وَمن اضْطر إِلَى أكل الْميتَة أَو لحم الْخِنْزِير جَازَ لَهُ أكله وَهل يجب عَلَيْهِ أكله فِيهِ وَجْهَان
أصَحهمَا أَنه يجب وَهل يجوز أَن يشْبع مِنْهَا فِيهِ قَولَانِ
أَحدهمَا أَنه لَا يجوز وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَاخْتِيَار الْمُزنِيّ
[ ٣ / ٣٥٨ ]
وَالْقَوْل الثَّانِي أَنه يجوز أَن يشْبع وَهُوَ قَول مَالك وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد
وَإِن اضْطر إِلَى إطْعَام غَيره وَصَاحبه غير مُضْطَر إِلَيْهِ وَجب عَلَيْهِ بذله لَهُ فَإِن طلب مِنْهُ أَكثر من ثمن مثله وَامْتنع من بذله لَهُ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ بذلك فَهَل يلْزمه الزِّيَادَة فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا يلْزمه
وَالثَّانِي لَا يلْزمه
وَاخْتَارَ أقضى الْقُضَاة أَبُو الْحسن الْمَاوَرْدِيّ تَفْصِيلًا خلاف الْوَجْهَيْنِ
فَقَالَ ينظر فَإِن كَانَت الزِّيَادَة لَا تشق عَلَيْهِ ليساره فَهُوَ فِي بذلها غير مكره فَيلْزمهُ وَإِن كَانَت شاقة عَلَيْهِ لإعساره فَهُوَ مكره فِي بذلها فَلَا تلْزمهُ
قَالَ الإِمَام أَبُو بكر وَهَذَا عِنْدِي خلاف الْقيَاس وَلَا وَجه للتفرقة بَين الْمُوسر والمعسر فِي الزِّيَادَة فَإِن الْمُوسر لَا يلْزمه قبُول الزِّيَادَة وَيجوز لَهُ الِانْتِقَال إِلَى أكل الْميتَة وَلَا يلْزم صَاحب الطَّعَام بذله من غير ثمن إِمَّا فِي ذمَّته إِن رَضِي بِذِمَّتِهِ أَو بِمَال فِي يَده إِذا كَانَ فِي يَده مَال
[ ٣ / ٣٥٩ ]
وَحكي عَن بعض النَّاس أَنه قَالَ يلْزمه بذله من غير ثمن وَحَكَاهُ فِي الْحَاوِي عَن بعض اصحابنا فَإِن امْتنع من بذله كَانَ لَهُ مكابرته على أَخذه وقتاله قدر مَا يكاثره عَلَيْهِ قَولَانِ
فَإِن وجد ميتَة وَطَعَام الْغَيْر وَصَاحبه غَائِب فَفِيهِ وَجْهَان
واحدهما أَنه يَأْكُل طَعَام الْغَيْر وَيضمن قِيمَته
وَالثَّانِي أَنه يَأْكُل الْميتَة وَبِه قَالَ أَحْمد
وَإِن وجد ميتَة وصيدا وَهُوَ محرم فَفِيهِ طَرِيقَانِ
أظهرهمَا أَنا إِذا قُلْنَا إِنَّه إِذا ذبح الصَّيْد صَار ميتَة أكل الْميتَة وَإِن قُلْنَا لَا يصير ميتَة ذبح الصَّيْد وَأكله
وَمن اصحابنا من قَالَ إِذا قُلْنَا لَا يصير ميتَة فَفِيهِ قَولَانِ
وَإِن وجد الْمحرم صيدا وَطَعَام الْغَيْر فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا يَأْكُل الصَّيْد
وَالثَّانِي يَأْكُل طَعَام الْغَيْر
وَالثَّالِث يتَخَيَّر بَينهمَا
[ ٣ / ٣٦٠ ]
وَإِن اضْطر وَلم يجد مَا يَأْكُلهُ فَهَل يجوز أَن يقطع من بدن نَفسه ويأكله فِيهِ وَجْهَان
قَالَ أَبُو إِسْحَاق يجوز
وَالثَّانِي لَا يجوز
فَإِن اضْطر إِلَى شرب الْخمر فَفِيهِ ثَلَاثَة اوجه
أَحدهَا أَنه لَا يجوز شربهَا
وَالثَّانِي يجوز وَهُوَ قَول أبي حنيفَة
وَالثَّالِث أَنه لَا يجوز شربهَا للعطش وَيجوز شربهَا للدواء
