ستر العورة عن العيون واجب (١)، وهل يجب في حال الخلوة؟ فيه وجهان، وهو شرط في صحة الصلاة، وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك: ستر العورة واجب للصلاة، وليس بشرط في صحتها (٢).
_________________
(١) لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ (الأعراف: ٢٧): قال ابن عباس كانوا يطوفون بالبيت عراة فهي فاحشة، وروى علي ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: "لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت" رواه أبو داود في سننه في كتاب الجنازة، ثم في كتاب الحمام، وقال: الحديث فيه نكارة، أبو داود ١/ ١٧٥، وأنظر "المجموع" ٣/ ١٧١.
(٢) فالفرض، ما يستر العورة، ولا خلاف في أنه فرض عند علماء المالكية للحديث المروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار" رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن، ورواه الحاكم في المستدرك، "مختصر سنن =
[ ٢ / ٦١ ]
فإن انكشف من العورة شيء، لم تصح الصلاة.
وقال أبو حنيفة: إذا ظهر من العورة المغلظة، وهي القبل، والدبر (١)، قدر الدرهم، لم تبطل الصلاة، (وإن كان أكثر، بطلت) (٢)، وأما المخففة، فإن انكشف منها ما دون الربع من الفخذ، أو شعر المرأة، لم تبطل الصلاة.
وقال أبو يوسف: إن انكشف أفل من النصف، لم تبطل.
وعورة الرجل: ما بين السرة والركبة، والسرة والركبة ليستا من العورة وبه قال مالك، وإحدى الروايتين عن أحمد (٣).
ومن أصحابنا من قال: هما من العورة، وهو قول أبي حنيفة (في الركبة) (٤).
وقال داود: السوأتان: هما العورة، وروي ذلك عن أحمد أيضًا.
والحرة: جميع بدنها عورة إلا الوجه، والكفين، وبه قال مالك (٥).
_________________
(١) = أبي داود" ١/ ٣٢٥، وأنظر "المجموع" ٣/ ١٧٢. ومن جهة القياس أن هذه عبادة من شرطها الطهارة لها تعلق بالنية، فوجب أن يكون من شرطها ستر العورة كالطواف. "المنتقى" للباجي ١/ ٢٤٧.
(٢) أنظر "البحر الرائق" ١/ ٢٨٥ ومنحة الخالق عليه.
(٣) (وإن كان أكثر بطلت): في جـ.
(٤) لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: "عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته"، "السنن الكبرى" للبيهقي ٢/ ٢٢٥.
(٥) (في الركبة): ساقطة من جـ.
(٦) لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال ابن عباس "وجهها وكفيها" ولأن النبي -ﷺ- "نهى المرأة الحرام عن لبس القفازين والنقاب"، =
[ ٢ / ٦٢ ]
وقال أبو حنيفة: قدمها (أيضًا) (١) ليس بعورة، وهو قول الثوري، واختيار المزني.
وقال أحمد: يجب عليها ستر جميع بدنها إلا الوجه، وبه قال دواد.
وحكي عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام أحد الفقهاء السبعة (٢): أن جميع بدنها عورة (حتى ظفرها) (٣).
ذكر القاضي حسين ﵀ قال: إنه لا يجوز للأجنبي مس يد الأجنبية ولو لم تكن عورة.
(وكذلك) (٤) ذو الرحم (المحرم) (٥) لا يجوز أن يمس ذات الرحم، وإن لم تكن عورة في حقه.
قال الشيخ الإِمام ﵀: وهذا صحيح في الأجنبية، وليس
_________________
(١) = "إحكام الأحكام" لابن دقيق العيد ٢/ ٥١، ولو كان الوجه والكف عورة لما حرم سترهما، ولأن الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشراء، وإلى إبراز الكف للأخذ والعطاء، فلم يجعل ذلك عورة، "المهذب" للشيرازي ١/ ٧١.
(٢) (أيضًا): ساقطة من جـ.
(٣) أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام: بن المغيرة المخزومي، ولد في خلافة عمر بن الخطاب، وكان يسمى راهب قريش، مات سنة ٩٤ هـ، "طبقات الفقهاء" للشيرازي: ٥٩.
(٤) (حتى ظفرها): في جـ.
(٥) (وكذلك): وفي ب: وكذا.
