فَصْلٌ لَا يَصِحُّ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ فِي الْمَالِ الْحَوْلِيِّ (عَلَى مِلْكِ النِّصَابِ) لِفَقْدِ سَبَبِ وُجُوبِهَا (وَيَجُوزُ) تَعْجِيلُهَا (قَبْلَ الْحَوْلِ) بَعْدَ مِلْكِهِ النِّصَابَ لِوُجُودِ السَّبَبِ. وَالْأَوَّلُ مُقَيَّدٌ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا بِالزَّكَاةِ الْعَيْنِيَّةِ فَإِذَا مَلَكَ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَعَجَّلَ مِنْهَا خَمْسَةً أَوْ مَلَكَ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ شَاةً فَعَجَّلَ شَاةً لِيَكُونَ الْمُعَجَّلُ عَنْ زَكَاتِهِ إذَا تَمَّ النِّصَابُ وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ وَاتَّفَقَ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِئْهُ الْمُعَجَّلُ، وَلَوْ مَلَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَتَوَقَّعَ حُصُولَ مِائَتَيْنِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَعَجَّلَ زَكَاةَ أَرْبَعِمِائَةٍ فَحَصَلَ مَا تَوَقَّعَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ مَا عَجَّلَهُ عَنْ الْحَادِثِ، وَلَوْ مَلَكَ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ فَعَجَّلَ شَاتَيْنِ فَبَلَغَتْ عَشْرًا بِالتَّوَالُدِ لَمْ يُجْزِئْهُ مَا عَجَّلَهُ عَنْ النِّصَابِ الَّذِي كَمُلَ الْآنَ فِي الْأَصَحِّ. أَمَّا زَكَاةُ التِّجَارَةِ كَأَنْ اشْتَرَى عَرْضًا يُسَاوِي مِائَةَ دِرْهَمٍ فَعَجَّلَ زَكَاةَ مِائَتَيْنِ وَحَالَ الْحَوْلُ وَهُوَ يُسَاوِيهِمَا فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ الْمُعَجَّلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ اعْتِبَارَ النِّصَابِ فِيهَا بِآخِرِ الْحَوْلِ، وَهُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَوْ اشْتَرَى عَرْضًا بِمِائَتَيْنِ فَعَجَّلَ زَكَاةَ أَرْبَعِمِائَةٍ وَحَالَ الْحَوْلُ وَهُوَ يُسَاوِيهِمَا أَجْزَأَهُ الْمُعَجَّلُ بِنَاءً عَلَى مَا ذُكِرَ وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُهُ فِي الْمِائَتَيْنِ الزَّائِدَتَيْنِ
(وَلَا تَعْجِيلَ لِعَامَيْنِ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ زَكَاةَ الْعَامِ الثَّانِي لَمْ يَنْعَقِدْ حَوْلُهَا وَالتَّعْجِيلُ قَبْلَ انْعِقَادِ الْحَوْلِ لَا يَجُوزُ كَالتَّعْجِيلِ قَبْلَ كَمَالِ النِّصَابِ، فَمَا عُجِّلَ لِعَامَيْنِ يُجْزِئُ لِلْأَوَّلِ فَقَطْ، وَالثَّانِي اسْتَنَدَ إلَى أَنَّهُ - ﷺ - تَسَلَّفَ مِنْ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ عَامَيْنِ: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأُجِيبَ بِانْقِطَاعِهِ كَمَا بَيَّنَهُ وَبِاحْتِمَالِ التَّسَلُّفِ فِي عَامَيْنِ وَالْجَوَازُ عَلَى الثَّانِي مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا بَقِيَ بَعْدَ التَّعْجِيلِ نِصَابٌ كَأَنْ مَلَكَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ شَاةً فَعَجَّلَ مِنْهَا شَاتَيْنِ، فَإِنْ عَجَّلَهُمَا مِنْ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ لَمْ يُجْزِئْ الْمُعَجَّلُ لِلْعَامِ الثَّانِي لِنَقْصِ النِّصَابِ فِي
_________________
(١) [حاشية قليوبي] فَصْلٌ فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ أَيْ فِي جَوَازِهِ وَعَدَمِهِ، وَقَدْ مَنَعَ الْإِمَامُ مَالِكٌ صِحَّةَ التَّعْجِيلِ. وَوَافَقَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا. قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ) أَيْ لِغَيْرِ وَلِيٍّ مِنْ مَالِ الطِّفْلِ، وَلَوْ لِلْفِطْرَةِ وَيَجُوزُ لَهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَسَوَاءٌ دَفَعَ الْمُعَجَّلَ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ لِلْإِمَامِ. قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْحَوْلِ) أَيْ قَبْلَ تَمَامِهِ وَبَعْدَ انْعِقَادِهِ. قَوْلُهُ: (وَالْأَوَّلُ مُقَيَّدٌ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا بِالزَّكَاةِ الْعَيْنِيَّةِ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَسَيَأْتِي مَفْهُومُهُ فِي التِّجَارَةِ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ مُقْتَضَى هَذَا الْقَيْدِ أَنَّ التَّعْجِيلَ فِي التِّجَارَةِ قَبْلَ وُجُودِ السَّبَبَيْنِ مَعًا وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِمَا فِيهِ مِنْ بُطْلَانِ الْقَاعِدَةِ وَالْوَجْهُ فِيهَا أَنَّ السَّبَبَ الْأَوَّلَ هُوَ انْعِقَادُ الْحَوْلِ. وَقَدْ وُجِدَ كَمَا فِي غَيْرِهَا لِأَنَّ اعْتِبَارَ النِّصَابِ فِيهِ لِأَجْلِ انْعِقَادِ الْحَوْلِ فِيهِ لَا لِذَاتِهِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (فَعَجَّلَ شَاةً) أَيْ مِنْهَا لَا مِنْ غَيْرِهَا وَيَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ مَعًا لَمْ يُجْزِئْهُ. قَوْلُهُ: (فَعَجَّلَ زَكَاةَ أَرْبَعِمِائَةٍ) أَيْ مِنْ الْمِائَتَيْنِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَمْ يُجْزِئْهُ. فَقَوْلُهُ: لَمْ يُجْرِئْهُ رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَلَوْ عَجَّلَ شَاةً عَنْ أَرْبَعِينَ فَنَتَجَتْ أَرْبَعِينَ ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ لَمْ تُجْزِئْهُ فَإِنْ عَجَّلَ بَعْدَ النِّتَاجِ أَجْزَأَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. وَلَوْ عَجَّلَ شَاتَيْنِ عَنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَنَتَجَتْ سَخْلَةً قَبْلَ الْحَوْلِ لَمْ تُجْزِئْهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ شَيْخِنَا وَظَاهِرُهُ عَدَمُ إجْزَاءِ الشَّاتَيْنِ، وَالْوَجْهُ إجْزَاءُ وَاحِدَةٍ لِتَمَامِ نِصَابِهَا فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (فِي الْأَصَحِّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَفَارَقَتْ هَذِهِ مَا قَبْلَهَا بِالْقَطْعِ فِيهِ لِبِنَاءِ حَوْلِ النِّتَاجِ عَلَى أَصْلِهِ وَتَقْيِيدُ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ بِالنِّصَابِ الَّذِي كَمُلَ يُفِيدُ الْإِجْزَاءَ عَنْ النِّصَابِ الْأَوَّلِ فِي إحْدَى الشَّاتَيْنِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (يُسَاوِيهِمَا) هَلْ بِالْمُخْرَجِ أَوْ دُونَهُ الظَّاهِرُ الثَّانِي. قَوْلُهُ: (أَجْزَأَهُ الْمُعَجَّلُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (وَقِيلَ إلَخْ) وَلَمْ يَجْرِ هَذَا الْخِلَافُ فِيمَا قَبْلَ هَذِهِ لِوُجُودِ بَعْضِ الْمُعَجَّلِ عَنْهُ فِيهَا. قَوْلُهُ: (يُجْزِئُ لِلْأَوَّلِ فَقَطْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمَيِّزْ حِصَّةَ كُلِّ عَامٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَشْرِيكٌ بَيْنَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ. قَوْلُهُ: (صَدَقَةً عَامَيْنِ) يَجُوزُ تَنْوِينُ صَدَقَةٍ وَإِضَافَتُهَا، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ فَتَأَمَّلْهُ. قَوْلُهُ: (لَمْ يُجْزِئْ الْمُعَجَّلُ لِلْعَامِ الثَّانِي) [حاشية عميرة] الْمِنْهَاجِ وَقَالَ: كَانَ يَنْبَغِي لَهُ تَقْدِيمُ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى، وَأَنْ لَا يُعَبِّرَ فِي الْأُولَى بِالْأَصَحِّ لِأَنَّ فِيهَا طَرِيقَيْنِ. [فَصْلٌ لَا يَصِحُّ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ فِي الْمَالِ الْحَوْلِيِّ] فَصْلٌ لَا يَصِحُّ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ إلَخْ اعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا - ﵀ - مَنَعَ مِنْ التَّعْجِيلِ، وَوَافَقَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْعَبَّاسَ - ﵁ - سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ، لَهُ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ أُجِّلَ رِفْقًا فَجَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى أَجَلِهِ كَالدَّيْنِ، وَأَيْضًا فَلِأَنَّهَا حَقٌّ مَالِيٌّ وَجَبَ بِسَبَبَيْنِ فَجَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا كَالْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ وَقَدْ وَافَقَ الْمُخَالِفُ عَلَيْهَا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (قَبْلَ الْحَوْلِ) أَيْ قَبْلَ تَمَامِهِ . قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي إلَخْ) صَحَّحَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَقَالَ: إنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَكْثَرُ وَمَنْ قَالَ نَعَمْ الْأَكْثَرُونَ عَلَى
[ ٢ / ٥٦ ]
جَمِيعِ الْعَامِ فَالتَّعْجِيلُ لَهُ تَعْجِيلٌ عَلَى مِلْكِ النِّصَابِ فِيهِ. وَقِيلَ يُجْزِئُ لِأَنَّ الْمُعَجَّلَ كَالْبَاقِي عَلَى مِلْكِهِ (وَلَهُ تَعْجِيلُ الْفِطْرَةِ مِنْ أَوَّلِ رَمَضَانَ) لَيْلًا وَقِيلَ نَهَارًا لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ سَبَبٌ آخَرُ لَهَا (وَالصَّحِيحُ مَنْعُهُ قَبْلَهُ) أَيْ مَنْعُ التَّعْجِيلِ قَبْلَ رَمَضَانَ لِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ عَلَى السَّبَبَيْنِ. وَالثَّانِي جَوَازُ تَقْدِيمِهِ فِي السَّنَةِ كَمَا حَكَاهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ (وَ) الصَّحِيحُ (أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ زَكَاةِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَلَا الْحَبِّ قَبْلَ اشْتِدَادِهِ) لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ قَدْرُهُ تَحْقِيقًا وَلَا تَخْمِينًا (وَيَجُوزُ بَعْدَهُمَا) أَيْ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ قَبْلَ الْجَفَافِ وَالتَّصْفِيَةِ لِمَعْرِفَةِ قَدْرِهِ تَخْمِينًا، وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ فِي الْحَالَيْنِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْقَدْرِ حِينَئِذٍ. وَالثَّالِثُ يَجُوزُ فِيهِمَا لِلْعِلْمِ بِالْقَدْرِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ نَقَصَ الْمُعَجَّلُ عَنْ الْوَاجِبِ أَخْرَجَ بَاقِيَهُ أَوْ زَادَ فَالزِّيَادَةُ تَطَوُّعٌ، وَلَا يَجُوزُ الْإِخْرَاجُ قَبْلَ ظُهُورِ الثَّمَرِ وَانْعِقَادِ الْحَبِّ قَطْعًا. وَالْإِخْرَاجُ لَازِمٌ بَعْدَ الْجَفَافِ وَالتَّصْفِيَةِ لِأَنَّهُ وَقْتُهُ
(وَشَرْطُ إجْزَاءِ الْمُعَجَّلِ) أَيْ وُقُوعِهِ زَكَاةً كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ (بَقَاءُ الْمَالِكِ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ) عَلَيْهِ (إلَى آخِرِ الْحَوْلِ) فَلَوْ مَاتَ أَوْ تَلِفَ مَالُهُ أَوْ بَاعَهُ لَمْ يَكُنْ الْمُعَجَّلُ زَكَاةً كَمَا أَفْصَحَ بِذَلِكَ فِي الْمُحَرَّرِ (وَكَوْنُ الْقَابِضِ فِي آخِرِ الْحَوْلِ مُسْتَحِقًّا) فَلَوْ كَانَ مَيِّتًا أَوْ مُرْتَدًّا لَمْ يُحْسَبْ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ عَنْ الزَّكَاةِ (وَقِيلَ: إنْ خَرَجَ عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ) كَأَنْ ارْتَدَّ ثُمَّ عَادَ (لَمْ يُجْزِهِ) أَيْ الْمَالُ الْمُعَجَّلُ (وَلَا يَضُرُّ غِنَاهُ بِالزَّكَاةِ) أَيْ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا الْمَدْفُوعَةِ إلَيْهِ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ غَيْرِهَا. وَيَضُرُّ غِنَاهُ بِغَيْرِهَا قَالَ الْفَارِقِيُّ: كَزَكَاةٍ أُخْرَى وَاجِبَةٍ أَوْ مُعَجَّلَةٍ أَخَذَهَا بَعْدَ الْأُولَى بِشَهْرٍ مَثَلًا
(وَإِذَا لَمْ
