أول وقت الظهر، إذا زالت الشمس.
_________________
(١) عن ابن عباس ﵄: أن النبي -ﷺ- قال: "أمَّني جبريل عند البيت مرتين، فصلى الظهر في المرة الأولى، حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان كل شيء مثل ظليه، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس، وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم، وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت إليّ جبريل فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين" رواه أبو داود ١/ ٩٣، والترمذي ١/ ٢٧٩. وقال: حديث حسن، وهذا المذكور لفظ رواية الترمذي، ولفظ الباقين بمعناه، ورواه غيرهما من أصحاب السنن، والحاكم أبو عبد اللَّه في المستدرك وقال: هو حديث صحيح، "المجموع" ٣/ ٢١.
[ ٢ / ١٤ ]
وحكى القاضي أبو الطيب ﵀: أن من الناس من قال: لا تجوز الصلاة حتى يصير الفيء مثل الشراك (١) بعد الزوال.
وقال مالك: أحبُّ أن يؤخر الظهر بعد الزوال، بقدر ما يصير الظل ذراعًا.
وآخر وقتها: إذا صار ظل كل شيء مثله، ويعتبر المثل من حد الزيادة على الظل الذي كان عند الزوال، وبه قال الثوري، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد، وهو رواية الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة.
وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة وهو المشهور عنه: أن وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه.
قال ابن المنذر: تفرد بهذا أبو حنيفة.
وعن أبي حنيفة رواية ثالثة: أنه إن صار كل شيء مثله (خرج وقت) (٢) الظهر، ولم يدخل وقت العصر، حتى يصير ظل كل شيء مثليه.
وقال أبو ثور: وابن جرير الطبري: قدر أربع ركعات بعد المثل يكون مشتركًا بين الظهر والعصر.
وحكي عن مالك أنه قال: إذا صار ظل كل شيء مثله، فهو آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر، فإذا زاد على المثل زيادة (بينة) (٣)، خرج وقت الظهر، واختص الوقت بالعصر.
_________________
(١) الشراك: يعني استبان الفيء في أصل الحائط من الجانب الشرقي عند الزوال، فصار في رؤية العين كقدر الشراك، وهذا أقل ما يعلم به الزوال وليس تحديدًا، "المصباح المنير" ١/ ٤٧٥.
(٢) (خرج وقت): في ب، جـ، وفي أ: خرج عن.
(٣) (بينة): في أ، وفي ب، جـ: غير واضحة.
[ ٢ / ١٥ ]
وحكى الشيخ أبو نصر ﵀ عن مالك: وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثله وقتًا مختارًا. وأما وقت الأداء، فآخره إذا بقي إلى غروب الشمس قدر أربع ركعات.
وحكى (ابن) (١) جريح عن عطاء أنه (قال) (٢): لا يكون مفرّطًا بتأخيرها حتى يصير في الشمس صفرة.
وعن طاووس أنه قال: لا تفوت حتى الليل.
فإذا زاد على (المثل) (٣) أدنى زيادة، فقد دخل وقت العصر.
وقال أبو حنيفة: أول وقت العصر، إذا صار ظل كل شيء مثليه، وزاد عليه أدنى زيادة، لا يختلف مذهبه فيه.
ولا يزال وقت الاختيار للعصر باقيًا، حتى يصير ظل كل شيء مثليه، ثم يبقى (وقت الجواز) (٤) إلى غروب الشمس.
(وقال أبو سعيد الإِصطخري: يصير قضاء بمجاوزة (الثلثين) (٥) المسكن) (٦).
_________________
(١) (ابن): في ب، جـ، وفي أ: عن ابن.
(٢) (قال): ساقطة من ب.
(٣) (المثل): في ب، جـ، وفي أ: الليل.
(٤) (وقت الجواز): غير واضحة في أ.
(٥) (الثلثين): في ب.
(٦) وقال أبو سعيد. . . المسكن): ساقطة من أ، وموجودة في ب، جـ والمذهب الأول لما روى أبو قتادة ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "ليس التفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى"، حديث صحيح، رواه أبو داود بهذا اللفظ بإسناد صحيح على =
[ ٢ / ١٦ ]
فإذا غربت الشمس، فقد دخل وقت المغرب (١)، وغروب الشمس، سقوط القرص.
وذكر في الحاوي: أن يسقط القرص ويغيب حاجب الشمس، وهو الضياء المستعلي عليها كالمتصل بها، ولم يذكره غيره.
