إذا أراد الغسل من الجنابة، فإنه يسمي اللَّه ﷿، وينوي الغسل من الجنابة، أو الغسل لأمر لا يستباح إلّا بالغسل، كقراءة القرآن، ويغسل كفيه ثلاثًا قبل إدخالهما الإناء، ثم يغسل ما على فرجه من أذى، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يدخل أصابعه (العشر) (١) في الماء، فيغرف غرفة يخلل بها أصول شعره من رأسه ولحيته، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات من ماء، ثم يفيض الماء على سائر جسده، ويمر يديه على ما يقدر عليه من بدنه، ثم يتحول من مكانه فيغسل قدميه.
والواجب من ذلك: النية (٢)، وإيصال الماء إلى جميع الشعر، والبشرة، وغسل نجاسته إن كانت عليه، وما سوى ذلك منه.
_________________
(١) (العشر): في جـ: العشرة، وفي ب، أ: العشر، أنظر "المهذب" ١/ ٣٨.
(٢) النية: فرض عند مالك، وأحمد، والشافعي، وليست بفرض عند الحنفية.
[ ١ / ٢٢٣ ]
وحكي عن مالك أنه قال (١): إمرار اليد إلى حيث تناله من بدنه واجب، وهو اختيار المزني.
وحكي عن داود أنه قال: يجب عليه الوضوء، والغسل جميعًا عن الجنابة المجردة، بأن ينظر بشهوة، فينزل المني.
فأما إذا وجد منه جنابة، وحدث، فمنصوص الشافعي (٢) ﵀، (أنه) يدخل الوضوء في الغسل، فيجزئه الغسل لهما، وهو قول مالك (٣).
وفيه وجه آخر: أنه يلزمه أن يتوضأ، ويغتسل.
وفيه وجه ثالث: أنه يقتصر على الغسل، غير أنه يلزمه أن ينوي الحدث، والجنابة.
فإن غسل أعضاء وضوئه من الجنابة، ثم أحدث، لزمه الوضوء مرتبًا.
وذكر في الحاوي وجهًا آخر: أنه (مخير) (٤)، بين أن يتوضأ، وبين أن يغتسل في جميع بدنه غسلًا واحدًا، فيجزئه عن الجنابة والحدث، وهل يلزمه أن يرتب أعضاء وضوئه، فيه وجهان.
_________________
(١) أنظر "الفواكه الدواني على رسالة أبي زيد القيرواني" ١/ ١٧٥.
(٢) أنظر "قرة العين بمهمات الدين" و"فتح المعين"، وحاشية "إعانة الطالبين" ١/ ٧٧.
(٣) أنظر "مختصر العلامة خليل"، و"جواهر الإكليل" ١/ ٢٢.
(٤) (مخير): في ب، جـ، وفي أ: يخير، والأول أصح.
[ ١ / ٢٢٤ ]
فإن أجتمع على المرأة جنابة، وحيض، كفاها لهما غسل واحد (١).
وحكي عن داود: أنها تحتاج إلى غسلين.
وغسل المرأة كغسل الرجل، إلّا أن الغالب كثرة شعرها، فتحتاج أن تغمره بالماء. فإن كان يصل إلى جميعه من غير نقض، لم يلزمه نقضه (٢).
وقال النخعي: يلزمها نقضه بكل حال.
وحكي عن أحمد أنه قال (٣): الحاثض تنقض شعرها، وفي
_________________
(١) أنظر "الأم" للشافعي ١/ ٤٥.
(٢) لأن الواجب، هو إيصال الماء إلى منابت الشعر وإن كثف، ويجب نقض الظفائر ان كان لا يصل الماء إلى باطنها، أنظر "الوجيز" للغزالي ١/ ١١.
(٣) وهي مسألة اختلاف عند الحنابلة: فمنهم من أوجبه، وهو قول الحسن وطاووس، لما روي أن عائشة ﵂ أن النبي -ﷺ- قال لها إذ كانت حائضًا: "خذي ماءك وسدرك وامتشطي"، ولا يكون المشط في شعر غير مضفور، والبخاري: "انفضي رأسك وامتشطي"، "فتح الباري" ١/ ٤٣٣، ولابن ماجة: "انقضي شعرك واغتسلي". "سنن ابن ماجة" ١/ ٢١٠، ولأن الأصل وجوب نقض الشعر، ليتحقق وصول الماء إلى ما يجب غسله. وقال بعض أصحاب أحمد: هذا مستحب غير واجب، وهو قول أكثر الفقهاء، وهو الصحيح إن شاء اللَّه، لأن في بعض ألفاظ حديث أم سلمة، أنها قالت للنبي -ﷺ-: "إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه للحيضة، وللجنابة؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثياث، ثم تفيضين عليك الماء، فتطهرين" رواه مسلم ٤/ ١١، وهذه زيادة يجب قبولها، وهذا صريح في نفي الوجوب "المغني" لابن قدامة المقدسي ٩/ ١٦٦، وهذا الذي أميل إليه، =
[ ١ / ٢٢٥ ]
الجنابة (لا تنقضه) (١).
وبأي موضع بدا من بدنه في غسله، جاز.
وحكي عن إسحاق: (ابن راهوية) (٢) أنه قال: يبدأ بأعالي بدنه.
