إذا أكلت الهرة نجاسة، وولغت في ماء قليل ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه نجس (١).
والثاني: أنها إن غابت ثم عادت وولغت فيه لم ينجس (٢).
والثالث: أنه لا ينجس بذلك بحال (٣).
_________________
(١) لأنا تيقنا نجاسة فمها، لأنها لم تغب.
(٢) لأنها إذا غابت ثم ولغت فقد تيقنا طهارة الماء، وشككنا في نجاسة فمها، وعندئذٍ لا ينجس الماء المتيقن بالشك.
(٣) لأنه لا يمكن الاحتراز منها، فعفى عنه، ولهذا قال النبي -ﷺ-: "إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات" رواه الأئمة الأعلام ومالك في "الموطأ" "تنوير الحوالك" ١/ ٤٥، والشافعي في مواضع مسند الإمام الشافعي مع "الأم" ٨/ ٣٣٦، وأبو داود ١/ ٧٨، والترمذي، وقال عنه: هذا حديث حسن =
[ ١ / ١٠١ ]
وإذا ورد على ماء، فأخبره رجل بنجاسه، قبل خبره ولم يجتهد (١)، فإن أخبره رجل أن الكلب ولغ في هذا الإناء في وقت عينه دون الآخر، وقال آخر: بل ولغ في الإناء الآخر (في ذلك الوقت) (٢) بعينه، دون هذا الإناء (ذاته) (٣)، (فإنه) (٤) يبني على القولين بتعارض البينتين.
فإن (قلنا) (٥) إنهما يسقطان، سقط خبرهما، وتوضأ بما شاء منهما، وإن قلنا إنهما يستعملان، أراقهما، أو صب أحدهما في الآخر، وتيمم.
ذكر في "الحاوي": أنه إذا أخبره رجل، أن هذا الكلب ولغ في هذا الإناء في وقت عينه، وقال آخر: هذا الكلب في ذلك الوقت لم يكن في ذلك المكان، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه طاهر لتعارض الخبرين وسقوطهما.
_________________
(١) = صحيح، "الجامع الصحيح" للترمذي ١/ ٥٤، والنسائي وغيرهم، "سنن النسائي" ١/ ٤٨، ٤٩، قال البغوي في شرح السنة: يحتمل أنه شبهها بالمماليك من خدم البيت الذين يطوفون على بيته للخدمة، كقوله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾.
(٢) بشرط أن يبين السبب في النجاسة، وبشرط أن يكون السبب يقتضي النجاسة، لأن خبره مقبول، وهذا من باب الخبر، لا من باب الشهادة، ولجواز أن يكون رأى سبعًا ولغ فيه، فاعتقد أنه نجس بذلك، "مجموع" ١/ ٣٠.
(٣) (في ذلك الوقت): في أ، ب، وفي جـ: (في ذلك الوقت) زاد في.
(٤) (ذاته): ساقطة من ب، جـ.
(٥) (فإنه): ساقطة من أ.
(٦) (قلنا): في ب، جـ وفي أ: قلت.
[ ١ / ١٠٢ ]
والثاني: أنه نجس، لأن الكلاب تشتبه، وهذا (الوجه) (١) ليس بشيء.
فإن اشتبه عليه ماء طاهر، وماء نجس، تحرى (فيهما) (٢) فما (٣) أداء اجتهاده إلى طهارته توضأ به (٤).
وقال المزني وأبو ثور: (لا يتحرى) (٥) في الأواني، ويتيمم، ويصلي، وبه قال أحمد (٦)، واختلفت الرواية عنه في (وجوب) (٧) إراقتهما قبل التيمم (٨).
_________________
(١) (الوجه): ساقطة من جـ.
(٢) (٣) (فيهما فما): ساقطتان من أ.
