وَهُوَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الصَّلَاةِ عَدَمُ الْحَرَكَةِ، أَوْ لِأَنَّ التَّحْرِيكَ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ، وَتَحْرِيكُهُ - ﷺ - لَهَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ. بَلْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إنَّ الْمُرَادَ بِالتَّحْرِيكِ فِي حَدِيثِهِ الرَّفْعُ فَلَا مُعَارَضَةَ. قَوْلُهُ: (ضَمُّ الْإِبْهَامِ إلَيْهَا) بِحَيْثُ تَكُونُ رَأْسُ الْإِبْهَامِ عَلَى طَرَفِ الرَّاحَةِ عِنْدَ أَسْفَلِ السَّبَّابَةِ. قَوْلُهُ: (كَعَاقِدِ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ) هَذَا قَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَشَرَطَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ وَضْعَ الْخِنْصَرِ فَوْقَ الْبِنْصِرِ، وَإِلَّا فَهُوَ تِسْعَةٌ وَخَمْسُونَ، وَالْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ وَتَحْصُلُ السُّنَّةُ بِالْجَمِيعِ، وَمِنْهَا التَّحْلِيقُ بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالْوُسْطَى، وَوَضْعُ رَأْسِ الْوُسْطَى بَيْنَ عُقْدَتَيْ الْإِبْهَامِ، وَإِرْسَالُ الْإِبْهَامِ بِجَانِبِ السَّبَّابَةِ فَهِيَ كَيْفِيَّاتٌ خَمْسٌ، وَيُلْصِقُ ظُهُورَ أَصَابِعِهِ بِرُكْبَتِهِ. (فَرْعٌ) لَوْ عَجَزَ عَنْ هَيْئَةِ الِافْتِرَاشِ أَوْ التَّوَرُّكِ الْمَعْرُوفَةِ وَقَدَرَ عَلَى عَكْسِهَا فَعَلَهُ، لِأَنَّهُ الْمَيْسُورُ. وَلَوْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِهِ كَنَصْبِ يُمْنَاهُ فَقَطْ أَتَى بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ هَيْئَتُهَا فَلَا تُغَيَّرُ كَمَا فِي الْمُسَبِّحَةِ فِيمَا مَرَّ. (فَائِدَةٌ): فِي كَيْفِيَّةِ الْعَدَدِ بِالْكَفِّ وَالْأَصَابِعِ الْمُشَارِ إلَى بَعْضِهِ بِقَوْلِهِمْ: كَعَاقِدِ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ، قَالُوا: إنَّ الْوَاحِدَ يُكْنَى عَنْهُ بِضَمِّ الْخِنْصَرِ لَا قُرْبِ بَاطِنِ الْكَفِّ مِنْهُ، وَالِاثْنَيْنِ بِضَمِّ الْبِنْصِرِ مَعَهَا كَذَلِكَ، وَالثَّلَاثَةَ بِضَمِّ الْوُسْطَى مَعَهُمَا كَذَلِكَ، وَالْأَرْبَعَةَ بِرَفْعِ الْخِنْصَرِ عَنْهُمَا، وَالْخَمْسَةَ بِرَفْعِ الْبِنْصِرِ مَعَهُ مَعَ بَقَاءِ الْوُسْطَى، وَالسِّتَّةَ بِضَمِّ الْبِنْصِرِ وَحْدَهُ، وَالسَّبْعَةَ بِضَمِّ الْخِنْصَرِ وَحْدَهُ عَلَى لَحْمَةِ أَصْلِ الْإِبْهَامِ، وَالثَّمَانِيَةَ بِضَمِّ الْبِنْصِرِ مَعَهُ كَذَلِكَ، وَالتِّسْعَةَ بِضَمِّ الْوُسْطَى مَعَهُمَا كَذَلِكَ، وَالْعَشَرَةَ بِجَعْلِ السَّبَّابَةِ عَلَى نِصْفِ الْإِبْهَامِ، وَالْعِشْرِينَ بِمَدِّهِمَا مَعًا، وَالثَّلَاثِينَ بِلُصُوقِ طَرَفَيْ السَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ، وَالْأَرْبَعِينَ بِمَدِّ الْإِبْهَامِ بِجَانِبِ السَّبَّابَةِ، وَالْخَمْسِينَ بِعَطْفِ الْإِبْهَامِ كَأَنَّهَا رَاكِعَةٌ، وَالسِّتِّينَ بِتَحْلِيقِ السَّبَّابَةِ فَوْقَ الْإِبْهَامِ، وَالسَّبْعِينَ بِوَضْعِ طَرَفِ الْإِبْهَامِ عَلَى الْأُنْمُلَةِ الْوُسْطَى مِنْ السَّبَّابَةِ مَعَ عَطْفِ السَّبَّابَةِ عَلَيْهَا قَلِيلًا، وَالثَّمَانِينَ بِوَضْعِ طَرَفِ السَّبَّابَةِ عَلَى ظُفْرِ الْإِبْهَامِ، وَالتِّسْعِينَ بِعَطْفِ السَّبَّابَةِ حَتَّى تَلْتَقِيَ عَلَى الْكَفِّ وَضَمِّ الْإِبْهَامِ إلَيْهَا، وَالْمِائَةَ بِفَتْحِ الْيَدِ كُلِّهَا. قَوْلُهُ: (وَفِي مَعْنَاهُ إلَخْ) أَوْرَدَ هَذَا نَظَرًا إلَى أَنَّ لَفْظَ آخِرٍ يَسْتَدْعِي سَبْقَ أَوَّلٍ، وَلَوْ حُمِلَ الْآخِرُ عَلَى مَعْنَى آخِرِ الصَّلَاةِ لَشَمَلَ ذَلِكَ اهـ. قَوْلُهُ: (وَأَوْلَى أَحْوَالِهَا إلَخْ) أَيْ لِانْضِمَامِهَا إلَى السَّلَامِ الَّذِي فِي التَّشَهُّدِ لِلْخُرُوجِ مِنْ كَرَاهَةِ إفْرَادِهِمَا، وَقَوْلُ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ - ﵁ - بِوُجُوبِهَا قَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ فَمِنْ الصَّحَابَةِ عُمَرُ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمِنْ التَّابِعِينَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ وَالشَّعْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ، وَمِنْ غَيْرِهِمْ إِسْحَاقُ وَمَالِكُ بْنُ الْمَوَّازِ بِوَاوٍ مُشَدَّدَةٍ وَآخِرُهُ زَايٌ مُعْجَمَةٌ، وَابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَأَحْمَدُ فِي آخِرِ قَوْلَيْهِ، فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ إمَامَنَا الشَّافِعِيَّ - ﵁ - شَذَّ فِي ذَلِكَ وَلَا سَلَفَ لَهُ فِيهِ فَقَدْ غَلِطَ، مَعَ أَنَّ إيجَابَهَا لَمْ يُخَالَفْ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا وَلَا قِيَاسًا وَلَا مَصْلَحَةً رَاجِحَةً، وَوُجُوبَهَا كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ كَمَا مَرَّ، وَقِيلَ: لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ. قَوْلُهُ: (وَالْمَعْنَى أَنَّهَا بَعْدَهُ) أَيْ أَخْذًا مِنْ إضَافَةِ الْمَعِيَّةِ إلَيْهَا، وَإِلَّا فَالْمَعِيَّةُ صَادِقَةٌ بِعَكْسِهِ. قَوْلُهُ: (أَيْ الْإِتْيَانُ إلَخْ) أَشَارَ [حاشية عميرة] رَفْعُ سَبَّابَةِ الْيُسْرَى وَلَوْ مِنْ فَاقِدِهَا مِنْ الْيُمْنَى. قَوْلُهُ: (وَقِيلَ يُحَرِّكُهَا) . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ التَّحْرِيكِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ هُوَ الرَّفْعُ. قَوْلُهُ: (لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ) مِنْهُ أَنَّ التَّحْرِيكَ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْأَظْهَرُ إلَخْ) . قَالَ الْإِسْنَوِيُّ:
[ ١ / ١٨٧ ]
تُسَنُّ) الصَّلَاةُ (عَلَى الْآلِ فِي الْأَوَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ) وَقِيلَ: تُسَنُّ فِيهِ، وَالْخِلَافُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْآخِرِ فَإِنْ لَمْ تَجِبْ فِيهِ وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا سَيَأْتِي لَمْ تُسَنَّ فِي الْأَوَّلِ جَزْمًا (وَتُسَنُّ فِي الْآخِرِ وَقِيلَ تَجِبُ) فِيهِ لِحَدِيثِ «أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْك فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك قَالَ: قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» إلَخْ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ إلَّا صَدْرَهُ فَمُسْلِمٌ، فَالصَّلَاةُ فِيهِ عَلَى الْآلِ الْمَزِيدَةُ فِي الْجَوَابِ مَطْلُوبَةٌ قَالَ الثَّانِي عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ كَالْجَوَابِ، وَقَالَ الْأَوَّلُ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ كَاَلَّذِي بَعْدَهَا وَهُوَ أَظْهَرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى هَذَا الْخِلَافَ قَوْلَيْنِ وَمَشَى فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا عَلَى تَرْجِيحِهِ، وَرَجَّحَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ وَجْهَانِ، وَلَوْ صَلَّى فِي الْأَوَّلِ عَلَى النَّبِيِّ وَلَمْ نَسُنَّهَا فِيهِ أَوْ صَلَّى فِيهِ عَلَى الْآلِ وَلَمْ نَسُنَّهَا فِيهِ مَعَ قَوْلِنَا بِوُجُوبِهَا فِي الثَّانِي، فَقَدْ نَقَلَ رُكْنًا قَوْلِيًّا مِنْ مَحَلِّهِ إلَى غَيْرِهِ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِعَمْدِهِ فِي وَجْهٍ يَأْتِي فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ وَآلُ النَّبِيِّ - ﷺ - أَقَارِبُهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ. (وَأَكْمَلُ التَّشَهُّدِ مَشْهُورٌ) وَرَدَ فِيهِ أَحَادِيثُ اخْتَارَ الشَّافِعِيُّ - ﵁ - مِنْهَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -
يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ فَكَانَ يَقُولُ: «التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ
_________________
(١) [حاشية قليوبي] إلَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي سَنِّهَا خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْإِتْيَانِ بِهَا وَعَدَمِهِ الْمُسْتَنِدِ لِلْقِيَاسِ وَعَدَمِهِ. قَوْلُهُ: (وَالْخِلَافُ) الَّذِي هُوَ الْأَظْهَرُ، وَمُقَابِلُهُ الْمَذْكُورَانِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ يَجْرِيَانِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ فِيهِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا فِي الْأَخِيرِ، وَإِنْ قِيلَ بِنَدْبِهِمَا فِي الْأَخِيرِ وَهُوَ الرَّاجِحُ لَمْ تُنْدَبْ فِي الْأَوَّلِ قَطْعًا، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الْقَاطِعَةُ هِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِالصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ اصْطِلَاحِهِ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ بِذِكْرِ الْبِنَاءِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (كَاَلَّذِي بَعْدَهَا) فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ، خِلَافًا لِزَعْمِ بَعْضِهِمْ جَرَيَانَ الْخِلَافِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (هَذَا الْخِلَافُ) الْمَذْكُورُ بِقَوْلِهِ: تُسَنُّ فِي الْأَخِيرِ، وَقِيلَ: تَجِبُ. وَصَوَّبَ الْإِسْنَوِيُّ مَا فِي الْمَنْهَجِ كَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَوْلُهُ: (فِي وَجْهٍ) أَيْ مَرْجُوحٍ، وَلَا يُسَنُّ سُجُودُ السَّهْوِ فِي هَذَا أَيْضًا عَلَى الرَّاجِحِ كَمَا سَيَأْتِي قَوْلُهُ: (أَقَارِبُهُ الْمُؤْمِنُونَ) أَيْ وَالْمُؤْمِنَاتُ، فَهُوَ تَغْلِيبٌ. وَقِيلَ: كُلُّ مُسْلِمٍ، وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ. قَوْلُهُ: (اخْتَارَ الشَّافِعِيُّ مِنْهَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ) مَعَ أَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَوَائِدِ كَذِكْرِ الْمُبَارَكَاتِ الْمُوَافِقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً﴾ [النور: ٦١] وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (التَّحِيَّاتُ) جَمْعُ تَحِيَّةٍ بِمَعْنَى الْبَقَاءِ الدَّائِمِ، أَوْ السَّلَامَةِ مِنْ الْآفَاتِ. وَهِيَ مُبْتَدَأٌ [حاشية عميرة] وَالثَّانِي يُرْسِلُهُ أَيْضًا مَعَ طُولِ الْمُسَبِّحَةِ، وَقِيلَ: يَقْبِضُهُ وَيَجْعَلُهُ فَوْقَ الْوُسْطَى. قَالَ: فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إلَيْهَا يَعْنِي إلَى الْمُسَبِّحَةِ خَرَجَ بِهِ الْقَوْلُ بِقَبْضِهَا وَجَعْلِهَا فَوْقَ الْوُسْطَى، وَقَوْلُهُ: كَعَاقِدِ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ، أَشَارَ بِهِ إلَى جَعْلِ الْإِبْهَامِ مَقْبُوضَةً تَحْتَ الْمُسَبِّحَةِ، فَخَرَجَ بِهِ قَوْلُ إرْسَالِهَا مَعَهَا، وَهَذَا التَّقْدِيرُ هُوَ الصَّوَابُ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ عَقْدَ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ شَرْطُهَا عِنْدَ الْحِسَابِ أَنْ يَضَعَ طَرَفَ الْخِنْصَرِ عَلَى الْبِنْصِرِ، وَأَمَّا الصُّورَةُ الْمَذْكُورَةُ فَهِيَ تِسْعٌ وَخَمْسُونَ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ الْفُقَهَاءُ بِالْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي إتْبَاعًا لِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، ثُمَّ نَقَلَ أَعْنِي الْإِسْنَوِيَّ عَنْ صَاحِبِ الْإِقْلِيدِ أَنَّهُ أَجَابَ بِأَنَّ اشْتِرَاطَ وَضْعِ الْخِنْصَرِ عَلَى الْبِنْصِرِ فِي عَقْدِ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ طَرِيقَةُ أَقْبَاطِ مِصْرَ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلَا يَشْتَرِطُونَ فِيهَا ذَلِكَ اهـ. (فَائِدَةٌ): كَيْفَمَا فَعَلَ الْمُصَلِّي مِنْ الْهَيْئَاتِ الْمَذْكُورَةِ حَصَلَ السُّنَّةُ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ. قَوْلُهُ: (وَالْمُنَاسِبُ لَهَا مِنْهَا التَّشَهُّدُ آخِرُهَا) كَانَ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ لِلتَّشَهُّدِ اشْتِمَالَهُ عَلَى السَّلَامِ، وَأَمَّا الِاخْتِصَاصُ بِالْآخِرِ فَلِأَنَّهُ خَاتِمَةُ الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: (فَتَجِبُ فِيهِ أَيْ مَعَهُ) إنَّمَا صَنَعَ هَكَذَا لِأَنَّ قَوْلَهُ فَتَجِبُ فِيهِ بِمَعْنَى قَوْلِهِ فَرْضٌ فِي التَّشَهُّدِ فَهُوَ الْمُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ أَيْ مَعَهُ لِيَكُونَ هَذَا التَّفْسِيرُ تَفْسِيرًا لِلْمَتْنِ، وَقَوْلُهُ فَالْمَعْنَى أَنَّهَا بَعْدَهُ أَيْ الْمُرَادُ مِنْ الْمَتْنِ. قَوْلُهُ: (قِيَاسًا عَلَى الْآخِرِ) أَيْ وَلِأَنَّ السَّلَامَ سُنَّةٌ مَشْرُوعٌ فِيهِ، فَلْتَكُنْ الصَّلَاةُ كَذَلِكَ لِأَنَّ جَمْعَهُمَا مُسْتَحَبٌّ. قَوْلُهُ: (لِبِنَائِهِ عَلَى التَّخْفِيفِ) فِي أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ يَجْلِسُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كَأَنَّهُ يَجْلِسُ عَلَى الرَّضْفِ»، وَالرَّضْفُ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ قَوْلُهُ: (وَالْخِلَافُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا) وَالْإِسْنَوِيُّ أَنَّا إذَا قُلْنَا بِالْوُجُوبِ فِي الثَّانِي فَفِيهَا فِي الْأَوَّلِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الْأَوَّلِ اهـ. وَهَذَا الْبِنَاءُ كَمَا نَرَى قَضِيَّتُهُ تَرْجِيحُ السُّنِّيَّةِ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ الشَّارِحِ، وَقَدْ يُعْتَذَرُ عَنْهُ بِأَنَّ مُرَادَهُ الْخِلَافُ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا هَذَا الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْمِنْهَاجِ بِتَرْجِيحِهِ. قَوْلُهُ: (اخْتَارَ الشَّافِعِيُّ إلَخْ) . قَالَ الْإِسْنَوِيُّ لِأُمُورٍ مِنْهَا زِيَادَةُ الْمُبَارَكَاتِ عَلَى وَفْقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] وَمِنْهَا أَنَّ صِغَرَ سِنِّ الرَّاوِي يَقْوَى مَعَهُ رُجْحَانُ الْمُتَأَخِّرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مُسْلِمٍ، وَحَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَهُوَ أَصَحُّ. قَوْلُهُ: (فَكَانَ يَقُولُ التَّحِيَّاتُ) . قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: جَمْعُ تَحِيَّةٍ، فَقِيلَ هِيَ الْبَقَاءُ الدَّائِمُ، وَقِيلَ الْعَظَمَةُ، وَقِيلَ
[ ١ / ١٨٨ ]
الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَأَقَلُّهُ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ سَلَامٌ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) إذْ مَا بَعْدَ التَّحِيَّاتِ مِنْ الْكَلِمَاتِ الثَّلَاثِ تَوَابِعُ لَهُ وَقَدْ سَقَطَ أُولَاهَا فِي حَدِيثِ غَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَاءَ فِي حَدِيثِهِ سَلَامٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالتَّنْوِينِ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ فِيهِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَقِيلَ يُحْذَفُ وَبَرَكَاتُهُ) لِلْغِنَى عَنْهُ يَرْحَمُهُ اللَّهُ (وَ) قِيلَ يُحْذَفُ (الصَّالِحِينَ) لِلْغِنَى عَنْهُ بِإِضَافَةِ الْعِبَادِ إلَى اللَّهِ لِانْصِرَافِهِ إلَى الصَّالِحِينَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] (وَ) قِيلَ: (يَقُولُ: وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ) بَدَلَ وَأَشْهَدُ إلَخْ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ. (قُلْت: الْأَصَحُّ) يَقُولُ: (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لَكِنْ بِلَفْظِ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَالْمُرَادُ إسْقَاطُ لَفْظِ أَشْهَدُ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ إلَخْ حِكَايَةُ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا لَوْ أَخَلَّ بِتَرْتِيبِ التَّشَهُّدِ نُظِرَ إنْ غَيَّرَ تَغْيِيرًا مُبْطِلًا لِلْمَعْنَى لَمْ يُحْسَبْ
_________________
(١) [حاشية قليوبي] وَلِلَّهِ خَبَرٌ عَنْهَا، وَمَا بَعْدَهَا نَعْتٌ إنْ لَمْ يُذْكَرْ مَعَهُ الْخَبَرُ، وَإِلَّا فَهِيَ جَمَلٌ. وَقَدْ وَرَدَ فِيهَا الْعَطْفُ أَيْضًا، وَالسَّلَامَةُ بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ أَوْ السَّلَامَةِ مِنْ النَّقَائِصِ أَوْ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَضَمِيرُ عَلَيْنَا لِلْجَمَاعَةِ الْحَاضِرِينَ مِنْ إنْسٍ وَجِنٍّ وَمَلَائِكَةٍ وَلَوْ غَيْرَ الْمُصَلِّينَ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَقِيلَ: لِكُلِّ مُسْلِمٍ. وَالصَّالِحِينَ، جَمْعُ صَالِحٍ وَهُوَ الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، فَعَطْفُهُ خَاصٌّ. قَوْلُهُ: (وَأَقَلُّهُ) أَيْ التَّشَهُّدِ، فَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُ كَلِمَةٍ أَوْ حَرْفٍ مِنْهُ، وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ إنْ لَمْ يُعِدْهُ. نَعَمْ لَا يَتَعَيَّنُ الْجَمْعُ بَيْنَ لَفْظِ أَشْهَدُ الثَّانِيَةِ وَالْوَاوِ، فَجَمْعُهُمَا مِنْ الْأَكْمَلِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ نَقْلًا عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَلَا يَضُرُّ إسْقَاطُ شَدَّةِ الرَّاءِ مِنْ رَسُولٍ، وَلَا إسْقَاطُ شَدَّةِ اللَّامِ مِنْ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ فِي الثَّانِيَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا أَنَّهُ يَضُرُّ فِي الْعَالِمِ دُونَ الْجَاهِلِ، وَيَظْهَرُ أَنَّ التَّنْوِينَ فِي مُحَمَّدٍ كَذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ إبْدَالُ كَلِمَةٍ مِنْهُ كَالنَّبِيِّ وَاَللَّهِ وَمُحَمَّدٍ وَالرَّسُولِ، وَالرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ بِغَيْرِهَا، وَلَا أَشْهَدُ بِأَعْلَمُ، وَلَا ضَمِيرُ عَلَيْنَا بِظَاهِرٍ، وَلَا إبْدَالُ حَرْفٍ مِنْهُ كَكَافِ عَلَيْك بِاسْمٍ ظَاهِرٍ، وَلَا أَلِفُ أَشْهَدُ بِالنُّونِ، وَلَا هَاءُ بَرَكَاتِهِ بِظَاهِرٍ، وَجَوَّزَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِي الثَّانِي، وَيَجُوزُ إبْدَالُ يَاءِ النَّبِيِّ بِالْهَمْزِ، وَيَضُرُّ إسْقَاطُهُمَا مَعًا. قَالَ مَشَايِخُنَا: إلَّا فِي الْوَقْفِ، وَيَضُرُّ إسْقَاطُ تَنْوِينِ سَلَامٍ الْمُنَكَّرِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، وَلَا يَضُرُّ تَنْوِينُ الْمُعَرَّفِ وَلَا زِيَادَةُ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَ التَّشَهُّدِ، بَلْ يُكْرَهُ فَقَطْ. قَوْلُهُ: (وَقَدْ سَقَطَ أُولَاهَا) قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي ثَانِيَتِهَا وَثَالِثِهَا. قَوْلُهُ: (وَقِيلَ يَقُولُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ) وَهَذَا الْوَجْهُ قَدْ اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَشَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ. قَوْلُهُ: (لَوْ أَخَلَّ إلَخْ) هَذَا الْإِخْلَالُ حَرَامٌ وَإِنْ أَجْزَأَ، وَمُفَارَقَتُهُ لِلْفَاتِحَةِ ظَاهِرٌ، وَعَنْ الْعَلَّامَةِ الْعَبَّادِيِّ أَنَّهُ إنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى وَتَعَمَّدَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ لَمْ يُجْزِئْهُ فَرَاجِعْهُ. وَتُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ فِيهِ أَيْضًا، وَتُعْتَبَرُ بِمَا مَرَّ فِي الْفَاتِحَةِ. [حاشية عميرة] السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ، وَقِيلَ الْمُلْكُ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمُلُوكَ كَانَتْ تُحَيَّا بِتَحِيَّةٍ مَعْرُوفَةٍ كَعَمٍّ صَبَاحًا وَأَبَيْت اللَّعْنَ، وَإِنَّمَا جُمِعَتْ لِأَنَّ كُلَّ مَلِكٍ كَانَتْ لَهُ تَحِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَلْفَاظَ الدَّالَّةَ مُسْتَحَقَّةٌ لَهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (الْمُبَارَكَاتُ إلَخْ) تَقْدِيرُهُ وَالْمُبَارَكَاتُ، وَكَذَا الَّذِي بَعْدَهُ بِدَلِيلِ التَّصْرِيحِ بِالْعَاطِفِ فِي بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ، فَأَمَّا الْمُبَارَكَاتُ فَمَعْنَاهَا النَّامِيَاتُ. وَالصَّلَوَاتُ هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَقِيلَ كُلُّ صَلَاةٍ، وَقِيلَ الرَّحْمَةُ، وَقِيلَ الدُّعَاءُ. وَالطَّيِّبُ ضِدُّ الْخَبِيثِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْكَلِمَاتِ الطَّيِّبَةَ الصَّالِحَةَ لِلثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهَا الْبَارِئُ دُونَ غَيْرِهِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهَا الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ. وَقَوْلُهُ: سَلَامٌ عَلَيْك فِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْأَزْهَرِيُّ أَحَدُهُمَا اسْمُ السَّلَامِ أَيْ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْك فَإِنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ الْمُسْلَمُ مِنْ الْآفَاتِ، وَالثَّانِي سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْك تَسْلِيمًا وَسَلَامًا. وَقَوْلُهُ: عَلَيْنَا أَيْ عَلَى الْحَاضِرِينَ مِنْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمَلَائِكَةِ اهـ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَشْهَدُ) إنَّمَا وَجَبَتْ الْوَاوُ هُنَا دُونَ الْأَذَانِ لِأَنَّ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ يُطْلَبُ فِيهَا السُّكُوتُ عَلَى كُلِّ كَلِمَةٍ ثُمَّ أُلْحِقَتْ بِهِ الْإِقَامَةُ هَذَا حِكْمَتُهُ فِيمَا يَظْهَرُ وَالْعُمْدَةُ الْإِتْبَاعُ. قَوْلُهُ: (وَقَدْ سَقَطَ أَوَّلُهَا إلَخْ) قَدْ جَعَلَ الرَّافِعِيُّ الضَّابِطَ فِي جَوَازِ الْإِسْقَاطِ كَوْنَ اللَّفْظِ تَابِعًا لِغَيْرِهِ أَوْ سَاقِطًا مِنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. قَوْلُهُ: (يَقُولُ) أَيْ فِي الْإِتْيَانِ أَقَلُّ التَّشَهُّدِ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قَوْلُهُ: (فَالْمُرَادُ إسْقَاطُ لَفْظِ أَشْهَدُ) . قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لَكِنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ يُعْرَكُ عَلَيْهِ تَعَيُّنُ لَفْظِ الْجَلَالَةِ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ الْإِتْيَانُ بِالضَّمِيرِ بَدَلَهَا اهـ. وَمُرَادُهُ ثُبُوتُ ذَلِكَ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (لَوْ أَخَلَّ بِتَرْتِيبِ التَّشَهُّدِ
[ ١ / ١٨٩ ]
مَا جَاءَ بِهِ، وَإِنْ تَعَمَّدَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْطُلْ الْمَعْنَى أَجْزَأَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ فِيهِ قَوْلَانِ وَالتَّحِيَّةُ مَا يُحَيَّا بِهِ مِنْ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُ الصَّلَاةُ أَيْ الدُّعَاءُ بِخَيْرٍ وَالْقَصْدُ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ بِأَنَّهُ مَالِكٌ لِجَمِيعِ التَّحِيَّاتِ مِنْ الْخَلْقِ وَالْمُبَارَكَاتُ النَّامِيَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ الصَّالِحَاتُ. (وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ وَآلِهِ - اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ) كَذَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الصَّلَاةَ الْوَاجِبَةَ وَالْمَنْدُوبَةَ فِي التَّشَهُّدَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَأَكْمَلُ مِنْ قَوْلِهِ وَآلِهِ أَنْ يُقَالَ: وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ. (وَالزِّيَادَةُ إلَى حَمِيدٍ مَجِيدٍ) الْوَارِدَةُ فِيهِ وَهِيَ: كَمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ. (سُنَّةٌ فِي) التَّشَهُّدِ (الْآخِرِ) بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَلَا تُسَنُّ فِيهِ، كَمَا لَا تُسَنُّ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى الْآلِ لِبِنَائِهِ عَلَى التَّخْفِيفِ وَفِيمَا قَالَهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا فِي الْحَدِيثِ أَكْمَلُ الصَّلَاةِ.
وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا فِي بَيَانِ الْأَكْمَلِ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَفِي بَعْضِهَا أَيْضًا بَعْدَ آلِ
_________________
(١) [حاشية قليوبي] نَعَمْ لَا يَضُرُّ زِيَادَةُ مِيمٍ فِي عَلَيْك، وَلَا يَاءِ نِدَاءٍ قَبْلَ أَيُّهَا، وَلَا وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ بَعْدَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لِوُرُودِهَا فِي رِوَايَةٍ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا، وَلَا زِيَادَةُ عَبْدِهِ مَعَ رَسُولِهِ، وَلَا زِيَادَةُ سَيِّدِنَا قَبْلَ مُحَمَّدٍ هُنَا وَفِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ الْآتِيَةِ، بَلْ هُوَ أَفْضَلُ لِأَنَّ فِيهِ مَعَ سُلُوكِ الْأَدَبِ امْتِثَالَ الْأَمْرِ، وَأَمَّا حَدِيثُ: «لَا تُسَيِّدُونِي فِي الصَّلَاةِ» فَبَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ. (تَنْبِيهٌ): اللَّحْنُ فِي إعْرَابِ التَّشَهُّدِ كَالتَّرْتِيبِ. قَوْلُهُ: (مَالِكٌ لِجَمِيعِ التَّحِيَّاتِ) فَلِذَلِكَ جُمِعَتْ، لِأَنَّهُ كَانَ لِكُلِّ مَلِكٍ تَحِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ بِهِ: كَأَنْعِمْ صَبَاحًا أَوْ مَسَاءً، وَأَبَيْت اللَّعْنَ وَغَيْرُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -) وَيَجْرِي فِيهَا مَا مَرَّ فِي التَّشَهُّدِ مِنْ التَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ وَاللَّحْنِ، وَيَجُوزُ فِيهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَالصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا إذَا قَصَدَ الْإِنْشَاءَ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ وَلَعَلَّهُ لَا يَشْتَرِطُهُ، وَيَجُوزُ إبْدَالُ الصَّلَاةِ بِالرَّحْمَةِ وَفِي زِيَادَةِ سَيِّدِنَا مَا تَقَدَّمَ، وَيَجُوزُ إبْدَالُ لَفْظِ مُحَمَّدٍ بِالنَّبِيِّ وَالرَّسُولِ لَا بِغَيْرِهِمَا، كَأَحْمَدَ وَالْعَاقِبِ وَالْحَاشِرِ، وَعَلَيْهِ فَارَقَ الْخُطْبَةَ بِعَدَمِ الْوُرُودِ هُنَا. قَوْلُهُ: (وَأَكْمَلُ إلَخْ) أَيْ إنَّ لَفْظَ مُحَمَّدٍ أَكْثَرُ حُرُوفًا مِنْ الضَّمِيرِ الَّذِي حُذِفَ فَهُوَ مِنْ الْأَكْمَلِ. قَوْلُهُ: (الْوَارِدَةُ فِيهِ) أَيْ فِي الْحَدِيثِ. قَوْلُهُ: (إبْرَاهِيمَ) خُصَّ بِالذِّكْرِ لِاخْتِصَاصِهِ بِجَمْعِ الرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ لَهُ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] وَالتَّشْبِيهُ فِي كَمَا صَلَّيْت عَائِدٌ لِآلِ مُحَمَّدٍ لَا لَهُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ إبْرَاهِيمَ وَآلِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مِنْ حَيْثُ طَلَبُ الدُّعَاءِ أَوْ الْكَيْفِيَّةُ، وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ - ﵁ -: إنَّ التَّشْبِيهَ لِأَصْلِ الصَّلَاةِ بِأَصْلِ الصَّلَاةِ، أَوْ الْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ وَقِيلَ: لِإِفَادَةِ الْمُضَاعَفَةِ لَهُ - ﷺ - دُونَ إبْرَاهِيمَ. قَوْلُهُ: (سُنَّةٌ) وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ فِي وَقْتٍ يَسَعُ جَمِيعَهَا. قَوْلُهُ: (فِي التَّشَهُّدِ الْآخِرِ) أَيْ لِإِمَامٍ وَمَأْمُومٍ وَلَوْ مَسْبُوقًا تَبَعًا لِإِمَامِهِ. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْأَوَّلِ) فَلَا تُسَنُّ فِيهِ بَلْ تُكْرَهُ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَلَوْ فَرَغَ الْمَأْمُومُ مِنْهُ قَبْلَ إمَامِهِ وَهُمَا فِي غَيْرِ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ، فَلِلْمَأْمُومِ أَنْ يَدْعُوَ بِمَا شَاءَ وَلَوْ بِالْمَأْثُورِ، وَلَا يَأْتِي بِهَا وَلَا بِمَا بَعْدَهَا مِنْ تَمَامِ التَّشَهُّدِ، وَلَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ لَهُ - ﷺ - بِالرَّحْمَةِ فَيُكْرَهُ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ لِعَدَمِ وُرُودِهِ وَمَا قِيلَ مِنْ وُرُودِهِ وَهْمٌ. (فَرْعٌ) لَوْ عَجَزَ عَنْ التَّشَهُّدِ جَالِسًا لِكَوْنِهِ مَكْتُوبًا عَلَى رَأْسِ جِدَارٍ مَثَلًا: قَامَ لَهُ كَمَا فِي الْفَاتِحَةِ فِي عَكْسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ لِلسَّلَامِ. [حاشية عميرة] إلَخْ) أَمَّا التَّرْتِيبُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ فَهُوَ رُكْنٌ كَمَا سَلَفَ. قَوْلُهُ: (وَأَكْمَلُ مِنْ قَوْلِهِ وَآلِهِ إلَخْ) إنَّمَا نَبَّهَ عَلَى هَذَا هُنَا لِأَنَّ قَوْلَ الْمَتْنِ الْآتِي وَالزِّيَادَةُ إلَخْ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْنَى وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْأَقَلِّ الْمَذْكُورِ لَا يُقَالُ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْأَقَلِّ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ فَوَاتَ الضَّمِيرِ مِنْ آلِهِ مَانِعٌ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَيْهِ. نَعَمْ هُوَ زِيَادَةٌ عَلَى بَعْضِ الْأَقَلِّ الْمَذْكُورِ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ وَنَفَعَنَا بِهِ مَا أَدْرَاهُ بِأَسَالِيبِ الْكَلَامِ. قَوْلُهُ: (الْوَارِدَةُ فِيهِ) أَيْ فِي الْحَدِيثِ يُرِيدُ - ﵀ - أَنَّ أَلْ فِي الزِّيَادَةِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ وَهُوَ الْوَارِدُ فِي حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (سُنَّةٌ فِي الْآخِرِ) . قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: دَلِيلُ عَدَمِ وُجُوبِهَا فِيهِ وَعَدَمِ اسْتِحْبَابِهَا فِي الْأَوَّلِ الْإِجْمَاعُ. قَوْلُهُ: (فَلَا تُسَنُّ فِيهِ) لَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ تَشَهَّدَ التَّشَهُّدَ كَامِلًا تَبَعًا لِلْإِمَامِ. قَوْلُهُ: (وَفِيمَا قَالَهُ إشَارَةٌ) يُرِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ وَالزِّيَادَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ إلَخْ يُفِيدُ أَنَّ مَا فِي الْحَدِيثِ هُوَ أَكْمَلُ الصَّلَاةِ، يَعْنِي بِمَعُونَةِ أَنَّ أَلْ فِي لَفْظِ الزِّيَادَةِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَهُوَ الْوَارِدُ فِي الْحَدِيثِ. قَوْلُهُ: (وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا إلَخْ) . قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ مَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِك وَرَسُولِك النَّبِيِّ وَعَلَى آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى
[ ١ / ١٩٠ ]
إبْرَاهِيمَ الثَّانِي فِي الْعَالَمِينَ وَآلُ إبْرَاهِيمَ إسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَأَوْلَادُهُمَا.
(وَكَذَا الدُّعَاءُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ بِمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَآلِهِ سُنَّةٌ لِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِ بِدِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ لِحَدِيثِ «إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إلَى آخِرِهَا، ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ أَوْ مَا أَحَبَّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ: «ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدْعُو بِهِ» أَمَّا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ فَلَا يُسَنُّ بَعْدَهُ الدُّعَاءُ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَمَأْثُورُهُ) عَنْ النَّبِيِّ (أَفْضَلُ) مِنْ غَيْرِ الْمَأْثُورِ وَمِنْهُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت إلَخْ أَيْ وَمَا أَسْرَرْت وَمَا أَعْلَنْت وَمَا أَسْرَفْت وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إلَه إلَّا أَنْتَ» لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ: (وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَزِيدَ) الدُّعَاءُ (عَلَى قَدْرِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -) وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا الْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُمَا، فَإِنْ زَادَ لَمْ يَضُرَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامًا فَيُكْرَهُ لَهُ التَّطْوِيلُ. اهـ.
(وَمَنْ عَجَزَ عَنْهُمَا) أَيْ عَنْ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ نَاطِقٌ وَالْكَلَامُ فِي الْوَاجِبَيْنِ لِمَا سَيَأْتِي. (تَرْجَمَ) عَنْهُمَا وَتَقَدَّمَ فِي تَكْبِيرِ الْإِحْرَامِ أَنَّهُ يُتَرْجِمُ عَنْهُ بِأَيِّ لُغَةٍ شَاءَ، وَأَنَّهُ يَجِبُ التَّعَلُّمُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَوْ بِالسَّفَرِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَيَأْتِي مِثْلُ ذَلِكَ هُنَا، أَمَّا الْقَادِرُ عَلَيْهِمَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْجَمَتُهُمَا (وَيُتَرْجِمُ بِالدُّعَاءِ) الَّذِي تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَسْنُونٌ (وَالذِّكْرِ الْمَنْدُوبِ) كَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ فِيهِ
_________________
(١) [حاشية قليوبي] تَنْبِيهٌ) كَانَ تَشَهُّدُهُ - ﷺ - كَتَشَهُّدِنَا بِلَفْظِ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقَوْلُ الْمَنْهَجِ نَقْلًا عَنْ الرَّافِعِيِّ: إنَّهُ كَانَ يَقُولُ: وَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ مَرْدُودٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ فِي الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى تَرَدُّدِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي أَذَانٍ فَعَلَهُ مَرَّةً فِي سَفَرٍ. قَوْلُهُ: (وَآلُ إبْرَاهِيمَ إسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَأَوْلَادُهُمَا) وَكُلُّ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَهُمَا مِنْ أَوْلَادِ إِسْحَاقَ، وَلَيْسَ مِنْ أَوْلَادِ إسْمَاعِيلَ نَبِيٌّ غَيْرُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - ﷺ -. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي ذَلِكَ حِكْمَةُ امْتِيَازِهِ وَانْفِرَادِهِ - ﷺ - بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الْكَمَالَاتِ وَالْفَضَائِلِ، وَفِيمَا ذُكِرَ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِأَوْلَادِهِمَا مَا يَعُمُّ الْأَنْبِيَاءَ وَغَيْرَهُمْ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (وَكَذَا الدُّعَاءُ) أَيْ بِغَيْرِ مُحَرَّمٍ. وَلَا تَعْلِيقٍ، وَإِلَّا فَتَبْطُلُ فِيهِمَا. قَوْلُهُ: (فَلْيَقُلْ إلَخْ) وَصَرَفَهُ عَنْ الْوُجُوبِ الْإِجْمَاعُ. قَوْلُهُ: (فَلَا يُسَنُّ بَعْدَهُ الدُّعَاءُ) وَلَوْ لِمُنْفَرِدٍ وَإِمَامِ مَحْصُورِينَ، بَلْ يُكْرَهُ فِيهِ لِمَا مَرَّ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت) الْمَعْنَى مَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِي كُلِّهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا عَلَى غَيْرِهِ وَمَا تَأَخَّرَ عَنْهُ، أَوْ الْمَعْنَى مَا سَلَفَ مِنْهَا وَمَا سَيَقَعُ، وَمَعْنَى غُفْرَانِهِ عَلَى هَذَا عَدَمُ مُؤَاخَذَتِهِ بِهِ إذَا وَقَعَ. وَمِنْ الْمَأْثُورِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك وَارْحَمْنِي إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَالْمَسِيحُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَوْ الْمُعْجَمَةِ، وَالْمَأْثَمُ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ أَوْ الْمُثَلَّثَةِ الْإِثْمُ، وَالْمَغْرَمُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ مَا يَلْزَمُ أَدَاؤُهُ بِلَا حَقٍّ، وَرُبَّمَا يُوجَدُ فِيهِ خُلْفُ وَعْدٍ أَوْ خُلْفُ كَذِبٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وَفِتْنَةُ الْمَحْيَا بِالدُّنْيَا وَالشَّهَوَاتِ وَنَحْوِهِمَا كَتَرْكِ الْعِبَادَاتِ، وَفِتْنَةُ الْمَمَاتِ بِنَحْوِ مَا عِنْدَ الِاحْتِضَارِ أَوْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ. قَوْلُهُ: (وَفِي الرَّوْضَةِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَالْمُرَادُ أَقَلُّ مِمَّا أَتَى بِهِ مِنْهُمَا، سَوَاءٌ الْأَقَلُّ أَوْ الْأَكْمَلُ. قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامًا) أَيْ لِغَيْرِ مَحْصُورِينَ فَيُكْرَهُ لَهُ وَلَا يُكْرَهُ، وَلَا يُنْدَبُ لِإِمَامِهِمْ فَلَهُ أَنْ يُطِيلَ مَا شَاءَ مَا لَمْ يَقَعْ فِي سَهْوٍ كَالْمُنْفَرِدِ. (فَائِدَةٌ) قَالَ فِي الْأُمِّ: فَإِنْ لَمْ يَزِدْ أَيْ الْمُصَلِّي مُطْلَقًا عَلَى ذَلِكَ أَيْ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ كَرِهْته. قَوْلُهُ: (وَالْكَلَامُ فِي الْوَاجِبَيْنِ) [حاشية عميرة] آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ اهـ. (فَائِدَةٌ) إنَّمَا خَصَّ إبْرَاهِيمَ - ﷺ - لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ اللَّهِ هِيَ الرَّحْمَةُ، وَلَمْ تُجْمَعْ الرَّحْمَةُ وَالْبَرَكَةُ لِنَبِيٍّ غَيْرِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] فَسَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - إعْطَاءَ مَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ مِمَّا سَبَقَ إعْطَاؤُهُ لِإِبْرَاهِيمَ، وَيَدُلُّ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ عَلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ بِهَذِهِ الْآيَةِ اتِّفَاقُ آخِرِهَا مَعَ آخِرِ التَّشَهُّدِ فِي قَوْلِهِ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَالْحَمِيدُ الْمَحْمُودُ. وَالْمَجِيدُ بِمَعْنَى الْمَاجِدِ، وَهُوَ الْكَامِلُ فِي الشَّرَفِ وَالْكَرَمِ. قَوْلُهُ: (أَوْ دُنْيَوِيٍّ) لَنَا وَجْهٌ بِأَنَّهُ إذَا قَالَ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي جَارِيَةً حَسْنَاءَ صِفَتُهَا كَذَا وَنَحْوُهُ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. قَوْلُهُ: (لِحَدِيثِ إلَخْ) الصَّارِفُ عَنْ الْوُجُوبِ الْإِجْمَاعُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَمَا أَخَّرْت) قِيلَ مَعْنَى هَذَا طَلَبُ غُفْرَانِ مَا سَيَقَعُ عَلَى تَقْدِيرِ الْوُقُوعِ، وَقِيلَ: أَرَادَ الْمُتَأَخِّرَ مِنْ الذُّنُوبِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْهُ، وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ فِي بَعْضِ شَرْحِ الرِّسَالَةِ نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ، وَالْأَوَّلُ بَحْثٌ لَهُ - ﵀ -. قَوْلُ الْمَتْنِ: (عَلَى قَدْرِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ) . قَالَ
[ ١ / ١٩١ ]
وَالْقُنُوتِ وَتَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ وَالتَّسْبِيحَاتِ. (الْعَاجِزُ لَا الْقَادِرُ فِي الْأَصَحِّ) فِيهِمَا لِعُذْرِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، فَلَوْ تَرْجَمَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَالثَّانِي يُتَرْجِمَانِ أَيْ يَجُوزُ لَهُمَا التَّرْجَمَةُ لِقِيَامِ غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَقَامَهَا فِي أَدَاءِ الْمَعْنَى، وَالثَّالِثُ لَا يُتَرْجِمَانِ إذْ لَا ضَرُورَةَ إلَى الْمَنْدُوبِ حَتَّى يُتَرْجِمَ عَنْهُ، ثُمَّ الْمُرَادُ الدُّعَاءُ وَالذِّكْرُ الْمَأْثُورَانِ، فَلَا يَجُوزُ اخْتِرَاعُ دَعْوَةٍ أَوْ ذِكْرٍ بِالْعَجَمِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ قَطْعًا، نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْإِمَامِ تَصْرِيحًا فِي الْأُولَى، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا فِي الرَّوْضَةِ وَإِشْعَارًا فِي الثَّانِيَةِ (الثَّانِي عَشَرَ: السَّلَامُ وَأَقَلُّهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَالْأَصَحُّ جَوَازُ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) بِالتَّنْوِينِ كَمَا فِي التَّشَهُّدِ فَيَكُونُ صُورَةً ثَانِيَةً لِلْأَقَلِّ (قُلْت: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ لَا يُجْزِئُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) .
