يجوز التيمم عن الحدث الأصغر، والأكبر (٢).
_________________
(١) التيمم في اللغة: مطلق القصد: "التعريفات" للسيد الجرجاني: ٦٤. قال الشاعر: وما أدري إذا يممت أرضًا أريد الخير أيهما يليني أللخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي هو يبتغيني "بدائع الصنائع" ١/ ٤٥. وفي الشرع: قصد الصعيد الطاهر، واستعماله بصفة مخصوصة، لإزالة الحدث، "التعريفات" للجرجاني: ٦٤.
(٢) وهذا بالإجماع، "رحمة الأمة في اختلاف الأئمة": ٢٠، و"الميزان الكبرى" للشعراني ١/ ١٣٢، ولقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، أما الأكبر، فلما روي عن عمار بن يسار ﵄ قال: أجنبت فتمعكت في التراب، فأخبرت النبي -ﷺ- بذلك فقال -ﷺ-: "إنما كان يكفيك هكذا، وضرب يديه على الأرض، ومسح وجهه وكفيه"، رواه البخاري، أنظر "فتح الباري" ١/ ٤٦١، ورواه مسلم ٤/ ٩١، وأنظر "السنن الكبرى" للبيهقي ١/ ٢٠٩.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وروي عن عمر (١)، وعبد اللَّه بن مسعود ﵄ أنهما قالا: لا يجوز للجنب أن يتيمم.
وقيل: إنهما رجعا عن ذلك (٢).
وحكي عن النخعي: أن الجنب يؤخر الصلاة، حتى يجد الماء، رواه ابن المنذر.
ولا يجوز التيمم عن النجاسة.
وقال أحمد (٣): يجوز.
والتيمم: مسح الوجه، واليدين مع المرفقين بالتراب بضربتين، أو أكثر، وهو قول أبي حنيفة (٤)، ومالك (٥).
وحكي عن الشافعي ﵀ أنه قال في القديم (٦): إن التيمم
_________________
(١) عمر بن الخطاب: هو أمير المؤمنين أبو حفص ابن نفيل بن عبد العزى ابن رباح بن عبد اللَّه بن قرط، مات سنة ٢٣ هـ، قال ابن عمر: وهو ابن خمس وخمسين، وكانت ولايته عشر سنين وأشهرًا، والمتأمل في كتابه إلى أبي موسى الأشعري وجد الفضل والفقه له، "مفتاح السعادة " ٢/ ٨، وأنظر كتابنا "نظرية الغرر" ٢/ ٣٥٣.
(٢) ويقول الشعراني: وأجمعوا على وجوب التيمم للجنب كالمحدث، وكلاهما إذن مخالف للإجماع، "الميزان" للشعراني ١/ ١٣٢.
(٣) أنظر "غاية المنتهى، ومطالب أولي النهى"، "وتجريد زوائد الغاية" والشرح ١/ ٢١٢.
(٤) أنظر "بدائع الصنائع" للكاساني ١/ ٤٥.
(٥) أنظر "جواهر الإكليل، ومختصر الشيخ خليل" ١/ ٢٧.
(٦) والمعتمد عند الشافعي: أن التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين مع =
[ ١ / ٢٣٠ ]
في الوجه والكفين، وليس بمشهور عنه، وهو قول أحمد (١)، وداود، وهو رواية عن مالك (٢).
وعندهم: يقتصر فيهما على ضربة واحدة (٣).
وعندنا: يحتاج إلى ضربتين.
وقال الزهري: يمسح اليد إلى الإبط.
وحكي عن ابن سيرين أنه قال: لا يجزئه أقل من ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للكفين، وضربة للذراعين.
_________________
(١) = المرفقين، فإن حصل استيعاب الوجه، واليدين بالضربتين، وإلا وجبت الزيادة حتى يحصل الاستيعاب، أما قول الشافعي: ان التيمم يكفي فيه مسح الوجه والكفين، فأنكره الشيخ أبو حامد، والماوردي، وقالوا: لم يذكره الشافعي في القديم، أما نقل أبي ثور عن الشافعي، وهو من خواص أصحاب الشافعي وثقاتهم وأئمتهم، فنقله عنه مقبول، وإذا لم يوجد هذا النقل في القديم، حمل على أنه سمعه منه مشافهة "المجموع" ٢/ ٢٢٩.
(٢) لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾، وإذا علق حكم بمطلق اليدين، لم يدخل فيه الذراع، كقطع السارق، ومس الفرج، ولحديث عمار قال: "بعثني النبي -ﷺ- في حاجة، فأجنبت، فلم أجد ماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي -ﷺ- فذكرت ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه"، متفق عليه "فتح الباري" ١/ ٤٦١، وفي لفظ: أن النبي -ﷺ- أمره بالتيمم للوجه والكفين" صححه الترمذي، ويقول البهوتي: وأما رواية أبي داود (إلى المرفقين) فلا يعول على هذه الرواية، لأنه إنما رواها سلمة، وشك فيها، وذكر ذلك النسائي، فلا تثبت مع الشك مع أنه قد أنكر عليه، "كشف القناع" ١/ ١٧٤، ١٧٥.
