مَنْ يُرِدِ اللَّهُ به خَيرًا يُفقِّهْه في الديِّن.
الحمد للَّه نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلّا هالك، فصلوات اللَّه وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن من خير ما يُقدِّم الإنسان لأمته، أن ينشر ما طواه الزمن من تراث علمي، كان لها في زمن من الأزمنة ركنًا من أركان نهضتها، وثمرة من ثمار حياتها وثقافتها، ومظهرًا من مظامر حضارتها وفخرها وعزتها.
[ ١ / ١٣ ]
وخير ما يحييه ويبعثه من جديد بعد ما طواه الزمن، ما كان متصلًا بحياتها اليومية في معرفة ما يحل لها وما يحرم عليها، وما يأمرها به من جهاد في سبيل اللَّه إذا اعتُديَ عليها، وما كان متصلًا بعبادتها، وبحياتها السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، وذلك هو "الفقه".
والفقه الإِسلامي: هو العامل الأساسي الذي ساهم في بناء المجتمع الإِسلامي وتكوين حضارته، واتساع عمرانه، وامتداد سلطانه إلى جميع الشعوب التي انضوت تحت راية الإِسلام، التي أخذت بما قرر الفقه الإِسلامي عليهم من أحكام فساهموا فيه، وظهر منهم الفقهاء الذين شيدوا بناء الفقه، كأمثال: الطبري، والغزالي، والكمال بن الهمام وغيرهم، ومنهم القفال الشاشي الكبير والقفال الصغير، وفخر الإِسلام الشاشي صاحب الحلية وغيرهم، وذلك لأن الفقه يقوم على العدالة، ويشرع الحقوق ويصونها، ويلائم الفطرة السليمة، ويساير التطور لكل زمان ومكان -بفضل مرونة النصوص التي استقى الفقه منها- ويكفل الحرية لكتابه فلا يخضع لرغبة السلاطين والأمراء، أو لشهوات الكتاب، لأنه متمسك بالأصول والقواعد العادلة المستمدة من شرع ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: ٤٢) ومن قول الرسول -ﷺ- الأمين، الذي لا ينطق عن الهوى كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣).
وفي الفقه الإِسلامي ثروة ضخمة من التشريعات العديدة، التي تتناول الفرد والمجتمع والدولة، والعلاقات الدولية بين الأمم جميعًا، ولن يستطيع أن يقف على مبلغ هذه الثروة من قَصَر نفسه على مذهب واحد من مذاهب الفقه لا يعدوه إلى غيره، والملتزم لمذهب معين يجد من الواجب عليه أن لا يتجاوزه إلى غيره.
[ ١ / ١٤ ]
والدراسة المقارنة بين المذاهب، تساعدنا على التحرر من ربقة التقليد في الأصول والفروع الذي أخذ منا بالخناق، وتجعلنا نعرف يقينًا أن اللَّه لم يخص بالحق كله فقيهًا، أو مذهبًا واحدًا بعينه.
والدراسة المقارنة ترسم لنا لوحة أمينة صادقة لجهود العقل الإِنساني، ولتطور الفكر فيما يتصل بالتشريع والتقنين، ليتناسب مع ما يجد للناس من مشاكل الحياة اليومية العملية وأحوالها العديدة المختلفة.
والفقه الإِسلامي يعتبر ضربًا فريدًا بين التشريعات والقوانين التي عرفها العالم حتى الآن، سواء من ناحية الأسس التي قام عليها، والمقاصد والغايات التي استهدفها، والأحكام والحلول التي جاء بها على مر العصور.
وبما أنني مختص في دراسة الفقه المقارن، رأيت أن أحقق مخطوطًا فقهيًا، مقارنًا شاملًا لكل أبواب الفقه، فوقع اختياري على هذا المخطوط الجيد، الذي وجدت كثيرًا من كتّاب الفقه المقارن قد أخذ عنه واستفاد منه.
