لا تجب النية في طهارة النجس، (وحكي فيها) (٢) وجه آخر: أنها تفتقر إلى النية، وليس بمذهبه، ولا تصح طهارة الحدث بغير نية، وبه قال مالك (٣)، وأحمد (٤)، وداود، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة (٥)، والثوري: لا تجب النية في الطهارة بالماء، وتجب في التيمم.
_________________
(١) النية: من نوى الشيء ينويه نية، ويخفف: قصده، والنية: الوجه الذي يذهب فيه والبعد. "القاموس المحيط" للفيروزأبادي ٤/ ٣٩٧.
(٢) (وحكى فيها): في جـ، وفي ب: ويحكى فيها، وفي أ: وحكى فيه، والصحيح الأول.
(٣) أنظر "بداية المجتهد" ١/ ٨ وحجته قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقوله -ﷺ- "إنما الأعمال بالنيات".
(٤) أنظر "المغني" لابن قدامة المقدسي ١/ ٨٢.
(٥) أنظر "المبسوط" للسرخسي ١/ ١١٧، و"بداية المبتدي"، و"الهداية" =
[ ١ / ١٢٨ ]
وقال الحسن بن صالح بن حي (١): يصح التيمم أيضًا نية.
وعن الأوزاعي (٢): روايتان.
إحداهما: كقول الحسن.
والثانية: . كقول أبي حنيفة.
(فأما وقت) (٣) النية للإجزاء، والصحة ففيه ثلاثة أوجه:
_________________
(١) = للمرغنيانى ١/ ٩٠ بهامش "فتح القدير" لأن التراب ملوث، والماء مطهر فافتقر إلى النية، والتراب ما جعل مطهرًا إلا بشرطين: الأول: بشرط عدم الماء، والثاني: بشرط أن يكون التيمم للصلاة، لأن قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، بناء على قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، والمراد به فاغسلوا للصلاة، فكذا قوله: فتيمموا للصلاة، فكما يفيد الطهارة حال وجود الماء، فكذا لا يفيدها حال عدم النية، "البابرتي على الهداية" ١/ ٩٠.
(٢) الحسن بن صالح بن حي: بن مسلم بن حيان الهمذاني، قال أحمد عنه: صحيح الرواية، يتفقه، صائن لنفسه في الحديث والورع، نقل عنه حميد بن عبد الرحمن بن حميد الرواس، ويحيى بن آدم، ولد سنة ١٠٠ هـ ومات سنة ١٦٧ هـ، "طبقات الفقهاء للشيرازي": ٨٥، و"التهذيب للنووي" ٢/ ٢٨٦.
(٣) الأوزاعي: أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد (الأوزاعي) إمام أهل الشام، كانت ولادته ببعلبك سنة ٨٨ هـ، وقيل سنة ٩٣ هـ، ذكر الحافظ ابن عساكر في "تاريخ دمشق": أن الأوزاعي: دخل الحمام ببيروت، وكان لصاحب الحمام مشغل، فأغلق الحمام عليه وذهب، ثم جاء ففتح الباب، فوجده ميتًا، قد وضع يده اليمنى تحت خده، وهو مستقبل القبلة، توفي سنة ١٥٧ هـ بيروت، "التاج المكلل": ٦٣.
(٤) (فأما وقت): غير واضحة في أ.
[ ١ / ١٢٩ ]
أحدها: أنه إذا نوى عند غسل (أول جزء من) (١) وجهه أجزأه، ولا يضره إذا عزبت (٢) بعد ذلك.
وإن نوى عند المضمضة، والاستنشاق من غير أن يغسل جزءًا من وجهه، وعزبت نيته عند غسل وجهه، لم يجزه، وهو قول أبي العباس بن سريج، واختاره (الشيخ الإمام أبو إسحاق) (٣) ﵀.
والثاني: أنه إذا نوى عند المضمضة والاستنشاق، أجزأه، وإن لم يغسل جزءًا من وجهه، وعزبت النية عنده، وهو قول أبي إسحاق، واختاره الشيخ أبو نصر ﵀، ولا يجزئه (إذا نوى عند غسل كفيه ثم عزبت بعد ذلك.
والثالث: وهو قول أبي الطيب بن سلمة) (٤): أنه إذا نوى عند غسل كفيه في أول الطهارة أجزأه، وإن عزبت بعده، وله وجه جيد.
فأما صفة النية: فأن ينوي رفع الحدث (أو الطهارة عن الحدث) (٥) فإن نوى رفع حدث بعينه، ارتفع جميع الأحداث في أظهر الوجوه.
_________________
(١) (أول جزء من): في ب، جـ.
(٢) عزبت النية: غابت النية. "القاموس المحيط" ١/ ١٠٤، قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾، "النظم المستعذب في شرح غريب المهذب" ١/ ٢١، ٢٢، (عزبت) غير موجودة في أ، وفي ب، جـ موجودة، أنظر "المجموع" ١/ ٣٦٩.
(٣) (الإمام): ساقطة من ب، وفي جـ: أبو.
(٤) (إذا نوى. . . سلمة): ساقطة من أ، وموجودة في ب، جـ.
(٥) في جـ، وساقطة من أ، ب.