(٣) أنظر "بداية المجتهد" ١/ ٧٠.
(٤) وهو قول كثير من الخراسانيين، "المجموع" ٢/ ٢٢٩.
[ ١ / ٢٣١ ]
ولا يصح التيمم إلّا بتراب طاهر، له غبار يعلق باليد (١)، وبه قال أحمد، وداود (٢).
وقال أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤): يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض، ولا يعتبر أن يعلق باليد غبار، حتى قال مالك: يصح التيمم بالثلج.
وحكي (عنه) (٥) أنه قال: يصح التيمم بكل ما كان متصلًا بالأرض من النبات.
وقال أبو يوسف: يجوز التيمم بالتراب، والرمل، وهو قول الشافعي ﵀ في القديم.
وحكي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا يجوز التيمم
_________________
(١) لحديث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت" رواه مسلم والبخاري، أنظر صحيح البخاري ١: ٧٠ وأنظر نيل الأوطار للشوكاني ١: ٢٨٢.
(٢) أنظر "مطالب أولي النهى" ١/ ٢٠٩، وكذلك الظاهرية، أنظر "المحلى" ١/ ٦٠.
(٣) وهذا رأي أبي حنيفة ومحمد ﵄، أما أبو يوسف فإنه لا يجيز إلا بالتراب، والرمل خاصة، ورواية أخرى عن أبي يوسف أنه لا يجوز إلا بالتراب وهو قوله الأخير، "تحفة الفقهاء" ١/ ٧٩.
(٤) أنظر "سراج السالك" ١/ ٨٥، وأما التيمم في الثلج، فرواية غير مشهورة عند المالكية، "المنتقى" للباجي ١/ ١١٦.
(٥) (عنه): ساقطة من جـ.
[ ١ / ٢٣٢ ]
إلّا بتراب عذب، تراب الحرث، وبه قال إسحاق: فإن ضرب يده على ثيابه، فعلق بها غبار، فتيمم به صح تيممه (١).
وقال أبو موسى: لا يصح، وحكي أيضًا عن مالك (٢).
وحكي عن داود: أن التراب إن كان (قد) تغير بالنجاسة، لم يجز التيمم به، وإن لم يتغير، جاز.
ولا يجوز التيمم (بتراب) (٣) خالطة دقيق، أو جص، وحكي فيه وجه آخر: أنه يجوز إذا كان التراب غالبًا (٤).
ولا يصح التيمم بتراب مستعمل في التيمم (٥).
وقال أصحاب أبي حنيفة (٦): يجوز وهو وجه لبعض أصحابنا.
_________________
(١) أنظر "المجموع" ٢/ ٢٣٨.
(٢) أنظر "بداية المجتهد" ١/ ٧٢، لأنهم يشترطون أن يكون التيمم بكل ما صعد على وجه الأرض من أجزائها، والمشهور عن مالك: الحصا، والرمل، والتراب.
(٣) (بتراب): في ب، جـ، وساقطة من أ.
(٤) لأن الدقيق يمنع وصول التراب إلى المحل الذي يعلق به لكثافته، وإن قل الدقيق، جاز، "مغني المحتاج" ١/ ٩٦، "نهاية المحتاج" للرملي ١/ ٢٩٣.
(٥) قال الشربيني الخطيب: ولا بتراب مستعمل على الصحيح، وبه قطع الجمهور، لأنه أدى به إلى فرس، فلم يجز استعماله ثانيًا كالماء، والثاني: يجوز لأنه لا يرفع الحدث، فلا يتأثر بالاستعمال، بخلاف الماء، ويجري الخلاف في الماء المستعمل في طهارة دائم الحدث، فإن حدثه لا يرتفع على الصحيح، "مغني المحتاج" ١/ ٩٦.
(٦) قال الكمال بن الهمام: وهل يأخذ التراب حكم الاستعمال، يقول في الخلاصة وغيرها: لو تيمم جنب، أو حائض من مكان، فوضع آخر يده على ذلك المكان، فتيمم، أجزأه، "الفتح القدير" ١/ ٩٤.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وما تناثر من العضو مستعمل.
ومن أصحابنا من قال: المستعمل ما بقي على العضو، دون ما تناثر عنه.
فإن أحرق الطين الخراساني، فتيمم بمدقوقة، صح في أحد الوجهين.
[ ١ / ٢٣٤ ]