إذا أراد تطهير الماء الذي حكمنا بنجاسته، فإنه إن كانت نجاسته (بالتغيّر) (١)، وكان أكثر من قلتين، طهر بزوال التغيير بنفسه، أو بأخذ بعضه، وذلك في البئر إذا كان ينبع منها الماء، فإن نزح الماء منها، ونبع ما يبلغ قلتين، وزال التغير، طهرت البئر والماء، وإن لم يبلغ قلتين، طهر ما ورد عليه الماء من البئر، والماء (المستعمل) (٢) في إزالة النجاسة، فيكون طاهرًا على مذهب الشافعي ﵀، (و) (٣) نجسًا على قول الأنماطي (٤).
_________________
(١) بالتغير: وفي أبالتغيير والصحيح الأول انظر "المهذب" ١/ ١٣.
(٢) وفي ب - مستعمل.
(٣) (و): ساقطة من ب.
(٤) الأنماطي: - أبو القاسم عثمان بن سعيد بن بشار، أخذ الفقه من المزني والربيع، قال الشيرازي: وكان هو السبب في نشر مذهب الشافعي ببغداد، =
[ ١ / ٨٨ ]
وقد ذكر أصحابنا فيه: إذا كان الثوب جميعه نجسًا فغسل نصفه، ثم غسل النصف الآخر لم يطهر، ونبع الماء (لشيء) (١) بعد شيء من البئر بمنزلته. ويطهر أيضًا بأن يطرح عليه ماء آخر حتى يزول التغير.
وإن طرح فيه تراب أو جص، فزال التغير، طهر في أظهر القولين.
وذكر الشيخ أبو حامد (﵀) (٢) في التعليق: أن القولين في التراب، وما سواه لا يظهر قولًا (واحدًا) (٣) وليس بشيء.
_________________
(١) = وكتب كتبه، وتفقه على ابن سريج، قال الثوري: هو أحد أجدادنا في سلسلة التفقه، توفي في بغداد ٢٨٠ هـ، السبكي ٢/ ٥٢، والشيرازي ١٠٤، "والمجموع" ١/ ٣١٠.
(٢) لشيء: في ب، وفي أ، جـ وعلى.
(٣) الشيخ أبو حامد: أحمد بن محمد بن أحمد الاسفراييني شيخ الأصحاب، ولد سنة ٣٤٤ هـ، توفي سنة ٤٠٦ هـ وعليه تعليقته معول جمهور الأصحاب، انتهت إليه رياسة بغداد وإمامتها، يقول الشيرازي: سألت القاضي أبا عبد اللَّه الصيمري وكان إمام أصحاب أبي حنيفة في زمانه، فقلت: هل رأيت أنظر من الشيخ أبي حامد؟ فقال: ما رأينا أنظر منه ومن أبي الحسن الخرزي للداودي، وكان أبو الحسن البغدادي المعروف بالقدوري امام أصحاب أبي حنيفة في عصرنا يعظمه ويفضله على كل أحد، "المجموع" للنووي ٥٣٣، السبكي ٣/ ٢٤، و"مفتاح السعادة" ٢/ ٣١٨.
(٤) (واحدًا): في ب، جـ وفي أ - لنا.
[ ١ / ٨٩ ]
وإن كان الماء أقل من قلتين، ولم يتغير، طهر بالمكاثرة (وإن لم يبلغ قلتين (١) إذا لم تكن عين النجاسة فيه قائمة.
ومن أصحابنا من قال: (لا يطهر) (٢) بالمكاثرة من غير أن يبلغ قلتين، والمذهب الأول.
فإن كان (قلتان) (٣) من الماء النجس في إناءين من غير تغيّر، فجمع بينهما في إناء واحد طهرتا (٤).
وقال أصحاب أحمد (٥): لا يحكم بالطهارة فيهما.
وحكم الماء في البئر حكم الماء في (الصنع في التطهير) (٦) حكم الغدير الذي لا يتحرك أحد الطرفين في (تحريك الطرف الآخر) (٧).
وقال أبو حنيفة: ماء البئر يخالف ماء الغدير، فإذا مات في البئر
_________________
(١) (وإن لم يبلغ قلتين): في ب، جـ وفي أ - غير واضحة.
(٢) (لا يطهر): غير واضحة في أوواضحة في ب، جـ.
(٣) (قلتان): في أ، ب، وفي جـ (القلتان).
(٤) لحديث الرسول -ﷺ-: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا أو خبثًا: وفي رواية لم يحمل نجسًا" الأم ١/ ٤ وقد مر سابقًا.
(٥) انظر "كشاف القناع" ١/ ٤٢.
