إذا فرغ المؤذن من الإقامة، قام الإمام والمأموم إلى الصلاة (١)، وبه قال مالك، وأحمد وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة والثوري: إذا قال المؤذن: حي على الصلاة، قاموا في الصف، فإذا قال: قد قامت الصلاة، كبر الإمام، وكبر القوم (٢).
_________________
(١) والدليل عليه: ما روي عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة: أن بلالًا أخذ في الإقامة فلما قال: قد قامت الصلاة، قال النبي -ﷺ- "أقامها اللَّه وأدامها" وقال في سائر الإقامة مثل ما يقوله، فإذا فرغ المؤذن قام. رواه أبو داود بإسناد ضعيف جدًّا، وفي إسناده رجل مجهول، وشهر بن حوشب تكلم فيه غير واحد، ووثقه الإمام أحمد، ويحيى بن معين، أنظر "مختصر سنن أبي داود" ١/ ٢٨٥، وأنظر "المجموع" للنووي ٣/ ٢٣٥.
(٢) لما روى عن الحجاج بن فروخ عن العوام بن حوشب عن عبد اللَّه بن أبي أوفى =
[ ٢ / ٨١ ]
وقال زفر: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة مرة، نهض الإمام وقاموا في الصف، فإذا ثنى المؤذن فقال: قد قامت الصلاة كبر الإمام وكبر القوم. فإذا قال المؤذن: اللَّه أكبر إلى آخره، أخذ الإمام في القراءة، وهو قول الحسن بن زياد.
وقال الطحاوي: محمد مع أبي يوسف في هذه المسألة.
وقال أبو بكر الرازي: محمد مع أبي حنيفة.
ولا يكبر المأموم حتى يفرغ الإمام من التكبير، وبه قال مالك وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة (وسفيان) (١)، ومحمد: يكبر مع تكبير الإمام.
فإن سبق المأموم الإمام بتكبيرة الإحرام، فإنه يقطعها بالتسليم، ويستأنف التكبير ويتابعه.
قال القاضي أبو الطيب ﵀: ويحتمل وجهًا آخر، أن يصير إلى صلاة الإمام من غير قطع، بناء على القولين في نفل صلاة المنفرد إلى الجماعة.
وحكى عن مالك أنه قال: يعيد تكبيرته.
وقال الشيخ أبو نصر ﵀: وينبغي أن يكون هذا بعد قطع الصلاة، وهذا إنما يتصور، إذا اعتقد أن الإمام قد كبر، فكبر ولم يكن
_________________
(١) = قال: "كان بلال إذا قال: قد قامت الصلاة، نهض النبي -ﷺ- فكبر" رواه البيهقي، ويقول: وهذا لا يرويه الحجاج ابن فروخ، وكان يحيى بن معين يضعفه، "السنن الكبرى" للبيهقي ٢/ ٢٢.
(٢) (وسفيان): في ب، وفي أ، جـ: وسفين، وأعتقد أن الألف سقطت من النسختين فقط.
[ ٢ / ٨٢ ]
قد كبر، فأما إذا كبر مع العلم بأنه لم (يكبر) (١)، مقتديًا به، فإنه لا تنعقد صلاته.
وينوي: والنية فرض للصلاة (٢)، ومحلها القلب، وغلط بعض أصحابنا (٣) فقال: لا تجزئه النية حتى يتلفظ بلسانه، وليس بشيء.
وأما كيفيتها: فقد قال أبو إسحاق المروزي: ينوي صلاة الظهر المفروضة.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: يجزئه نية الظهر (أو) (٤) العصر (٥)، ولا تجب نية الفرض وهو قول أبي حنيفة. ولا تجب نية الأداء، والقضاء في أصح الوجهين (٦)، فأما السنن الراتبة، كصلاة العيدين،
_________________
(١) (يكبر): في أ، ب، وفي جـ: يكن.
(٢) لقوله -ﷺ-: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى" أنظر صحيح البخاري ١: ٦، أنظر "جامع العلوم والحكم" لابن رجب الحنبلي: ٥. وانظر صحيح مسلم باب الإمارة رقم ١٥٥.
(٣) وهو الماوردي، أنظر "المجموع" ٣/ ٢٤٣.
(٤) (أو): في ب، وفي أ: الألف ساقطة، والأول أصح، أنظر "المهذب" ١/ ٧٧.
(٥) لتتميز عن غيرها من الصلوات.
(٦) ذكر الماوردي أربعة أوجه في الأداء والقضاء وهي: الأول: لا يشترطان وهو الأصح. الثاني: يشترطان. الثالث: يشترط نية القضاء دون الأداء، لأن الأداء يتميز الوقت بخلاف القضاء. الرابع: إن كان عليه فائتة، اشترط نية الأداء وإلا فلا، أنظر "المجموع" للنووي ٣/ ٢٤٦.