(٣) لأنه سبب من أسباب الصلاة يمكن التوصل إليه بالاستدلال، فجاز الاجتهاد فيه عند الاشتباه، "المهذب" للشيرازي ١/ ١٦، وذكر النووي ﵀ لهذه المسألة ثلاثة وجوه: الأول: أنه لا تجوز الطهارة بواحد منها، إلا إذا اجتهد، وغلب على ظنه طهارته بعلامة تظهر، فإن ظنه بغير علامة تظهر، لم تجز الطهارة به، وهذا الوجه هو الذي قطع به الجمهور، وهو الصحيح. الثاني: تجوز الطهارة به إذا ظن طهارته، وإن لم تظهر علامة، بل وقع في نفسه طهارته، فإن لم يظهر لم تجز. الثالث: يجوز استعمال أحدهما بلا اجتهاد ولا ظن، لأن الأصل طهارته، قال إمام الحرمين وغيره: الوجهان الأخيران، ضعيفان، "المجموع" ١/ ٢٣٦.
(٤) (لا يتحرى): غير واضحة في أ.
(٥) أنظر "المغني" لابن قدامة المقدسي ١/ ٤٤.
(٦) (وجوب): غير واضحة في أ.
(٧) الاختلاف على روايتين: =
[ ١ / ١٠٣ ]
وقال عبد الملك بن الماجشون (١): لا يتحرى في الأواني، ولكنه يتوضأ بأحدهما ويصلي، ثم يتوضأ بالآخر، ويعيد الصلاة التي صلاها.
وقال محمد بن مسلمة (٢): يتوضأ، بأحدهما (ويصلي) (٣)، ثم يغسل ما أصابه من الماء الأول، ويتوضأ بالآخر، ويعيد الصلاة (٤).
وقال غيرهما من أصحاب مالك: مثل قولنا (٥).
وقال أبو حنيفة: إن كان عدد الطاهر أكثر، جاز التحري، وإن لم يكن كذلك لم يجز.
_________________
(١) = الأولى: لا يجوز، لأن معه ماء طاهرًا بيقين، فلم يجز له التيمم مع وجوده، فإن خلطهما، أو أراقهما جاز له التيمم، لأنه لم يبق معه ماء طاهر. الثانية: يجوز التيمم قبل ذلك، وهو الصحيح عندهم، لأنه غير قادر على استعمال الطاهر، "المغني" لابن قدامة ١/ ٤٦.
(٢) عبد الملك بن الماجشون: أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، كان فقيهًا فصيحًا، دارت عليه الفتيا في زمانه إلى موته، وكذلك على أبيه عبد العزيز قبله، فهو فقيه ابن فقيه، وكان ضرير البصر، وقيل: إنه عمي في آخر عمره، روى عن مالك، وعن أبيه، وكان مولعًا بسماع الغناء ارتحالًا، وغير ارتحال، قال أحمد بن حنبل: قدم علينا ومعه من يغنيه، توفي سنة ٢١٢ هـ، وقيل سنة ٢١٤ هـ، الشيرازي: ١٤٨، "الانتقاء": ٧، "المدارك" ١/ ٣٦٠، ابن خلكان ٢/ ٣٤٠.
(٣) محمد بن مسلمة: أبو عبد اللَّه الفقيه البلخي، ولد سنة ١٩٢ هـ، وتفقه على شداد بن حكيم، ثم على أبي سليمان الجوزجاني، مات سنة ٢٧٨ هـ، اللكنوي: ١٦٨.
(٤) في أ: ثم يصلي.
(٥) أنظر المنتقى للباجي ١/ ٥٩.
(٦) وهو رأي سخنون عن أبيه، "المنتقى" للباجي ١/ ٥٩.
[ ١ / ١٠٤ ]
فإن توضأ بأحد الإناءين من غير تحرٍ، ثم بان (له) (١) أنه الطاهر، وأن الآخر نجس، لم تصح طهارته، في اختيار الشيخ الإمام أبي إسحاق ﵀.
واختار الشيخ أبو نصر بن الصباغ ﵀: أنه تصح طهارته.