(٦) الصنع في التطهير: في ب وساقطة من أ - ووردت كالتالي: وحكم الماء في البئر حكم الماء في الغدير الذي لا يتحرك أحد الطرفين في تحريك الطرف الآخر، حكم الماء في الصنع في التطهير.
(٧) عبارة -ب- وحكم الماء في البئر، حكم الماء في الصنع في التطهير، وسقطت عبارة "حكم الغدير الذي لا يتحرك أحد الطرفين في تحريك الطرف الآخر" مما يوحي أن نسخة أ - غير منقولة عن ب.
[ ١ / ٩٠ ]
فأرة، أو عصفور نزح منها عشرون دلوًا وطهرت (١). وإن وقع فيها (دمها) (٢) نزح جميعها (وكذا) (٣) إن وقع فيها بول، أو دم.
(وإن) (٤) مات فيها هرة، أو دجاجة، نزح منها أربعون دلوًا، وطهر الباقي، وإن مات فيها شاة نزح جميعها.
فإن أراد الطهارة من الماء الذي وقعت فيه (نجاسة) (٥)، وحكم بطهارته، فإنه إن كان دون القلتين (وطهر) (٦) بالمكاثرة، ولم يبلغ قلتين، لم تجز الطهارة به، وإن كان أكثر من قلتين، جاز الطهارة منه.
وقال أبو إسحاق، وابن القاص (٧): إن كان فيه نجاسة جامدة،
_________________
(١) انظر "بداية المبتدي" و"الهداية" للمرغيناني، مع كتاب "فتح القدير" للكمال بن الهمام ١/ ٧٠، ٧١.
(٢) (دمها): غير واضحة في أ، ب.
(٣) (وكذا): غير واضحة في أ.
(٤) (وإن): فى أ، وفي جـ أو.
(٥) (نجاسة): في أ: النجاسة، وفي ب، جـ: نجاسة وهو الصحيح.
(٦) (وطهر): في أ، ب، وفي جـ: ثم طهر، والصحيح طهر، انظر "المهذب" ١/ ١٤.
(٧) ابن القاص: أحمد بن أبي أحمد الطبري أبو العباس بن القاص، إمام جليل وهو صاحب ابن سريج أيضًا. وعنه أخذ الفقه أهل طبرستان، صنف كتبًا كثيرة، "كالتلخيص"، و"المفتاح"، و"أدب القاضي"، و"المواقيت"، و"القبلة" وغيرها، وسمي بالقاص لدخوله ديار الديلم، ووعظه بها وتذكيره، فسمي بالقاص لأنه كان يقص، وكان من أخشع الناس قلبًا إذا قص، فمن ذلك ما يحكى: أنه كان يقص على الناس بطرسوس فأدركته روعة مما كان يصف من جلال اللَّه، وعظمته، وملكوته، من خشية ما كان يذكر من بأسه وسطوته، فخر مغشيًا عليه، ومات. السبكي ٢/ ١٠٣، وابن خلكان ١/ ٥١، والشيرازي ١١١.
[ ١ / ٩١ ]
لم يجز أن يتوضأ من موضع (يكون) (١) بينه وبين النجاسة أقل من قلتين، والمذهب الأول.
وإن كان الماء قلتين، (وفيه نجاسة جامدة) (٢)، فالمذهب أنه يجوز أن يغترف منه بإناء (و) (٣) يتوضأ به.
وقال أبو إسحاق: لا يجوز، فإن أخرج النجاسة منه، (جاز أن يتوضأ به) (٤) وجهًا واحدًا (و) (٥) إن كانت النجاسة في القلتين (مائعة) (٦) وقد طهر الماء، جاز الطهارة بجميعه.
ومن أصحابنا من قال: يبقى فيه قدر النجاسة، وليس بشيء.
فأما الجاري إذا كان فيه النجاسة جارية، فإنه إن كان الماء الذي يحيط بالنجاسة (يبلغ) (٧) قلتين، ولم يتغير فهو طاهر، وإن نقص عن قلتين، فهو نجس، ولا يجوز (التوضؤ منه) (٨) حتى (يجتمع) (٩) في موضع، ويبلغ قلتين وهو غير متغير.
_________________
(١) (يكون): ساقطة من جـ.
(٢) ساقطة من ب.
(٣) (و): ساقطة من أ.
(٤) (جاز أن يتوضأ به): ساقطة من أ.
(٥) (و): في ب.
(٦) (مائعة): غير واضحة في أومتآكلة.
(٧) (يبلغ): غير واضحة في أ.
(٨) (التوضي منه): غير واضحة في أ.
(٩) (يجتمع): في ب، جـ وفي أيجمع والصحيح الأول.