[ ٢ / ٨٣ ]
والكسوفين، والاستسقاء، وقيام رمضان، والسنن الراتبة مع الفرائض (فلا) (١) بد منها، من نية مقيدة بما تنسب إليه (٢).
وقيل: في السنن الراتبة (سوى) (٣) ركعتي الفجر، يكفي فيها نية الفعل، واختاره الشيخ أبو نصر ﵀، والأول أصح.
قال في "الأم": ولو شك هل دخلها بينة أم لا، ثم ذكر قبل أن يحدث فيها عملًا، أجزأه، والعمل فيها قراءة، أو ركوع أو سجود.
وقيل فيه: إذا قرأ (لا تبطل) (٤) صلاته، وليس بشيء.
وذكر في الحاوي: أنه إذا كان الزمان في حال الشك قريبًا، بنى على صلاته، وإن طال الزمان ففيه وجهان:
أحدهما: أن صلاته تبطل، وكلام الشافعي ﵁ مطلق، (وبنى) (٥) القاضي حسين: القراءة في حال الشك على تكرار القراءة، هل تبطل الصلاة أم لا؟ وهذا بناء فاسد (الحكم) (٦)، بخلاف نص الشافعي ﵀.
_________________
(١) (فلا): في أ، ب، وفي جـ: (ولا): وهو خطأ.
(٢) النوافل ضربان: أحدهما: ما لها وقت، أو سبب كسنن المكتوبات، والضحى، والوتر، والكسوف، والاستسقاء، والعيد، وغيرها، فيشترط فيها نية فعل الصلاة واليقين، والضرب الثاني: النوافل المطلقة، فيكفي فيها نية فعل الصلاة فقط، "المجموع" للنووي ٣/ ٢٤٨.
(٣) (سوى): في أ، ب، وفي جـ: ينوي.
(٤) (لا تبطل): في أ، ب، وفي جـ: لم تبطل.
(٥) (وبنى): في أ، جـ، وفي ب وبين.
(٦) (الحكم): ساقطة من جـ، وفي أ: والحكم.
[ ٢ / ٨٤ ]
وفرّع القاضي حسين ﵀ على ذلك، (أنه) (١) إذا شك في نية الاقتداء بالإمام، ثم تذكر في الحال، بنى على صلاته، (وإن لم) (٢) يتذكر (حتى) (٣) فعل فعلًا، بنى على الوجهين فيه إذا تابع الإمام في الأفعال من غير نية الإقتداء به، وحكى فيه وجهين.
(قال الإمام أبو بكر ﵁) (٤): وهذا الأصل الذي بني عليه (عندي) (٥) غير صحيح، وينبغي أن يكون الحكم فيه، أنه إذا تابع الإمام في الأفعال، ولم يترك من ترتيب صلاته في متابعته في الأفعال شيئًا، لم تبطل صلاته، وإن ترك من واحد ترتيب صلاته بمتابعته في الأفعال شيئًا، بطلت صلاته.
فإن نوى الخروج من الصلاة، أو شك هل يخرج منها أو لا يخرج، بطلت صلاته (٦).
وقال أبو حنيفة: لا تبطل.
وذكر القاضي حسين ﵀: أنه إذا علق نية الخروج من الصلاة بشرط، (فنوى) (٧) إن دخل فلان، خرجت من الصلاة، فهل يصير خارجًا (في الحال منها) (٨)؟ فيه وجهان:
_________________
(١) (أنه): ساقطة من ب، جـ.
(٢) (وإن لم): في ب، جـ، وفي أ: وأن أمّ.
(٣) حتى: ساقطة من أ، جـ، وموجودة في ب.
(٤) (قال الإمام أبو بكر ﵁): في جـ.
(٥) (عندي): في ب، جـ، وفي أ: عند بسقوط ياء المتكلم.
(٦) لأن النية شرط في جميع الصلوات.
(٧) (فنوى): في أ، ب، وفي جـ: ونوى.
(٨) (في الحال منها): في أ، ب، وفي جـ (منها في الحال).
[ ٢ / ٨٥ ]
أحدهما: لا يصير خارجًا ما لم يوجد الشرط، وهذا تخريج فاسد.
فإن أحرم بالفرض، ثم صرف النية إلى النفل، بطل الفرض، وهل يصح النفل؟ فيه قولان:
أصحهما: أنه لا يصح.
والثاني: أنه يصير نفلًا، نص (عليه) (١) الشافعي ﵀ في كتاب "الإمامة" فقال: لو أحرم في مسجد، ثم جاء (الإمام) (٢) فتقدم، فأحب أن يكمل ركعتين ثم يسلم، تكونان له نافلة.
