قَالَ الشَّافِعِي ﵀ وَالْإِبِل الَّتِي فريضتها الْغنم فِيهَا قَولَانِ
أَحدهمَا أَن الشَّاة الَّتِي فيهمَا فِي رقابها يُبَاع مِنْهَا بعير فَيُؤْخَذ مِنْهَا إِن لم يَأْتِ بهَا
وَالثَّانِي أَن فِي خمس من الْإِبِل حَال عَلَيْهَا الْحول ثَلَاثَة أَحْوَال ثَلَاث شياة فِي كل حول شَاة وَهَذَا الَّذِي ذكره مَبْنِيّ على أَن الزَّكَاة تتَعَلَّق بِالذِّمةِ أَو بِالْعينِ
فَإِن قُلْنَا إِنَّهَا تجب فِي الذِّمَّة وَإِن الدّين لَا يمْنَع وجوب الزَّكَاة وَجب عَلَيْهِ فِي كل حول شَاة إِذا لم يكن لَهُ مَال سوى الْإِبِل
[ ٣ / ٤٩ ]
وَإِن قُلْنَا إِن الَّذين يمْنَع وجوب الزَّكَاة وَجَبت عَلَيْهِ شَاة فِي الْعَام الأول دون مَا بعده
وَإِن قُلْنَا إِن الزَّكَاة تتَعَلَّق بِالْعينِ فقد نَص الشَّافِعِي ﵀ فِي الْجَدِيد على قَوْلَيْنِ فِي ذَلِك
أَحدهمَا أَنه بِاسْتِحْقَاق الْمَسَاكِين للشاة بِسَبَب الْخمس من الْإِبِل يَزُول ملكه عَن جُزْء من الْإِبِل فَلَا يجب فِيهَا بعد الْحول شَيْء آخر
وَالْقَوْل الثَّانِي أَنه يجب عَلَيْهِ فِيهِ ثَلَاث شياة وَيجْعَل ذَلِك وجوبا فِي ذمَّته أَو مُتَعَلقا بِالْمَالِ تعلق الدّين بِالرَّهْنِ
[ ٣ / ٥٠ ]
- ﷺ َ - بَاب صَدَقَة الخلطاء
للخلطة تَأْثِير فِي الزَّكَاة وَهُوَ أَنه يَجْعَل مَال الرجلَيْن وَالْجَمَاعَة بِمَنْزِلَة مَال الرجل الْوَاحِد فِي وجوب الزَّكَاة وسقوطها بِشَرْط أَن يَكُونَا من أهل الزَّكَاة ويبلغ المَال الْمُخْتَلط نِصَابا وَأَن يمْضِي عَلَيْهِ حول كَامِل وَأَن
[ ٣ / ٥١ ]
لَا يتَمَيَّز أَحدهمَا عَن الآخر فِي المراح والمسرح وَالْمشْرَب والراعي والمحلب والفحل
وَفِي اشْتِرَاط نِيَّة الْخلطَة وَجْهَان وبقولنا قَالَ أَحْمد وَظَاهر كَلَام الشَّافِعِي ﵀ فِي الْأُم
إِن إِطْلَاق الْخلطَة يتَنَاوَل خلْطَة الْأَعْيَان وخلطة الْأَوْصَاف
وَنَصّ فِي الْقَدِيم على ان إِطْلَاق الْخلطَة ينْصَرف إِلَى خلْطَة الْأَوْصَاف وَالصَّحِيح هُوَ الأول
وَذكر فِي الْحَاوِي أَن خلْطَة الْأَوْصَاف تسمى خلْطَة لُغَة وَشرعا وخلطة الْأَعْيَان تسمى خلْطَة شرعا لَا لُغَة
وَقَالَ مَالك إِنَّمَا تُؤثر الْخلطَة إِذا كَانَ مَال كل وَاحِد مِنْهُمَا يبلغ نِصَابا
[ ٣ / ٥٢ ]
وَقَالَ أَبُو حنيفَة الْخلطَة لَا تُؤثر فِي الزَّكَاة بِحَال ويزكيان زَكَاة الِانْفِرَاد وَاخْتلف أَصْحَاب مَالك فِي شَرط الْخلطَة
فَمنهمْ من قَالَ يُرَاعى الِاخْتِلَاط فِي شرطين من هَذِه الشُّرُوط ٣ وَمِنْهُم من قَالَ يُرَاعى الرَّعْي والراعي
