أوكد (السنن) (١) الراتبة مع الفرائض: الوتر، وركعتا الفجر، والوتر آكدهما في أصح القولين، وهو قول مالك.
والثاني: ركعتا الفجر وهو قول أحمد.
وقال أبو حنيفة: الوتر واجب وليس بفرض.
قال ابن المنذر: لم يذهب إلى هذا غير أبي حنيفة، فإن قلنا: ركعتا الفجر آكد، فيليهما الوتر، وإن قلنا: الوتر، فيليهما ركعتا الفجر.
وحكى أبو إسحاق عن بعض أصحابنا: الوتر، ثم التهجد، ثم ركعتا الفجر وليس بصحيح.
وحكى ابن عبد الحكم (٢)، وأصبغ من أصحاب مالك: أن ركعتي
_________________
(١) (السنن): في ب، جـ، وفي أ: السنة.
(٢) ابن عبد الحكم: محمد بن عبد اللَّه بن الحكم بن أعين المصري سمع من ابن =
[ ٢ / ١٣٨ ]
الفجر ليست بسنة، وإنما هي من الرغائب.
وقال أشهب (١): هما سنة، وأدنى السنن الراتبة مع الفرائض ثمان ركعات سوى الوتر، ركعتان قبل الصبح، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، والوتر ثلاث ركعات، فيصير إحدى عشرة ركعة.
وقيل: أقله: عشر ركعات سوى الوتر، فزاد ركعتين بعد العشاء، وأكثرها ثمان عشرة ركعة، فزاد على ما ذكرنا، ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وأربعًا قبل العصر، والسنة في تطوع الليل والنهار: أن يسلم من كل ركعتين، وهو قول مالك، وأحمد، فإن سلم من ركعة (واحدة) (٢) جاز.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يسلم من ركعة.
فإن جمع بين ركعات بتسليمة جاز، ويتشهد في كل ركعتين، (فإن) (٣) اقتصر على تشهد واحد جاز.
_________________
(١) = وهب وأشهب من أصحاب مالك، وصحب الشافعي وتفقه عليه، انتهت إليه الرياسة بمصر، مات في سنة نيف وستين ومائتين، الشيرازي: ٩٩ والسبكي: ١/ ٢٢٣، والانتقاء: ١١٣.
(٢) أشهب: كان صاحبًا للشافعي يتذكران الفقه، وهو أشهب بن عبد العزيز ابن داود القيسي، ثم العامري، ويكنى أبا عمرو، وأشهب لقب غلب عليه، وكان كاتب خراج مصر، توفي سنة ٢٠٤ هـ، وفيها مات الشافعي وكان بين موتيهما ثمانية عشر يومًا، ولقول الشافعي عنه: وخلف إلى مصر، فلم أر أفقه من أشهب بن عبد العزيز، الانتقاء: ٥١، ٥٢، ١١٢، ١١٣.
(٣) (واحدة): في ب.
(٤) (فإن): وفي ب: وإن.
[ ٢ / ١٣٩ ]
وذكر القاضي حسين ﵀: أنه إذا جمع بين ست ركعات، اقتصر على تشهدين، تشهد عقيب الرابعة، وتشهد عقيب السادسة، فإن تشهد عقيب الثانية، بطلت صلاته، وشرط أن يكون بين التشهدين ركعتان، ولا تزيد على تشهدين أيضًا، والصحيح ما ذكرناه، فإنه أشبه بالفرض، وما ذكره (تحكم) (١).
وقال أبو حنيفة في صلاة الليل: إن شاء (صلى) (٢) ركعتين، وإن شاء صلى أربعًا، أو ستًا، أو (ثماني) (٣) ركعات بتسليمة واحدة، وبالنهار يسلم من كل أربع.
وقال أبو يوسف ومحمد: صلاة الليل مثنى مثنى.
وذكر القاضي حسين ﵀: أنه إذا أحرم بالنفل مطلقًا، (فبماذا) (٤) ينعقد إحرامه؟ فيه وجهان:
أحدهما: ينعقد بركعتين.
والثاني: ينعقد بركعة بناء على أن مطلق النذر يحمل على أقل ما يتقرب به، أو على أقل ما فرض في الشرع، وفيه وجهان.