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: ثَبَتَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ «أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِخِلَافِ التَّشَهُّدِ.
(وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ لَا تَجِبُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ) مِنْ الصَّلَاةِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَالثَّانِي تَجِبُ مَعَ السَّلَامِ لِيَكُونَ الْخُرُوجُ كَالدُّخُولِ بِنِيَّةٍ لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِ الصَّلَاةِ (وَأَكْمَلُهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ يَمِينًا
_________________
(١) [حاشية قليوبي] إنَّمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ، نَظَرًا لِلْخِلَافِ بَعْدَهُ فِي الْمَنْدُوبِ. قَوْلُهُ: (إنْ قَدَرَ) وَقَبْلَ الْقُدْرَةِ يَأْتِي بِذِكْرِ غَيْرِهِمَا وَلَا يُتَرْجِمُ. قَوْلُهُ: (فَلَا يَجُوزُ) أَيْ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ. قَوْلُهُ: (الْعَاجِزُ) وَإِنْ قَصَّرَ فِي التَّعَلُّمِ. قَوْلُهُ: (فَلَوْ تَرْجَمَ) أَيْ الْقَادِرُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. قَوْلُهُ: (فَلَا يَجُوزُ اخْتِرَاعُ إلَخْ) أَيْ وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ مِنْ الْعَاجِزِ كَالْقَادِرِ. قَوْلُهُ: (وَأَقَلُّهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) وَكَذَا عَكْسُهُ وَإِنْ كُرِهَ لِتَأْدِيَتِهِ مَعْنَاهُ، وَحِكْمَةُ السَّلَامِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ كَانَ مَشْغُولًا عَنْ النَّاسِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ، وَشَرْطُهُ إسْمَاعُ نَفْسِهِ وَمُوَالَاتُهُ وَعَدَمُ زِيَادَةٍ فِيهِ وَتَعْرِيفُهُ وَالْخِطَابُ فِيهِ وَمِيمُ الْجَمْعِ، وَلَا يَضُرُّ تَنْوِينُهُ مَعَ التَّعْرِيفِ وَلَا زِيَادَةُ وَاوٍ قَبْلَهُ، وَفَارَقَ التَّكْبِيرَ بِالِاحْتِيَاطِ لِلِانْعِقَادِ وَلَا زِيَادَةُ التَّامِّ بَعْدَ السَّلَامِ، وَلَا سُكُوتٌ لَا يَقْطَعُ الْفَاتِحَةَ. وَلَوْ قَالَ: السِّلْمُ عَلَيْكُمْ بِكَسْرٍ فَسُكُونٌ أَوْ فَتْحٍ فَسُكُونٌ أَوْ فَتْحٍ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ السَّلَامَ كَفَى وَإِلَّا فَلَا، لِأَنَّهُ يَكُونُ بِمَعْنَى الصُّلْحِ وَالِانْقِيَادِ وَنَحْوِ أَصَالَةٍ. قَوْلُهُ: (بِالتَّنْوِينِ) فَبِغَيْرِ تَنْوِينٍ لَا يُجْزِئُ اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: (لَا يُجْزِئُهُ) بَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ تَعَمَّدَ وَخَاطَبَ، أَوْ قَصَدَ الْخُرُوجَ. قَوْلُهُ: (لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِ الصَّلَاةِ) أَيْ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، فَلَوْ عَيَّنَ غَيْرَ مَا هُوَ فِيهِ عَمْدًا بَطَلَتْ عَلَيْهِمَا، أَوْ خَطَأً بَطَلَتْ عَلَى الثَّانِي الْمَرْجُوحِ دُونَ الْأَوَّلِ الرَّاجِحِ. نَعَمْ مَنْ صَلَّى نَفْلًا مُطْلَقًا وَسَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِ مَا عَيَّنَهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ اقْتِصَارٍ وَلَا قَصْدِ خُرُوجٍ؛ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ. قَوْلُهُ: (وَرَحْمَةُ اللَّهِ) وَلَا يُسَنُّ زِيَادَةُ وَبَرَكَاتِهِ. قَوْلُهُ: (مَرَّتَيْنِ) وَالثَّانِيَةُ مِنْ مُلْحَقَاتِ الصَّلَاةِ لَا مِنْهَا، فَتَحْرُمُ لِعُرُوضِ مَانِعٍ كَحَدَثٍ وَخُرُوجِ وَقْتِ جُمُعَةٍ، وَتَخَرُّقِ خُفٍّ، وَكَشْفِ عَوْرَةٍ، وَطُرُوِّ نَجَاسَةٍ لَا يُعْفَى عَنْهَا، وَلَوْ سَلَّمَهَا مُعْتَقِدًا أَنَّهُ سَلَّمَ الْأُولَى فَبَانَ عَدَمُهَا أَعَادَهُمَا مَعًا لِوُجُودِ الصَّارِفِ لِمَا لَيْسَ مِنْهَا، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ سَلَامِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ فِي أَنَّهُ سَلَّمَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَ وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ، وَلَا يَسْجُدُ لِأَنَّهُ سُكُوتٌ فِي رُكْنٍ طَوِيلٍ. قَوْلُهُ: (يَمِينًا) أَيْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَشِمَالًا أَيْ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، وَلَوْ سَلَّمَ الْأُولَى عَنْ يَسَارِهِ سَلَّمَ الثَّانِيَةَ كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: [حاشية عميرة] الدَّمِيرِيِّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَقَلُّهُمَا اهـ. وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: أَكْمَلُهُمَا وَإِلَّا فَكَانَتْ سُنَّةً عِنْدَ إسْقَاطِ سُنَّةٍ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (الْعَاجِزُ) أَيْ قِيَاسًا عَلَى الْوَاجِبِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (السَّلَامُ) . قَالَ الْقَفَّالُ فِي الْمَحَاسِنِ: فِي السَّلَامِ مَعْنًى وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا عَنْ النَّاسِ وَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ اهـ. ثُمَّ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ يُفْهِمُ أَنَّ الْوَاجِبَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: (بِالتَّنْوِينِ) أَمَّا بِغَيْرِهِ فَلَا يُجْزِئُ قَوْلًا وَاحِدًا. (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ كَانَ الْإِتْيَانُ بِهِ مُبْطِلًا لِلصَّلَاةِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَلِأَنَّهَا أَعْنِي النِّيَّةَ تَلِيقُ بِالْأَفْعَالِ دُونَ التُّرُوكِ، كَذَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ مَا قَالَهُ غَيْرُهُ لِأَنَّ النِّيَّةَ الْأُولَى شَامِلَةٌ لِذَلِكَ. قَوْلُهُ: (مَعَ السَّلَامِ) أَيْ الْأَوَّلِ وَانْظُرْ هَلْ يَجِبُ الْأَمْرُ إنْ بِأَوَّلِهِ أَوْ بِجَمِيعِهِ. قَوْلُهُ: (لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِ الصَّلَاةِ) لَكِنْ لَوْ عَيَّنَ عَمْدًا غَيْرَ مَا هُوَ فِيهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِتَلَاعُبِهِ. (فَرْعٌ) الْمُتَنَفِّلُ إذَا نَوَى عَدَدًا ثُمَّ سَلَّمَ قَبْلَ تَمَامِهِ إنْ لَمْ يَنْوِ التَّحَلُّلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَمَا قَالَهُ فِي الْخَادِمِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَرَحْمَةُ اللَّهِ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَقُولُ وَبَرَكَاتُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَالثَّانِي يُسْتَحَبُّ وَالثَّالِثُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، حَكَاهَا السُّبْكِيُّ وَاخْتَارَ الثَّانِيَ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَإِذَا اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدَةٍ فَعَلَهَا تِلْقَاءَ وَجْهِهِ كَانَ حِكْمَةُ هَذِهِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْعَدْلِ فِي حَقِّ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَقِيلَ يَبْدَأُ بِهَا يَمِينًا وَيُكْمِلُهَا شِمَالًا.
[ ١ / ١٩٢ ]
وَشِمَالًا مُلْتَفِتًا فِي الْأُولَى حَتَّى يَرَى خَدَّهُ الْأَيْمَنَ وَفِي الثَّانِيَةِ الْأَيْسَرَ) لِلْإِتْبَاعِ فِي ذَلِكَ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا، وَيَبْتَدِئُ السَّلَامَ فِي الْمَرَّتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَيُنْهِيهِ مَعَ تَمَامِ الِالْتِفَاتِ. (نَاوِيًا السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ مِنْ مَلَائِكَةٍ وَإِنْسٍ وَجِنٍّ) مُؤْمِنِينَ أَيْ يَنْوِيهِ بِمَرَّةِ الْيَمِينِ عَلَى مَنْ عَلَى الْيَمِينِ وَبِمَرَّةِ الْيَسَارِ عَلَى مَنْ عَلَى الْيَسَارِ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا، وَالْمُنْفَرِدُ يَنْوِيهِ بِالْمَرَّتَيْنِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، كَذَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهِ (وَيَنْوِي الْإِمَامُ السَّلَامَ عَلَى الْمُقْتَدِينَ) هَذَا يَزِيدُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بِالْمُقْتَدِينَ خَلْفَهُ وَلَيْسَ فِي الرَّوْضَةِ وَلَا أَصْلِهَا وَيَلْحَقُ بِالْإِمَامِ فِي ذَلِكَ الْمَأْمُومُ (وَهُمْ الرَّدُّ عَلَيْهِ) فَيَنْوِيهِ مِنْهُمْ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ بِالتَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ وَمَنْ عَلَى يَسَارِهِ بِالْأُولَى وَمَنْ خَلْفَهُ بِأَيَّتِهِمَا شَاءَ، وَبِالْأُولَى أَفْضَلُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْوِيَ بَعْضُ الْمَأْمُومِينَ الرَّدَّ عَلَى بَعْضٍ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَحَدِيثُ سَمُرَةَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ، وَأَنْ نَتَحَابَّ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يَنْوِيَ بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ أَيْضًا إنْ لَمْ نُوجِبْهَا.
(الثَّالِثَ عَشَرَ: تَرْتِيبُ الْأَرْكَانِ) السَّابِقَةِ (كَمَا ذَكَرْنَا) فِي عَدِّهَا
_________________
(١) [حاشية قليوبي] يُسَلِّمُ الثَّانِيَةَ عَنْ يَمِينِهِ عَلَى نَظِيرِ مَا فِي قِرَاءَةِ سُورَتَيْ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ فِي الْجُمُعَةِ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) أَيْ بِوَجْهِهِ فِي ابْتِدَائِهَا، وَيُنْهِيهَا مَعَ انْتِهَاءِ الِالْتِفَاتِ وَيَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِسَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فَتَمَامُهَا إلَى الْقِبْلَةِ أَوْلَى. قَوْلُهُ: (نَاوِيًا السَّلَامَ إلَخْ) وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ وَضْعَ السَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ لِلتَّحَلُّلِ مِنْهَا، وَلَوْ مَحَضَهُ لِلسَّلَامِ عَلَيْهِمْ أَوْ لِإِعْلَامِهِمْ بِفَرَاغِ صَلَاتِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. قَوْلُهُ: (إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا) هَذَا تَعْمِيمٌ فِي فَاعِلِ نَاوِيًا وَمَجْرُورِ عَلَى، وَبِذَلِكَ تَكَرَّرَ مَعَ مَا يَأْتِي بِقَوْلِهِ: وَيَنْوِي الْإِمَامُ إلَخْ، وَأَجَابَ عَنْهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: هَذَا يَزِيدُ إلَخْ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (مُؤْمِنِينَ) هُوَ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ فِي الْمَلَائِكَةِ، وَقَيَّدَ فِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَدَخَلَ فِيهِمْ غَيْرُ الْمُصَلِّينَ، وَلَوْ مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ إلَى مُنْقَطِعِ الْأَرْضِ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (كَذَا فِي الرَّوْضَةِ) تَبَرَّأَ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ لَا يَنْوِيَانِ عَلَى مَنْ خَلْفَهُمَا أَوْ أَمَامِهِمَا، وَأَنَّ الْمُنْفَرِدَ لَا يَنْوِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُصَلِّينَ مَعَ بَعْضِهِمْ بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ، يَرُدُّ عَلَيْهِ مَأْمُومٌ فِي طَرَفِ صَفٍّ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا. قَوْلُهُ: (فِي ذَلِكَ) أَيْ فِيمَنْ خَلْفَهُ وَكَذَا أَمَامَهُ، وَالْمُنْفَرِدُ كَالْمَأْمُومِ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (فَيَنْوِيهِ مِنْهُمْ إلَخْ) وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنْ تَأَخُّرِ تَسْلِيمَتَيْ الْمَأْمُومِ عَنْ تَسْلِيمَتَيْ الْإِمَامِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مُصَلٍّ يَنْوِي السَّلَامَ عَلَى مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَيَنْوِي الرَّدَّ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ مِمَّنْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ أَوْ خَلْفَهُ أَوْ أَمَامَهُ. قَوْلُهُ: (حَدِيثُ عَلِيٍّ إلَخْ) هُوَ فِي السَّلَامِ وَلَوْ فِي غَيْرِ الْمُقْتَدِينَ، وَشَامِلٌ لِلْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ. وَعَطْفُ الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ مُرَادِفٌ أَوْ خَاصٌّ لِشُمُولِ مَا قَبْلَهُ لِلْمُنَافِقِينَ لِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ ظَاهِرًا. قَوْلُهُ: (وَحَدِيثُ سَمُرَةَ) هُوَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَكَانَ الْأَنْسَبُ لِلشَّارِحِ ذِكْرَهُ. قَوْلُهُ: (أَنْ نَتَحَابَّ وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ) هُوَ مِنْ عَطْفِ السَّبَبِ أَوْ الْمُرَادِفِ أَوْ الْمُغَايِرِ بِحَمْلِ الْمَحَبَّةِ عَلَى نَحْوِ عَدَمِ الْمُشَاحَنَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمُصَافَحَةُ الْمُصَلِّينَ خِلَافُ الْأَوْلَى مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا خَلْفَ الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: (أَنْ يَنْوِيَ إلَى آخِرِهِ) أَيْ مُقَارِئًا لِلسَّلَامِ أَوْ لِبَعْضِهِ، فَإِنْ نَوَى الْخُرُوجَ قَبْلَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَصَرِيحُ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَصْدُ السَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ صَارِفٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ قَصْدُ الْأَرْكَانِ مَعَهُ، فَلِذَلِكَ مَالَ بَعْضُهُمْ إلَى الِاشْتِرَاطِ، وَإِنَّمَا سَكَتُوا عَنْهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْوَجْهُ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ هُنَا وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ مَوْضُوعَ السَّلَامِ لِلتَّحَلُّلِ مِنْ الصَّلَاةِ فَنِيَّةُ غَيْرِهِ لَا تُخْرِجُهُ عَنْهُ إلَّا إنْ تَمَحَّضَتْ لِغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ بِوُجُوبِ نِيَّةِ الْخُرُوجِ مَعَهُ وَإِلَى هَذَا مَالَ شَيْخُنَا. [حاشية عميرة] (فَائِدَةٌ): يُسَنُّ أَنْ يَفْصِلَ إحْدَى التَّسْلِيمَتَيْنِ عَنْ الْأُخْرَى. قَوْلُهُ: (وَالْمُنْفَرِدُ إلَخْ) هَذَا قَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ سُنَّةِ الْعَصْرِ الْآتِي، وَلَعَلَّ الشَّارِحَ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ كَذَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا قَوْلُ الْمَتْنِ: (الثَّالِثَ عَشَرَ تَرْتِيبُ الْأَرْكَانِ إلَى آخِرِهِ) لِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، وَلِأَنَّهُ الْوَارِدُ مَعَ قَوْلِهِ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَجَعْلُ التَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ شَرْطَيْنِ أَظْهَرُ مِنْ جَعْلِهِمَا رُكْنَيْنِ وَصُوَرُ تَرْكِ الْمُوَالَاةِ بِتَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (الْأَرْكَانِ) أَمَّا السُّنَنُ فَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهَا رُكْنٌ
[ ١ / ١٩٣ ]
الْمُشْتَمِلِ عَلَى وُجُوبِ قَرْنِ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَحَلَّهُ الْقِيَامُ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَنَّ قُعُودَ التَّشَهُّدِ مُقَارِنٌ لَهُ، فَالتَّرْتِيبُ الْمُرَادُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ وَعَدُّهُ مِنْ الْأَرْكَانِ بِمَعْنَى الْفُرُوضِ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ صَحِيحٌ، وَبِمَعْنَى الْإِجْزَاءِ فِيهِ تَغْلِيبٌ.