(٦) (المحرم): في ب، جـ، وساقطة من أ.
[ ٢ / ٦٣ ]
بصحيح في ذات المحرم، فإنه (يجوز) (١) له مسها إذا لم يقصد الشهوة.
وأما الأمة: فعورتها كعورة الرجل على ظاهر المذهب.
ومن أصحابنا من قال: جميع بدنها عورة إلا موضع (التقليب منها في الشعر) (٢) كالرأس، والساعد، والساق.
ومنهم من قال: عورتها كعورة الحرة إلا إنه (يجوز) (٣) لها كشف رأسها.
ومن نصفها حرة، ونصفها رقيق، بمنزلة الحرة على ظاهر المذهب.
قال ابن المنذر: كان الحسن البصري من أهل العلم يوجب على الأمة الخمار إذا تزوجت، أو اتخذها السيد لنفسه، وروى إذا ولدت.
وحكم أم الولد، حكم الأمة القن.
وحكي عن ابن سيرين: أن أم الولد تصلي متقنعة بثوب، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ويحكى عن مالك. فإن أعتقت الأمة في أثناء الصلاة، ورأسها مكشوف، وهناك سترة بعيدة، بطلت صلاتها.
ذكر في الحاوي اختلافًا بين أصحابنا فيما تبطل به صلاتها، فالصحيح أنها تبطل بالقدرة على أخذ الثوب. فتبطل في الحال.
_________________
(١) (يجوز): في جـ، وفي أ: لا يجوز، والأول هو الصحيح.
(٢) (التقليب منها في الشعر): في ب: القليب إذا، وفي جـ: التغليب منها في الشراء، والأول هو الصحيح، أنظر "المهذب" ١/ ٧١.
(٣) (يجوز): في ب، جـ، وفي أ: لا يجوز، والأول هو الصحيح.
[ ٢ / ٦٤ ]
والثاني: أنها تبطل بالمضي لأخذ الثوب، وتطاول (العهد) (١).
قال (الشيخ) (٢): وهو الصحيح عندي.
(قال الشيخ الإِمام ﵀) (٣): والأول عندي أصح.
فإن انتظرت من يناولها السترة، فناولها من غير أن يحدث عملًا، فقد حكي فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق، أن صلاتها لا تبطل.
والثاني: أنها تبطل.
وذكر القاضي حسين ﵀ في ذلك قولين، بناء على القولين في سبق الحدث في الصلاة، وهذا بناء فاسد، والصحيح ها هنا أن لا تبطل، وفي سبق الحدث أن تبطل (صلاته) (٤).
فإن لم تعلم بالعتق حتى فرغت من الصلاة، فص وجوب الإِعادة عليها قولان:
وقيل: تجب الإِعادة قولًا واحدًا، والأول أصح.
فإن صلى الرجل في سراويل (أو مئزر) (٥)، فالمستحب له أن يطرح على عاتقه شيئًا ولو حبلًا.
وقال أحمد: لا تصح صلاته، حتى يطرح على عاتقه شيئًا.
_________________
(١) (العهد): في أ، ب، وفي جـ: العمل.
(٢) قال الشيخ: في ب، والمراد أبي إسحاق الشيرازي.
(٣) (قال الشيخ الإمام ﵀): وفي ب: قال الإمام أبو بكر.
(٤) (صلاته): ساقطة من جـ.
(٥) (أو مئزر): في أ، ب، وفي جـ: ومئزر.
[ ٢ / ٦٥ ]
فإن صلى في قميص واسع الجيب، ترى العورة منه من غير سراويل، ولم يزره عليه لم تصح صلاته.
وحكي في الحاوي عن أبي حنيفة: أن صلاته تصح.
وحكي عن القاضي حسين ﵀: أنه إذا كان قد زر القميص، ووقف يصلي على جدار ترى عورته من تحته، فصلاته صحيحة، وفي هذا نظر، وينبغي أن لا تصح صلاته.
وذكر أيضًا: أنه إذا كان في القميص، أو السراويل خرق، (فوضع) (١) يده عليه وستره بكفه، فهل تصح صلاته؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تصح.
وذكر أيضًا: أنه إذا كانت لحيته كثة (كبيرة) (٢) تستر موضع الأزرار من الجيب، فلا ترى عورته منه، ففيه وجهان.