فإن انقلب أحد الإناءين قبل التحري، فهل يجوز التحري في الآخر؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه لا يجوز، (وما) (٢) الذي يصنع؟ فيه وجهان:
قال أبو علي الطبري: يتوضأ به (٣).
وقال القاضي أبو حامد: يتيمم (٤).
فإن اشتبه عليه إناءان، وهناك إناء ثالث طاهر، فهل يجوز له التحري (فيهما) (٥)؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه لا يجوز، واختاره الشيخ أبو نصر ﵀.
وإن اشتبه عليه ماء مستعمل، وماء مطلق، فهل يجوز له التحري؟ فيه وجهان:
_________________
(١) (له): ساقطة من جـ.
(٢) (وما): غير واضحة في أ.
(٣) لأن الأصل فيه الطهارة، فلا يزال اليقين بالشك، "المهذب" للشيرازي ١/ ١٦.
(٤) لأن حكم الأصل زال بالاشتباه، بدليل أنه منع من استعماله من غير تحر، فوجب التيمم، "المهذب" ١/ ١٦.
(٥) (فيهما): ساقطة من أ، ب.
[ ١ / ١٠٥ ]
أحدهما: يتحرى (١).
والثاني: لا يتحرى (٢)، ويتوضأ بكل واحد منهما.
ومن أصحابنا: من بنى جواز التحري بين الماء المستعمل والمطلق، على زوال حكم الاستعمال ببلوغ القلتين فيه. فإن قلنا: لا يزول، لم يجز التحري، وهذا (عندي بناء) (٣) فاسد.
فإن اشتبه عليه ماء، وبول، أو ماء، وماء ورد، لم يتحر بينهما، وأراق الماء والبول، وتيمم، وتوضأ بالماء، وماء الورد.
وقال أبو زيد المالقي: يتحرى فيهما.
وذكر في "الحاوي": أنه إذا اشتبه الماء، وماء الورد (واحتاج) (٤) إلى الشرب، (تحرى) (٥) بينهما لأجل الشرب، فيجتهد أيهما (ماء الورد) (٦) ليشربه، فيخرج (الآخر) (٧) بالاجتهاد أن يكون (ماء
_________________
(١) لأنه يجوز إسقاط الفرض بالطاهر مع القدرة على اليقين، "المهذب" للشيرازي ١/ ١٦.
(٢) لأنه يقدر على إسقاط الفرض بيقين، بأن يتوضأ بكل واحد منهما، "المهذب" ١/ ١٦.
(٣) (عندي بناء فاسد): ساقطة من أ، ب.
(٤) (واحتاج): غير واضحة في أ، ب.
(٥) وتحرى في جـ.
(٦) وفي أ: ماء ورد.
(٧) الآخر: غير واضحة في أ، ب.
[ ١ / ١٠٦ ]
الورد) (١) وهذا (عندي بناء) (٢) فاسد، لأن الشرب لا يحتاج (فيه) (٣) إلى التحري، فيشرب ما شاء منهما، ويتوضأ بالآخر ويتيمم.
وقال أبو حنيفة: إن كان عدد الطاهر المطهر أكثر، جاز التحري، كما يجوز في المياه.
وإن اشتبه عليه طعام طاهر، وطعام نجس، تحرى بينهما.
وذكر الشيخ أبو حامد: إن ذلك ينبني على الوجهين في اشتباه الإِناءين.
وهناك ثالث: ظاهر في جواز التحري.
قال الشيخ أبو نصر ﵀: وهذا لا معنى له، إلّا أن يعتبر في التحري الضرورة، (وها هنا لا يلزمه أكل واحد منهما، وهذا الذي ذكره فيه نظر) (٤).
واختلف في الماء لحاجته إليه في الطهارة للصلاة.
فإن اشتبه عليه إناءان فتحرى فيهما، فأداه اجتهاده إلى طهارة أحدهما فتوضأ به وصلى. ولم يرق الآخر حتي حضرت الصلاة الثانية أعاد الاجتهاد.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه ذلك، فإن أعاد الإجتهاد، وأداه (اجتهاده) (٥) إلى طهارة (الثاني) (٦) لا نجاسة الأول.