(فَإِنْ تَرَكَهُ) أَيْ التَّرْتِيبَ (عَمْدًا) بِتَقْدِيمِ رُكْنٍ فِعْلِيٍّ (بِأَنْ سَجَدَ قَبْلَ رُكُوعِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِتَلَاعُبِهِ بِخِلَافِ تَقْدِيمِ الْقَوْلِيِّ كَأَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - قَبْلَ التَّشَهُّدِ فَيُعِيدُهَا بَعْدَهُ.
(وَإِنْ سَهَا) فِي التَّرْتِيبِ بِتَرْكِ بَعْضِ الْأَرْكَانِ (فَمَا) فَعَلَهُ (بَعْدَ الْمَتْرُوكِ لَغْوٌ) لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ. (فَإِنْ تَذَكَّرَ) الْمَتْرُوكَ (قَبْلَ بُلُوغِ مِثْلِهِ. فَعَلَهُ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ حَتَّى فَعَلَ مِثْلَهُ فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى (تَمَّتْ بِهِ) أَيْ بِمِثْلِهِ الْمَفْعُولِ (رَكْعَتُهُ) الْمَتْرُوكُ آخِرُهَا لِوُقُوعِهِ فِي مَحَلِّهِ (وَتَدَارَكَ الْبَاقِي) مِنْ الصَّلَاةِ وَيَسْجُدُ فِي آخِرِهَا لِلسَّهْوِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ.
(فَلَوْ تَيَقَّنَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ) الرَّكْعَةِ (الْأَخِيرَةِ سَجَدَهَا وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ) لِوُقُوعِهِ قَبْلَ مَحَلِّهِ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ
_________________
(١) [حاشية قليوبي] (تَنْبِيهٌ): هَلْ يَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمُصَلِّي الرَّدُّ لِسَلَامِ الْمُصَلِّي عَلَيْهِ الْوَجْهُ. نَعَمْ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ قَصَدَهُ بِهِ. قَوْلُهُ: (تَرْتِيبُ الْأَرْكَانِ) خَرَجَ بِهَا السُّنَنُ مَعَ بَعْضِهَا أَوْ مَعَ الْأَرْكَانِ، فَتَرْتِيبُهَا شَرْطٌ لِلِاعْتِدَادِ بِهَا مِنْ حَيْثُ حُصُولُ ثَوَابِهَا وَسَكَتَ عَنْ مُوَالَاةِ الصَّلَاةِ، وَالْوَجْهُ فِيهَا أَنْ يُقَالَ: إنْ فُسِّرَتْ بِعَدَمِ تَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ، أَوْ بِطُولِ الْفَصْلِ بَعْدَ السَّلَامِ نَاسِيًا فَهُوَ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ وَإِلَّا فَلَا. قَوْلُهُ: (وَمَعْلُومٌ) أَيْ فَلَا يَضُرُّ عَدَمُ تَقَدُّمِهِ فِي الْأَرْكَانِ السَّابِقَةِ. قَوْلُهُ: (التَّشَهُّدِ) الْمُشْتَمِلِ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -. قَوْلُهُ: (فِيمَا عَدَا ذَلِكَ) فِيهِ نَظَرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْقِيَامِ مَعَ الْقِرَاءَةِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الشَّارِحَ يَرَى أَنَّ الْقِيَامَ يَحْصُلُ بِجُزْءٍ مِمَّا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (وَعَدُّهُ إلَخْ) هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ بِمَعْنَى الْمُتَرَتِّبِ الَّذِي هُوَ الْهَيْئَةُ الْحَاصِلَةُ لِلشَّيْءِ الْمُرَتَّبِ، وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ الْأَفْعَالِ لِأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَرْتَبَتِهِ. قَوْلُهُ: (صَحِيحٌ) أَيْ حَقِيقَةٌ، وَإِلَّا فَهُوَ صَحِيحٌ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ: (رُكْنٍ فِعْلِيٍّ) أَيْ عَلَى فِعْلِيٍّ آخَرَ وَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِمْ: أَوْ عَلَى قَوْلِيٍّ لِيَدْخُلَ تَقْدِيمُ الرُّكُوعِ عَلَى الْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُ مُبْطِلٌ، لِأَنَّ الْبُطْلَانَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْقِيَامِ الَّذِي هُوَ فِعْلِيٌّ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُتَصَوَّرُ تَقْدِيمُ فِعْلِيٍّ عَلَى قَوْلِيٍّ مَحْضٍ وَلَا عَكْسُهُ، وَلَا فِعْلِيٍّ عَلَى مِثْلِهِ كَذَلِكَ، وَلَا قَوْلِيٍّ عَلَى قَوْلِيٍّ كَذَلِكَ، وَالْجَوَابُ بِمَا قِيلَ: إنَّ الرُّكْنَ الْفِعْلِيَّ فِي الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ هُوَ مَا سَبَقَ عَلَى الْقَوْلِيِّ مَرْدُودٌ بِأَنَّ مَحَلَّ الْقَوْلِ مِنْهُ اتِّفَاقًا، وَلِذَلِكَ عَدُّوهُ رُكْنًا طَوِيلًا، وَيَلْزَمُ أَنَّ الْفَاتِحَةَ لَيْسَتْ فِي الْقِيَامِ أَوْ أَنَّهَا فِي قِيَامٍ آخَرَ وَكُلٌّ بَاطِلٌ، أَوْ بِمَا قِيلَ: إنَّ الْمَنْظُورَ إلَيْهِ فِي مَحَلِّ الْقَوْلِيَّةِ هُوَ الْأَقْوَالُ وَالْفِعْلُ تَابِعٌ لَهَا لِعَدَمِ تَصَوُّرِ وُجُودِهَا بِدُونِهِ مَرْدُودٌ أَيْضًا بِعَدَمِ سُقُوطِ الْفِعْلِ بِسُقُوطِ الْأَقْوَالِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا، وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْفِعْلَ الْمُقَدَّمَ عَلَى مَحَلِّهِ يَخْرُجُ عَنْ الرُّكْنِيَّةِ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِهِمْ: فَمَا بَعْدَ الْمَتْرُوكِ لَغْوٌ، وَلِذَلِكَ تَجِبُ إعَادَتُهُ وَلَا نَظَرَ إلَى قَصْدِهِ وَلَا إلَى صُورَتِهِ الَّتِي سَمَّوْهُ رُكْنًا لِأَجْلِهَا، وَلَا يُتَصَوَّرُ تَقْدِيمُ رُكْنٍ عَلَى مَحَلِّهِ مَعَ بَقَاءِ رُكْنِيَّتِهِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا جَاءَ الْبُطْلَانُ مِنْ جِهَةِ الْخَلَلِ بِتَرْكِ الرُّكْنِ الْمُتَقَدِّمِ، وَكَانَ حَقُّهُ الْبُطْلَانَ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا اخْتَصَّ الْبُطْلَانُ بِالْفِعْلَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ لِوُجُودِ انْخِرَامِ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ فِيهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا، فَتَأَمَّلْ هَذَا وَارْجِعْ إلَيْهِ وَعُضَّ عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ فَإِنَّك لَا تَعْثِرُ عَلَى مِثْلِهِ فِي مُؤَلَّفٍ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَالْمُلْهِمُ. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ تَقْدِيمِ الْقَوْلِيِّ) عَلَى مِثْلِهِ أَوْ عَلَى فِعْلِيٍّ كَالتَّشَهُّدِ قَبْلَ السُّجُودِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِحَسَبِ الصُّورَةِ لِخُرُوجِهَا عَنْ الرُّكْنِيَّةِ كَمَا مَرَّ، وَالْبُطْلَانُ بِتَقْدِيمِ السَّلَامِ عَلَى مَحَلِّهِ لِلْخُرُوجِ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ لَا مِنْ جِهَةِ الرُّكْنِيَّةِ. قَوْلُهُ: (فَيُعِيدُهَا بَعْدَهُ) أَيْ وُجُوبًا وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهَا لِخُرُوجِهَا عَنْ الرُّكْنِيَّةِ كَالْقُعُودِ لَهَا، لِأَنَّ الِاعْتِدَادَ بِهِ تَابِعٌ لِلِاعْتِدَادِ بِهَا، فَلَيْسَ فِيهَا تَرْكُ فِعْلٍ مُخْلٍ بَلْ، وَلَا تَقْدِيمُ فِعْلٍ عَلَى مِثْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَذَكَّرَ الْمَتْرُوكَ) أَيْ عَلِمَ بِتَرْكِهِ أَوْ شَكَّ فِيهِ. قَوْلُهُ: (فَعَلَهُ) أَيْ وُجُوبًا فَوْرًا فَلَوْ مَكَثَ لِيَتَذَكَّرَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إلَّا فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَيُعْذَرُ الْمَأْمُومُ تَبَعًا لِإِمَامِهِ فَيَتَدَارَكُ بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (الْمَتْرُوكُ آخِرُهَا) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْمَتْرُوكِ لَغْوٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ فَالْآخِرُ مَتْرُوكٌ أَبَدًا، وَخَرَجَ بِرَكْعَةٍ أُخْرَى فِعْلُ مِثْلِهِ فِي رَكْعَةٍ، كَقِرَاءَةٍ فِي نَحْوِ سُجُودٍ لِمَنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْقِيَامِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهَا، وَلَا يَقُومُ سُجُودُ التِّلَاوَةِ مَقَامَ سُجُودِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا، وَبِذَلِكَ فَارَقَ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ حَيْثُ تَقُومُ مَقَامَ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. قَوْلُهُ: (فِي آخِرِ صَلَاتِهِ) أَوْ بَعْدَهَا، وَقَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ وَإِنْ مَشَى قَلِيلًا عُرْفًا أَوْ تَكَلَّمَ كَذَلِكَ أَوْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ، وَكَذَا لَوْ وَطِئَ [حاشية عميرة] أَوْ شَرْطٌ فِي الِاعْتِدَادِ بِهَا لَا فِي الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: (وَمَعْلُومٌ) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي عِدَّةِ السَّابِقِ بِخِلَافِ قَرْنِ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (تَمَّتْ بِهِ) الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ إلَى الْمِثْلِ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلَ بُلُوغِ مِثْلِهِ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: أَيْ بِمِثْلِهِ الْمَفْعُولُ. قَوْلُهُ: (الْمَتْرُوكُ آخِرُهَا) إنَّمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَمَّتْ بِهِ رَكْعَتُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَتْرُوكُ مِنْ أَثْنَائِهَا قَامَ الْمَأْتِيُّ بِهِ مَقَامَ ذَلِكَ
[ ١ / ١٩٤ ]
(أَوْ مِنْ غَيْرِهَا لَزِمَهُ رَكْعَةٌ) لِأَنَّ النَّاقِصَةَ كَمُلَتْ بِسَجْدَةٍ مِنْ الَّتِي بَعْدَهَا وَلَغَا بَاقِيهَا. (وَكَذَا إنْ شَكَّ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْأَخِيرَةِ وَغَيْرِهَا أَيْ فِي أَيَّتِهِمَا الْمَتْرُوكُ مِنْهَا السَّجْدَةُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ رَكْعَةٌ أَخْذًا بِالْأَحْوَطِ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي الصُّورَتَيْنِ.
(وَإِنْ عَلِمَ فِي قِيَامِ ثَانِيَةٍ تَرْكَ سَجْدَةٍ) مِنْ الْأُولَى (فَإِنْ كَانَ جَلَسَ بَعْدَ سَجْدَتِهِ) الَّتِي فَعَلَهَا (سَجَدَ) مِنْ قِيَامِهِ اكْتِفَاءً بِجُلُوسِهِ، سَوَاءٌ نَوَى بِهِ الِاسْتِرَاحَةَ أَمْ لَا. (وَقِيلَ إنْ جَلَسَ بِنِيَّةِ الِاسْتِرَاحَةِ لَمْ يَكْفِهِ) لِقَصْدِهِ سُنَّةً (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَلَسَ بَعْدَ سَجْدَتِهِ (فَلْيَجْلِسْ مُطْمَئِنًّا ثُمَّ يَسْجُدْ، وَقِيلَ يَسْجُدْ فَقَطْ) اكْتِفَاءً بِالْقِيَامِ عَنْ الْجُلُوسِ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهِ الْفَصْلُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِالْقِيَامِ، وَيَسْجُدُ فِي الصُّورَتَيْنِ لِلسَّهْوِ.