وذكر أيضًا: أنه إذا كان في ماء (فهل) (٣) يعد ذلك سترًا؟ فيه وجهان:
أظهرهما عندي في جميع هذه المسائل: أن لا تصح صلاته، ويتعذر عليه الستر بعض بدنه. فإن لم يجد سترة، ووجد طينًا، فهل يلزمه أن يطين (به) (٤) عورته؟ (فيه) (٥) وجهان:
_________________
(١) (فوضع): في ب، جـ، وفي أووضع.
(٢) (كبيرة): في أ، جـ، وفي ب: كثيرة.
(٣) (فهل): في ب، جـ، وفي أ: فهو، وهذا تصحيف.
(٤) (به): ساقطة من أ.
(٥) (فيه): في ب، وفي أ: به.
[ ٢ / ٦٦ ]
أحدهما: يلزمه.
ولا يجوز أن يصلي في ثوب حرير، ولا على ثوب حرير، فإن صلى فيه، صحت صلاته.
وقال أحمد: لا تصح (١).
فإن كان (عريانًا) (٢)، ولم يجد إلا ثوب حرير، فقد حكي فيه وجهان:
أحدهما: أنه يصلي به، ولا يصلي عريانًا.
والشيخ أبو نصر ﵀: ذكر أنه يلزمه أن يصلي فيه وغيره، بناء على الثوب النجس إذا لم يجد غيره، هل يلزمه لبسه؟ (فيه) (٣) وجهان، وهذا بناء فاسد.
فإن وجد ما يستر به بعض العورة، ستر القبل، والدبر (٤).
فإن وجد ما يستر به أحدهما، ستر القبل في أصح الوجهين (٥)، فإن لم يجد سترة، صلى قائمًا، وبه قال مالك.
وقال المزني ﵀: يلزمه أن يصلي قاعدًا، وبه قال أحمد.
_________________
(١) لحديث عمر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- "لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" رواه مسلم، أنظر "الفتح الكبير" ٣/ ٣٣٩، وأنظر "مطالب أولي النهى" ١/ ٣٥٤، ٣٥٥.
(٢) (عريانًا): غير واضحة في أ.
(٣) (فيه): في ب، جـ، وفي أ: به.
(٤) لقوله -ﷺ- "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" رواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة، وهذا حديث طويل، "المجموع" ٣/ ١٨٧.
(٥) لأن القبل يستقبل به القبلة.
[ ٢ / ٦٧ ]
وقال أبو حنيفة ة إن شاء صلى قاعدًا، وإن شاء صلى قائمًا.
قال في "الأم": إذا كانوا عراة، صلوا جماعة وفرادى.
وقال في القديم: الأولى أن يصلوا فرادى.
فإن كان مع واحد منهم ثوب، فأعارهم ليصلوا فيه واحدًا بعد واحد، لزمهم قبول ذلك، فإن خافوا فوت الوقت إذا صلوا فيه، فقد قال الشافعي ﵀: ينتظرون حتى يصلوا فيه.
وقال في قوم في سفينة ليس فيها إلا موضع يقوم فيه واحد: إنهم يصلون من قعود إذا خافوا فوت الوقت، فمن أصحابنا من خرج المسألتين على قولين، بنقل الجوابين، ومنهم من حملهما على ظاهرهما، وفرق بينهما.
فإن وهب الثوب من العريان ليصلي فيه، لم يلزمه قبوله.
وقيل: يلزمه قبوله، فيصلي فيه ثم يرده إن شاء.
وقيل: يلزمه قبوله (وليس له) (١) رده، والأول أصح.
فإن كان معه ثوب على طرفه نجاسة، ويمكنه قطع النجس، فقد ذكر القاضي حسين ﵀: أنه إن كان أرش النقص يزيد على أجرة (مثله) (٢)، لم يلزمه ذلك، وهذا فيه تعسف، فإن الزمان الذي يصلي فيه لا يكون له من الأجرة (ما يقابل أرش) (٣) النقص به، وكان من حقه أن يعتبره بقيمة الثوب، فإنه يلزمه إبتياعه بثمن مثله، فيقابل الأرش بالثمن.
_________________
(١) (وليس له): غير واضحة في أ.
(٢) (مثله): في ب، جـ، وفي أ: المثله.
(٣) (ما يقبل أرش): في أ، جـ، وفي ب: ما يقابله وأرش النقص به.
[ ٢ / ٦٨ ]