إذا وقعت في الماء الراكد نجاسة يدركها الطرف من (خمر) (٢)، أو بول، أو ميتة لها نفس سائلة وهو أقل من قلتين نجس، وإن كان قلتين فصاعدًا، فتغير (فيه) (٣)، أحد أوصافه، من طعم، أو لون، أو رائحة (نجس) (٤)، وإن لم يتغير لم ينجس (٥).
_________________
(١) (باب. . .): غير واضحة في أومتآكلة، وواضحة في ب، جـ ووفق تبويب "المهذب" ١/ ١٢٠.
(٢) (خمر): في ب، جـ وفي أ - خر وهذا تصحيف من الناسخ.
(٣) (فيه): في ب وساقطة من أ، جـ.
(٤) نجس: غير واضحة في أومتآكلة.
(٥) لقوله -ﷺ-: "إذا كان الماء قلتين فإنه لا يحمل الخبث" رواه أبو عبد اللَّه الشافعي، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة في سننهم، وأبو عبد اللَّه الحاكم في "المستدرك" على "الصحيحين"، أنظر "مختصر سنن أبي داود" ١/ ٥٧، والترمذي ١١/ ٩٧، واستشهد به الشيرازي - في "المهذب" ١/ ١٣.
[ ١ / ٨٠ ]
والقلتان خمسمائة رطل بالبغدادي، (وهل ذلك تقريب أو تحديد؟) (١) فيه وجهان.
ومن أصحابنا من قال: القلتان خمسمائة منًا (٢).
وقال أبو عبد اللَّه الزبيري (٣): القلتان ثلاثمائة منًا، واختاره القفال، (وبقولنا) قال أحمد، وأبو ثور (٤)، واختاره المزني (٥).
_________________
(١) (وهل ذلك. . .) غير واضحة في أومتآكلة.
(٢) المن: رطلان والجمع أمنان، "مختار الصحاح": ٦٣٧.
(٣) أبو عبد اللَّه الزبيري: هو محمد بن سامري بن عبد اللَّه بن عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام بن خويلد الزبيري البصري، صاحب "الكافي"، ويعرف به ومن تصانيفه كتاب "النية" وكتاب "الإمارة"، و"رياضة المتعلم"، وكتاب "ستر العورة"، مات سنة ٣١٧ هـ، "طبقات الفقهاء الشافعية" لأبي عاصم محمد بن أحمد العبادي: ٥١، الأسنوي ١/ ٦٠٦، ٦٠٧.
(٤) أبو ثور: هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي، قال: كنت من أصحاب محمد بن الحسن، فلما قدم الشافعي علينا، جئت إلى مجلسه مستهزئًا، فسألته عن مسألة من الدور، ثم صار من أصحاب الشافعي، وبعد ذلك قال: يا أبا ثور، خذ مسألتك في الدور، فإنما منعني ان أجيبك يومئذٍ، لأنك كنت متعنتًا وحديث علم، توفي ببغداد سنة ٢٠٤ هـ، "الانتقاء": ١٥٧، "الفهرست": ٢١١، السبكي ١/ ٢٢٧، والشيرازي: ١٠١، ١٠٢.
(٥) المزني: أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمر بن إسحاق المزني، صنف كتبًا كثيرة منها: "الجامع الكبير"، و"الجامع الصغير"، و"مختصر المختصر"، و"المنثور"، و"المسائل المعتبرة"، و"الترغيب في العلم"، كتاب "الوثائق"، وقد قال الشافعي عنه: المزني ناصر مذهبي، مات بمصر ٢٦٤ هـ، ابن خلكان ١/ ١٩٦، السبكي ١/ ٢٣٨، "الانتقاء": ١١٠، ١١١.
[ ١ / ٨١ ]
وحكي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄: أنه قدر الماء الكثير بأربعين قلة، وهو قول محمد بن المنكدر (١).
ومنهم: من قدره بكُر (٢)، وهو قول ابن سيرين، ووكيع (٣).
والكُر (عندهم) (٤) (أربعون) (٥) قفيزًا (٦)، والقفيز اثنان وثلاثون رطلًا.