وَمِنْهُم من قَالَ يَكْفِي الِاتِّفَاق فِي الرَّاعِي
وَلَا يخْتَلف أَصْحَابنَا فِي اعْتِبَار الحلاب وَاخْتلفُوا مَا هُوَ فَظَاهر مَا نَقله الْمُزنِيّ وَعَلِيهِ عَامَّة أَصْحَابنَا أَن يحلب لبن أَحدهمَا على الآخر وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق أَن يكون الحالب وَاحِدًا
وَذكر فِي الْحَاوِي أَن يكون مَكَان الْحَلب وَاحِد
فَأَما إِذا ثَبت لكل وَاحِد مِنْهُمَا حكم الِانْفِرَاد بالحول فِي بعضه ثمَّ خلط الْمَالَيْنِ فَإِن اتّفق حولهما فَفِيهِ قَولَانِ
قَالَ فِي الْقَدِيم يبْنى حول الْخلطَة على حول الِانْفِرَاد فيزكيان زَكَاة الْخلطَة عِنْد تَمام الْحول
وَقَالَ فِي الْجَدِيد لَا يبْنى حول الْخلطَة على حول الِانْفِرَاد فيزكي كل
[ ٣ / ٥٣ ]
وَاحِد مِنْهُمَا زَكَاة الِانْفِرَاد عِنْد تَمام الْحول فَأَما فِي الْحول الثَّانِي وَمَا بعده فيزكيان زَكَاة الْخلطَة
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج يزكيان زَكَاة الِانْفِرَاد بالحول دون الاخر بِأَن ملك أَحدهمَا أَرْبَعِينَ شَاة فِي أول الْمحرم وَملك الآخر أَرْبَعِينَ شَاة فِي أول صفر وخلطاهما ثمَّ بَاعَ الثَّانِي الْأَرْبَعين الَّتِي ملكهَا فختلطة من آخر فَإِن الأول قد ثَبت لَهُ حكم الِانْفِرَاد وَالْمُشْتَرِي من الخليط لم يثبت لَهُ حكم الِانْفِرَاد
فعلى قَوْله الْقَدِيم يجب على كل وَاحِد مِنْهُمَا عِنْد تَمام حوله نصف شَاة وعَلى قَوْله الْجَدِيد يجب على الأول عِنْد تَمام حوله شَاة
وَفِي الثَّانِي وَجْهَان
أَحدهمَا أَنه يجب عَلَيْهِ ايضا شَاة
وَالثَّانِي أَنه يجب عَلَيْهِ نصف شَاة وَهُوَ الْأَصَح
[ ٣ / ٥٤ ]
فَأَما إِذا ملك رجل أَرْبَعِينَ شَاة وَمضى عَلَيْهَا نصف الْحول فَبَاعَ نصفهَا مشَاعا فَإِذا تمّ حول البَائِع وَجب عَلَيْهِ نصف شَاة
وَقَالَ أَبُو عَليّ بن خيران يبْنى ذَلِك على الْقَوْلَيْنِ
فعلى قَوْله الْقَدِيم يجب على الأول نصف شَاة
وعَلى قَوْله الْجَدِيد يَنْقَطِع حول البَائِع فِيمَا بَقِي على ملكه فيستأنف فِيهِ الْحول وَهَذَا غلط لِأَن قَول الشَّافِعِي ﵀ لَا يخْتَلف أَن حول الْخلطَة يبْنى على حول الِانْفِرَاد وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي قدر الزَّكَاة هَل يعْتَبر بحول الِانْفِرَاد أَو بحول الْخلطَة
فَأَما المُشْتَرِي فَإِنَّهُ إِذا تمّ حوله من حِين الشِّرَاء وَجب عَلَيْهِ نصف شَاة
