طهارة النجس، شرط في صحة الصلاة (١).
وقال مالك: إذا صلى مع النجاسة، أعاد في الوقت ولا يعيد بعد فواته (٢).
_________________
(١) لقوله -ﷺ-: من رواية ابن عمر: "لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول" رواه مسلم وابن ماجة، أنظر "الفتح الكبير" ٣/ ٣٦٧، وابن ماجة ١/ ١٠٠. وأما طهارة البدن عن النجاسة فهي شرط صحة الصلاة، والدليل على ذلك قول النبي -ﷺ-: "تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه"، أنظر "نيل الأوطار" للشوكاني ١/ ١٠٧.
(٢) واستدل على ذلك بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "بينما رسول اللَّه -ﷺ- يصلي بأصحابه، إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى القوم لك، ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول اللَّه -ﷺ- صلاته قال: ما حملكم على ألقائكم نعالكم؟ قالرا: رأيناك ألقيت نعليك، فألقينا نعالنا، فقال رسول اللَّه =
[ ٢ / ٤٧ ]
وحكي عنه: أن إزالة النجاسة واجبة، إلا يسير الدم.
وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ليس على الثوب جنابة.
وعن ابن مسعود ﵁: أنه نحر جزورًا، فأصابه من فرثه ودمه، فصلى (فيه) (١) ولم يغسله.
وروي عن سعيد بن جبير: أنه سئل عن رجل صلّى وفي ثوبه أذى فقال: أقرأ عليّ الآية التي فيها غسل الثوب (٢).
والنجاسة: دم، وغير دم، فغير الدم، إذا لم يدركه الطرف، فيه ثلاث طرق:
أحدها: يعفى عنه (٣).
_________________
(١) = -ﷺ-: أن جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا" رواه أبو داود، "مختصر سنن أبي داود" ١/ ٣٢٨ بإسناد صحيح، ورواه الحاكم في المستدرك، "المجموع" ٣/ ١٣٩.
(٢) (فيه): ساقطة من أ، ب.
(٣) وأرى أن رأي ابن مسعود وابن جبير يخالفان قول اللَّه تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ والمراد ثيابك الملبوسة، ومعناه: طهرها من النجاسة، ومخالفان لقوله -ﷺ- "تنزهوا من البول" وبقوله -ﷺ-: "إذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت، فاغسلي عنك الدم وصلي" ويقوله: "مر النبي -ﷺ- بقبرين فقال: إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما: فكان لا يتنزه من بوله، وأما الآخر، فكان يمشي بالنميمة"، ابن ماجه ١/ ١٢٥، واللَّه ﷾ أعلم.
(٤) لأنه لا يدرك بالطرف فعفى عنه، كغبار السرجين، "المهذب" للشيرازي ١/ ٦٧.
[ ٢ / ٤٨ ]
والثاني: لا يعفى عنه (١).
والثالث: فيه قولان.
وأما الدم، فيعفى عن القليل من دم (القمل، والبراغيث) (٢)، وفي كثيره وجهان:
أصحهما: أنه يعفى عنه.
وقال أبو سعيد الإِصطخري: لا يعفى عنه.
وفي دم غيرها ثلاثة أقوال:
أصحها: قوله في "الأم": أنه يعفى عن القدر الذي (يتعافاه) (٣) الناس بينهم (٤).
والثاني: (أنه) (٥) لا يعفى عن شيء فيه.
وقال في القديم: يعفى عما دون الكف.
وعن مالك أنه قال: يعفى عن يسير الدم، ولا يعفى عما تفاحش.
وعنه في دم الحيض روايتان:
_________________
(١) لأنه نجاسة لا يشق الاحتراز منها، فلم يعف عنها كالذي يدركه الطرف.
(٢) لأنه يشق الاحتراز منه، فلو لم يعف عنه شق وضاق، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
(٣) (يتعافاه): في ب، جـ، وفي أ: يعافا، والأول أصح، انظر "المهذب" ١/ ٦٧.
(٤) تعافاه الناس بينهم في العادة، وهو الدم القليل، لأن الإنسان لا يخلو من بثرة، وحكة يخرج منها هذا القدر فعفي عنه، والثالث: يعفى عما دون الكف، ولا يعفى عن الكف، والأول أصح، "المهذب" ١/ ٦٧.
(٥) (أنه): ساقطة من جـ.
[ ٢ / ٤٩ ]
أحدهما: أنه كغيره من الدماء.
والثانية: أنه يستوي كثيره وقليله.