(وَإِنْ عَلِمَ فِي آخِرِ رُبَاعِيَّةٍ تَرْكَ سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ جَهِلَ مَوْضِعَهَا) أَيْ الْخَمْسِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. (وَجَبَ رَكْعَتَانِ) أَخْذًا بِالْأَسْوَأِ، وَهُوَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى تَرْكُ سَجْدَةٍ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَسَجْدَةٍ مِنْ الثَّالِثَةِ فَيَنْجَبِرَانِ بِالثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ، وَيَلْغُو بَاقِيهِمَا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مَا ذُكِرَ وَتَرْكَ سَجْدَةٍ مِنْ رَكْعَةٍ أُخْرَى (أَوْ أَرْبَعٍ) جَهِلَ مَوْضِعَهَا (فَسَجْدَةٌ
_________________
(١) [حاشية قليوبي] نَجَاسَةً غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا عِنْدَ شَيْخِنَا وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ. قَوْلُهُ: (وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ) أَيْ وَيُحْسَبُ جُلُوسُهُ عَنْ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَلَوْ بِقَصْدِ التَّشَهُّدِ، لِأَنَّهُ مِنْ الصَّلَاةِ، وَمِثْلُهُ جُلُوسُ مَنْ يُصَلِّي مِنْ قُعُودٍ بِقَصْدِ الْقِيَامِ، وَكَذَا هَوَى مَنْ نَسِيَ الرُّكُوعَ فَيَقُومُ عِنْدَ تَذَكُّرِهِ رَاكِعًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِانْتِصَابِهِ فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَإِنْ تَبِعَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ وَغَيْرُهُ بِوُجُوبِ انْتِصَابِهِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، إلَّا أَنْ حُمِلَ عَلَى هَوَى لَيْسَ فِي صُورَةِ هُوِيِّ الرُّكُوعِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (إنْ شَكَّ) أَيْ تَرَدَّدَ رَاجِحِيَّةٌ أَوْ مَرْجُوحِيَّةٌ. قَوْلُهُ: (أَيْ فِي أَيَّتِهِمَا إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ تَرْكَ السَّجْدَةِ مُتَيَقَّنٌ، وَإِنَّمَا التَّرَدُّدُ فِي مَحَلِّهَا وَهَذَا لِمُرَاعَاةِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَلَا يَتَقَيَّدُ الْحُكْمُ بِهِ بَلْ الشَّكُّ فِي فِعْلِهَا كَذَلِكَ، وَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَرْكَانِ نَعَمْ الشَّكُّ فِي النِّيَّةِ أَوْ التَّكْبِيرَةِ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ خِلَافًا لِجُمَعٍ. قَوْلُهُ: (لِقَصْدِهِ سُنَّةً) تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ قَوْلُهُ: (وَإِنْ عَلِمَ) وَالشَّكُّ مِثْلُهُ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (سَجَدَ مِنْ قِيَامِهِ) أَيْ نَزَلَ سَاجِدًا، فَإِنْ نَزَلَ جَالِسًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. قَوْلُهُ: (اكْتِفَاءً بِالْقِيَامِ) وَرَدَّ بِأَنَّهُ لَاغٍ وَلَيْسَ عَلَى صُورَةِ مَا طُلِبَ فِي مَوْضِعِهِ. قَوْلُهُ: (رُبَاعِيَّةٍ) نِسْبَةٌ إلَى رُبَاعَ الْمَعْدُولِ عَنْ أَرْبَعٍ. قَوْلُهُ: (وَيَلْغُو بَاقِيهِمَا) مِمَّا بَيْنَ الْمَتْرُوكِ وَالْمَحْسُوبِ. قَوْلُهُ: (أَخْذًا بِالْأَسْوَاءِ) أَيْ بِمَا فِيهِ اللُّزُومُ أَكْثَرُ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، وَمُقَابِلُهُ فِي الْأُولَى لُزُومُ رَكْعَةٍ فَقَطْ بِكَوْنِ السَّجْدَتَيْنِ مِنْ رَكْعَةٍ فَقَطْ أَوْ مِنْ رَكْعَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ. قَوْلُهُ: (فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ) عَلَى الْأَخْذِ بِالْأَسْوَأِ، وَمُقَابِلُهُ لُزُومُ رَكْعَةٍ وَسَجْدَةٍ فَقَطْ بِجَعْلِ الْمَتْرُوكِ سَجْدَتَيْنِ مِنْ رَكْعَةٍ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ، وَسَجْدَةً عَنْ الْأَخِيرَةِ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ: وَالصَّوَابُ فِي هَذِهِ لُزُومُ سَجْدَةٍ وَرَكْعَتَيْنِ، لِأَنَّ الْأَسْوَأَ فِيهَا تَرْكُ أُولَى الْأُولَى، وَثَانِيَةِ الثَّانِيَةِ، وَوَاحِدَةٍ مِنْ الرَّابِعَةِ، وَفِي الْأَرْبَعِ لُزُومُ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ بِجَعْلِ الْمَتْرُوكِ مِثْلَ مَا ذَكَرَ فِي أُولَى الصُّورَةِ السَّابِقَةِ مَعَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ الثَّالِثَةِ، وَفِي السِّتِّ لُزُومُ سَجْدَتَيْنِ وَثَلَاثِ رَكَعَاتٍ بِجَعْلِ الْمَتْرُوكِ مَا ذُكِرَ مَعَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ الرَّابِعَةِ وَهَذَا التَّقْدِيرُ لَا مَحِيصَ عَنْهُ، فَإِنْ قِيلَ: هَذَا فِيهِ تَرْكُ شَيْءٍ آخَرَ وَهُوَ [حاشية عميرة] الْمَتْرُوكِ، ثُمَّ يُكْمِلُهَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ تَمَّتْ بِهِ رَكْعَتُهُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ مِنْ غَيْرِهَا) أَيْ سَوَاءٌ عَلِمَ عَيْنَهَا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ قَوْلُ الْمَتْنِ: (رُبَاعِيَّةٍ) هُوَ نِسْبَةٌ إلَى (رُبَاعَ) الْمَعْدُولِ عَنْ (أَرْبَعٍ) . قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَجَبَ رَكْعَتَانِ) . قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الصَّوَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ رَكْعَتَانِ وَسَجْدَةٌ لِأَنَّ الْأَسْوَأَ تَرْكُ السَّجْدَةِ الْأُولَى مِنْ الْأُولَى، وَالثَّانِيَةِ مِنْ الثَّانِيَةِ، وَوَاحِدَةٍ مِنْ الرَّابِعَةِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ إذَا قَدَّرْنَا تَرْكَ السَّجْدَةِ الْأُولَى وَبُطْلَانَ السُّجُودِ الَّذِي بَعْدَهَا فَلَا يَكُونُ الْمَتْرُوكُ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ فَقَطْ، قُلْنَا: هَذَا خَيَالٌ فَاسِدٌ فَإِنَّ الْمَعْدُودَ تَرْكُهُ إنَّمَا هُوَ الْمَتْرُوكُ حِسًّا لَا الْمَأْتِيُّ بِهِ حِسًّا الْبَاطِلُ شَرْعًا لِسُلُوكِ أَسْوَأِ التَّقَادِيرِ، إذْ لَوْ قُلْنَا بِهَذَا اللُّزُومِ فِي كُلِّ صُورَةٍ، وَحِينَئِذٍ فَيَسْتَحِيلُ قَوْلُهُمْ لَوْ تَرَكَ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ أَوْ أَرْبَعًا لِأَنَّا إذَا جَعَلْنَا الْمَتْرُوكَ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى هُوَ السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ كَمَا سَلَكَ الْأَصْحَابُ، فَيَكُونُ قِيَامُ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَرُكُوعُهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا عَدَا السُّجُودَ بَاطِلًا، وَهَكَذَا فِي غَيْرِهَا، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ الْمَتْرُوكُ هُوَ السُّجُودُ فَقَطْ بَلْ أَنْوَاعًا مِنْ الْأَرْكَانِ. قَالَ: وَإِنَّمَا تَرَكْت هَذَا الْخَيَالَ وَإِنْ كَانَ وَاضِحَ الْبُطْلَانِ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْتَلِجُ فِي صَدْرِ مَنْ لَا حَاصِلَ لَهُ وَإِلَّا فَمِنْ حَقِّ هَذَا السُّؤَالِ السَّخِيفِ أَنْ لَا يُدَوَّنَ فِي تَصْنِيفٍ، وَمُقْتَضَى إشْكَالِهِ هَذَا أَنْ يَلْزَمَ فِي الْأَرْبَعِ كَالْخَمْسِ ثَلَاثٌ وَفِي السَّبْعِ كَالسِّتِّ ثَلَاثٌ بَعْدَ سَجْدَةٍ بِأَنْ يُقَدَّرَ فِي الْأَرْبَعِ تَرْكُ أُولَى الْأُولَى وَثَانِيَةِ الثَّانِيَةِ وَثِنْتَيْنِ مِنْ الثَّالِثَةِ، وَفِي السِّتِّ يُقَدَّرُ الْخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ مِنْ الرَّابِعَةِ فَيَأْتِي بِسَجْدَةٍ ثُمَّ ثَلَاثٍ، وَأَصْلُ هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ لِابْنِ الْخُطَبَاءِ فِي كِتَابٍ لَهُ عَلَى التَّنْبِيهِ ذَكَرَهُ فِي
[ ١ / ١٩٥ ]
ثُمَّ رَكْعَتَانِ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَسَجْدَةً مِنْ الثَّانِيَةِ وَسَجْدَةً مِنْ الرَّابِعَةِ فَتَلْغُو الْأُولَى وَتَكْمُلُ الثَّانِيَةُ بِالثَّالِثَةِ: (أَوْ خَمْسٌ أَوْ سِتٌّ) جَهِلَ مَوْضِعَهَا. (فَثَلَاثٌ) أَيْ فَيَجِبُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ فِي الْخَمْسِ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ الْأُولَى وَسَجْدَتَيْنِ مِنْ الثَّانِيَةِ وَسَجْدَةً مِنْ الثَّالِثَةِ فَتَكْمُلُ بِالرَّابِعَةِ، وَأَنَّهُ فِي السِّتِّ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ كُلٍّ مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ. (أَوْ سَبْعٌ) جَهِلَ مَوْضِعَهَا (فَسَجْدَةٌ ثُمَّ ثَلَاثٌ) أَيْ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لِأَنَّ الْحَاصِلَ لَهُ رَكْعَةٌ إلَّا سَجْدَةً وَفِي ثَمَانِ سَجَدَاتٍ يَلْزَمُهُ سَجْدَتَانِ وَثَلَاثُ رَكَعَاتٍ وَيُتَصَوَّرُ بِتَرْكِ طُمَأْنِينَةٍ أَوْ سُجُودٍ عَلَى عِمَامَةٍ وَفِي الصُّوَرِ السَّبْعِ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ.
(قُلْت: يُسَنُّ إدَامَةُ نَظَرِهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ) لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الْخُشُوعِ (وَقِيلَ يُكْرَهُ تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ) لِفِعْلِ الْيَهُودِ لَهُ (وَعِنْدِي لَا
_________________
(١) [حاشية قليوبي] الْجُلُوسُ، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ فِي تَرْكِ السَّجَدَاتِ فَقَطْ قُلْنَا: هَذَا خَيَالٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْمَأْتِيَّ بِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ شَرْعًا كَالْمَتْرُوكِ حِسًّا لِسُلُوكِ أَسْوَأِ التَّقَادِيرِ انْتَهَى كَلَامُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُحْسَبَ الْجُلُوسُ مَعَ عَدَمِ سُجُودٍ قَبْلَهُ، وَقَدْ عَلِمْت بِهَذَا رَدَّ مَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ كَمَا يَأْتِي، وَإِنْ تَبِعَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِهِ وَمَا قِيلَ فِي رَدِّ ذَلِكَ الِاعْتِرَاضِ بِتَصْوِيرِ الْأَصْحَابِ الْمَسْأَلَةَ بِمَا لَوْ سَجَدَ عَلَى كُورِ عِمَامَتِهِ لَا يُجْدِي نَفْعًا، وَمَا قِيلَ إنَّ الْإِسْنَوِيَّ ذَكَرَ الِاعْتِرَاضَ وَرَدَّهُ فَغَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَلَعَلَّهُ مُتَقَوَّلٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ التَّاجِ السُّبْكِيُّ فِي التَّوْشِيحِ مَا يُوَافِقُ كَلَامَ الْإِسْنَوِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ نَظْمًا هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: وَتَارِكُ ثَلَاثِ سَجَدَاتٍ ذُكِرْ وَسَطَ الصَّلَاةِ تَرَكَهَا فَقَدْ أُمِرْ بِحَمْلِهَا عَلَى خِلَافِ الثَّانِي عَلَيْهِ سَجْدَةٌ وَرَكْعَتَانِ وَأَهْمَلَ الْأَصْحَابُ ذِكْرَ السَّجْدَهْ وَأَنْتَ فَانْظُرْ تَلْقَ ذَاكَ عُدَّهْ وَلَمَّا رَآهُ وَالِدُهُ السُّبْكِيُّ كَتَبَ عَلَيْهِ جَوَابًا مِنْ رَأْسِ الْقَلَمِ بِقَوْلِهِ: لَكِنَّهُ مَعَ حُسْنِهِ لَا يُرَدّْ إذْ الْكَلَامُ فِي الَّذِي لَا يُعْقَدْ إلَّا السُّجُودَ فَإِذَا مَا انْضَمَّ لَهْ تَرْكُ الْجُلُوسِ فَلْيُعَامَلْ عَمَلَهْ وَإِنَّمَا السَّجْدَةُ لِلْجُلُوسْ وَذَاكَ مِثْلُ الْوَاضِحِ الْمَحْسُوسْ وَقَدْ عَلِمْت رَدَّهُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ فِيمَا مَرَّ فَتَأَمَّلْ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَالْهَادِي. قَوْلُهُ: (مِنْ رَكْعَةٍ أُخْرَى) يَعْنِي الثَّانِيَةَ أَوْ الرَّابِعَةَ. قَوْلُهُ: (جَهِلَ مَوْضِعَهَا) فِي الْجَمِيعِ، فَإِنْ عَلِمَ مَحَلَّهَا فَهُوَ وَاضِحٌ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (فَتَلْغُو الْأُولَى) فِيهِ تَسَامُحٌ وَالْمُرَادُ مَا بَعْدَ الْمَتْرُوكِ مِنْهَا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي، وَلَوْ قَالَ: فَتَكْمُلُ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ لَكَانَ أَوْلَى، وَمُقَابِلُ الْأَسْوَأِ فِي هَذِهِ لُزُومُ رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ بِجَعْلِ الْمَتْرُوكِ سَجْدَتَيْنِ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ. قَوْلُهُ: (فَتَكْمُلُ) أَيْ الثَّالِثَةُ لَوْ قَالَ: فَتَكْمُلُ الْأُولَى بِالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ لَكَانَ أَوْلَى، بَلْ كَانَ صَوَابًا وَمُقَابِلُ الْأَسْوَأِ فِي هَذِهِ لُزُومُ سَجْدَةٍ وَرَكْعَتَيْنِ، بِجَعْلِ السَّجْدَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ. قَوْلُهُ: (وَأَنَّهُ فِي السِّتِّ إلَخْ) وَمُقَابِلُ هَذَا لُزُومُ سَجْدَتَيْنِ وَرَكْعَتَيْنِ بِجَعْلِ الْمَتْرُوكِ سَجْدَتَيْنِ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ غَيْرِ الثَّالِثَةِ. قَوْلُهُ: (وَفِي الصُّوَرِ السَّبْعِ) وَهِيَ تَرْكُ سَجْدَتَيْنِ وَمَا بَعْدَهَا، وَلَا لِحَاجَةٍ لِجَهْلِ الْمَحَلِّ فِي السَّبْعِ وَلَا فِي الثَّمَانِ وَتَصْوِيرُ بَعْضِهِمْ لَهُ بِمَنْ أَدْرَكَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ آخِرِ صَلَاةِ الْإِمَامِ صَحِيحٌ لَكِنْ لَا مَفْهُومَ لَهُ. قَوْلُهُ: (وَيُتَصَوَّرُ) أَيْ التَّرْكُ لَا بِقَيْدِ الْجَهْلِ كَمَا عُلِمَ. قَوْلُهُ: (إدَامَةُ نَظَرِهِ) وَلَوْ بِالْقُوَّةِ كَالْأَعْمَى وَالْعَاجِزِ وَمَنْ فِي ظُلْمَةٍ أَوْ عَلَى جِنَازَةٍ، وَكَذَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ نَبِيٍّ أَوْ عِنْدَ الْكَعْبَةِ أَوْ فِيهَا. نَعَمْ يُنْدَبُ النَّظَرُ إلَى جِهَةِ الْعَدُوِّ فِي الْخَوْفِ وَإِلَى مُسَبِّحَتِهِ وَلَوْ مَسْتُورَةً عِنْدَ رَفْعِهَا فِي التَّشَهُّدِ إلَى قِيَامِهِ أَوْ سَلَامِهِ، وَلَوْ كَانَ فِي مَحَلِّ سُجُودٍ مَا يُلْهِي كَتَزْوِيقٍ أَوْ صُوَرٍ لَمْ يُسَنَّ النَّظَرُ إلَيْهِ، وَيُسَنُّ النَّظَرُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّحَرُّمِ وَإِزَالَةِ مَا فِيهِ وَكَنْسِهِ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ، وَرُبَّمَا يُشْعِرُ بِهِ التَّعْبِيرُ بِالْإِدَامَةِ. قَوْلُهُ: (لِفِعْلِ الْيَهُودِ) أَيْ لِأَنَّهُ شِعَارُهُمْ كَمَا قَالَهُ الْعَبْدَرِيُّ مِنْ أَئِمَّتِنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. قَوْلُهُ: (وَعِنْدِي [حاشية عميرة] مَسْأَلَةِ الثَّلَاثِ فَتَبِعَهُ غَيْرُهُ كَابْنِ الْمُقْرِي. قَوْلُهُ: (فَتَلْغُو الْأُولَى) يَنْبَغِي أَنْ تُكْمِلَ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَيَلْغُو بَاقِيهِمَا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (يُسَنُّ إدَامَةُ نَظَرِهِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ تُجَاهَ الْكَعْبَةِ، وَقَوْلُهُ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الْخُشُوعِ أَيْ مِنْ حَيْثُ جَمْعُ النَّظَرِ فِي مَكَان وَاحِدٍ، وَمَوْضِعُ السُّجُودِ أَشْرَفُ وَأَسْهَلُ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ قَضِيَّةُ الْإِطْلَاقِ جَرَيَانُ ذَلِكَ فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ. نَعَمْ اسْتَثْنَوْا حَالَةَ التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ لِلْمُسَبِّحَةِ وَقَوْلُ الْمَتْنِ نَظَرِهِ أَيْ وَلَوْ فِي ظُلْمَةٍ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (قِيلَ يُكْرَهُ تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ) قَائِلُهُ
[ ١ / ١٩٦ ]
يُكْرَهُ إنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا) إذْ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ.
