لقد تتبعت كتابه فوجدت آراء الأئمة الثلاثة التي كان يدونها صحيحة، كان ينقلها بأمانة نقل العالم المعتد بشخصيته العلمية، مشيرًا إلى ذلك، وينسب كل نقل إلى قائله، إلّا في بعض المسائل منها:
_________________
(١) انظر "حلية العلماء" جـ ١ ورقة ١٢٠ وجه أمن نسخة أ.
[ ١ / ٤٠ ]
أولًا: وفي استعمال أواني المشركين وثيابهم من غير غسل، إذا كانوا ممن يتدين باستعمال النجاسة وجهان:
أحدهما: يجوز.
والثاني: لا يجوز، وكذا الوجهان في طين الطرقات.
وقال أحمد وداود: لا يجوز استعمال إلا بعد الغسل بكل حال (١).
وهذا الرأي غير وارد عن أحمد، والوارد: أنه يجوز للمسلم أن يستعير من الكافر أوانيه وثيابه المجهولة، ويحكم بطهارتها، وأنها متى حصلت في أيدينا، لم يجب علينا تطهير ما لم نعلم نجاسته منها، لأن النبي -ﷺ- وأصحابه توضؤوا من مزادة مشركة ولأن الأصل الطهارة (٢).
ثانيًا: في الماء المستعمل.
قال: وحكى عيسى بن أبان عن الشافعي ﵀ جواز التطهر به، وهو قول مالك وداود (٣).
وعند مالك: أن الماء اليسير -الذي هو قدر آنية الغسل فأقل، - المستعمل في حدث، يكره استعماله في حدث بشروط ثلاثة:
١ - أن يكون يسيرًا.
٢ - أن يكون استعمل في رفع حدث لا حكم خبث.
_________________
(١) انظر جـ ١ ورقة ٩، وجه ب.
(٢) انظر "هداية الراغب" ٢٥، و"المغني" لابن قدامة المقدسي ١/ ٦١، ٦٢، و"كشاف القناع" ١/ ٥٣.
(٣) "حلية العلماء" ١، ورقة ٦، وجه أمن نسخة أ.
[ ١ / ٤١ ]
٣ - أن يكون الاستعمال الثاني في رفع حدث، والحاصل عندهم: أن الماء المستعمل في حكم خبث لا يكره له استعماله، وأن الماء المستعمل في حدث لا يكره استعماله في حكم خبث (١).
ثالثًا: أما ما جاء في التيمم، قال الشاشي: وقال أبو حنيفة: يجوز أن يصلي بتيمم ما شاء من الفرائض، وبه قال الثوري وداود، واختاره المزني (٢).
والوارد في مختصر المزني: ولا يجمع، بتيمم صلاتي فرض، بل يجدد لكل فريضة طلبًا للماء وتيممًا بعد الطلب الأول، لقوله، ﷿: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ وقول ابن عباس: (لا تصلى المكتوبة إلا بتيمم) (٣).
وكان القفال ﵀، أمينًا في نقله من المصادر التي ذكرتها سابقًا، وكان يوردها في كلامه، وكان يذكر أسماء المؤلفين كثيرًا، وأحيانًا يذكر اسم الكتاب فقط فيقول: قال ابن القاص في التلخيص، وذكر في الحاوي كذا (٨)، وحكى في الحاوي كذا (٥) وقال الشيخ أبو حامد ﵀ في التعليق كذا (٦)، وقال أبو إسحاق المروزي كذا (٧)،
_________________
(١) "بلغة السالك لأقرب المسالك" ١/ ١٥.
(٢) حلية ١، ورقة ٢٩، وجه ب.
(٣) "مختصر المزني" مع "الأم": ٧، وبعد البحث وجدته يأخذ هذا من "المهذب" ١/ ٤٣.
(٤) "حلية العلماء" مخطوطة أ، جـ ١، ورقة ٣١، وجه أ.
(٥) "حلية العلماء" مخطوطة أ، جـ ١، ورقة ٣٦، وجه أ.
(٦) "حلية العلماء" مخطوط أ، جـ ١، ورقة ٤٤، وجه أ.
(٧) "حلية العلماء" مخطوطة أ، جـ ١، ورقة ٤٦، وجه أ.
[ ١ / ٤٢ ]
وقال محمد بن الحسن في الجامع الصغير (١)، وقال أبو علي في الإِفصاح (٢)، وغير ذلك من الكتب الكثيرة، والمراجع الثمينة التي يتمنى الباحث أن تظهر للوجود، وما زالت مخطوطة في دور الكتب لم ترَ النور بعد، أو أن بعضها قد فقدت مع ما فقد من تراث الإسلام وذخائره، في أيام التاريخ الأسود، التي حلت في دار الإسلام، بهجمات التتر والفتن الداخلية.