_________________
(١) [حاشية قليوبي] ظَاهِرُهُ الْإِجْزَاءُ لِلْعَامِ الْأَوَّلِ وَفِيهِ نَظَرٌ إذَا لَمْ يَبْقَ مَعَهُ نِصَابٌ وَكَوْنُ إحْدَى الْمُعَجَّلَتَيْنِ بَاقِيَةً عَلَى مِلْكِهِ فَيَتِمُّ بِهَا النِّصَابُ يُقَالُ عَلَيْهِ لَمْ يُوجَدْ السَّوْمُ فِيهَا. كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا وَهُوَ صَحِيحٌ مُسْتَقِيمٌ وَبِهِ يُعْلَمُ الرَّدُّ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي. قَوْلُهُ: (لَيْلًا) وَلَوْ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ. قَوْلُهُ: (فَهُوَ) أَيْ رَمَضَانُ. قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ بَعْدَهُمَا) أَيْ وَالْمُخْرَجُ مِنْ غَيْرِهِمَا كَمَا مَرَّ نَعَمْ إنْ أَخْرَجَ مِنْ عِنَبٍ لَا يَتَزَبَّبُ أَوْ رُطَبٍ لَا يَتَتَمَّرُ أَجْزَأَهُ قَطْعًا لِأَنَّهُ لَيْسَ تَعْجِيلًا. وَكَذَا لَوْ أَخْرَجَ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ لِمَا ذُكِرَ. قَوْلُهُ: (أَيْ وُقُوعُهُ زَكَاةً) وَفِي كَلَامِ الْعَلَّامَةِ الْبُرُلُّسِيِّ هُنَا مَا لَا يُنَاسِبُ ذِكْرَهُ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (أَهْلًا لِلْوُجُوبِ) الْمُرَادُ اسْتِمْرَارُهُ بِصِفَةِ الْوُجُوبِ وَلَا تُخْرِجُهُ الرِّدَّةُ عَنْهُ إذَا لَمْ يَمُتْ عَلَيْهَا، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا بَقَاءُ الْمَالِ وَالْمُخْرَجُ عَلَى صِفَتِهِ وَقْتَ الْإِخْرَاجِ فَلَوْ أَخْرَجَ بِنْتَ مَخَاضٍ عَنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ فَبَلَغَتْ بِالتَّوَالُدِ سِتًّا وَثَلَاثِينَ لَمْ تُجْزِهِ الْمُعَجَّلَةُ. وَإِنْ صَارَتْ عِنْدَ الْقَابِضِ بِنْتُ لَبُونٍ فَيَسْتَرِدُّهَا مِنْهُ وَيُعِيدُهَا لَهُ أَوْ بَدَلَهَا نَعَمْ إنْ تَلِفَتْ عِنْدَ الْقَابِضِ قَبْلَ آخِرِ الْحَوْلِ أَجْزَأَتْ. قَوْلُهُ: (مُسْتَحِقًّا) أَيْ أَهْلًا لِاسْتِحْقَاقِ الزَّكَاةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ لَا لِمَا أَخَذَهُ بِالْخُصُوصِ فَلَا يَضُرُّ انْتِقَالُهُ عَنْ بَلَدِ الْمَالِكِ أَوْ عَكْسُهُ وَلَمْ تَضُرَّ رِدَّتُهُ إنْ يَعُدْ كَمَا مَرَّ. وَيَكْفِي احْتِمَالُ بَقَائِهِ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ نَظَرًا لِلْأَصْلِ. فَلَوْ غَابَ [حاشية عميرة] مَنْعِ تَعْجِيلِ زَكَاةِ عَامَيْنِ لِنِصَابٍ وَاحِدٍ فَكَانَ الرَّافِعِيُّ أَرَادَ ذَلِكَ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَعْزُوَ الْجَوَازَ إلَى الْأَكْثَرِينَ فَانْقَلَبَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (لَيْلًا وَقِيلَ نَهَارًا) يَرْجِعَانِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَوَّلِ رَمَضَانَ، وَعِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى مِنْهُ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَمْ يَدْخُلْ. قَوْلُهُ: (فَهُوَ سَبَبٌ آخَرُ لَهَا) الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فَهُوَ رَاجِعٌ لِرَمَضَانَ. قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي جَوَازُ تَقْدِيمِهِ إلَخْ) عَلَّلَ هَذَا بِأَنَّ وُجُودَ الْمَخْرَجِ فِي نَفْسِهِ سَبَبٌ وَرَدَّهُ أَبُو الطَّيِّبِ، بِأَنَّ مَا لَهُ ثَلَاثَةٌ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى اثْنَيْنِ مِنْهَا بِدَلِيلِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، فَإِنَّ سَبَبَهَا الزَّوْجَةُ وَالظِّهَارُ وَالْعَوْدُ اهـ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ إلَخْ) عَلَّلَ أَيْضًا بِأَنَّ لَهَا سَبَبًا وَاحِدًا وَاعْتَرَضَ الرَّافِعِيُّ الْأَوَّلَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مَا إذَا عَرَفَ قَدْرَ نِصَابٍ، وَالثَّانِي بِأَنَّ لَهَا سَبَبَيْنِ الظُّهُورَ وَالْإِدْرَاكَ. قَوْلُهُ: (أَيْ وُقُوعُهُ زَكَاةً) هَذَا مُرَادُهُ مِنْ الْإِجْزَاءِ فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ تَعْبِيرُ الْمُحَرَّرِ بِالْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ، يَشْمَلُ مَا إذَا اسْتَمَرَّ الْوُجُوبُ عَلَى الْمَالِكِ، وَلَكِنْ وُجِدَ مَانِعٌ كَغِنَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ لَمْ تَسْتَمِرَّ كَبَيْعِ الْمَالِ بِخِلَافِ التَّعْبِيرِ بِالْإِجْزَاءِ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا حَيْثُ كَانَ الْوَاجِبُ بَاقِيًا قَالَ: وَتَعْبِيرُهُ أَيْضًا بِأَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ مَرْدُودٌ، لِأَنَّ الْأَهْلِيَّةَ تَثْبُتُ بِالْإِسْلَامِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وَصْفُهُ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ الْمُرَادُ هُنَا قَالَ: وَيَدْخُلُ فِي كَلَامِهِمَا مَا إذَا أَتْلَفَ الْمَالِكُ النِّصَابَ لَا لِحَاجَةٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ، نَعَمْ قَدْ يَرِدُ عَلَيْهِمَا مَا إذَا عَجَّلَ بِنْتَ مَخَاضٍ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، فَتَوَالَدَتْ حَتَّى بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ وَصَارَتْ الْمُخْرَجَةُ بِنْتَ لَبُونٍ فَإِنَّهَا لَا تُجْزِي عَلَى الْأَصَحِّ. قَوْلُهُ: (كَمَا أَفْصَحَ بِذَلِكَ فِي الْمُحَرَّرِ) عَبَّرَ الشَّارِحُ بِهَذَا إشَارَةً إلَى أَنَّ ذَلِكَ يُفْهَمُ مِنْ الْمِنْهَاجِ قَوْلُ الْمَتْنِ: (مُسْتَحِقًّا) اُنْظُرْ لَوْ كَانَ ابْنَ سَبِيلٍ مَثَلًا وَكَانَ فِي آخِرِ الْحَوْلِ مُقِيمًا غَنِيًّا. قَوْلُهُ: (لَمْ يُجْزِهِ) أَيْ كَمَا لَوْ كَانَ عِنْدَ الْأَخْذِ بِغَيْرِ صِفَةِ الْإِجْزَاءِ ثُمَّ اتَّصَفَ بِهَا وَرَدَّ بِأَنَّ ذَلِكَ مُتَعَدٍّ فِي الْأَخْذِ بِخِلَافِ هَذَا. قَوْلُ الْمَتْنِ:
[ ٢ / ٥٧ ]