وحكي عن أحمد أنه قال: الشبر متفاحش، وحكي (عنه) (١) أيضًا. أنه يعفى عن النقطة والنقطتين، واختلف عنه فيما بين ذلك.
وقال أصحاب أبي حنيفة: يعفى عما لا يتفاحش من غير الدم، كالبول، والعذرة، واختلفوا في قدر التفاحش.
فقال الطحاوي: (التفاحش) (٢)، ربع الثوب.
ومنهم من قال: ذراع في ذراع.
وقال أبو بكر الرازي: شبر في شبر (٣).
فإِن كان على فرجه دم يخاف من غسله، صلى وأعاد على أصح (القولين) (٤).
وقال في القديم: لا يعيد وهو قول أبي حنيفة.
وإن جبر عظمه بعظم (نجس) (٥)، ولم يخف التلف من قلعه، لزمه قلعه (٦).
_________________
(١) (عنه): في ب، جـ، وفي أ: أنه.
(٢) (التفاحش): ساقطة من ب.
(٣) أنظر "كشف الحقائق" ١/ ٣٢، ٣٣.
(٤) (القولين): في ب، جـ، وفي أ: الوجهين.
(٥) (نجس): في أ: النجس، أنظر "المهذب" ١/ ٦٧.
(٦) لأنها نجاسة غير معفو عنها، أوصلها إلى موضع يلحقه حكم التطهير، لا يخاف التلف من إزالتها، فأشبه إذا وصلت المرأة شعرها بشعر نجس، فإن امتنع من =
[ ٢ / ٥٠ ]
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه.
وإن خاف من قلعه تلف نفسه، أو عضو من أعضائه، لم يلزمه قلعه.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه، وليس بشيء.
فإن مات لم يقلع على المنصوص (١).
وقال أبو العباس: يقلع، والمذهب الأول.
فإن شرب خمرًا، لزمه أن يتقيأ على المنصوص.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه ذلك، والمذهب الأول.
ويحرم على المرأة: أن تصل شعرها بشعر نجس، فأما إذا وصلته بشعر طاهر، أو (حمرت) (٢) وجهها، أو سودت شعرها، أو (طرفّت) (٣) أناملها، ولها زوج لم يكره، وإن لم يكن لها زوج كره، لما فيه من الغرور (٤).
_________________
(١) = خلعه أجبره السلطان على قلعه، لأنه مستحق عليه يدخله النيابة، فإذا امتنع لزم السلطان أن يقلعه كرد المغصوب، "المهذب" ١/ ٦٧.
(٢) لأن قلعه للعبادة، وقد سقطت العبادة عنه بالموت.
(٣) (حمرت): ب، وفي جـ: غمرّت، وهذا تصحيف.
(٤) (طرّفت): غير واضحة في أ، وفي المجموع: طرّفت، "المجموع" ٣/ ١٤٧.
(٥) الوارد عن النووي: وتطريف الأصابع حرام بغير إذن الزوج، وبإذنه وجهان: أصحهما: التحريم، "مجموع" ٣/ ١٤٧. أما وصل الشعر: فقد ورد عن رسول اللَّه -ﷺ-: عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "لعن اللَّه الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات =
[ ٢ / ٥١ ]
وذكر بعض أصحابنا: أنه إن لم يكن لها زوج، لم يجز، وإن كان لها زوج، ففيه وجهان:
فإن فعلته بإذنه، جاز في أصح الوجهين، وبغير إذنه، لا يجوز، وليس المذهب كذلك.
_________________
(١) = للحسن المغيرات خلق اللَّه فقالت له امرأة في ذلك، فقال: وما لي لا ألعن من لعنه -ﷺ- وهو في كتاب اللَّه تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ رواه البخاري ومسلم، أنظر "فتح الباري" ١٢/ ٤٩٥. هذا والوصل لصوف والخرق كالوصل بالشعر عند الجمهور، واستدلوا بحديث جابر "أن النبي -ﷺ-، زجر أن تصل المرأة برأسها شيئًا" رواه مسلم والبخاري، "فتح الباري" ١٢/ ٤٩٧. أما ربط الشعر بخيوط الحرير الملونة ونحوهما مما لا يشبه الشعر، فليس بمنهي عنه، لأنه ليس بوصل، ولا هو في معنى مقصود الوصل، وإنما هو للتجميل والتحسين، أنظر "المجموع" ٣/ ١٤٨، ١٤٩.
[ ٢ / ٥٢ ]