(إذا) (١) قطع شرطًا من شروط الصلاة، كالطهارة، ونحوها بطلت صلاته، (وإن) (٢) سبقه الحدث، ففيه قولان:
قال في الجديد: تبطل صلاته (٣)، وبه قال مالك.
وقال في القديم: لا تبطل، وهو قول أبي حنيفة، وداود، فيتوضأ ويبني على صلاته (٤).
_________________
(١) (إذا): وفي جـ فإذا.
(٢) (وإن): في ب، جـ وفي أفإن.
(٣) لأنه حدث يبطل الطهارة، فأبطل صلاته كحدث العمد.
(٤) واستدلت الحنفية: بما روت السيدة عائشة ﵂: أن النبي -ﷺ- قال: "إذا قاء أحدكم في صلاته، أو قلس، فلينصرف وليتوضأ وليبن على ما مضى ما لم يتكلم" وهذا حديث ضعيف متفق على ضعفه رواه ابن ماجة والبيهقي، =
[ ٢ / ١٥١ ]
وقال الثوري: إذا كان حدثه رعافًا، أو قيئًا، توضأ وبنى، وإن كان بولًا، أو ريحًا، أو ضحكًا أعاد الوضوء والصلاة.
وعند مالك: الرعاف ليس بحدث، فيغسل الدم، ويبني على صلاته (١).
وإن تكلم في صلاته (٢)، أو سلم ناسيًا، أو جاهلًا بالتحريم، أو سبق لسانه، إليه (ولم يطل) (٣)، لم تبطل صلاته، وبه قال مالك، وأحمد (٤).
وقال أبو حنيفة: تبطل بالكلام، ولا تبطل بالسلام ناسيًا في غير محله.
_________________
(١) = "السنن الكبرى" للبيهقي ٢/ ١٥٥ بإسناد ضعيف من رواية إسماعيل بن عياش، عن ابن جريح، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، والاحتجاج في إسماعيل بن عياش مختلف فيه، وابن جريح: حجازي مكي مشهور، فيحصل الاتفاق على ضعف روايته لهذا الحديث، وهذا الحديث أحد ما أنكر على إسماعيل بن عياش، والمحفوظ أنه مرسل، "المجموع" ٤/ ٤.
(٢) ويقول الدسوقي: إذا رعف وهو في الصلاة، فإن ظن دوامه لآخر الاختياري، أو اعتقد ذلك، أتمها على حالته التي هو عليها سواء كان الدم سائلًا، أو قاطرًا، أو راشحًا، فهذه ست صور، ومحل الإتمام إن لم يخش تلطخ فرش مسجد، فإن خشي تلطخه ولو بقطرة، قطع، وخرج منه، وابتدأه خارجه، الدسوقي على "الشرح الكبير" ١/ ٢٠١.
(٣) أي ناسيًا، أما الذاكر لصلاته، عالمًا بالتحريم، بطلت صلاته، لما روي أن النبي -ﷺ- قال: "الكلام ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء".
(٤) (ولم يطل): ساقطة من جـ.
(٥) لما روى أبو هريرة ﵁: أن رسول اللَّه -ﷺ- "انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت يا رسول اللَّه؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: =
[ ٢ / ١٥٢ ]
وحكي عن عبيد اللَّه بن الحسن العنبري (١) أنه قال: تبطل الصلاة بسلام الناسي أيضًا.
وإن طال الكلام ناسيًا، ففيه وجهان:
أحدهما: تبطل صلاته.
قال الشيخ أبو نصر: وهو الأصح.
وحكى عن مالك أنه قال: كلام (العامد) لمصلحة الصلاة، لا يبطلها، كإعلام الإمام بسهوه إذا لم ينتبه عليه إلّا بالكلام.
وحكي عن الأوزاعي أنه قال: كلام العامد فيما فيه مصلحة، لا
_________________
(١) = أصدق ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فقام رسول اللَّه -ﷺ- فصلى اثنتين أخريين ثم سلم"، "السنن الكبرى" للبيهقي ٢/ ٢٥٠، وكذلك عند المالكية: إن الكلام لإصلاحها لا يبطلها، الدسوقي على "الشرح الكبير" ١/ ٢٥٠، وانظر "المغني" لابن قدامة ٢/ ٣٦، أما التحريم: فلما روى معاوية بن الحكم السلمي قال: "بينما أنا أصلي مع رسول اللَّه -ﷺ- إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك اللَّه، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أبينا، ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتوني، لكني سكت، فلما صلى رسول اللَّه -ﷺ-، فبأبي وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فواللَّه ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمنى" ثم قال: "إن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن"، أو كما قال رسول اللَّه -ﷺ- أنظر "السنن الكبرى" للبيهقي ٢/ ٢٥٠، فلم يأمره بالإعادة، فدل على صحتها، أنظر "المغني" لابن قدامة ٢/ ٣٦.
(٢) عبيد اللَّه بن الحسن بن الحصين العنبري البصري الفقيه، كان قاضي البصرة ومن غرائبه: أنه يجوز التقليد في العقائد والعقليات، وخالف في ذلك العلماء كافة، مات سنة ١٦٨ هـ، "طبقات الفقهاء" للشيرازي: ٩١، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي ١/ ٣١١.