وحكي عن الشيعة أنهم قالوا: أو وقتها إذا اشتبكت النجوم، وهذا لا يساوي الحكاية.
ولها (٢) وقت واحد (٣)، وهو قول مالك.
وحكى أبو ثور عن الشافعي ﵀: أن لها وقتين.
وآخر وقتها، إذا غاب الشفق، وليس بمشهور عنه (وبه) (٤) قال أبو حنيفة، وأحمد، وداود، واختلف أصحابنا في قدر الوقت الواحد.
فمنهم من قال: هو مقدر بقدر الطهارة، وستر العورة، والأذان، والإقامة، وفعل ثلاث ركعات.
ومنهم من قال: يتقدر بما يعرف من أول الوقت في العرف، ولا
_________________
(١) = شرط مسلم، وأخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي بنحوه، "مختصر سنن أبي داود" ١/ ٢٥٣.
(٢) لما روي أن جبرائيل ﵇ صلى المغرب حين غابت وأفطر الصائم، "المهذب" ١/ ٥٩.
(٣) ولها: أي وقت صلاة المغرب.
(٤) وهو بمقدار ما يتطهر، ويستر العورة، ويؤذن، ويقيم الصلاة، ويدخل فيها، "المهذب" ١/ ٥٩.
(٥) (وبه): ساقطة من أ.
[ ٢ / ١٧ ]
ينسب إلى التفريط في التأخير فيه، وذلك إلى (تضييق) (١) الوقت.
وقال أبو إسحاق: هذا التضييق، إنما هو في الشروع، فأما الإستدامة، فيجوز إلى مغيب الشفق.
وبعض الخراسانيين من أصحابنا: خرّج في وقت جميع الصلوات وجهين:
أحدهما: أنه وقت الابتداء والاستدامة.
والثاني: أنه وقت الابتداء، فأما الاستدامة، فيجوز بعد خروج الوقت، وهذا ظاهر الخطأ. وأول وقت العشاء: إذا غاب الشفق، وهو الحمرة، وهو قول مالك وأحمد، وداود، وأبي يوسف، ومحمد.
وما يحكى عن أحمد أنه قال: الشفق، البياض، في الحصر، فإنما قاله (لأن) (٢) الحمة تكون مستقلة تواريها الحيطان، فيظن أنها قد غابت، ولم تغب، فإذا غاب البياض، تحقق مغيب الحمرة.
وقال أبو حنيفة: الشفق: البياض، وبه قال زفر، والمزني.
وآخر وقتها المختار إلى نصف الليل (٣) في قوله القديم، وهو قول أبي حنيفة.
_________________
(١) (تضييق): وفي ب، جـ: نصف، والأول أصح.
(٢) (لأن): في ب، جـ، وفي أ: لا من وهو تصحيف.
(٣) وهو قول الشافعي في القديم والإملاء: لما روى عبد اللَّه بن عمرو ﵁، أن النبي -ﷺ- قال: "وقت العشاء ما بينك وبين نصف الليل" رواه مسلم.
[ ٢ / ١٨ ]
وفي قوله الجديد: إلى ثلث الليل (١) وبه قال مالك، وإحدى الروايتين عن أحمد، ثم يذهب وقت الاختيار، ويبقى وقت الجواز إلى طلوع الفجر الثاني، خلافًا لأبي سعيد الاصطخري وقد تقدم.
وأول وقت الصبح: إذا طلع الفجر الثاني، ولا يزال وقتها المختار باقيًا إلى أن يسفر (٢)، ثم يبقى وقت الجواز إلى طلوع الشمس، خلافًا للإصطخري على ما تقدم.
وصلاة (٣) الصبح من صلوات النهار.
وحكي عن الأعمش (٤) أنه قال: هي من صلاة الليل، وحكاه في الحاوي عن الشعبي.
_________________
(١) لما روى أن جبريل ﵇ صلى في المرة الأخيرة العشاء الأخيرة، حين ذهب ثلث الليل، حديث صحيح، "المجموع" ٣/ ٣٩ وقد مر تخريجه سابقًا في أول الباب.
(٢) لما روي أن جبريل ﵇، صلى الصبح حين طلع الفجر، وصلى من الغد حين أسفر، ثم التفت وقال: "هذا وقت الأنبياء من قبلك، وفيما بين هذين وقت" وقد مر سابقًا.