وَقيل بِالْعَكْسِ من ذَلِك
فَإِن وجد آدَمِيًّا مَيتا جَازَ لَهُ أَن يَأْكُل مِنْهُ
وَقَالَ احْمَد لَا يَأْكُل مِنْهُ وَحكي ذَلِك عَن دَاوُد
وَلَا يجوز اسْتِعْمَال الْخِنْزِير فِي غرز وَلَا غَيره وَمَتى اصاب شَيْئا رطبا نجسه
[ ٣ / ٣٦١ ]
وَقَالَ اصحاب ابي حنيفَة يجوز اسْتِعْمَاله فِي الْحِرْز
إِذا وَقعت نَجَاسَة فِي دهن جامد ألقيت وَمَا حولهَا وَإِن كَانَ مَائِعا نجس جَمِيعه وَلَا يجوز أكله وَلَا بَيْعه وَيجوز الاستصباح بِهِ
وَقَالَ قوم من أَصْحَاب الحَدِيث لَا يجوز الاستصباح بِهِ
وَقَالَ دَاوُد إِن كَانَ سمنا فَذَلِك حكمه وَإِن كَانَ غَيره لم ينجس
وَذكر فِي الْحَاوِي إِذا وجد الْمُضْطَر ميتَة مَأْكُول اللَّحْم وَغير مَأْكُول أَو ميتَة حَيَوَان طَاهِر فِي حَال حَيَاته وميتة حَيَوَان نجس فَفِيهِ وَجْهَان
أظهرهمَا أَنه يتَخَيَّر بَينهمَا
وَالثَّانِي يَأْكُل ميتَة الْمَأْكُول الطَّاهِر وَلَيْسَ بِشَيْء
وَإِن مر ببستان غَيره وَهُوَ غير مُضْطَر لم يجز أَن يَأْكُل من ثمره شَيْئا بِغَيْر إِذْنه
وَقَالَ أَحْمد إِذا مر ببستان فِيهِ ثَمَرَة رطبَة غير محوطة جَازَ لَهُ أَن يَأْكُل مِنْهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَأما السواقط تَحت الْأَشْجَار من الثِّمَار
[ ٣ / ٣٦٢ ]
إِذا لم تكن محوزة وَجَرت عَادَة أَهلهَا بإباحتها فَهَل تجرى الْعَادة فِي ذَلِك مجْرى الْإِذْن حكى فِي الْحَاوِي وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن الْعَادة تجرى فِيهِ مجْرى الْإِذْن فَيجوز لَهُ الْأكل
فَإِن استضاف مُسلم بِمُسلم لم يكن بِهِ ضَرُورَة لم يجب عَلَيْهِ إِضَافَته وَإِنَّمَا يسْتَحبّ
وَقَالَ احْمَد يجب
وَلَا يحرم كسب الْحجام وَيكرهُ للْحرّ أَن يكْتَسب بالصنائع الدنيئة وَلَا يكره للْعَبد
وَحكي عَن بعض أَصْحَاب الحَدِيث أَنه حرَام على الْأَحْرَار وَاخْتلف أَصْحَابنَا فِي عِلّة كَرَاهَة كسب الْحجام
[ ٣ / ٣٦٣ ]
فَقيل لأجل مُبَاشرَة النَّجَاسَة فعلى هَذَا يكره كسب الكناس والزبال والقصاب وَاخْتلف قَول هَذَا الْقَائِل فِي الفصاد على وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَنه من جُمْلَتهمْ
وَالثَّانِي هُوَ قَول أبي عَليّ بن أبي هُرَيْرَة أَنه لَا يكره لاقترانه بِعلم الطِّبّ فَأَما الْخِتَان فمكروه كالحجام
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن كَرَاهَة التكسب بالحجامة لدنائتها وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي ﵀ فعلى هَذَا يكره كسب الدّباغ والحلاق
[ ٣ / ٣٦٤ ]
والقيم وَاخْتلف فِي الحمامي على وَجْهَيْن وَحكي فِي كَرَاهَة ذَلِك للعبيد وَجْهَيْن ذكر ذَلِك فِي الْحَاوِي وَالصَّحِيح مَا قدمْنَاهُ
وَاخْتلف فِي أطيب المكاسب
فَقيل الزِّرَاعَة
وَقيل الصِّنَاعَة
وَقيل التِّجَارَة وَهِي أظهرها على مَذْهَب الشَّافِعِي رَحْمَة الله عَلَيْهِ