يَقَعْ الْمُعَجَّلُ زَكَاةً) الْعُرُوض مَانِعٌ (اسْتَرَدَّ) الْمَالِكُ (إنْ كَانَ شَرْطُ الِاسْتِرْدَادِ إنْ عَرَضَ مَانِعٌ) عَمَلًا بِالشَّرْطِ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ قَالَ: هَذِهِ زَكَاتِي الْمُعَجَّلَةُ فَقَطْ) أَوْ عَلِمَ الْقَابِضُ أَنَّهَا مُعَجَّلَةٌ (اسْتَرَدَّ) لِذِكْرِهِ التَّعْجِيلَ أَوْ الْعِلْمِ بِهِ وَقَدْ بَطَلَ وَالثَّانِي: لَا يَسْتَرِدُّ وَيَكُونُ تَطَوُّعًا (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّعْجِيلِ) بِأَنْ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الزَّكَاةِ (وَلَمْ يَعْلَمْهُ الْقَابِضُ لَمْ يَسْتَرِدَّ) وَيَكُونُ تَطَوُّعًا، وَالثَّانِي يَسْتَرِدُّ لِظَنِّهِ الْوُقُوعَ عَنْ الزَّكَاةِ وَلَمْ يَقَعْ عَنْهَا (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي مُثْبِتِ الِاسْتِرْدَادِ) وَهُوَ ذِكْرُ التَّعْجِيلِ أَوْ عِلْمُ الْقَابِضِ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَشَرْطُ الِاسْتِرْدَادِ عَلَى مُقَابِلِ الْأَصَحِّ (صُدِّقَ الْقَابِضُ بِيَمِينِهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ. وَالثَّانِي يُصَدَّقُ الْمَالِكُ بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ الْمُؤَدِّي وَهُوَ أَعْرَفُ بِقَصْدِهِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ عِلْمِ الْقَابِضِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِعِلْمِهِ، وَعَلَى الِاسْتِرْدَادِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ يُصَدَّقُ الْمَالِكُ بِيَمِينِهِ إذَا نَازَعَهُ الْقَابِضُ فِي قَوْلِهِ قَصَدْتُ التَّعْجِيلَ فَإِنَّهُ أَعْرَفُ بِنِيَّتِهِ وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهَا إلَّا مِنْ جِهَتِهِ (وَمَتَى ثَبَتَ) الِاسْتِرْدَادُ (وَالْمُعَجَّلُ تَالِفٌ وَجَبَ ضَمَانُهُ) بِالْمِثْلِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَبِالْقِيمَةِ إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا (وَالْأَصَحُّ) فِي الْمُتَقَوِّمِ (اعْتِبَارُ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَبْضِ) وَالثَّانِي قِيمَتُهُ يَوْمَ التَّلَفِ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ إنْ وَجَدَهُ نَاقِصًا) نَقْصَ أَرْشٍ (فَلَا أَرْشَ) لَهُ لِأَنَّ النَّقْصَ حَدَثَ فِي مِلْكِ الْقَابِضِ فَلَا يَضْمَنُهُ وَالثَّانِي لَهُ أَرْشُهُ اعْتِبَارًا لَهُ بِالتَّلَفِ. وَلَوْ كَانَ الْمُعَجَّلُ بَعِيرَيْنِ أَوْ شَاتَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا وَبَقِيَ الْآخَرُ رَجَعَ فِيهِ وَبِقِيمَةِ التَّالِفِ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ لَا يَسْتَرِدُّ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً) كَالْوَلَدِ وَاللَّبَنِ، وَالثَّانِي
_________________
(١) [حاشية قليوبي] وَجُهِلَ حَالُهُ لَمْ يَضُرَّ فَلَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ لَزِمَ الْمَالِكَ إخْرَاجُ غَيْرِهِ لِدَفْعِهِ لَهُ وَيُصَدَّقُ وَارِثُهُ فِي عَدَمِ عِلْمِهِ بِالتَّعْجِيلِ بِيَمِينِهِ فَلَا يَسْتَرِدُّهُ. قَوْلُهُ: (وَاجِبَةً أَوْ مُعَجَّلَةً إلَخْ) فَإِنْ أَخَذَ زَكَاتَيْنِ إحْدَاهُمَا مُعَجَّلَةٌ رَدَّهَا مُطْلَقًا أَوْ مُعَجَّلَتَيْنِ رَدَّ الثَّانِيَةَ إنْ تَرَتَّبَتَا وَإِلَّا تَخَيَّرَ. كَذَا فِي شَرْحِ شَيْخِنَا فَتَأَمَّلْهُ وَانْظُرْ تَصْوِيرَهُ. قَوْلُهُ: (وَإِذَا لَمْ يَقَعْ الْمُعَجَّلُ زَكَاةً) فَلَهُ الِاسْتِرْدَادُ بَعْدَ عُرُوضِ الْمَانِعِ لَا قَبْلَهُ وَالْمُسْتَرَدُّ لِلْمَالِكِ أَوْ لِوَرَثَتِهِ، نَعَمْ لَوْ مَاتَ الْمَالِكُ مُرْتَدًّا فَالْمُسْتَرَدُّ فَيْءٌ فَالْمُطَالَبُ بِهِ الْإِمَامُ كَمَا مَرَّ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِثْلُ الزَّكَاةِ مَا لَهُ سَبَبَانِ كَدَمِ التَّمَتُّعِ. وَكَذَا الْكَفَّارَةُ وَنَحْوُهَا. قَوْلُهُ: (وَيَكُونُ تَطَوُّعًا) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَدْفُوعُ مُعَجَّلًا لِلْإِمَامِ رَجَعَ قَطْعًا. قَوْلُهُ: (عَلَى مُقَابِلِ الْأَصَحِّ) فَعَلَى الْأَصَحِّ بِالْأُولَى. قَوْلُهُ: (الْأَخِيرَةِ) وَهِيَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا إلَخْ. قَوْلُهُ: (وَبِالْقِيمَةِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فَلَوْ كَانَ الْمُعَجَّلُ شَاةً مِنْ الْأَرْبَعِينَ وَتَلِفَتْ قَبْلَ الْوُجُوبِ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ إذْ لَا تَكْمُلُ الْمَاشِيَةُ بِالْقِيمَةِ، وَلَوْ كَانَ الْمُعَجَّلُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَتَلِفَتْ فِي يَدِ الْقَابِضِ فَلَا زَكَاةَ لِنَقْصِ النِّصَابِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: (نَاقِصًا) أَيْ قَبْلَ عُرُوضِ مَا يُثْبِتُ الرَّدَّ أَمَّا مَعَهُ وَبَعْدَهُ فَمَضْمُونٌ. قَوْلُهُ: (نَقْصَ أَرْشٍ) وَلَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَغَرِمَهُ لِلْفُقَرَاءِ وَهُوَ مَا لَا يُفْرَدُ بِعَقْدٍ وَلَوْ جُزْءًا. قَوْلُهُ: (كَالْوَلَدِ وَاللَّبَنِ) وَلَوْ فِي الضَّرْعِ. وَكَذَا الصُّوفُ وَلَوْ قَبْلَ جَزِّهِ وَقَوْلُ الْمَنْهَجِ كَثَمَرَةٍ لَا يَخْفَاك عَدَمُ تَصْوِيرِهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ هُوَ مِثَالٌ لِمَا هُوَ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ [حاشية عميرة] وَإِذَا لَمْ يَقَعْ الْمُعَجَّلُ إلَخْ) أَفْهَمَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِرْدَادُ قَبْلَ عُرُوضِ الْمَانِعِ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالتَّعْجِيلِ كَتَعْجِيلِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَأَفْهَمَتْ أَيْضًا، أَنَّهُ شَرَطَ الِاسْتِرْدَادَ بِدُونِ عَارِضٍ لَا يَسْتَرِدُّ لَكِنْ فِي صِحَّةِ الْقَبْضِ هُنَا نَظَرٌ. قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي لَا يَسْتَرِدُّ إلَخْ) عَلَّلَ هَذَا بِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ، بِأَنَّ الْمَدْفُوعَ إلَى الْفَقِيرِ لَا يُسْتَرَدُّ فَكَأَنَّهُ قَالَ: هُوَ زَكَاةُ مَالِي