[ ١ / ٩٢ ]
وقال ابن القاص (للشافعي ﵁ قول) (١) في القديم: ان الماء الجاري لا ينجس إلّا بالتغيير وإن كان قليلًا. وكذا حكم النجاسة الواقعة في النهر، والماء يجري عليها على ما ذكرناه.
وقال أبو إسحاق، وابن القاص، والقاضي أبو حامد (٢): يجوز أن يتوضأ (من) (٣) موضع يكون بينه وبين النجاسة قلتان في طول النهر.
ومن أصحابنا من قال: تعتبر القلتان في الماء الذي يلاقي جميعه النجاسة من الجاري، فأما إذا كانت النجاسة راسية في أسفل الماء وقراره (والماء) (٤) يجرى عليها، فالذي (يلقاها) (٥) الطبقة السفلى من الماء (وهي أقل من قلتين (٦) فهي نجسة.
(وفي الطبقة العليا وجهان:
أحدهما: أنها طاهرة.
_________________
(١) (للشافعي. . .): غير واضحة في أ.
(٢) القاضي أبو حامد: وهو المروروذي بالذال المعجمة وبالتشديد، وإسمه أحمد بن عامر بن بشر، صاحب أبي إسحاق المروزي، نزل البصرة ودرس بها، وعنه أخذ فقهاؤها، وقال الشيرازي: كان إمامًا لا يشق غبارة، وصنف "الجامع في المذهب"، وشرح "مختصر المزني"، وصنف في أصول الفقه، توفي سنة ٣٦٢ هـ، "طبقات الشافعية الكبرى" ٢/ ٨٢، ٨٣، وانظر "الفهرست": ٢١٤، و"طبقات الفقهاء" للشيرازي: ١١٤.
(٣) (من): في جـ في وهذا من الناسخ.
(٤) في - أ (وقراره فيه والماء) ففيه زائدة في أ.
(٥) (يلقاها): غير واضحة في أ.
(٦) (وهي أقل من قلتين): ساقطة من أ.
[ ١ / ٩٣ ]
والثاني: أنها نجسة) (١).
وإن كانت النجاسة طافية على رأس الماء (و) (٢) الذي يلاقيها منه أقل من (قلتين) (٣) فهو نجس، (وما) (٤) في القرار فيه وجهان.
وقد ذكر الشيخ أبو نصر ﵀ فيه: إذا تغير (أحد جانبي) (٥) النهر، أن قياس المذهب أن ينجس ما يحاذيه من الجانب الآخر، وإن لم يتغير حتى ينفصل عن محاذاته فيطهر، ويجيء فيه تخريج (الوجه) (٦) الآخر، فإنه مثله.
ذكر القاضي حسين (٧) ﵀: أنه إذا وقعت في قلتين من الماء نجاسة لا تخالف الماء في صفاته، فإنه (يعتبر) (٨) بالنجاسة التي
_________________
(١) (وفي الطبقة العليا. . . نجسه): ساقطة من أوموجودة في ب، جـ.
(٢) (و): في ب، وفي جـ فالذي، وفي -أ- الذي والصحيح الأول.
(٣) (قلتين): وفي جـ القلتين.
(٤) (وما): وفي جـ والماء.
(٥) (أحد جانبي): غير واضحة في أ.
(٦) (الوجه): وفي جـ للوجه وهذا من الناسخ.
(٧) القاضي حسين: هو الإمام المحقق القاضي حسين أبو علي بن محمد ابن أحمد المروذي، من كبار أصحاب القفال، قال الرافعي في "التهذيب"، أنه كان غواصًا في الدقائق، من أصحاب الفرايماني، وكان يلقب بحبر الأئمة، توفي سنة ٤٦٢ هـ، "طبقات الشافعية" للحسيني: ١٦٣، وانظر "وفيات الأعيان" ١/ ٤٠٠، "شذرات الذهب" ٣/ ٣١٠، "طبقات ابن هداية اللَّه": ٥٧.
(٨) (يعتبر): في ب، جـ وفي أ: يتغير.
[ ١ / ٩٤ ]
تخالف الماء في الصفة، (فيقال) (١) هذا القدر من النجاسة، لو كان مخالفًا للماء في صفته، هل كان يطهر عليه قيقضى فيه بحكمه؟ .
(قال الإمام أبو بكر) (٢): وهذا أشبه بما ذكرناه (٣) من الطاهر الموافق للماء في صفاته فلا يتغير به. وقد استبعد الشيخ أبو نصر ﵀ وجود ذلك هناك، فالنجاسة بالاستبعاد أولى.
_________________
(١) (فيقال): في أ، جـ، وقاله في ب.
(٢) (قال الإمام أبو بكر): في ب، وفي جـ وهذا تشبيه.
(٣) (هـ): ساقطة من أ.
[ ١ / ٩٥ ]