هذا وبما أنني اقتصرت في التحقيق على قسم العبادات فقط، لذا أقدم مقدمة بسيطة عن قسم العبادات، لأن هذا القسم هو الذي يُنظِّم علاقة الفرد بخالقه، ولأن الغرض الأساسي من وجود الإنسان، أن يعبد اللَّه ويخلفه وينصره، ويعمر أرضه، كما نبه اللَّه تعالى بآيات في مواضع مختلفة منها، قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦) وقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠)، وقوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (النور: ٥٥)، وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد:
[ ١ / ١٥ ]
٢٥)، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ (الصف: ١٤)، وقوله: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: ٦١) كلُّ ذلكَ إشارة إلى توليتهم أمورًا لم يستصلح لها إلّا الإِنسان، كما نبّه اللَّه تعالى بقوله للملائكة: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٣٠).
هذا ولما كان الإِنسان إنما يصير إنسانًا بالعقل، فلو تصورناه مجردًا عن العقل لخرج عن كونه إنسانًا، ولم يكن إذا تخطينا الشبح الماثل، إلَّا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة، والعقل لن يكمل، بل لا يكون عقلًا إلَّا بعد اهتدائه بالشرع، ولذلك نُفي العقل عن الكفار لما تعروا عن الهداية بالشرع، والاهتداء بالشرع هو عبادة اللَّه تعالى، فالإِنسان إذًا في الحقيقة هو الذي لعبد اللَّه، ومن أجل العبادة خُلق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦ - ٥٧)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: ٥)، فكل ما أوجد لفعل، فعند ما لم يوجد منه ذلك الفعل كان في حكم المعدوم، ولذلك كثيرًا ما يسلب عن الشيء اسمه إذا أوجد فعله ناقصًا، لقولهم: (فلان لا عين له أو لا أذن له) إذا بطل فعل عينه وأذنه، وإن كان شبحهما باقيًا، وعلى هذا قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ (البقرة: ١٧١)، فيمن لم ينتفع بهذه الأعضاء.
فالإِنسان يحصل له من الِإنسانية، بقدر ما يحصل له من العبادة التي لأجلها خلق - فمن قام بالعبادة حق القيام، فقد استكمل الإنسانية، ومن رفضها فقد انسلخ من الإِنسانية، فصار حيوانًا، أو دون الحيوان، كما قال ﷾ في وصف الكفار: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (الفرقان: ٤٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾، (الأنفال: ٢٢) فلم يرض اللَّه تعالى أن يجعلهم أنعامًا ودوابَّ حتى جعلهم أضلَّ منها،
[ ١ / ١٦ ]
وجعلهم من أشرارها وأخرج كلامهم عن جملة البيان، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (الأنفال: ٣٥)، تنبيهًا على أنهم كالطيور التي تمكوا وتصدي (أي تصفق وتصفر).
ولذا فإن اللَّه ﷾ نبه بنكتة لطيفة، على أن الإنسان لا يكون إنسانًا إلّا بالدين، ولا ذا بيان إلّا بقدرته على الإتيان بالحقائق الدينية، فقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن: ٥٥)، فابتدأ سبحانه بتعليم القرآن، ثم بخلق الإنسان، ثم بتعليم البيان، ولم يدخل الواو فيما بينها، وسبب ذلك أنه لم يعد الإنسان إنسانًا ما لم يتخصص بالقرآن، فابتدأ بالقرآن، ثم قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ تنبيهًا على أن بتعليم القرآن جعله إنسانًا على الحقيقة، ثم قال: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ تنبيهًا على أن البيانَ الحقيقيّ بالإنسان يحصل بعد معرفة القرآن.
هذا وأرجو اللَّه ﷾، أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأن أجده فى صحيفة أعمالي - ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ - وأنْ يَغفرَ لي ولِمَنْ يقرأه، وأن يغفر لصاحبه: فخر الإسلام القفال الشَّاشي، إنه سميع مجيب، واللَّه الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
[ ١ / ١٧ ]