[ ٢ / ١٥٣ ]
يبطل الصلاة، وإن لم تكن عائدة إلى الصلاة كإرشاد ضال، وتحذير ضرير.
وذكر (بعض) (١) أصحابنا: أنه إذا تنحنح الإمام، فما يصنع المأموم؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يخرج من صلاته، ومتى أقام على متابعته، بطلت صلاته.
والثاني: أنها لا تبطل (٢).
وذكر أنه إذا قال: (حدثني حديثًا متفرقًا) (٣)، لم تبطل صلاته، وإن كان موصولًا، بطلت صلاته.
(قال الشيخ الإمام) (٤): وعندي، لا فرق بين الحالين، لأنه ليس بقرآن ولا ذكر.
فإن رأى ضريرًا يقع في بئر فحذره بالقول، لم تبطل صلاته في أصح الوجهين، وهو قول أبي إسحاق، فإن (ناب) (٥) المصلي في صلاته شيء، سبح الرجل، وصفقت المرأة، فتضرب بطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر، وقيل: تضرب بأصبعي يمينها (على) (٦) كفها الأيسر (٧).
_________________
(١) (بعض): ساقطة من أ.
(٢) والرأي الثالث: إن كان فمه مطبقًا، لم تبطل مطلقًا، وإلا فإن بان حرفان بطلت، وإلا فلا، "المجموع" ٤/ ١٠.
(٣) (حدثني حديثًا متفرقًا): وفي أ: (مولى حديث متفرقًا) وهذا تصحيف.
(٤) (قال الشيخ الإمام): ساقطة من ب.
(٥) (ناب): في أ، ب، وفي جـ: فات.
(٦) (على): في أ، ب، وفي جـ: في كفها.
(٧) لما روى سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: "إذا نابكم =
[ ٢ / ١٥٤ ]
وذكر في الحاوي: أن ظاهر كلام الشافعي ﵀، أنها كيف ما صفقت، جاز.
وقال أبو سعيد الإصطخري: لا تصفق بباطن الكف على باطن الكف.
وقال مالك: يسبحان جميعًا.
فإن أفهم الآدمي بالتسبيح، بأن استأذنه (في الدخول) (١)، أو سلم عليه فقال: سبحان اللَّه، بقصد (الإذن) (٢) له، أو قصد تحذير ضرير من الوقوع في بئر، لم يبطل صلاته، ولا سجود عليه.
وقال أبو حنيفة: تبطل صلاته، إلَّا أن يقصد (تنبيه) (٣) الإمام، أو دفع المار بين يديه، وكذا قال: إذا أخبر في الصلاة بخبر يسوؤه فقال: إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون، بطلت صلاته.
وعندنا: إذا قصد به قراءة القرآن، لم تبطل صلاته (٤).
إذا سلّم على المصلي، رد بالإشارة بيده، أو (برأسه) (٥).
_________________
(١) = شيء في الصلاة فليسبح الرجال، وليصفق النساء" رواه البخاري ومسلم، أنظر "صحيح مسلم" ٤/ ١٣، و"السنن الكبرى" للبيهقي ٢/ ٢٤٦.
(٢) (في الدخول): وفي جـ: بالدخول.
(٣) (الاذن): في ب، جـ، وفي أ: الأذان.
(٤) (تنبيه): غير واضحة في أ.
(٥) كأن قرأ (أدخلوها بسلام آمنين) أو (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) بشرط أن لا يقصد بذلك الإعلام وحده.
(٦) (برأسه): في جـ، وفي أ: رأسه.
[ ٢ / ١٥٥ ]
وحكى ابن المنذر عن جماعة: كراهة السلام على المصلي، منهم عطاء.
وعن مالك: روايتان في ذلك، وكان أحمد لا يرى بذلك بأسًا.
وقال أبو حنيفة: لا يرد.
وحكي عن عطاء، والثوري: أنه يرد عليه بعد فراغه.
وقال سعيد بن المسيب، والحسن: يرد عليه لفظًا.
فإن شمت العاطس في الصلاة، بطلت صلاته على المذهب (١).
وحكى يونس بن عبد الأعلى) (٢): أن الشافعي ﵀ قال: لا بأس به (٣)، وليس بصحيح.
وذكر القاضي حسين ﵀ أنه قال: يرحمك اللَّه، بطلت صلاته، وإذا قال: يرحمه اللَّه، لم تبطل، وكذا إذا سلم فقال: وعليك السلام، بطلت صلاته، وإذا قال: وعليه السلام، لم تبطل، وفي هذا نظر، لأن الجميع خطاب آدمي، يحصل به الجواب.
فإن عمل في صلاته عملًا من جنسها في غير محله عمدًا، بطلت
_________________
(١) لحديث معاوية بن الحكم السابق، ولأنه كلام وضع لمخاطبة الآدمي.