_________________
(١) محمد بن المنكدر: هو محمد بن المنكدر بن عبد اللَّه بن الهدير بن عبد العزى بن عامر بن الحرث بن حارثة بن سعد بن تيم القرشي التيمي، أبو عبد اللَّه المدني، أحد الأئمة الأعلام عن عائشة وأبي هريرة وأبي قتادة، وجابر وطائفة، وعنه زيد بن أسلم، أنظر "خلاصة تهذيب الكمال" للخزرجي: ٣٦٠، و"الأعلام" ٧/ ٣٣٣.
(٢) الكر بالضم: واحد أكرار الطعام، "مختار الصحاح": ٥٦٧.
(٣) وكيع: هو وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي، أبو سفيان الرواس الكوفي من قيس عيلان، أصله من قرى نيسابور، أو من الصفد، ولد سنة تسع أو ثمان وعشرين ومائة. شكا إليه صاحبه سوء الحفظ فقال: استعينوا على الحفظ بترك المعاصي، فأنشأ صاحبه يقول: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأوصاني إلى ترك المعاصي وحفظ العلم فضل من إله وفضل اللَّه لا يهدى لعاصي توفي سنة ثمان أو تسع وتسعين ومائة، "الفهرست" لابن النديم، و"الكواكب الدرية" للمناوي ١/ ٧٧، و"مفتاح السعادة" ٢/ ٢٥٣، ٢٥٥.
(٤) عندهم: وفي أ - عندهما، وفي ب، جـ عندهم وهو الصحيح.
(٥) أربعون: في جـ، وفي أ، ب (أربعين).
(٦) القفيز: مكيال والجمع أقفزة، مختار الصحاح: ٥٤٦.
[ ١ / ٨٢ ]
وقال مالك (١): الاعتبار بتغير الماء بكل حال، وبه قال داود (٢)، ويروى عن عبد اللَّه بن عباس (٣) ﵁.
وقال أبو حنيفة (٤) وأصحابه: كل موضع تيقنا وصول النجاسة
_________________
(١) انظر "جواهر الأكليل" للشيخ صالح السميع الآبي ٦. ومتن خليل.
(٢) داود: هو داود بن علي بن خلف الأصبهاني ثم البغدادي، إمام أهل الظاهر، أبو سليمان، ولد سنة ٢٠٢ هـ وتوفي ببغداد سنة ٢٧٠ هـ، كان من المتعصبين للشافعي ﵀، صنف كتابين في فضائله والثناء عليه، وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد، واختلف العلماء، هل يعتبر قوله في الإجماع، فقالوا أبو إسحاق الاسفراييني: أهل الحق في نفاة القياس، يعني داود وشبهه، فقال الجمهور: أنهم لا يبلغون رتبة الاجتهاد، ولا يجوز تقليدهم القضاء، وهذا ينفي الاعتداد به في الإجماع، ونقل عن أبي علي بن أبي هريرة وطائفة من الشافعيين: أنه لا اعتبار بخلاف داود وسائر نفاة القياس في الفروع، ويعتبر خلافهم في الأصول، وقال إمام الحرمين: الذي ذهب إليه أهل التحقيق أن منكري القياس لا يعدون من علماء الأمة وحملة الشريعة لأنهم معاندون، مباهتون، فيما ثبت استفاضة وتواترًا، ولأن معظم الشريعة صادرة عن الاجتهاد، ولا تفي النصوص بعشر معشارها، وهؤلاء ملتحقون بالعوام، انظر "تهذيب الأسماء واللغات" ١/ ١٨٢، ١٨٤، "وطبقات الفقهاء الشافعية" العبادي ٥٨ - ٥٩.
(٣) عبد اللَّه بن عباس: أبو العباس عبد اللَّه بن العباس ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ابن عم رسول اللَّه -ﷺ-، توفي رسول اللَّه -ﷺ - وله ثلاث عشرة سنة، ومات بالطائف سنة ٧٨ هـ وهو ابن ٧١ سنة، قال الواقدي: مات وهو ابن ٧٢ سنة، وكان النبي -ﷺ- دعا له فقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"، وقد أخذ الفقه عن ابن عباس: عطاء بن أبي رباح، وطاووس، ومجاهد، وسعيد ابن جبير، وعبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وابن أبي مليكة، وعكرمة، وميمون بن مهران، وعمرو بن دينار، الشيرازي ٤٨، ٤٩.