[ ١ / ١٣٠ ]
والثاني: أنه لا يرتفع حدثه.
والثالث: أنه إن نوى (رفع) (١) (أول) (٢) الأحداث، لم يرتفع حدثه، وإن نوى رفع آخرها، ارتفع جميعها، وذكر هذا الوجه بالعكس من ذلك.
وإن نوى رفع حدث (وكان) (٣) لا يرفع غيره، حكي فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يرتفع حدثه.
والثاني: يرتفع، وينبغي أن يكون الوجهان على الوجه الأول في المسألة قبلها.
فإن نوى رفع حدث الغائط ("وبان" أن حدثه كان) (٤) بولًا، صحت طهارته.
وذكر فيه وجه آخر: أنه لا يصح، وليس بشيء.
فإن اجتمع عليه الحدث الأكبر والأصغر، فنوى رفع (الحدثين) (٥) مطلقًا.
_________________
(١) (رفع): ساقطة من جـ.
(٢) (أول): في ب، ألوان وهذا تصحيف من الناسخ.
(٣) (وإن كان): في ب.
(٤) (وبان): في جـ، (وبان. . . كان): غير واضحة في أ، وموجودة في ب، جـ.
(٥) (الحدثين): في أ، وفي ب، جـ: الحدث، والأول أصح.
[ ١ / ١٣١ ]
فقد ذكر بعض أصحابنا: أنا إذا قلنا: يدخل الوضوء في الغسل، أجزأه (لهما) (١) وإن قلنا: لا يدخل، لم يصح لواحد منهما.
(قال الإمام أبو بكر) (٢): وعندي، أنه يجب أن يصح للغسل من الجنابة على الوجهين جميعًا.
وإن نوى بطهارته استباحة الصلاة، ارتفع حدثه، وإن نوى استباحة صلاة بعينها، وأن لا يصلي غيرها، صحت طهارته لجميع الصلوات في أصح الوجوه.
والثاني: أنه لا تصح طهارته.
والثالث: أنها تصح (للصلاة) (٣) التي عينها دون غيرها.
وإن نوى الوضوء، أو الطهارة مطلقًا لم تصح طهارته في أصح الوجهين.
وإن نوى الطهارة لما يستحب له الطهارة، صحت طهارته في (أصح) (٤) الوجهين، واختاره الشيخ أبو نصر ﵀.
والثاني: لا يصح، واختاره القاضي أبو الطيب ﵀، وهو قول مالك (٥).
_________________
(١) (لهما): غير واضحة في أ، وموجوة في ب، جـ.
(٢) (قال الإمام أبو بكر): ساقطة من أ.
(٣) (للصلاة): في ب، جـ، وفي أ: لصلاة، والأول أصح.
(٤) في أ: أحد، وفي ب، جـ: أصح.
(٥) أنظر "المنتقى" للباجي ١/ ٥٢.
[ ١ / ١٣٢ ]
وفيه وجه ثالث: أنه إن كان ذلك (مما) (١) يستحب له الطهارة لأجل الحدث كقراءة القرآن، واللبث في المسجد، وسماع الحديث، ونحو ذلك، ارتفع حدثه، وإن كان مما يستحب له الطهارة لا لأجل الحدث كتجديد الوضوء، وغسل الجمعة، (لم يرتفع) (٢) حدثه بنيته، وله وجه جيد.
فإن توضأ الكافر، أو اغتسل عن الجنابة ثم أسلم، لم (يعتد) (٣) بذلك.
وقال أبو حنيفة (٤): يصح، ويصلي به، وهو وجه لأصحابنا.
فإن تيمم في حال صغره لصلاة الوقت ثم بلغ.
ذكر بعض أصحابنا: أنه لا يجوز أن يصلي به الفرض، وفي هذا نظر.
وإن أسلم الكافر قبل أن يغتسل عن الجنابة، لزمه الغسل، وقيل: إنه يسقط عنه فرض الغسل، وليس بشيء.
فإن نوى بغسل أعضائه الطهارة للصلاة، والتبرد، والتنظف، أجزأه.
وقيل فيه وجه آخر: أنه لا يجزئه، وليس بشيء.
_________________
(١) (مما): في ب، جـ، وفي أ: بما والأول أصح.
(٢) (لم يرتفع): في أ، ب، وفي جـ: لا يرتفع.
(٣) (يعتد): غير واضحة في أ، وموجوة في ب، جـ.
(٤) أنظر "البحر الرائق" لابن نجيم المصري ١/ ٦٨، ٦٩، و"مجمع الأنهر" ١/ ٢٥، و"در المنتقى شرح الملتقى" بهامش "مجمع الأنهر".
[ ١ / ١٣٣ ]
فإن فرق النية على أعضاء (الطهارة) (١)، صحت طهارته في أصح الوجهين، وإن نوى إبطال الطهارة في أثنائها، لم يبطل ما تقدم منها في أصح الوجهين، (كما) (٢) لا يبطل بذلك بعد الفراغ منها.
_________________
(١) (الطهارة): في ب، جـ، وفي أ: للطهارة.
(٢) (كما): في ب، جـ، وفي أ: مما.
[ ١ / ١٣٤ ]