(وَ) يُسَنُّ (الْخُشُوعُ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] (وَتَدَبُّرُ الْقِرَاءَةِ) أَيْ تَأَمُّلُهَا قَالَ تَعَالَى ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] (وَالذِّكْرِ) قِيَاسًا عَلَى الْقِرَاءَةِ (وَدُخُولُ الصَّلَاةِ بِنَشَاطٍ) لِلذَّمِّ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢] (وَفَرَاغِ قَلْبٍ) مِنْ الشَّوَاغِلِ لِأَنَّهَا تُشَوِّشُ الصَّلَاةَ (وَجَعْلُ يَدَيْهِ تَحْتَ صَدْرِهِ آخِذًا بِيَمِينِهِ يَسَارَهُ) مُخَيَّرًا بَيْنَ بَسْطِ أَصَابِعِ الْيَمِينِ فِي عَرْضِ الْمَفْصِلِ وَبَيْنَ نَشْرِهَا فِي صَوْبِ السَّاعِدِ. رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ وَائِلِ بْنِ حَجَرٍ «أَنَّهُ - ﷺ - رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى» زَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَلَى صَدْرِهِ أَيْ آخِرِهِ فَيَكُونُ آخِرُ إلَيْهِ تَحْتَهُ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ وَالسِّينُ فِي الرُّسْغِ أَفْصَحُ، وَهُوَ الْمَفْصِلُ بَيْنَ الْكَفِّ وَالسَّاعِدِ (وَالدُّعَاءُ فِي سُجُودِهِ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا
_________________
(١) [حاشية قليوبي] لَا يُكْرَهُ) أَيْ فَيُبَاحُ. نَعَمْ يُنْدَبُ إنْ حَصَلَ بِهِ خُشُوعٌ أَوْ نَحْوُهُ مِمَّا يُطْلَبُ، وَيُكْرَهُ إنْ خَافَ بِهِ ضَرَرًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، بَلْ يَحْرُمُ إنْ ظَنَّ بِهِ الضَّرَرَ وَيُنْدَبُ فَتْحُ الْعَيْنَيْنِ فِي السُّجُودِ لِيَسْجُدَا مَعَهُ وَكَذَا فِي الرُّكُوعِ. قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ الْخُشُوعُ) أَيْ فِي دَوَامِ صَلَاتِهِ، وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَيْهِ فَيَكْتَفِي بِوُجُودِهِ فِي جُزْءٍ مِنْهَا وَهُوَ سُكُونُ الْجَوَارِحِ مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ، فَلَوْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ مَثَلًا كُرِهَ تَسْوِيَتُهُ إلَّا لِحَاجَةٍ كَمَا فِي الْأَحْيَاءِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ مَنْ خَشَعَ فِي صَلَاتِهِ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَخَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. قَوْلُهُ: (أَيْ تَأَمُّلُهَا) أَيْ بِمَعْرِفَةِ مَعَانِيهَا وَلَوْ إجْمَالًا، وَيُنْدَبُ لِلْمُصَلِّي وَغَيْرِهِ تَرْتِيلُهَا، لِمَا وَرَدَ أَنَّ حَرْفًا بِتَرْتِيلٍ كَحَرْفَيْنِ بِغَيْرِهِ ثَوَابًا، وَيُسَنُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَيْضًا سُؤَالُ الرَّحْمَةِ عِنْدَ آيَتِهَا، وَسُؤَالُ الْجَنَّةِ عِنْدَ آيَتِهَا، وَالِاسْتِعَاذَةُ مِنْ النَّارِ عِنْدَ آيَتِهَا، وَالتَّسْبِيحُ عِنْدَ آيَتِهِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - عِنْدَ آيَتِهِ، وَالتَّفَكُّرُ عِنْدَ آيَةٍ فِيهَا مَثَلٌ وَأَنْ يَقُولَ: بَلَى، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ الشَّاهِدِينَ عِنْدَ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] وَ﴿اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ عِنْدَ آخِرِ تَبَارَكَ وَآمَنْت بِاَللَّهِ عِنْدَ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ [المرسلات: ٥٠] وَلَا نَكْذِبُ بِآلَائِك يَا رَبِّ عِنْدَ ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] وَغَيْرُهَا وَلَا يَقْصِدُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ غَيْرَ الْقُرْآنِ أَوْ الذِّكْرِ وَحْدَهُ. قَوْلُهُ: (وَالذِّكْرِ) أَيْ تَدَبُّرُهُ بِمَعْرِفَةِ مَعَانِيهِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ إلَّا إنْ عَرَفَ مَعْنَاهُ وَلَوْ إجْمَالًا بِخِلَافِ الْقُرْآنِ لِلتَّعَبُّدِ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ: يُثَابُ مُطْلَقًا كَالْقُرْآنِ. قَوْلُهُ: (مِنْ الشَّوَاغِلِ) أَيْ وَلَوْ أُخْرَوِيَّةً أَوْ فِي مَسْأَلَةٍ فِقْهِيَّةٍ، وَهَذَا زِيَادَةٌ عَلَى حُضُورِ الْقَلْبِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْخُشُوعِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (وَجَعْلُ يَدَيْهِ) أَيْ بَعْدَ حَطِّهِمَا مِنْ التَّكْبِيرِ وَقَبْلَ إرْسَالِهِمَا، بَلْ قِيلَ بِكَرَاهَتِهِ وَيُنْدَبُ ذَلِكَ الْجَعْلُ فِي كُلِّ قِيَامٍ أَوْ بَدَلُهُ، وَلَوْ اضْطِجَاعًا إنْ تَيَسَّرَ. قَوْلُهُ: (تَحْتَ صَدْرِهِ) أَيْ بِحِذَاءِ قَلْبِهِ إشَارَةً إلَى حِفْظِ الْإِيمَانِ فِيهِ. قَوْلُهُ: (بِيَمِينِهِ) أَيْ بِكَفِّهَا أَوْ زَنْدِهَا لَوْ قُطِعَتْ. قَوْلُهُ: (مُخَيَّرٌ إلَخْ) أَيْ أَنَّ السُّنَّةَ تَحْصُلُ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَسَيَأْتِي الْأَفْضَلُ. قَوْلُهُ: (عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ) أَيْ قَابِضًا بَعْضَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَهَذَا أَفْضَلُ الْكَيْفِيَّاتِ أَوْ بِلَا قَبْضٍ وَهِيَ بَعْدَهَا فِي الْفَضِيلَةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُحْتَمِلٌ لَهُمَا وَمَا قَبْلَهُ أَعَمُّ مِنْهُمَا، وَلَوْ أَرْسَلَ يَدَيْهِ مِنْ غَيْرِ عَبَثٍ فَلَا بَأْسَ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقَبْضِ الْمَذْكُورِ عَدَمُ الْعَبَثِ بِهِمَا وَقَدْ وُجِدَ، وَالْمُرَادُ بِظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى بَعْضُ كُوعِهَا وَهُوَ الْعَظْمُ الَّذِي يَلِي إبْهَامَ الْيَدِ لَا رَأْسَ الزَّنْدِ كَمَا قِيلَ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْمَفْصِلُ إلَخْ) أَيْ لَا رَأْسُ عَظْمِ الْكُوعِ. قَوْلُهُ: (وَالدُّعَاءُ فِي سُجُودِهِ) أَيْ بِدِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ [حاشية عميرة] الْعَبْدَرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا. قَوْلُهُ: (لِفِعْلِ الْيَهُودِ لَهُ) وَلِأَنَّهُ خِلَافُ مَا تَقْتَضِيهِ الطَّبِيعَةُ مِنْ اسْتِرْسَالِ الْأَعْضَاءِ فَيَكُونُ مُتَكَلَّفًا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (إنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا) أَيْ مِنْ نَحْوِ عَدُوٍّ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْخُشُوعُ) هُوَ السُّكُونُ، وَفَسَّرَهُ الْإِمَامُ بِلِينِ الْقَلْبِ وَكَفِّ الْجَوَارِحِ، وَالْحَدِيثُ فِي شَخْصٍ عَبِثَ فِي صَلَاتِهِ بِلِحْيَتِهِ لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ، وَفِي الرَّافِعِيِّ وَجْهُ أَنَّهُ شَرْطٌ لَكِنْ فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ كَمَا قَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وَالْعَبَثُ مَكْرُوهٌ حَتَّى لَوْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ أَوْ طَرَفُ عِمَامَتِهِ كُرِهَ لَهُ تَسْوِيَتُهُ قَالَهُ فِي الْإِحْيَاءِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَتَدَبُّرُ الْقِرَاءَةِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُصَلِّي مِنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ سُؤَالُ الرَّحْمَةِ وَالتَّعَوُّذُ مِنْ الْعَذَابِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفَرَاغُ قَلْبٍ) قِيلَ: إذَا كَثُرَ حَدِيثُ النَّفْسِ أَبْطَلَ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ وَلَوْ تَفَكَّرَ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ فَلَا بَأْسَ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَجَعْلُ يَدَيْهِ) أَيْ فِي الْقِيَامِ وَبَدَلِهِ، وَكَذَا فِي الِاضْطِجَاعِ إنْ لَمْ يَشُقَّ. قَوْلُهُ: (مُخَيَّرًا إلَخْ) هُوَ مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْقَفَّالِ
[ ١ / ١٩٧ ]
الدُّعَاءِ أَيْ فِي سُجُودِكُمْ» .
(وَأَنْ يَعْتَمِدَ فِي قِيَامِهِ مِنْ السُّجُودِ وَالْقُعُودِ عَلَى يَدَيْهِ) أَيْ بَطْنِهِمَا عَلَى الْأَرْضِ لِأَنَّهُ أَعْوَنُ لَهُ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ فِي صِفَةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ قَامَ.
(وَتَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الْأَصَحِّ) لِلْإِتْبَاعِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَفِي الصُّبْحِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَيُقَاسُ غَيْرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَالثَّانِي لَا يُسَنُّ تَطْوِيلُهَا لِلْإِتْبَاعِ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَيُقَاسُ عَلَيْهِمَا غَيْرُهُمَا وَفِي تَطْوِيلِ الثَّالِثَةِ عَلَى الرَّابِعَةِ إذْ قُلْنَا يَقْرَأُ السُّورَةَ فِيهِمَا الْوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نَعَمْ قِيَاسًا عَلَى تَطْوِيلِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ، وَالثَّانِي لَا بَلْ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا لِلْإِتْبَاعِ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِمَا الْعِشَاءُ وَصَحَّحَ فِي الرَّوْضَةِ الْأَوَّلَ وَتَقْدِيمَ الْقِيَاسِ فِيهِ عَلَى النَّصِّ لِأَنَّ دَلِيلَ أَصْلِهِ وَهُوَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ النَّافِي لِقِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَدِيثِ إثْبَاتِهَا الْمَذْكُورِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَالذِّكْرُ بَعْدَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إذَا سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِي لِمَا مَنَعْت وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَقَالَ - ﷺ - «مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، ثُمَّ قَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَيُسَنُّ بَعْدَ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ أَيْضًا.