إِذا قُلْنَا إِن الزَّكَاة تجب فِي الذِّمَّة وَإِن الدّين لَا يمْنَع وجوب الزَّكَاة
وَإِن قُلْنَا إِن الزَّكَاة تجب فِي الْعين لم يجب عَلَيْهِ شَيْء لنُقْصَان النّصاب بِمَا وَجب على البَائِع من نصف الشَّاة
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق فِيهِ قَول آخر أَنه يجب عَلَيْهِ الزَّكَاة لِأَنَّهُ إِذا أخرجهَا من غَيره ثَبت أَن ملكه لم يزل وَهَذَا فَاسد
فَأَما إِذا بَاعَ مِنْهَا عشْرين مُعينَة وَسلمهَا من غير تَفْرِيق بسوق الْجَمِيع لم يَنْقَطِع الْحول
وَقيل يَنْقَطِع وَلَيْسَ بِشَيْء
فَإِن ملك رجل اربعين من الْغنم وَملك آخر أَرْبَعِينَ من الْغنم وحولهما
[ ٣ / ٥٥ ]
مُتَّفق فَبَاعَ كل وَاحِد مِنْهُمَا نصف غنمه بِنصْف غنم الآخر انْقَطع حولهما فِيمَا تبايعاه قولا وَاحِدًا وَلَا يَنْقَطِع فِيمَا لم يتبايعاه على طَريقَة أبي إِسْحَاق وَعَامة أَصْحَابنَا وَهِي الصَّحِيحَة وعَلى قَول ابْن خيران فِيهِ قَولَانِ
فَإِذا قُلْنَا لَا يَنْقَطِع فجيب عِنْد تَمام الْحول على قَوْله الْقَدِيم نصف شَاة بِحكم الْخلطَة على كل وَاحِد مِنْهُمَا ربع شَاة وعَلى قَوْله الْجَدِيد يجب فِيهَا شَاة بِحكم الِانْفِرَاد على كل وَاحِد مِنْهُمَا نصفهَا وَأما الَّذِي تبايعاه إِذا تمّ حوله وَجَعَلنَا الحكم للخلطة وَجب فِيهِ نصف شَاة على الخليطين وَإِن جعلنَا الحكم للانفراد فِيمَا لم يتبايعاه فَالَّذِي يتبايعاه عِنْد تَمام حوله يَبْنِي على من ملك أَرْبَعِينَ فِي الْمحرم ثمَّ ملك أَرْبَعِينَ فِي صفر فَأخْرج زَكَاة الأول عِنْد تَمام حوله هَل تجب فِي الْبَاقِي إِذا تمّ حوله الزَّكَاة فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا لَا تجب فَلَا تجب هَا هُنَا فِيمَا تبايعاه شَيْء
وَإِن قُلْنَا الزَّكَاة تجب فِي الزَّائِد على النّصاب وَجَبت فِيمَا تبايعاه فِي مَسْأَلَتنَا عِنْد تَمام حوله وَفِي قدرهَا وَجْهَان
أَحدهمَا شَاة
[ ٣ / ٥٦ ]
وَالثَّانِي نصف شَاة
إِذا كَانَ لِرجلَيْنِ أَرْبَعُونَ من الْغنم مختلطة لكل وَاحِد عشرُون ولأحدهما أَرْبَعُونَ مُنْفَرِدَة وَتمّ الْحول فَفِيهِ أَرْبَعَة أوجه احدهما وَهُوَ الْمَنْصُوص عَلَيْهِ وَاخْتَارَهُ القَاضِي أَبُو الطّيب ﵀ أَنه تجب شَاة ربعهَا على صَاحب الْعشْرين وَالْبَاقِي على صَاحب السِّتين
وَالثَّانِي أَنه يجب على صَاحب السِّتين ثَلَاثَة أَربَاع شَاة وعَلى صَاحب الْعشْرين نصف شَاة
وَالثَّالِث أَنه يجب على صَاحب الْعشْرين نصف شَاة وعَلى صَاحب السِّتين شَاة