(٢) يونس بن عبد الأعلى: صاحب الشافعي وهو أبو موسى يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة بن مغص بن حبان الصدفي، روى عنه مسلم ابن الحجاج في (صحيحه) وأكثر الرواية عنه أبو حاتم الرازي وابنه عبد الرحمن وأبو زرعة، والنسائي وابن ماجة وآخرون، واتفقوا على توثيقه وجلالته ولد سنة ١٧٠ هـ وتوفي ٢٦٤، "تهذيب الأسماء واللغات" ٢/ ١٦٨.
(٣) لأنه دعاء بالرحمة فهو كالدعاء لأبويه بالرحمة، وهذا ليس بصحيح.
[ ٢ / ١٥٦ ]
صلاته (١) بأن سجد في محل الركوع، أو ركع في محل السجود، أو قعد في محل القيام.
وقال أبو حنيفة: لا تبطل (صلاته) (٢) ما لم يقيد الركعة بسجدة.
وإن قرأ الفاتحة مرتين عامدًا، لم تبطل صلاته في أصح الوجهين، وإن مرّ بين يديه مار (فله) (٣) دفعه، ولا تبطل صلاته (٤).
قال الشافعي: قال أحمد: يقطع الصلاة، الكلب الأسود، وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء.
وقال إسحاق: يقطعها الكلب الأسود.
فإن زاد فيها عملًا من غير جنسها، فالفعل الواحد، لا يبطل، والثلاثة تبطل، والفعلان لا يبطلان في أصح الوجهين.
وذكر القاضي حسين ﵀: أنه إذا عمل عملًا لو نظر إليه إنسان، ظن أنه ليس في صلاة، فهو كثير، وإن كان يظن أنه في صلاة فهو قليل.
وقال العامري (٥): كل عمل يحتاج فيه إلى اليدين، فهو كثير،
_________________
(١) لأنه متلاعب بالصلاة، وإن كان ناسيًا، لم تبطل، لأن النبي -ﷺ- صلى الظهر خمسًا، فسبحوا له وبنى على صلاته "المهذب" ١/ ٩٥.
(٢) (صلاته): في جـ.
(٣) (فله): ساقطة من جـ.
(٤) لأن النبي -ﷺ-: أمر بدفع المار بين يديه، الترمذي ٢/ ١٥٩، وأمر بقتل الأسودين، الحية والعقرب في الصلاة، الترمذي ٢/ ٢٣٤.
(٥) العامري: هو يزيد بن الأسود العامري الصحابي، شهد مع رسول اللَّه -ﷺ- =
[ ٢ / ١٥٧ ]
كتكوير العمامة، وعقد السراويل، وكل عمل لا يحتاج فيه إلى اليدين، فهو قليل، (وما ذكرناه) (١) فيه نظر.
(وإن أكل، أو شرب عامدًا) (٢): بطلت صلاته (٣).
وذكر القاضي حسين ﵀: أنه إذا وضع في فيه سكرة (أو) (٤) ما يذوب، ووصل إلى جوفه، ففي بطلان صلاته وجهان:
أظهرهما: (أنه) (٥) تبطل.
وحكي عن سعيد بن جبير: أنه شرب الماء في صلاة النفل.
وعن طاووس أنه قال: لا بأس بشرب الماء في النافلة.
ولا يكره قتل الحية والعقرب في الصلاة (٦).
_________________
(١) = الصلاة، وروى عنه حديث: فيمن صلى في رحله ثم أدرك جماعة يصلون يعيدها معهم، وهو حديث حسن، أنظر "تهذيب الأسماء واللغات" ٢/ ١٦٠، ١٦١.
(٢) (وما ذكرناه): في أ، ب، وفي جـ: وما ذكراه.
(٣) (وإن أكل، أو شرب عامدًا): في أ، جـ: وإن أكل عامدًا أو شرب بطلت، وفي ب: عامدًا ساقطة.
(٤) لأنه إذا أبطل الصوم الذي لا يبطل بالأفعال، فلأن يبطل الصلاة أولى، "المهذب" ١/ ٩٥.
(٥) (أو): في ب، جـ: وفي أ: وما يذوب.
(٦) (أنه): في جـ، وفي أ: أن.
(٧) روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- "اقتلوا الأسودين في الصلاة الحية والعقرب" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم، قال الترمذي حديث حسن صحيح، الترمذي ٢/ ٢٣٤.
[ ٢ / ١٥٨ ]
وقال النخعي: يكره.
فإن عدّ الآي في الصلاة عقدًا ولم يتلفظ به، لم تبطل صلاته، وتركه أولى (١).
وقال مالك: لا بأس به.
وقال أبو حنيفة: يكره ذلك، وهو قول محمد.
وقال أبو يوسف: في التطوع لا بأس به.
_________________
(١) يكره عد الآي: لأنه يشغل عن الخشوع، فكان تركه أولى، وكذلك التثاؤب، لما روى أبو هريرة ﵁: أن النبى -ﷺ- قال: "إذا تثاءب أحدكم وهو في الصلاة، فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا قال: ها ها ضحك الشيطان منه" حديث صحيح روي بعدة طرق، أخرجه البخاري والترمذي والنسائي وأبو داود، أنظر "مختصر سنن أبي داود" ٧/ ٣٠٣.
[ ٢ / ١٥٩ ]