إنْ وُجِدَ شَرْطُهُ وَإِلَّا كَانَ صَدَقَةً. قَوْلُهُ: (وَيَكُونُ مُتَطَوِّعًا) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُعَجِّلَ لَوْ كَانَ الْإِمَامَ، وَذَكَرَ التَّعْجِيلَ يَرْجِعُ قَطْعًا. قَوْلُهُ: (بِأَنْ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الزَّكَاةِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ أَعْطَى سَاكِنًا لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا، لَا يَكُونُ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ لَكِنْ صَرَّحَ الْإِسْنَوِيُّ بِخِلَافٍ. قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَسْتَرِدُّ) رَجَّحَهُ فِي الْكِفَايَةِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُعْطِي هُوَ الْإِمَامُ، وَاقْتَضَى كَلَامُ الرَّافِعِيِّ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يُصَدَّقُ إلَخْ) أَيْ كَمَا لَوْ دَفَعَ ثَوْبًا لِإِنْسَانٍ وَاخْتَلَفَا فِي الْعَارِيَّةِ وَالْهِبَةِ، فَإِنَّهُ يُصَدِّقُ الدَّافِعَ فِي الْعَارِيَّةِ. قَوْلُهُ: (وَبِالْقِيمَةِ إلَخْ) لَنَا وَجْهٌ أَنَّهُ يَضْمَنُ الْحَيَوَانَ بِالْمِثْلِ الصُّورِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُعَجَّلَ كَالْقَرْضِ. قَوْلُهُ: (يَوْمَ التَّلَفِ) لِأَنَّهُ وَقْتٌ لِانْتِقَالِ الْحَقِّ إلَى الْقِيمَةِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَلَا أَرْشَ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ النَّقْصُ بِفِعْلِهِ أَوْ بِجِنَايَةِ أَجْنَبِيٍّ وَغُرْمِهِ لِلْفَقِيرِ. قَوْلُهُ: (اعْتِبَارًا لَهُ بِالتَّلَفِ) إيضَاحُهُ أَنَّ جُمْلَتَهُ مَضْمُونَةٌ فَكَذَلِكَ جُزْؤُهُ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ الْمُعَجَّلُ إلَخْ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ نَقْصَ أَرْشٍ. قَوْلُهُ: (وَاللَّبَنِ) أَيْ وَلَوْ فِي الضَّرْعِ. قَوْلُهُ:
[ ٢ / ٥٨ ]
يَسْتَرِدُّهَا مَعَ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ لِتَبَيُّنِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْمُوَقَّعُ كَأَنَّ الْقَابِضَ لَمْ يَمْلِكْهُ فِي الْحَقِيقَةِ. أَمَّا الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ كَالسَّمْنِ وَالْكِبَرِ فَتَتْبَعُ الْأَصْلَ فَيَسْتَرِدُّهُ مَعَهَا
(وَتَأْخِيرُ الزَّكَاةِ) أَيْ أَدَائِهَا (بَعْدَ التَّمَكُّنِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ (يُوجِبُ الضَّمَانَ) لَهَا (إنْ تَلِفَ الْمَالُ) الْمُزَكَّى لِتَقْصِيرِهِ بِحَبْسِ الْحَقِّ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ (وَلَوْ تَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ) بَعْدَ الْحَوْلِ (فَلَا) ضَمَانَ لِانْتِفَاءِ التَّقْصِيرِ (وَلَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ) قَبْلَ التَّمَكُّنِ وَبَقِيَ بَعْضُهُ (فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَغْرَمُ قِسْطَ مَا بَقِيَ) وَالثَّانِي لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّمَكُّنَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ، فَإِذَا تَلِفَ وَاحِدٌ مِنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ فَفِي الْبَاقِي أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ شَاةٍ عَلَى الْأَوَّلِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الثَّانِي (وَإِنْ أَتْلَفَهُ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ) لِتَقْصِيرِهِ بِإِتْلَافِهِ
(وَهِيَ) أَيْ الزَّكَاةُ (تَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ) الَّذِي تَجِبُ فِي عَيْنِهِ (تَعَلُّقَ الشَّرِكَةِ) بِقَدْرِهَا (وَفِي قَوْلٍ تَعَلُّقَ الرَّهْنِ) بِقَدْرِهَا مِنْهُ وَقِيلَ: بِجَمِيعِهِ (وَفِي قَوْلٍ) تَتَعَلَّقُ (بِالذِّمَّةِ) كَزَكَاةِ الْفِطْرِ وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ أَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ إخْرَاجِهَا أَخَذَهَا الْإِمَامُ مِنْ مَالِهِ قَهْرًا، كَمَا يَقْسِمُ الْمَالَ الْمُشْتَرَكَ قَهْرًا إذَا امْتَنَعَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ مِنْ قِسْمَتِهِ. وَلِلثَّانِي أَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهَا وَلَمْ تُوجَدْ السِّنُّ الْوَاجِبَةُ فِي مَالِهِ كَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبِيعَ بَعْضَهُ
_________________
(١) [حاشية قليوبي] فِي ذَاتِهَا. قَوْلُهُ: (كَالسَّمْنِ) قَالَ شَيْخُنَا وَكَذَا الْحَمْلُ. قَوْلُهُ: (أَدَائِهَا إلَى إخْرَاجِهَا) فَالْغَايَةُ صَحِيحَةٌ. قَوْلُهُ: (بَعْدَ الْحَوْلِ) وَكَذَا قَبْلَهُ بِتَقْصِيرٍ أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ. قَوْلُهُ: (شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ) الَّذِي هُوَ الْمَرْجُوحُ. قَوْلُهُ: (وَاحِدٌ مِنْ خَمْسٍ) وَمِثْلُهُ خَمْسٌ مِنْ تِسْعٍ بِنَاءً عَلَى الرَّاجِحِ أَنَّ الْوَقَصَ عَفْوٌ بِخِلَافِ أَرْبَعٍ مِنْهَا فَيَجِبُ شَاةٌ يُمْكِنُ شُمُولُ كَلَامِهِ لَهَا لِأَنَّهَا قِسْطُ الْخَمْسَةِ. قَوْلُهُ: (وَأَنْ أَتْلَفَهُ) أَيْ الْمَالِكُ، وَكَذَا لَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ لَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ أَيْضًا لِأَنَّهُ ضَامِنٌ فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ وَيَنْتَقِلُ الْحَقُّ لَهَا كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الْعَبْدُ الْجَانِي الْمَرْهُونَ. قَوْلُهُ: (تَعَلُّقَ الشَّرِكَةِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ سَوَاءٌ فِي الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ. قَوْلُهُ: (فَيُحْتَمَلُ فِيهِ إلَخْ) وَلِهَذَا [حاشية عميرة] لِتَقْصِيرِهِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا كَمَا لَوْ أَخَّرَ لِانْتِظَارِ قَرِيبٍ، وَأَجَارَ أَوْ لِلشَّكِّ فِي حَالِ الْمُسْتَحِقِّ قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَإِنْ تَلِفَ) زَعَمَ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّهُ خَطَأٌ سَوَاءٌ جَعَلْت يُوجِبُ بِمَعْنَى يَقْتَضِي أَوْ يُكَلِّفُ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اشْتِرَاكَ مَا بَعْدَ إنْ وَمَا قَبْلَهَا فِي الْحُكْمِ وَيَكُونُ مَا بَعْدَهَا أَوْلَى بِعَدَمِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ التَّلَفَ هُوَ مَحَلُّ الضَّمَانِ، وَأَمَّا قَبْلَهُ فَالْوَاجِبُ الْأَدَاءُ، وَثَبَتَ مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا دُخُولُهَا فِي ضَمَانِهِ حَتَّى يَغْرَمَ لَوْ تَلِفَ قَالَ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ اهـ. أَقُولُ لَا خَفَاءَ أَنَّ إيجَابَ الضَّمَانِ بِالتَّأْخِيرِ لَهُ ثَمَرَاتٌ، مِنْهَا تَكْلِيفُ الْمَالِكِ الْإِخْرَاجَ عِنْدَ التَّلَفِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ وَمِنْهَا تَكْلِيفُهُ إيَّاهُ لَوْ عَرَضَ لَهُ حَائِلٌ دُونَ الْمَالِ مِنْ غَيْبَةٍ، أَوْ ضَلَالٍ أَوْ يَدٍ عَادِيَةٍ أَوْ إتْلَافِ أَجْنَبِيٍّ، وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّ حَالَةَ تَلَفِهِ بِآفَةٍ الَّتِي هِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ أَوْلَى بِعَدَمِ الضَّمَانِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَتَحَصَّلْ فِيهَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ بِخِلَافِهِ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ يَرْجُو الْعَوْدَ وَالْأَجْنَبِيُّ ضَامِنٌ فَهُوَ مُخْطِئٌ فِيمَا خَطَّأَ النَّوَوِيَّ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (عَلَى الْأَوَّلِ) أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّمَكُّنَ شَرْطٌ لِلضَّمَانِ فَقَطْ، وَهُوَ الرَّاجِحُ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: لِأَنَّهُ لَوْ تَلِفَ الْمَالُ بَعْدَ الْحَوْلِ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ، وَلَوْلَا الْوُجُوبُ لَسَقَطَتْ، وَاحْتَجَّ كَثِيرُونَ بِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ الْإِمْكَانُ مُدَّةً فَابْتِدَاءُ الْحَوْلِ الثَّانِي مِنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ لَا مِنْ وَقْتِ الْإِمْكَانِ، فَلَوْ كَانَ الْإِمْكَانُ هُوَ وَقْتُ الْوُجُوبِ لَكَانَ بَيْنَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ دُونَ حَوْلٍ اهـ. وَمَنْ جَعَلَهُ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ قَاسَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّرِكَةِ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ الْحَوْلِ الثَّانِي مِنْ الدَّفْعِ إذَا كَانَ نِصَابًا فَقَطْ اهـ. قُلْت كَأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَالشَّرِكَةِ الْحَقِيقِيَّةِ بِدَلِيلِ الْفَوْزِ بِالنَّمَاءِ لَمْ يَنْظُرُوا لِذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْت فِي الزَّرْكَشِيّ مَا يَشْهَدُ لِلْإِسْنَوِيِّ وَهُوَ لَوْ مَكَثَ عِنْدَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ سَنَتَيْنِ لَزِمَهُ زَكَاةُ عَامٍ وَاحِدٍ، لَكِنَّ مَسْأَلَةَ تَلَفِ الْبَعْضِ السَّابِقَةَ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الْحَوْلِ فَلِذَا قَيَّدَ الشَّارِحُ فِيمَا سَلَفَ قَوْلُ الْمَتْنِ: (بَعْدَ الْحَوْلِ) صَرَّحَ بِهِ هُنَا لِأَنَّ الْحُكْمَ هُنَا عَدَمُ الْإِسْقَاطِ، وَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِهِ فِيمَا سَلَفَ، فَإِنَّ الْحُكْمَ عَدَمُ الضَّمَانِ وَهُوَ جَارٍ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَهُ قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ) أَيْ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَهُمَا قَوْلُ الشَّارِحِ عَلَى الْأَوَّلِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الثَّانِي قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَهِيَ إلَخْ) سُقُوطُ الزَّكَاةِ بِتَلَفِ الْمَالِ بَعْدَ الْحَوْلِ، وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْعَيْنِ دُونَ الذِّمَّةِ فَلَمَّا جَرَى ذِكْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَسُنَ الْبَحْثُ عَنْ وَجْهِ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ. قَوْلُهُ: (بِقَدْرِهَا مِنْهُ) يَعْنِي مِقْدَارَهَا مِنْ الْمَالِ كَالْمَرْهُونِ بِهَا قَوْلُ الْمَتْنِ (وَفِي قَوْلٍ بِالذِّمَّةِ) يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ تَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ، وَهُوَ أَضْعَفُهَا وَأَنْكَرَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ. قَوْلُهُ: (وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ
[ ٢ / ٥٩ ]
وَيَشْتَرِيَ السِّنَّ الْوَاجِبَةَ مَا يُبَاعُ الْمَرْهُونُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَلِلثَّالِثِ أَنَّهُ يَجُوزُ إخْرَاجُهَا مِنْ غَيْرِ الْمَالِ، وَاعْتَذَرُوا لِلْأَوَّلِ عَنْ هَذَا بِأَنَّ أَمْرَ الزَّكَاةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ وَالْإِرْفَاقِ فَيُحْتَمَلُ فِيهِ مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَالِ كَالشَّاةِ الْوَاجِبَةِ فِي الْإِبِلِ فَقِيلَ لَا يَجْرِي فِيهِ قَوْلُ الشَّرِكَةِ. وَالْأَصَحُّ جَرَيَانُهُ وَتَكُونُ الشَّرِكَةُ بِقَدْرِ قِيمَةِ الشَّاةِ وَهَلْ الْوَاجِبُ عَلَى قَوْلِ الشَّرِكَةِ فِي أَرْبَعِينَ شَاةً مَثَلًا شَاةٌ مُبْهَمَةٌ أَوْ جُزْءٌ مِنْ كُلِّ شَاةٍ، وَجْهَانِ يَأْتِيَانِ عَلَى قَوْلِ تَعَلُّقِ الرَّهْنِ أَيْضًا بِالْبَعْضِ.
وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا: أَنَّ الْجُمْهُورَ جَعَلُوا تَعَلُّقَ الرَّهْنِ وَالذِّمَّةِ قَوْلًا وَاحِدًا فَقَالُوا: تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ وَالْمَالُ مُرْتَهَنٌ بِهَا وَحِكَايَةُ قَوْلٍ رَابِعٍ أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِهِ تَعَلُّقَ الْأَرْشِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي لِسُقُوطِهَا بِتَلَفِ الْمَالِ، وَالتَّعَلُّقُ بِقَدْرِهَا مِنْهُ، وَقِيلَ: بِجَمِيعِهِ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَأْتِي الْوَجْهَانِ فِي مَسْأَلَةِ الشِّيَاهِ السَّابِقَةِ (فَلَوْ بَاعَهُ) أَيْ الْمَالَ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ (قَبْلَ إخْرَاجِهَا فَالْأَظْهَرُ بُطْلَانُهُ) أَيْ الْبَيْعِ (فِي قَدْرِهَا وَصِحَّتُهُ فِي الْبَاقِي) وَالثَّانِي بُطْلَانُهُ فِي الْجَمِيعِ، وَالثَّالِثُ صِحَّتُهُ فِي الْجَمِيعِ وَالْأَوَّلَانِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَيَأْتِيَانِ عَلَى تَعَلُّقِ الشَّرِكَةِ، وَتَعَلُّقِ الرَّهْنِ أَوْ الْأَرْشِ بِقَدْرِ الزَّكَاةِ. وَيَأْتِي الثَّالِثُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا. وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ عَلَى تَعَلُّقِ الشَّرِكَةِ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُسْتَحِقِّينَ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فِيهِ إذْ لِلْمَالِكِ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ مَالِهَا، وَعَلَى تَعَلُّقِ الرَّهْنِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ الْمَالِكِ وَلِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَيُسَامَحُ فِيهِ بِمَا لَا يُسَامَحُ بِهِ فِي سَائِرِ الرُّهُونِ، وَعَلَى تَعَلُّقِ الْأَرْشِ يَكُونُ بِالْبَيْعِ مُخْتَارًا لِلْإِخْرَاجِ مِنْ مَالٍ آخَرَ. وَإِذَا صَحَّ فِي قَدْرِهَا فَمَا سِوَاهُ أَوْلَى، وَعَلَى تَعَلُّقِ الذِّمَّةِ يَصِحُّ بَيْعُ الْجَمِيعِ قَطْعًا.
وَلَوْ بَاعَ بَعْضَ الْمَالِ وَلَمْ يَبْقَ قَدْرُ الزَّكَاةِ فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ الْجَمِيعَ. وَإِنْ أَبْقَى قَدْرَهَا بِنِيَّةِ الصَّرْفِ فِيهَا أَوْ بِلَا نِيَّةٍ فَعَلَى تَعَلُّقِ الشَّرِكَةِ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَجْهَانِ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: أَقْيَسُهُمَا الْبُطْلَانُ لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْتَحِقِّينَ شَائِعٌ فَأَيُّ قَدْرٍ بَاعَهُ كَانَ حَقَّهُ وَحَقَّهُمْ وَالْأَوَّلُ قَالَ: مَا بَاعَهُ حَقُّهُ وَعَلَى تَعَلُّقِ الرَّهْنِ أَوْ الْأَرْشِ بِقَدْرِ الزَّكَاةِ يَصِحُّ الْبَيْعُ. أَمَّا بَيْعُ مَالِ التِّجَارَةِ قَبْلَ إخْرَاجِ زَكَاتِهِ
_________________
(١) [حاشية قليوبي] لَمْ يُشَارِكْ الْمُسْتَحِقُّ الْمَالِكَ فِيمَا حَدَثَ بَعْدَ الْوُجُوبِ. قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ جَرَيَانُهُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (بِقَدْرِ) أَيْ بِجُزْءٍ مِنْ الْإِبِلِ بِقَدْرِ إلَخْ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ: وَابْتِدَاءُ الْحَوْلِ الثَّانِي مِنْ الْإِخْرَاجِ إذَا كَانَ نِصَابًا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَوْ مَكَثَ عِنْدَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ عَامَيْنِ لَزِمَهُ زَكَاةُ عَامٍ وَاحِدٍ وَقَدْ مَرَّ مَا يُفِيدُهُ. قَوْلُهُ: (وَجْهَانِ) أَصَحُّهُمَا الثَّانِي وَقُيِّدَ بِالْحَيَوَانِ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ بِالْجُزْءِ الشَّائِعِ فِي غَيْرِهِ لَا خِلَافَ فِيهِ. قَوْلُهُ: (بَطَلَ فِي قَدْرِهَا) وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ فَيَبْطُلُ فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ جُزْءٌ بِقَدْرِ قِيمَةِ الشَّاةِ لِمَا مَرَّ. وَشَيْخُنَا خَالَفَ فِي هَذِهِ وَأَبْطَلَهَا فِي الْجَمِيعِ، وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَيْهِ وَلَا يَنْقَلِبُ الْعَقْدُ فِيهِ صَحِيحًا لَوْ أَخْرَجَ الْوَاجِبَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَوْ رَدَّ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ قَدْرَ الزَّكَاةِ فَإِنْ كَانَ مَيَّزَهُ الْبَائِعُ لَهَا أَوْ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِهِ امْتَنَعَ تَعَلُّقُ السَّاعِي بِمَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَإِلَّا فَلَا. فَرْعٌ: لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَالِ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ تَعَيَّنَ لِكَفَّارَةٍ سَقَطَتْ زَكَاةُ ذَلِكَ الْقَدْرِ وَيُزَكِّي الْبَاقِيَ إنْ بَلَغَ نِصَابًا أَوْ بَعْدَ الْحَوْلِ لَمْ يَسْقُطْ مِنْ الزَّكَاةِ شَيْءٌ. قَوْلُهُ: (بِنِيَّةِ الصَّرْفِ فِيهَا إلَخْ) خَرَجَ بِالنِّيَّةِ مَا لَوْ قَالَ بِاللَّفْظِ: بِعْتُك هَذِهِ الْأَرْبَعِينَ شَاةً إلَّا هَذِهِ الشَّاةَ لِلزَّكَاةِ أَوْ: بِعْتُك هَذَا الْحَبَّ إلَّا هَذَا الْإِرْدَبَّ مَثَلًا لِلزَّكَاةِ، أَوْ: بِعْتُك هَذَا إلَّا الْعُشْرَ أَوْ: إلَّا نِصْفَ الْعُشْرِ لِلزَّكَاةِ فَيَصِحُّ قَطْعًا. قَوْلُهُ: (أَقْيَسُهُمَا الْبُطْلَانُ) أَيْ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: (بِالْبَيْعِ) خَرَجَ بِهِ الْهِبَةُ مِنْهَا وَعِتْقُ رَقِيقِهَا وَالْمُحَابَاةُ فِي بَيْعِ [حاشية عميرة] إلَخْ) وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ [الذاريات: ١٩] . قَوْلُهُ: (وَجْهَانِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: هُمَا خَاصَّانِ بِالْمَوَاشِي وَأَمَّا الثِّمَارُ وَالنُّقُودُ وَنَحْوُهُمَا، فَهُوَ شَائِعٌ بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكِفَايَةِ وَإِنْ كَانَ قَضِيَّةُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْإِطْلَاقَ. قَوْلُهُ: (وَتَعَلَّقَ الرَّهْنُ أَوْ الْأَرْشُ إلَخْ) اقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْأَرْجَحَ عَلَيْهِمَا الصِّحَّةُ فِيمَا عَدَا قَدْرَ الزَّكَاةِ، وَجَعَلَ الْإِسْنَوِيُّ الْأَرْجَحَ هُوَ الصِّحَّةُ فِي الْجَمِيعِ عَلَى قَوْلِ تَعَلَّقَ الرَّهْنُ وَالْأَرْشُ، وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ السُّبْكِيّ، بَلْ وَفِي الرَّافِعِيِّ وَلَعَلَّ الشَّارِحَ يَخْتَارُ قَوْلَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ مِنْ الْبُطْلَانِ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ عَلَى تَعَلُّقِ الرَّهْنِ وَالْأَرْشِ فَيَكُونُ فِي الْبَاقِي قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ الصِّحَّةُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ عَلَى الْعِلَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، فَهِيَ فِي غَيْرِ قَدْرِ الزَّكَاةِ أَوْلَى. قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ مَالِهَا) أَيْ ثُمَّ إنْ أَخْرَجَ فَذَاكَ، وَإِلَّا انْتَزَعَ السَّاعِي مِنْ الْمُشْتَرِي قَدْرَهَا. قَوْلُهُ: (فَيُسَامَحُ فِيهِ) أَيْ فَتَصِحُّ مَعَ عَدَمِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ. قَوْلُهُ: (وَيَكُونُ بِالْبَيْعِ) يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ وَعَلَى تَعَلُّقِ الْأَرْشِ. قَوْلُهُ: (أَقْيَسُهُمَا الْبُطْلَانُ) أَيْ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ مِنْ الْبَيْعِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ التَّعَلُّقَ شَائِعٌ أَوْ مُبْهَمٌ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ فِي التَّعْلِيلَيْنِ. قَوْلُهُ: (يَصِحُّ الْبَيْعُ) ظَاهِرُهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي جَمِيعِ الْمَبِيعِ، وَهُوَ يُخَالِفُ مَا
[ ٢ / ٦٠ ]
فَيَصِحُّ لِأَنَّ الْقِيمَةَ وَهِيَ لَا تَفُوتُ بِالْبَيْعِ.
_________________
(١) [حاشية قليوبي] عَرْضِهَا أَوْ جَعْلُهُ عِوَضَ خُلْعٍ فَذَلِكَ كَبَيْعِ الْمَاشِيَةِ بَعْدَ الْوُجُوبِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [حاشية عميرة] سَلَفَ لَهُ عِنْدَ بَيْعِ الْكُلِّ مِنْ الصِّحَّةِ فِي غَيْرِ قَدْرِ الزَّكَاةِ خَاصَّةً، حَتَّى عَلَى تَعَلُّقِ الْأَرْشِ وَالرَّهْنِ، وَعِبَارَةُ السُّبْكِيّ فِيمَا لَوْ بَاعَ وَتَرَكَ قَدْرَ الزَّكَاةِ إنْ قُلْنَا بِالشَّرِكَةِ عَلَى الْإِبْهَامِ صَحَّ، أَوْ عَلَى الْإِشَاعَةِ بَطَلَ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ وَصَحَّ فِي الْبَاقِي، وَإِنْ قُلْنَا بِالرَّهْنِ وَقُلْنَا الْجَمِيعُ مَرْهُونٌ لَمْ يَصِحَّ. وَإِنْ قُلْنَا قَدْرُ الزَّكَاةِ صَحَّ فِيمَا عَدَاهُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَرْشِ فَإِنْ صَحَّحْنَا بَيْعَ الْجَانِي صَحَّ، وَإِلَّا فَكَالتَّفْرِيعِ عَلَى الرَّهْنِ. ذَكَرَ هَذَا التَّرْتِيبَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَوْلُهُ فِيمَا عَدَاهُ مُخَالِفٌ لِمَا جَرَى عَلَيْهِ عِنْدَ بَيْعِ الْكُلِّ كَمَا سَلَفَ نَقْلُهُ عَنْهُ فِي الْهَامِشِ أَيْ عَلَى قَوْلِهِ، وَتَعَلُّقُ الرَّهْنِ وَاَلَّذِي فِي الرَّافِعِيِّ وَالرَّوْضَةِ فِي هَذِهِ صِحَّةُ الْبَيْعِ، وَلَمْ يَقُولَا فِيمَا عَدَاهُ، فَالشَّارِحُ مُوَافِقٌ لَهُمَا هُنَا إلَّا أَنَّهُ يُخَالِفُ مَا سَلَفَ لَهُ عِنْدَ بَيْعِ الْكُلِّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعْتَذِرَ عَنْ السُّبْكِيّ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِمَا عَدَاهُ الْقَدْرُ الَّذِي أَبْقَاهُ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ دَاخِلًا فِي الْبَيْعِ فَيَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا فِيمَا وَرَدَ عَلَيْهِ، وَفِي الِاعْتِذَارِ نَظَرٌ. نَعَمْ قَدْ يَعْتَذِرُ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ مَجِيءُ الْقَوْلَيْنِ عَلَى قَوْلِ الرَّهْنِ وَالْأَرْشِ، وَلَكِنْ بِدُونِ تَرْجِيحٍ. قَوْلُهُ: (أَمَّا بَيْعُ مَالِ التِّجَارَةِ إلَخْ) هُوَ قَسِيمُ قَوْلِهِ أَوْ لَا الَّذِي يَجِبُ فِي عَيْنِهِ
[ ٢ / ٦١ ]