وَالرَّابِع أَنه يجب على صَاحب السِّتين شَاة إِلَّا نصف سدس شَاة ثلثا شَاة بِسَبَب الْأَرْبَعين المنفردة وَربع شَاة بِسَبَب الْعشْرين المختلطة
[ ٣ / ٥٧ ]
وعَلى صَاحب الْعشْرين نصف شَاة وَأَقل عدد لَهُ ثلثان وَربع اثْنَا عشر وَلَيْسَ بِصَحِيح
وَيتَفَرَّع على مَا ذَكرْنَاهُ إِذا كَانَ لَهُ سِتُّونَ من الْغنم فخالطه بِكُل عشْرين مِنْهَا رجلا لَهُ عشرُون فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه
فعلى مَنْصُوص الشَّافِعِي ﵀ فِي الْمَسْأَلَة الْمُتَقَدّمَة يضم الْغنم بَعْضهَا إِلَى بعض فَيجب فِيهَا شَاة على صَاحب السِّتين نصفهَا وعَلى الخلطاء الثَّلَاثَة نصفهَا على كل وَاحِد مِنْهُم سدس شَاة
وعَلى قَول الْقَائِل الثَّانِي هُنَاكَ تجب هَا هُنَا على صَاحب السِّتين نصف شَاة وعَلى كل وَاحِد من الخلطاء نصف شَاة
وعَلى الْوَجْه الرَّابِع يجب على صَاحب السِّتين هَا هُنَا ثَلَاثَة أَربَاع شَاة وعَلى كل وَاحِد من الخلطاء نصف شَاة
وَلَا يَجِيء هَا هُنَا الْوَجْه الثَّالِث لِأَن صَاحب السِّتين لَيْسَ لَهُ غنم مُنْفَرِدَة فَيجب عَلَيْهِ باعتبارها شَاة
وَحكى القَاضِي حُسَيْن ﵀ وَجها آخر أَنه يجب على صَاحب السِّتين شَاة وَنصف وَهَذَا فِي غَايَة الْفساد
[ ٣ / ٥٨ ]
ذكر ابْن الْحداد إِذا كَانَ لرجل أَرْبَعُونَ شَاة فخالط بِعشْرين مِنْهَا أَرْبَعُونَ لرجل وبعشرين أَرْبَعِينَ لآخر فَإِنَّهُ يجب على كل وَاحِد من خليطيه ثلثا شَاة وعَلى صَاحب الْأَرْبَعين ثلث شَاة على طَريقَة أبي على بن أبي هُرَيْرَة وعَلى مَا حكيناه من مَنْصُوص الشَّافِعِي ﵀ يجب عَلَيْهِم شَاة على كل وَاحِد مِنْهُم ثلثهَا
وَحكى فِيهِ وَجه آخر أَنه يجب على كل وَاحِد ثلثا شَاة فَيكون فِي كل سِتِّينَ شَاة وَهُوَ وَجه بعيد
ذكر عَن ابْن الْحداد أَيْضا رجل مَعَه عشر من الْإِبِل فخالط بِخمْس مِنْهَا خَمْسَة عشر لرجل وبالخمس الْأُخْرَى خَمْسَة عشر لآخر فَقَالَ يجب على صَاحب الْعشْرَة ربع بنت مَخَاض وعَلى كل وَاحِد من خليطيه ثَلَاث شياة وَهَذَا على طَرِيقَته الْمُتَقَدّمَة
وعَلى مَا حكيناه عَن الشَّافِعِي ﵀ يجب على الْكل بنت لبون على صَاحب الْعشْرَة ربعهَا وعَلى الخليطين ثَلَاثَة أربعاعها
وَقيل لَا يُمكن ضم مَال أَحدهمَا إِلَى الآخر وَإِنَّمَا يضم مَاله إِلَى أحد خليطيه وَالْمَسْأَلَة الَّتِي ذكرهَا الشَّافِعِي ﵀ لَيْسَ فِيهَا ضم مَال أحد الخليطين إِلَى الآخر