(وَأَنْ يَنْتَقِلَ لِلنَّفْلِ مِنْ مَوْضِعِ فَرْضِهِ) تَكْثِيرًا
_________________
(١) [حاشية قليوبي] إمَامًا لِمَحْصُورِينَ، أَوْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ طُولٌ وَإِلَّا فَلَا. قَوْلُهُ: (وَتَطْوِيلُ إلَخْ) أَيْ فِيمَا لَمْ يُطْلَبْ عَكْسُهُ فِيهِ، كَصَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ وَكَسَبِّحْ وَهَلْ أَتَاك. قَوْلُهُ: (رَوَاهُ الشَّيْخَانِ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ الْمُثْبِتُ لِلْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ دَلِيلَ أَصْلِهِ إلَخْ) أَيْ دَلِيلَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ الثَّابِتُ فِيهِ تَطْوِيلُ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ مُقَدَّمٌ، فَالْقَائِلُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ يَقُولُ بِتَطْوِيلِ الْأُولَى مِنْهُمَا عَلَى الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا قِيَاسًا عَلَى الْأَوِّلَتَيْنِ فَسَقَطَ بِذَلِكَ اعْتِرَاضُ بَعْضِهِمْ هُنَا. قَوْلُهُ: (كَمَا تَقَدَّمَ) أَيْ عِنْدَ قَوْلِهِمْ فِيمَا مَرَّ، وَتُسَنُّ سُورَةٌ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ إلَخْ. قَوْلُهُ: (وَالذِّكْرُ بَعْدَهَا) أَيْ عَقِبَهَا فَيَفُوتُ بِطُولِ الْفَصْلِ عُرْفًا وَبِالرَّاتِبَةِ إلَّا الْمَغْرِبَ لِرَفْعِهَا مَعَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَلَا يَفُوتُ ذِكْرٌ بِذِكْرٍ آخَرَ. وَقَالَ شَيْخُنَا إنَّ مَا وَرَدَ بِهِ أَمْرٌ مَخْصُوصٌ يَفُوتُ بِمُخَالَفَتِهِ كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَالْإِخْلَاصِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، قَبْلَ أَنْ يَثْنِيَ رِجْلَهُ وَيَفُوتُ بِانْثِنَاءِ رِجْلِهِ وَلَوْ بِجَعْلِ يَمِينِهِ لِلْقَوْمِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَا يَفُوتُ الذِّكْرُ بِطُولِ الْفَصْلِ وَلَا بِالرَّاتِبَةِ، وَإِنَّمَا الْفَائِتُ كَمَالُهُ فَقَطْ وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ طُولٌ عُرْفًا بِحَيْثُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهَا. قَوْلُهُ: (وَلَهُ الْحَمْدُ) وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ يُحْيِي وَيُمِيتُ. قَوْلُهُ: (لَا مَانِعَ إلَخْ) تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي رُكْنِ الِاعْتِدَالِ. قَوْلُهُ: (مَنْ سَبَّحَ إلَخْ) أَيْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُرَتِّبَهَا كَمَا ذُكِرَ أَوَّلًا وَلَا بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ بِعَدَدِ كُلِّ نَوْعٍ وَحْدَهُ أَوْ لَا، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ لَا تَضُرُّ خِلَافًا لِلصُّوفِيَّةِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: الذِّكْرُ كَأَسْنَانِ الْمِفْتَاحِ إذَا دَارَ لَمْ يَفْتَحْ، وَيُنْدَبُ أَنْ يُقَدِّمَ الْقُرْآنَ إنْ طُلِبَ كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ، ثُمَّ الِاسْتِغْفَارَ ثَلَاثًا، ثُمَّ اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ إلَخْ. ثُمَّ التَّسْبِيحَ وَمَا مَعَهُ. قَوْلُهُ: (دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ) أَيْ مِنْ الْخَمْسِ قَالَ شَيْخُنَا: وَلَوْ أَصَالَةً فَتَدْخُلُ الْمُعَادَةُ، وَفِيهِ نَظَرٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُعَادَةِ، وُجُوبًا وَظَاهِرُ التَّعْبِيرِ، بِكُلِّ فَوَاتُ الثَّوَابِ الْمَذْكُورِ بِتَرْكِ ذَلِكَ الذِّكْرِ أَوْ بَعْضِهِ، وَلَوْ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَلَوْ سَهْوًا وَتَوَافُقُهُ عَلَى مُدَاوَمَةِ، ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ عُمْرِهِ وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (غُفِرَتْ خَطَايَاهُ) هُوَ بِظَاهِرِهِ يَشْمَلُ الْكَبَائِرَ. وَخَصَّصَهُ غَالِبُ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ بِالصَّغَائِرِ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ يُقَلِّلُ مِنْ الْكَبَائِرِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ صَغَائِرُ حَتَّى يَمْحُوَهَا. قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ الدُّعَاءُ) أَيْ بِمَا شَاءَ دِينًا وَدُنْيَا، وَيُكْرَهُ لِإِمَامِ غَيْرِ مَحْصُورِينَ تَطْوِيلُهُ إنْ انْتَظَرُوهُ، وَمِثْلُهُ الذِّكْرُ الْمُتَقَدِّمُ وَيُسَنُّ الْإِسْرَارُ بِهِمَا إلَّا لِنَحْوِ مُعَلِّمٍ. قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَنْتَقِلَ لِلنَّفْلِ مِنْ مَوْضِعِ فَرْضِهِ) وَكَذَا عَكْسُهُ، وَكَذَا مِنْ مَحَلِّ فَرْضٍ لِفَرْضٍ [حاشية عميرة] وَأَقَرَّهُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْقُعُودِ عَلَى يَدَيْهِ) أَيْ نَحْوُ قُعُودِ التَّشَهُّدِ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ دَلِيلَ أَصْلِهِ إلَى آخِرِهِ) لَك أَنْ تَقُولَ دَلِيلُ أَصْلِهِ الْمَذْكُورُ نَافٍ لِلْقِرَاءَةِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ وَقَضِيَّةُ اعْتِبَارِهِ رَفْعُ هَذَا الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْقِيَاسِ وَأَيْضًا فَتَطْوِيلُ الثَّالِثَةِ عَلَى الرَّابِعَةِ فَرْعٌ عَنْ ثُبُوتِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا وَهُوَ فَرْعٌ عَنْ اعْتِبَارِ الدَّلِيلِ وَهُوَ مَانِعٌ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَوَّلِ فَلَا يَكُونُ عَاضِدًا لِلْقِيَاسِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالذِّكْرُ بَعْدَهَا) قَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إذَا انْصَرَفَ مِنْ الصَّلَاةِ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ بَعْدَ سَوْقِ الْأَذْكَارِ الْوَارِدَةِ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ ذَلِكَ بِالِاسْتِغْفَارِ الْمُتَقَدِّمِ كَمَا قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ. قَوْلُهُ: (الدُّعَاءُ أَيْضًا) مِنْ الْوَارِدِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِك الْحَدِيثَ وَمِنْهُ مَا سَلَفَ اسْتِحْبَابُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَمِنْهُ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْجُبْنِ وَأَعُوذُ بِك أَنْ أَرُدَّ إلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ فِتْنَةِ
[ ١ / ١٩٨ ]
لِمَوَاضِعِ السُّجُودِ فَإِنَّهَا تَشْهَدُ لَهُ.
قَالَ الْبَغَوِيّ (وَأَفْضَلُهُ إلَى بَيْتِهِ) لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» .
(وَإِذَا صَلَّى وَرَاءَهُمْ نِسَاءٌ مَكَثُوا حَتَّى يَنْصَرِفْنَ) لِلْإِتْبَاعِ فِي مُكْثِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَالرِّجَالِ مَعَهُ لِذَلِكَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَأَنْ يَنْصَرِفَ فِي جِهَةِ حَاجَتِهِ) أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ (وَإِلَّا فَيَمِينُهُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَاجَةٌ فَيَنْصَرِفُ فِي جِهَةِ يَمِينِهِ لِأَنَّهَا مَحْبُوبَةٌ.
(وَتَنْقَضِي الْقُدْوَةُ بِسَلَامِ الْإِمَامِ) التَّسْلِيمَةَ الْأُولَى (فَلِلْمَأْمُومِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِدُعَاءٍ وَنَحْوِهِ ثُمَّ يُسَلِّمَ) وَلَهُ أَنْ يُسَلِّمَ فِي الْحَالِ. (وَلَوْ اقْتَصَرَ إمَامُهُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ سَلَّمَ) هُوَ (ثِنْتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) إحْرَازًا لِفَضِيلَةِ الثَّانِيَةِ.
_________________
(١) [حاشية قليوبي] آخَرَ، وَمِنْ نَفْلٍ لِنَفْلٍ آخَرَ، وَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ لِأَجْلِ مَا بَعْدَهُ لَا لِإِخْرَاجِ غَيْرِهِ، وَلَوْ قَالَ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ مَحَلِّ صَلَاةٍ لِأُخْرَى لَشَمَلَ الْجَمِيعَ، وَيُنْدَبُ الِانْتِقَالُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِفِعْلٍ خَفِيفٍ لِمَنْ لَمْ يَنْتَقِلْ قَبْلَهُ: خِلَافًا لِلْخَطِيبِ، وَيُسَنُّ لِمَنْ لَمْ يَنْتَقِلْ الْفَصْلُ بِكَلَامِ إنْسَانٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَلَا يَسُنُّ لِكُلِّ رَكْعَةٍ مَثَلًا بِغَيْرِ إحْرَامٍ. قَوْلُهُ: (وَأَفْضَلُهُ إلَى بَيْتِهِ) أَيْ وَفِعْلُ النَّفْلِ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَوْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَلِمَنْ بَيْتُهُ خَارِجَ الْحَرَمِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ صُوَرٌ كَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَالْإِحْرَامِ مِنْ مِيقَاتٍ بِهِ مَسْجِدٌ، وَالِاسْتِخَارَةِ وَالضُّحَى وَإِنْشَاءِ سَفَرٍ وَقُدُومٍ مِنْهُ، وَمَا شَرَعَتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ وَسُنَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، دَخَلَ وَقْتُهَا وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ خَوْفِ فَوْتِ وَقْتٍ أَوْ تَبْكِيرٍ فِي جُمُعَةٍ، أَوْ تَعَلُّمٍ أَوْ تَعْلِيمٍ أَوْ خَوْفِ تَكَاسُلٍ، أَوْ فِي اعْتِكَافٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (مَكَثُوا) أَيْ الرِّجَالُ وَلَوْ احْتِمَالًا فَيَشْمَلُ الْخَنَاثَى، وَيَنْصَرِفُ الْخَنَاثَى فُرَادَى قَبْلَ الرِّجَالِ وَبَعْدَ النِّسَاءِ، وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ فِي الْمُهِمَّاتِ وَالْقِيَاسُ اسْتِحْبَابُ انْصِرَافِهِمْ فُرَادَى، إمَّا قَبْلَ النِّسَاءِ أَوْ بَعْدَهُنَّ لَا يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِكَوْنِهِمْ فُرَادَى وَهُوَ مَطْلُوبٌ مُطْلَقًا فَتَأَمَّلْ. وَيُسَنُّ لِلنِّسَاءِ الْمُشَاوَرَةُ فِي الِانْصِرَافِ وَيُنْدَبُ انْصِرَافُ الْمُرْدِ كَالْخَنَاثَى بَعْدَهُمْ. قَوْلُهُ: (فَيَمِينِهِ) هُوَ مَجْرُورٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ، وَالْمُرَادُ بِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَحَلِّ الصَّلَاةِ، كَبَابِ الْمَسْجِدِ مَثَلًا، وَقِيلَ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ مَكَانِ مُصَلَّاهُ. نَعَمْ إنْ كَانَ جِهَةُ يَمِينِهِ طَرِيقَهُ الَّتِي جَاءَ مِنْهَا انْصَرَفَ جِهَةَ يَسَارِهِ تَقْدِيمًا لِمُخَالَفَةِ الطَّرِيقِ. قَوْلُهُ: (وَتَنْقَضِي الْقُدْوَةُ بِسَلَامِ الْإِمَامِ) أَيْ بِفَرَاغِهِ مِنْ الْمِيمِ مِنْ عَلَيْكُمْ فِي التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى. وَلَا تَضُرُّ مُقَارَنَةُ الْمَأْمُومِ لَهُ فِيهَا، لِأَنَّ الْقُدْوَةَ تَخْتَلُّ بِشُرُوعِهِ فِيهَا، وَلِذَلِكَ لَوْ أَحْرَمَ شَخْصٌ خَلْفَ الْإِمَامِ حِينَئِذٍ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَأَتْبَاعِهِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ وَالْخَطِيبِ كَمَا سَيَأْتِي وَلَوْ سَلَّمَ الْمَأْمُومُ قَبْلَ شُرُوعِ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، إنْ لَمْ يَكُنْ نَوَى مُفَارَقَتَهُ وَيُنْدَبُ لِلْمَأْمُومِ أَنْ لَا يَشْرَعَ فِي التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى، حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ الثَّانِيَةِ، وَيُنْدَبُ لِلْإِمَامِ بَعْدَ فَرَاغِهِ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ الْقِبْلَةِ، بِحَيْثُ يَعْلَمُ الدَّاخِلُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا مُرَادُ مَنْ عَبَّرَ بِالْقِيَامِ، وَيُنْدَبُ جَعْلُ يَمِينِهِ لِلْقَوْمِ وَلَوْ حَالَ دُعَائِهِ إلَّا فِي مَسْجِدِهِ - ﷺ - لِمَنْ فِي مُقَابَلَةِ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ فَيَجْعَلُ يَسَارَهُ إلَيْهِمْ لِئَلَّا يَسْتَدْبِرَ الْقَبْرَ الشَّرِيفَ، وَيُنْدَبُ لِمَنْ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ فِي ذَلِكَ، أَنْ يَجْعَلَ رَأْسَهُ لِجِهَةِ الْقَبْرِ أَيْضًا، وَخَرَجَ بِمَا ذُكِرَ مَا زِيدَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَمَامِ الْحُجْرَةِ، وَخَلْفِهَا فَهُوَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ، وَنَظَرَ فِيهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةً لِلْأَدَبِ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (فَلِلْمَأْمُومِ) أَيْ الَّذِي فَرَغَتْ صَلَاتُهُ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ جُلُوسُهُ مَعَ الْإِمَامِ فِي مَحَلِّ جُلُوسِهِ، لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا كَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَلَهُ التَّطْوِيلُ، وَإِنْ كُرِهَ إلَّا فَلْيَقُمْ فَوْرًا بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ تَسْلِيمَتَيْهِ، فَإِنْ مَكَثَ بَعْدَهُمَا زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ الْمَطْلُوبِ، وَهُوَ بِقَدْرِ مَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ أَوْ بِقَدْرِ أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ الْوَاجِبِ كَمَا مَرَّ. بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [حاشية عميرة] الدُّنْيَا وَأَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْرَارُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ إلَّا عِنْدَ إرَادَةِ التَّعَلُّمِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَنْ يَنْتَقِلَ لِلنَّفْلِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَإِنْ لَمْ يَنْتَقِلْ فَلْيَفْصِلْ بِكَلَامِ إنْسَانٍ فَفِي مُسْلِمٍ النَّهْيُ عَنْ وَصْلِ صَلَاةٍ بِصَلَاةٍ إلَّا بَعْدَ كَلَامٍ أَوْ خُرُوجٍ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا تَشْهَدُ لَهُ) قَدْ وَرَدَ فِي تَفْسِيرٍ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩] إنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا مَاتَ بَكَى عَلَيْهِ مُصَلَّاهُ مِنْ الْأَرْضِ وَمِصْعَدُ عَمَلِهِ مِنْ السَّمَاءِ ثُمَّ هَذِهِ الْعِلَّةُ تَقْتَضِي أَنْ يَنْتَقِلَ لِلْفَرْضِ مِنْ مَوْضِعِ نَفْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَأَنْ يَنْتَقِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ يَفْتَتِحُهَا مِنْ أَفْرَادِ النَّوَافِلِ كَالضُّحَى وَالتَّرَاوِيحِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَإِلَّا فَيَمِينُهُ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ قَدْ أَطْلَقَ النَّوَوِيُّ فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي الْحَجِّ وَالصَّلَاةِ وَالْعِيَادَةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ أَنْ يَذْهَبَ فِي طَرِيقٍ وَأَنْ يَرْجِعَ فِي غَيْرِهَا وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يُخَالِفُ مَا هُنَا. قَوْلُهُ: (التَّسْلِيمَةُ الْأُولَى) لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ لَا يُسَلِّمَ الْأُولَى حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ الثَّانِيَةِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَلِلْمَأْمُومِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إنْ سَهَا.
[ ١ / ١٩٩ ]