(٤) أنظر "مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر" ١/ ٢٨، ٢٩.
[ ١ / ٨٣ ]
إليه، أو غلب على ظننا وصول النجاسة إليه، حكمنا بنجاسته، وجعل حركة الماء بوقوع النجاسة فيه، علام على وصولها (إلى) (١) حيث انتهت الحركة، وما لم تصل إليه طاهرة من غير نظر إلى كثرة ولا إلى تغيير.
وحكي عن داود (تفريع) (٢) عجيب على هذا الأصل، (بدليل خبر) (٣) حمله عليه ترك القياس فقال: إذا بال في ماء راكد ولم يتغير لم ينجس، ولا يجوز (له) (٤) أن يتوضأ منه، ويجوز لغيره أن يتوضأ منه.
وإن بال في إناء، ثم طرحه فيه، ولم يتغير، لم ينجس، وجاز له ولغيره أن يتوضأ منه.
وإن كانت النجاسة مما لا يدركها الطرف، فظاهر ما نقله المزني أنه لا ينجس.
وفي البويطي (في الثوب) (٥) أنه ينجس، أدركه الطرف أو لم يدركه، فحصل في الماء والثوب ست طرق (٦):
_________________
(١) (إلى): ساقطة من أ، جـ.
(٢) تفريغ: في جـ، وفي أ، ب: تصريح.
(٣) بدليل خبر: في جـ، وساقطة من أ، ب.
(٤) له: زائدة في جـ.
(٥) في الثوب: ساقطة من أ.
(٦) والوارد في كتب الشافعية سبع طرق وهي: (١) يعفى فيهما. (٢) ينجسان، (٣) فيهما قولان، (٤) ينجس الماء لا الثوب، لأن الثوب أخف حكمًا في النجاسة، ولهذا يعفى عن دم البراغيث، وقليل سائر الدماء والقيح في الثوب دون الماء، (٥) عكسه، لأن للماء قوة دفع النجاسة عن غيره، فعن نفسه أولى بخلاف الثوب، (٦) ينجس الثوب، وفي الماء قولان، (٧) ينجس الماء وفي الثوب قولان، "مجموع" ١/ ١٧٨.
[ ١ / ٨٤ ]
أحدها: (أنه) (١) ينجس الماء والثوب.
والثاني: أنه لا ينجس الماء ولا الثوب، وهو قول أبي الطيب بن سلمة (٢).
والثالث: فيه قولان.
والرابع: حمل النصين على ظاهر (هما) (٣) (والفرق بينهما) (٤).
والخامس: عكس ذلك، وهو أن ينجس الماء (ولا ينجس) (٥) الثوب.
وقال أبو علي بن أبي هريرة (٦): وينجس الثوب، وفي الماء قولان.
_________________
(١) (أنه): ساقطة من جـ.
(٢) أبو الطيب بن سلمة: محمد بن المفضل بن سلمة بن عاصم البغدادي، من كبار أصحابنا، تفقه على ابن سريج، وصنف كتبًا كثيرة، توفي ٣٠٨ هـ، "المجموع" ١/ ٢٤٧.
(٣) هما: في ب، جـ وفي أ - ها. وهو تصحيف من الناسخ.
(٤) والفرق بينهما: ساقطة من أ.
(٥) ولا ينجس: غير واضحة في أ.
(٦) أبو علي بن أبي هريرة البغداي: هو القاضي، تعلم على أبي العباس، وأبي إسحاق، وشرح "المزني" وعلل عنه الشرح أبو على الطبري، درس ببغداد ومات سنة ٣٤٥ هـ،، السبكي ٦/ ٢٠٢، وابن خلكان ١/ ٣٨٥، والشيرازي: ١١٢، ١١٣، والفهرست: ٢١٥.
[ ١ / ٨٥ ]
والشيخ الإمام أبو إسحاق (١) ﵀: حصل من ذلك ثلاث طرق وهي:
(الأولى) (٢): في الماء والثوب جميعًا، وأسقط (٣) ما زاد على ذلك، إذا (مات) (٤) ما ليس له نفس سائلة من ذباب، أو زنبور في ماء قليل، أو طعام لم ينجسه في أحد القولين، وهو لأصح للناس (٥).