[ ٣ / ٣٦٥ ]
- ﷺ َ - بَاب الصَّيْد والذبائح لَا تحل ذَبِيحَة غير أهل الْكتاب وهم الْيَهُود وَالنَّصَارَى من الْكفَّار
وَقَالَ أَبُو حنيفَة تحل ذَبِيحَة نَصَارَى الْعَرَب
فَأَما إِذا كَانَ ولد كتابي من مَجُوسِيَّة أَو وثنية فَفِي ذَبِيحَته قَولَانِ
أَحدهمَا لَا يحل كَمَا لَو كَانَ الْأَب مجوسيا
وَالثَّانِي يحل وَهُوَ قَول ابي حنيفَة وَكَذَا لَو كَانَ الْأَب مجوسيا وَالأُم كِتَابِيَّة حل عِنْده وَتَصِح ذَكَاة الصَّبِي وَالْمَجْنُون فِي أظهر الْقَوْلَيْنِ وَكَذَا السَّكْرَان
وَذكر فِي الْحَاوِي ان فِي النَّصَارَى وَالْيَهُود من بني إِسْرَائِيل من لَا يعْتَقد أَن العزير والمسيح ابْن الله فَتحل ذَبِيحَته وَمن اعْتقد مِنْهُم أَن العزير ابْن الله والمسيح ابْن الله لَا تحل ذَبِيحَته فِي أحد الْوَجْهَيْنِ
[ ٣ / ٣٦٦ ]
وَلَا يحل الذّبْح بِالسِّنِّ وَالظفر
وَقَالَ ابو حنيفَة تصح بهما إِذا كَانَا منفصلين
وَيسْتَحب أَن يُسَمِّي الله ﷿ على الذّبْح وإرسال الْجَارِحَة على الصَّيْد فَإِن ترك التَّسْمِيَة لم يحرم وَبِه قَالَ مَالك
وَقَالَ ابو ثَوْر وَدَاوُد التَّسْمِيَة شَرط فِي الْإِبَاحَة بِكُل حَال
وَقَالَ ابو حنيفَة هِيَ شَرط فِي حَال الذّكر وَعَن أَحْمد ثَلَاث رِوَايَات رِوَايَة مثل قَول دَاوُد وَرِوَايَة مثل قَول ابي حنيفَة وَرِوَايَة أَن يُسَمِّي فِي إرْسَال الْجَارِحَة على الصَّيْد وَلَا يلْزمه فِي إرْسَال السهْم
[ ٣ / ٣٦٧ ]
وَأما الذَّكَاة فَلَا يشْتَرط فِيهَا التَّسْمِيَة فِي حَال النسْيَان وَفِي حَال الْعمد رِوَايَتَانِ
وَالْمُسْتَحب أَن يقطع الْحُلْقُوم والمرىء والودجين
فالحلقوم مجْرى النَّفس فِي مقدم الرئة
والمرىء مجْرى الطَّعَام وَالشرَاب وَبِهِمَا تبقى الْحَيَاة
والودجان عرقان فِي جَانِبي الْعُنُق من مُقَدّمَة لَا تفوت الْحَيَاة بفوتهما وَقد يسلان من الْحَيَوَان فَيبقى وَيُقَال لَهما الوريدان وَلَا يعْتَبر قطعهمَا فِي الذَّكَاة
وَقَالَ ابو حنيفَة يعْتَبر قطع الْأَكْثَر من كل وَاحِد مِنْهُمَا
وَقَالَ ابو يُوسُف لَا يحل حَتَّى يقطع أَكْثَرهَا عددا ثَلَاثَة من أَرْبَعَة
وَحكي فِي الْحَاوِي عَن مَالك أَنه قَالَ لَا يحل حَتَّى يقطع جَمِيع هَذِه الْأَرْبَعَة
وَحكي عَن سعيد بن الْمسيب أَنه يحرم إِذا فعل ذَلِك
فَإِن قطع الْحُلْقُوم وَأكْثر المرىء فَهَل تحصل الذَّكَاة فِيهِ وَجْهَان
أظهرهمَا أَنه لَا يحل
وَالثَّانِي يحل فَإِن ذبحه من قَفاهُ وَبَقِي فِيهِ حَيَاة مُسْتَقِرَّة عِنْد قطع الْحُلْقُوم وَيعلم ذَلِك بالحركة القوية حل وَإِن بَقِي فِيهِ حَرَكَة مَذْبُوح لم يحل
[ ٣ / ٣٦٨ ]
وَحكي عَن مَالك وَأحمد أَنَّهُمَا قَالَا لَا يحل بِحَال
وتنحر الْإِبِل معقولة ويذبح الْبَقر وَالْغنم مُضْطَجِعَة فَإِن ذبح الْإِبِل وَنحر الْبَقر كره وَحل
وَحكي عَن مَالك أَنه قَالَ لَا يجوز ذبح الْجمل فَإِن ذبحه لم يحل