قال: وعندي أن قضية صلاة النفل، أن يصلي أي قدر شاء، ما لم يقطعه بسلام، وهذا الذي ذكره فيه نظر، بل يجب أن ينعقد نفله بركعتين، وكذا ينبغي أن يحمل النذر على ما ينعقد بالشرع، فإما أن يحمل المشروع على المنذور، (أو فلا) (٥).
_________________
(١) (تحكم): غير واضحة في أ، وفي ب، جـ: وتحكم.
(٢) (صلى): في ب، جـ، وساقطة من أ.
(٣) (ثماني): في ب، وفي جـ: ثمانيًا بتسليمة.
(٤) (فبماذا): في ب، جـ، وفي أ: فبما فقط.
(٥) (أو فلا): بزيادة أو من عندنا حتى يستقيم المعنى.
[ ٢ / ١٤٠ ]
وذكر أيضًا: أنه إذا نذر أن يصلي ركعتين، فصلى أربع ركعات، هل يخرج به (من) (١) نذره؟ فيه جوابان:
أصحهما: أنه لا يخرج من نذره.
فإن نذر أن يصلى أربع ركعات، قال: إن قلنا: إن نذره يحمل على واجب الشرع، تشهد تشهدين، وإن قلنا: على أقل ما يتقرب به كفاه تشهد (واحد) (٢).
(قال الشيخ الإمام) (٣): وعندي: أن هذا ينبغي أن يكون إذا نذر أربع ركعات بتسليمة واحدة.
والصحيح: أن يتشهد تشهدين.
وذكر أيضًا: أنه إذا نذر أن يصلي السنن الراتبة قائمًا، أن من أصحابنا من قال: لا ينعقد نذره.
قال: وعندي: أنه ينعقد نذره، وهذا صحيح.
وما كان من السنن الراتبة قبل الفرض، يدخل وقته بدخول وقت الفرض، وما كان بعد الفرض، يدخل وقته بفعل الفرض، ويفوت الجميع بفوات وقت الفرض (٤)
_________________
(١) (من): في أ، ب، وفي جـ: عن.
(٢) (واحد). وفي جـ: واحدة.
(٣) (قال الشيخ الإمام): ساقطة من أ.
(٤) والوتر سنة عند الشافعية، واستدلوا على ذلك: لما روى أبو أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: "الوتر حق، وليس بواجب، فمن أحب أن يوتر بخمس =
[ ٢ / ١٤١ ]
ومن أصحابنا من قال في ركعتي الفجر: إن وقتها يبقى إلى الزوال، وليس بصحيح.
وقال أصحاب مالك: إذا صلى الصبح، لم يصل ركعتي الفجر.
وأقل الوتر (ركعة) (١)، وأكثره إحدى عشرة ركعة (٢)، وأدنى الكمال ثلاث ركعات بتسليمتين، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة (لا) (٣) يزاد عليها، ولا ينقص منها.
وقال مالك: الوتر ركعة قبلها شفع منفصل عنها، ولا حدّ لما قبلها من الشفع وأقله ركعتان.
يقرأ عندنا في الأولى بعد فاتحة الكتاب سبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية قل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة قل هو اللَّه أحد والمعوذتين، وبه قال مالك.
_________________
(١) = فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل" رواه الخمسة إلا الترمذي، وفي لفظ لأبي داود "الوتر حق على كل مسلم" رواه ابن المنذر، وقال فيه: الوتر حق وليس بواجب، سنن أبي داود جـ ١: ٣٢٨ وانظر "المهذب" للشيرازي ١/ ٩٠.
(٢) (ركعة): غير واضحة في ب.
(٣) أكثره: لما روت عائشة ﵂: "أن النبي -ﷺ- كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر فيها بواحدة"، "نيل الأوطار" للشوكاني ٤/ ٣٦.
(٤) (لا): في ب، جـ، وفي أ: ولا.
[ ٢ / ١٤٢ ]
وقال أبو حنيفة وأحمد: يقرأ في الثالثة، سورة الإخلاص وحدها.
ذكر القاضي حسين ﵀: أن من أصحابنا من قال: الأفضل أن يوتر بواحدة.
ومنهم من قال: ثلاث بتسليمة واحدة.
والأصح: أن يكون بتسليمتين، وتشهدين.
فإن اعتقد أنه صلى العشاء فأوتر، ثم تذكر أنه لم يكن صلاها، فإنه يصليها ويعيد الوتر، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يعيد الوتر.
فإن صلى الوتر في أول الليل، ثم قام للتهجد، فإنه يصلي مثنى مثنى ولا يعيد الوتر.
وبه قال أبو حنيفة (ومالك) (١).
وقال أحمد: ركعة وتره قد (انتقضت) (٢) فيشفعها بركعة ثم يتهجد.
والسنة: أن يقنت في النصف الأخير من شهر رمضان في الوتر، وبه قال مالك.
وعنه رواية أخرى: أنه لا يسن في رمضان أيضًا.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يقنت في الوتر في جميع السنة، وهو قول أبي عبد اللَّه الزبيري من أصحابنا، ومحله بعد الركوع.
_________________
(١) (ومالك): غير واضحة في أ.
(٢) (انتقضت): في أ، ب، وفي جـ: انقضت.
[ ٢ / ١٤٣ ]
ومن أصحابنا من قال: محله في الوتر قبل الركوع، بخلاف الصبح، والمذهب الأول.
ومن السنن الراتبة: صلاة التراويح، وهي عشرون ركعة بعشر تسليمات (١)، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وفعلها في الجماعة أفضل، نصّ عليه في البويطي.
ومن أصحابنا من قال: فعلها في البيت أفضل ما لم (تختل) (٢) الجماعة في المسجد بتأخره، والمذهب الأول.
وقال مالك: قيام رمضان في البيت لمن قوي عليه أحب إلي.
وقال أبو يوسف: من قدر على أن يصلي في بيته كما يصلي (مع) (٣) الإمام في رمضان، (فأحب إلي) (٤) أن يصلي في بيته.
حكي عن مالك أنه قال: صلاة التراويح (ست وثلاثون) (٥) ركعة (تعلقًا) (٦) بفعل أهل المدينة، وإن فاته شيء من السنن الراتبة، فهل يسن قضاؤه، فيه قولان:
_________________
(١) والدليل عليه ما روى أبو هريرة ﵁ قال: "كان النبي -ﷺ- يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة فيقول: من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" رواه مسلم بلفظه ٥/ ٣٩، ٤٠ ورواه البخاري ومسلم جميعًا مختصرًا: أن النبي -ﷺ- قال: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"، "الفتح الكبير" ٣/ ٢٢١.
(٢) (تختل): في ب، جـ، وفي أ: تخل.
(٣) (مع): في ب، جـ، وساقطة من أ.
(٤) (فأحب إلي): في ب، جـ، وفي أ: وأحب.
(٥) (ست وثلاثون): في ب، وفي أ: جـ، ستة وثلاثون والأول هو الصحيح.
(٦) (تعلقًا): في ب، جـ، وفي أ: معلقًا.
[ ٢ / ١٤٤ ]
أحدهما: يقضي، وبه قال أحمد في إحدى الروايتين، وهو اختيار المزني.
والثاني: لا يقضي، وهو قول مالك.
وقال أبو إسحاق: يقضي قولًا واحدًا.
وذكر في الحاوي: أنا إذا قلنا: لا يقضي فهل يسقط فعلها بدخول وقت الصلاة أو بفعلها، فيه وجهان: والجميع فاسد، وإنما (يخرج بخروج) (١) وقت الفريضة.
وقال أبو حنيفة: يقضيها مع الفريضة إذا فاتت.
ويجوز أن يصلي النفل قاعدًا، فإذا أراد الركوع، قام وقرأ آيات وركع، ويجوز أن يفتتحه قائمًا ويتمه جالسًا، وبه قال بعض أصحاب مالك.
ومنهم من قال: لا يجوز أن يتمها جالسًا.
وحكى القاضي حسين في فعل النفل مضطجعًا وجهين، فإن دخل المسجد، وقد أقيمت (الصلاة) (٢) لم يصل التحية ولا غيرها من السنن.
وقال أبو حنيفة: إذا أمن فوات الركعة الثانية من صلاة الصبح، اشتغل بركعتي الفجر خارج المسجد، ولا يصليها في المسجد خشية أن يحمل ذلك على الرغبة عن الجماعة، وهو قول مالك حكاه عنه أصحابه.
_________________
(١) (يخرج بخروج): في جـ، وفي أ: يسقط بخروج.
(٢) (الصلاة): ساقطة من ب.
[ ٢ / ١٤٥ ]