_________________
(١) أبو إسحاق الشيرازي: ولد إبراهيم بن علي بن يوسف سنة ٣٩٣ هـ في بلدة فيروز أباد جنوب شيبراز بـ ١١٥ كلم، وله تصانيف متعددة منها "المهذب في المذهب" وسماه حاجي خليفة، و"المهذب في الفروع"، وكان سبب تصنيفه: أنه بلغه قول ابن الصباغ: إذا اصطلح الشافعي وأبو حنيفة، ذهب علم الشيرازي، يعني أن علمه هو مسائل الخلاف بينهما، فإذا اتفقا، ارتفع ذلك الخلاف، وكتاب "التنبيه في الفقه"، و"النكت في الخلاف"، و"التبصرة"، و"طبقات الفقهاء"، وتوفي ﵀ سنة ٤٧٦ هـ، "طبقات الفقهاء" ٥/ ١٩، ٢٠.
(٢) وفي جـ الأولة.
(٣) وفي ب - وأسقط على ما زاد على ذلك.
(٤) وفي أ - إذا كان وهو تصحيف من الناسخ.
(٥) لما روي أن النبي -ﷺ- قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء"، "المهذب" ١/ ١٣، رواه البخاري بمعناه من رواية أبي هريرة، "الفتح الباري" ٧/ ١٦٥، ورواه أبو داود في "سننه"، "مختصر السنن" لأبي داود للخطابي ٥/ ٣٤١، ورواه البيهقي من رواية أبي سعيد الخدري، "مجموع" ١/ ١٧٩. قال الخطابي: وقد تكلم على هذا الحديث بعض من لا خلاق له وقال: كيف يكون هذا؟ وكيف يجتمع الداء والشفاء في جناحي الذبابة؟ وكيف تعلم ذلك من نفسها حتى تقدم جناح الداء، وتؤخر جناح الشفاء، وما أربها إلى ذلك؟ قلت: وهذا سؤال جاهل أو متجاهل، وأن الذي يجد نفسه ونفوس عامة =
[ ١ / ٨٦ ]
ونجسه في الآخر، وهو قول محمد بن المنكدر، ويحيى بن أبي كثير (١) فإن كثر فيه ما غير الماء نجسه في أظهر الوجهين.
وما يعيش في الماء (مما) (٢) لا يحل أكله كالضفدع، وغيره، إذا مات في الماء القليل نجسه.
وقال أبو حنيفة (٣): لا ينجسه.
_________________
(١) = الحيوان قد جمع فيها بين الحرارة والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، وهي أشياء متضادة، إذا تلاقت تفاسدت، ثم يرى أن اللَّه ﷾ قد ألف بينها، وقهرها على الاجتماع، وجعل لها قوى الحيوان التي بها بقاؤها وصلاحها، لجدير أن لا ينكر اجتماع الداء والشفاء في جزأين من حيوان واحد، وأن الذي ألهم النحلة أن تتخذ البيت العجيب الصنعة، وأن تعسل فيه، وألهم الذرة أن تكتسب قوتها، وتدخره لأوان حاجتها إليه، هو الذي خلق الذبابة، وجعل لها الهداية إلى أن تقدم جناحًا، وتؤخر جناحًا، لما أراد من الابتلاء الذي هو مدرجة التعبد والامتحان، الذي هو مضمار التكليف، وفي كل شيء عبرة وحكمة، وما يذكر إلا أولو الألباب، "معالم السنن" للخطابي على "مختصر سنن أبي داود" ٥/ ٣٤١، ٣٤٢.
(٢) يحيى بن أبي كثير: اليمامي، أحد الأعلام الاثبات، وقال حسين المعلم: قلنا ليحيى بن أبي كثير: هذه المرسلات عمن هي؟ قال: أترى رجلًا أخذ مدادًا وصحيفة، فكتب على رسول اللَّه -ﷺ- وسلم الكذب قال: قلت فإذا جاء مثل هذا فأخبرنا؟ قال: إذا قلت بلغني فهو من الكتاب "ميزان الاعتدال" ٤/ ٤٠٢، ٤٠٣ رقم ٩٦٠٧.
(٣) مما: في أ، جـ بما وهو تصحيف من النساخ.
(٤) أنظر "مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر" ١/ ٣٢.
[ ١ / ٨٧ ]