_________________
(١) ماء الورد: في جـ.
(٢) (عندي بناء): ساقطة من أ، ب.
(٣) فيه: في جـ.
(٤) وهنا فيه تقديم وتأخير، فالجملة (وها هنا. . . .) واقعة وراء اختلف فلا يستقيم المعنى، وهذا من النساخ.
(٥) ساقطة من أ، ب.
(٦) الثاني: في أ، ب وفي جـ الثانية.
[ ١ / ١٠٧ ]
فالمنصوص أنه يتركهما ويتيمم، ويعيد كل صلاة صلاها بالتيمم في أحد الوجوه، مع بقاء (شيء من) (١) الإناء الأول.
وفي الثاني: لا يعيد.
وفي الثالث: وهو قول أبي الطيب بن سلمة: أنه إن كان قد بقي من الإِناء الأول شيء، أعاد الصلاة وإن لم يبق منه شيء، لم يعد.
وقال أبو العباس بن سريج (٢): يتوضأ بالثاني ولا يتيمم، ويغسل ما أصابه من الماء الأول، ولا يعيد الصلاة.
وذكر القاضي حسين ﵀ فقال: هل يعتبر في التحري نوع دليل، أم يكفي (مجرد) (٣) الظن؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يكفيه ظن يقع له من غير أمارة، وهذا ليس بشيء (يذكر) (٤).
_________________
(١) (شيء من): ساقطة من أب، ومذكورة في جـ.
(٢) أبو العباس بن سريج: أحمد بن عمر بن سريج، الإمام البارع، وكان يقال له: الباز الأشهب، ولي القضاء بشيراز، قال أبو إسحاق: كان يفضل على جميع أصحاب الشافعي حتى على المزني، وفهرست كتبه يعني مصنفاته تشتمل على أربعمائه مصنف، وقام بنصرة مذهب الشافعي، تفقه على أبي القاسم الأنماطي، وأخذ عنه فقهاء الإسلام، وعنه انتشر فقه الشافعي في أكثر الآفاق، توفي ببغداد سنة ٣٠٦ هـ، "طبقات الشافعية الكبرى" ٢/ ٨٧، ٩٦.
(٣) (مجرد): في أوفي ب، جـ: بجرد.
(٤) (يذكر): غير واضحة في أ.
[ ١ / ١٠٨ ]
فإن اشتبه إناءان على أعمى، فهل يجوز له التحري؟ فيه قولان (١):
فإن قلنا: يتحرى، فتحرى، (فلم) (٢) يقع له الطاهر منهما، فهل يجوز له التقليد؟ (فيه وجهان) (٣).
أظهرهما: أنه يجوز (٤).
فإن اختلف اجتهاد رجلين في إناءين، توضأ كل واحد منهما بما أداه اجتهاد إلى طهارته، ولم يأتم أحدهما بالآخر (٥).
وقال أبو ثور: يجوز أن يأتم (به) (٦).
_________________
(١) القول الأول: لا يتحرى كما لا يتحرى في القلة، والقول الثاني: يتحرى كما يتحرى في وقت الصلاة، "المهذب" ١/ ١٦.
(٢) (فلم): في ب، جـ وفي أ: فهل.
(٣) (فيه وجهان): ساقطة من أ.
(٤) لأن إمارته تتعلق بالبصر وغيره، فإذا لم يغلب على ظنه، دل على أن إمارته تتعلق بالبصر، فقلد فيه كالقبلة، والرأي الثاني: لا يقلد، لأن من له الاجتهاد لا يقلد، وحكمه كحكم البصير، "المجموع" ١/ ٢٥١.
(٥) لأن كل واحد منهما معتقد أن صلاة أمامه باطلة، "مجموع" ١/ ٢٥٢.
(٦) (به): ساقطة من جـ، ب، وموجودة في أ.
[ ١ / ١٠٩ ]