فمن أصحابنا: من لم يجعل ما ذكره في (الإمامة) (٣) قولًا آخر للشافعي ﵀، وإنما أجازه للحاجة إلى فعل الجماعة.
قال الشيخ أبو نصر ﵀: والقول الأول أصح.
ذكر القاضي حسين ﵀: أن الشافعي ﵁، نص فيمن صلّى قاعدًا فقدر على القيام، أن صلاته تبطل إذا لم يقم، ونص في المسبوق، إذا أدرك الإمام راكعًا، فكبر هاويًا وانعقد نفلًا، وقال في رجل: دخل (المسجد) (٤) (وشرع) (٥) في فريضة، ثم حضر جماعة فعقدوا جماعة، أن يسلم (على ما تقدم) (٦). فحكي أن أصحابنا، جعلوا في جميع المسائل قولين.
_________________
(١) (عليه): ساقطة من جـ.
(٢) (الإمام): في أ، ب، وفي جـ: إمام.
(٣) (الإمامة): في أ، ب، وفي جـ: الإقامة.
(٤) (المسجد): وفي أ: في المسجد (وفي زائدة).
(٥) (وشرع): في أ، ب، وفي جـ: فشرع.
(٦) (على ما تقدم): ساقطة من جـ.
[ ٢ / ٨٦ ]
وذكر: أنه إذا دخل في ظهرِ، فنوى أن يجعلها عصرًا، أو سنة راتبة، بطل ما نواه، وهل تصير نفلًا؟ فيه قولان:
وإن نوى سنة راتبة، فنوى نقلها إلى فرض، لم تصر فرضًا، وهل تصير نافلة؟ فيه قولان:
وحكي: أنه إذا نوى فريصة، وشرع فيها، ثم نوى إبطال الفريضة، من أصحابنا من قال فيه قولان.
أحدهما: تصير نفلًا.
ومن أصحابنا من قال: ها هنا قولًا واحدًا: لا تبطل، وعلى هذا، لو شرع في تطوع ثم نوى نقله إلى فرض، أو إلى سنة راتبة، ففيه طريقان:
أحدهما: فيه قولان.
والثاني: يبقى نفلًا قولًا واحدًا.
(قال الشيخ الإمام ﵀) (١): وعندي: أن إطلاق القولين في ذلك ليس بصحيح، بل يحتاج إلى تفصيل، فيقال: إن كان نقله (للصلاة) (٢) من صفة إلى صفة اختيارًا من جهته، لا لفرض صحيح يفوته، بطلت صلاته، ولم يحصل له ما نواه، وذلك مثل مسألة القاعد قدر على القيام فتركه.
وكذا، إذا أحرم فينوي الظهر قبل الزوال مع العلم بالحال، لم ينعقد له نفل، ولا فرض، لأنه متلاعب بصلاته.
_________________
(١) وفي ب: قال الإمام أبو بكر، وفي جـ: قال الشيخ الإمام أبو بكر.
(٢) (للصلاة): وفي أ: الصلاة.
[ ٢ / ٨٧ ]
وأما إذا كان نقله إلى النفل لفرض صحيح، كمسألة المنفرد إذا حضر جماعة، ففي صحة نقلها إلى النفل قولان:
وعلى هذا إذا أحرم بالظهر قبل الزوال، معتقدًا أن الشمس قد زالت، ولم تكن قد زالت، انعقد نفلًا في أحد القولين.
وعلى هذا مسألة الهاوي إلى الركوع، إن كان عالمًا بأن ذلك لا يجوز، لم يحصل له شيء، وإن كان جاهلًا بذلك حصل له نقل.
فأما وقت النية: فقد قال الشافعي ﵀: (ينوي) (١) حال التكبير لا قبله ولا بعده، ومعناه: أن تكون نيته ذكرًا بقلبه، مقترنة بالتكبير من أوله إلى آخره.
وقال القفال: إذا قارنت نيته ابتداء التكبير، انعقدت صلاته وإن عزبت بعده.
وقال أبو حنيفة: إذا تقدمت النية على التكبير بزمان يسير، انعقدت الصلاة، وإن تقدمت بزمان طويل، لم تنعقد، كذا ذكر أبو بكر الرازي.
وذكر في الطحاوي في كتابه: أن مذهب أبي حنيفة مثل مذهبنا، وكذا (قال) (٢) الكرخي.
وقال داود: يجب أن ينوي قبل التكبير.
_________________
(١) (ينوي): في ب، جـ، وفي أ: نوى.
(٢) (قال): في ب، جـ، وفي أ: ذكر.
[ ٢ / ٨٨ ]