وإن اغتسل الجنب، وعلى موضع من بدنه نجاسة، فاستهلكها الماء في غسله، هل يرتفع حدثه بتلك الغسلة عن ذلك المحل؟ فيه وجهان (٣).
فإن انغمس في ماء يبلغ قلتين ينوي به غسل الجنابة، لم يصر مستعملًا، وإن كان أقل من قلتين، صار مستعملًا، وصح غسله في أحد الوجهين (٤).
فإن اغترف الماء بيده من الإناء ليغسلها، لم يصر مستعملًا في أصح الوجهين.
وقيل: يصبر مستعملًا.
_________________
(١) = لأن المقصود هو إيصال الماء إلى أصول الشعر، فإذا لم يصل الماء، عندئذٍ يتعين نقض ضفائرها، واللَّه أعلم.
(٢) (لا تنقضه): وفي جـ: لا تنقض.
(٣) (ابن راهويه): في جـ.
(٤) أنظر "الرسائل الذهبية في المسائل الدقيقة المنهجية"، "ومنهج الطالبين" للنووي، و"فتح الوهاب" ١/ ١٩.
(٥) لقول النبي -ﷺ-: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا" "السنن الكبرى" للبيهقي ١/ ٢٦٠.
[ ١ / ٢٢٦ ]
فإن غمس يده، أو (غيرها) (١) من الأعضاء في الإناء قبل غسلها لم ينجس الماء.
وقال أبو يوسف: إذا أدخل يده، لم ينجس الماء، وإن أدخل غيرها من الأعضاء، ينجس. ويجوز للرجل أن يتوضأ بفضل المرأة في الإناء (٢).
وحكي عن أحمد أنه قال (٣): لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل المرأة إذا خلت به.
وفي رواية أخرى: أنه يكره.
_________________
(١) (غيرها): غير واضحة في أ.
(٢) لما روى ابن عمر ﵄ قال: كان الرجال والنساء يتوضأون في زمان رسول اللَّه -ﷺ- من إناء واحد، "سنن ابن ماجة" ١/ ١٣٤، وكذلك عند الشافعية، يجوز أن يتوضأ أحدهم بفضل وضوء الآخر، واستدلت الشافعية على ذلك بما روته ميمونة ﵂ قالت: "أجنبت واغتسلت من جفنة، ففضلت فيها فضلة، فجاء النبي -ﷺ- يغتسل منه فقلت: إني قد اغتسلت منه، فقال: الماء ليس عليه جنابة، واغتسل منه"، الدارقطني ١/ ٥٢.
(٣) الوارد عن أحمد:
(٤) لا يجوز ذلك، وقد كرهه غير واحد من أصحاب النبي -ﷺ-.
(٥) يجوز الوضوء به للرجال والنساء، وهو قول أكثر أهل العلم، لما روي مسلم في "صحيحه" قال: "وكان النبي -ﷺ- يغتسل بفضل وضوء ميمونة" وقالت ميمونة: "اغتسلت من جفنة، ففضلت فيها فضاءً، فجاء النبي -ﷺ- يغتسل، فقلت: إني قد اغتسلت منه، فقال: الماء ليس عليه جنابة"، وقالوا أيضًا: لأنه ماء طهور، جاز للمرأة الوضوء به، فجاز للرجل، كفضل الرجل، "المغني" لابن قدامة ١/ ١٥٧.
[ ١ / ٢٢٧ ]
ويستحب أن لا ينقص في وضوئه عن مد، وفي غسله (من) (١) صاع، فإن كفاه أقل من ذلك، أجزأه (٢).
وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال (٣): لا يمكن المغتسل أن يعمم جميع بدنه بأقل من صاع، ولا المتوضىء أن يسبغ بأقل من مد، وهذا فاسد.
_________________
(١) (من): في أ، وفي جـ: نحو.
(٢) الوارد في كتب الشافعية: أنه يسن أن لا ينقص ماء الوضوء فيمن اعتدل جسده عن مد تقريبًا، وهو رطل وثلث بالبغدادي، والغسل عن صاع تقريبًا، وهو أربعة أمداد "لأنه -ﷺ- كان يوضئه المد ويغسله الصاع"، "السنن الكبرى" للبيهقي ١/ ١٩٥، أما من لم يعتدل جسده فيعتبر بالنسبة إلى جسده ﵊ زيادة ونقصًا كما قاله ابن عبد السلام، ولا حد له، "نهاية المحتاج"، و"حاشية الشبراملسي"، و"حاشية المغربي" الرشيدي يليه ١/ ٢٢٨، ٢٢٩.
(٣) أن محمدًا ﵀ ذكر الصاع في الغسل، والمد في الوضوء مطلقًا عن الأحوال ولم يفسره، ثم هذا التقدير الذي ذكره محمد من الصاع، والمد في الغسل، والوضوء ليس بتقدير لازم، بحيث لا يجوز النقصان عنه، أو الزيادة عليه، بل هو بيان مقدار أدنى الكفاية عادة، حتى إن من أسبغ الوضوء والغسل بدون ذلك أجزأه، وإن لم يكفه زاد عليه، لأن طباع الناس، وأحوالهم تختلف، والدليل عليه ما روي أن رسول اللَّه -ﷺ- "كان يتوضأ بثلثي مد"، "السنن الكبرى" للبيهقي ١/ ١٩٦، أنظر "بدائع الصنائع" ١/ ٣٥.
[ ١ / ٢٢٨ ]