(٣) (وصلاة): فى أ، ب، وفي جـ: صلاة، وذلك لمن جعل ابتداء النهار طلوع الفجر.
(٤) الأعمش: هو سليمان بن مهران الإمام أبو محمد الأسدي الكاهلي المحدث المعروف، بالأعمش، من الطبقة الرابعة من تابعي أهل الكوفة، ولد بقرية أمه من عمل طبرستان في سنة ٦١ هـ، ومن دعابته: خرج الأعمش فإذا بجندي فسخره ليعبر به نهرًا، فلما ركبه قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ فلما توسط به الأعمش في الماء قال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ثم رمى به، مات سنة ١٤٨ هـ، "النجوم الزاهرة" ٢/ ٩، ١٠، "المعارف" ٤٧٤.
[ ٢ / ١٩ ]
قال القاضي أبو الطيب ﵀: لا أعرف صحة هذه الحكاية عنه، وما عندي أن أحدًا من أهل العلم يخفى عليه تحريم الطعام والشراب على الصائم من طلوع الفجر الثاني، (لشهرة) (١) ذلك في الشرع.
فإن طلعت الشمس، وقد صلى ركعة من الصبح، فإنه يتمها، ويكون مؤديًا لجميعها في قول أبي العباس بن سريج، واختاره القاضي أبو الطيب ﵀، وإنما يكون ذلك في حق من سها.
وقال أبو إسحاق: يكون مؤديًا لما فعل في الوقت، قاضيًا لما فعل بعده، وحكاه ابن المنذر عن أبي ثور.
وقال أبو حنيفة: تبطل صلاته بطلوع الشمس فيها.
فأما إذا خفي عليه وقت الصلاة، فقد قال الشافعي ﵀ في كتاب استقبال القبلة: وإذا كان أعمى، (وسعه) (٢) خبر من يصدقه في الوقت، والاقتداء بالمؤذنين، وله كلام آخر يدل على جواز التحري، فيجوز له التحري، ويجوز له التقليد، كذا ذكر القاضي أبو الطيب ﵀، وحكاه الشيخ أبو نصر ﵀.
وقال الشيخ أبو حامد ﵀ في التعليق (وجهًا) (٣): أنه ليس له التقليد، والأول أصح.
فأما سماع المؤذنين: فقد ذكر القاضي أبو الطيب ﵀: أن
_________________
(١) (الشهرة): غير واضحة في أ، ب، وفي جـ: شهرة.
(٢) (وسعه): وفي جـ: وسعه، ثم فوقها سمعه شك من الكاتب.
(٣) (وجهًا): في ب، جـ، وساقطة من أ.
[ ٢ / ٢٠ ]
من أصحابنا من قال: البصير والأعمى (فيه سواء، وليس بصحيح) (١) لأن الشافعي ﵀ (خص) (٢) به الأعمى.
قال الشيخ أبو نصر: ذكر الشيخ أبو حامد ﵀ في التعليق، أن البصير، والأعمى في ذلك سواء.
وحكي عن أبي العباس: الرجوع إلى الأذان للبصير والأعمى بلا خلاف.
قال الشيخ أبو نصر ﵀: وينبغي أن يفصل، فإن كان في الصحو جاز، وإن كان في الغيم، فيحتمل أن يكون قد أذن عن اجتهاد، فيجوز للأعمى تقليده، ولا يجوز للبصير.
وذكر في الحاوي هذا التفصيل لبعض أصحابنا، وذكر أيضًا أن البصير إذا سمع المؤذن، لم يسعه تقليده حتى يعلم ذلك بنفسه، إلَّا أن يكون المؤذنون (عددًا) (٣) لا يجوز على مثلهم التواطؤ. والخطأ، ثم قال: هذا هو مذهب الشافعي ﵀.
قال الشيخ الإمام ﵀: وهذا شرط (لا معنى لاعتباره) (٤)، وما ذكره الشيخ أبو نصر ﵀ أصح وأحسن.
_________________
(١) (فيه سواء، وليس بصحيح): في ب، جـ، وفي أ: الاستواء.
(٢) (خص): في أ، ب، وفي جـ: حصر.
(٣) (عددًا): في ب، أ، وفي جـ: عدد.
(٤) (لا معنى لاعتباره): في ب، أ، وفي جـ: لا معنى إلى اعتباره.
[ ٢ / ٢١ ]