ولا يصح التيمم إلّا بالنية، فينوي استباحة الصلاة، فإن نوى به رفع الحدث، لم يصح تيممه في أصح الوجهين (١).
وحكي عن بعض أصحاب أبي حنيفة (٢): أن التيمم يرفع الحدث.
ولا بد في استباحة الفريضة من نية التيمم للفرض، وهو قول
_________________
(١) أنظر "عمدة السالك وعدة الناسك"، و"فيض الإله المالك" ١/ ٦٤.
(٢) ويخالفهم أبو بكر الرازي، فإنه كان يقول: يحتاج إلى نية التيمم للحدث، أو للجنابة، لأن التيمم لهما بصفة واحدة، فلا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالنية، كصلاة الفرض عن النافلة، وعندهم: إذا نوى الطهارة أو استباحة الصلاة أجزأه ولا يشترط نية التيمم للحدث أو للجنابة، "فتح القدير" ١/ ٩٠، و"الهداية" عليه، والبابرتي عليه أيضًا.
[ ١ / ٢٣٥ ]
مالك (١)، وأحمد، وهل يفتقر إلى تعيين الفرض (من) (٢) ظهر أو عصر؟ فيه وجهان:
وحكي فيه قول آخر: أنه يستبيح الفريضة بنية التيمم للصلاة المطلقة، والنافلة، حكاه الشيخ الإمام أبو إسحاق، عن أبي حاتم القزويني، عن أبي يعقوب (الأبيوردي) (٣) عن الإملاء.
فإن تيمم للفريضة، يعتقد أنه محدث، فذكر أنه كان جنبًا، صح تيممه.
وقال مالك: لا يصح تيممه، وبه قال أحمد.
وحكى (ابن) (٤) القصار (٥) عن مالك: أنه يصح تيممه، وموضع
_________________
(١) الجمهور يقولون: إن النية شرط في التيمم، لكونها عبادة غير معقولة المعنى، وشذ زفر عن الحنفية فقال: إن النية ليست بشرط فيها، وأنها لا تحتاج إلى نية، وقد روي ذلك أيضًا عن الأوزاعي، والحسن ابن حي وهو ضعيف، "بداية المجتهد" ١/ ٦٨.
(٢) (من): في جـ.
(٣) (الأبيوردي): في جـ، وهو الصحيح، أنظر "المجموع" ٢/ ٢٤٠. أبو يعقوب الأبيوردي: يوسف بن محمد الأبيوردي، تفقه عليه الشيخ أبي محمد الجويني، ومن تصانيفه كتاب "المسائل في الفقه" تكرر نقل الرافعي عنه، ولم يعثر له على تاريخ وفاة، الأسنوي ١/ ٦٠، ٦١، والعبادي: ١٠٩، والسبكي ٥/ ٣٦٢.
(٤) (ابن): وفي أ: وحكي عن ابن القصار، وفي ب، جـ: وحكي ابن القصار، وهو الصحيح.
(٥) ابن القصار: هو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد المعروف بابن القصار، تفقه =
[ ١ / ٢٣٦ ]
الخلاف: أن يكون ذاكرًا للجنابة والحدث، فينوي استباحة الصلاة من الحدث، وفي ذلك عن مالك، روايتان. وإن تيمم للفرض، استباح به النفل قبل الفرض، (وبعده، وفيه قول آخر: أنه لا يجوز أن يصلي به النفل قبل الفرض) (١) ويجوز بعده، وبه قال مالك (٢)، وأحمد (٣).
وإن تيمم للنفل، جاز أن يصلي به على الجنازة، نص عليه في البويطي.
وفيه وجه آخر: أنه لا يجوز، مخرج من الجمع بين (الصلاتين) (٤) على جنازتين بتيمم واحد. وإن (نوى التيمم) (٥) لمس المصحف، أو لقراءة القرآن، أو للوطء، استباح ما نواه، وهل يستبيح به النفل؟ فيه وجهان (٦).
فإن شك، هل عليه فائتة، أم لا، فتيمم ينوي الفائتة، ثم
_________________
(١) = على أبي بكر الأبهري، ويقول الشيرازي: له كتاب في مسائل الخلاف كبير، لا أعرف لهم كتابًا في الخلاف أحسن منه، "طبقات الفقهاء" للشيرازي: ١٦٨.
(٢) (وبعد. . . الفرض): ساقطة من أ، وموجودة في ب، جـ.
(٣) أنظر "بلغة السالك لأقرب المسالك" ١/ ٧٠.
(٤) أنظر "المغني" لابن قدامة ١/ ١٨٥.
(٥) (الصلاتين): في ب، جـ، وفي أ: صلاتين.
(٦) (نوى التيمم): ساقطة من أ.
(٧) الأول: يجوز، وأصحهما: لا يجوز لأن النافلة آكد، "مجموع" ٢/ ٢٤٣.
[ ١ / ٢٣٧ ]
تذكر، أنهما عليه، فقد قيل: إنه لا يجوز أن يصليها به، وفي هذا عندي نظر.
فإن تيمم لفوائت، جاز (له) (١) أن يصلي واحدة منها في أصح الوجهين (٢).
فإذا أراد التيمم، سمي اللَّه ﷿، (ونوى) (٣)، وضرب يديه على التراب (٤)، فإن كان التراب ناعمًا كفاه وضع اليد، ومسح من وجهه البشرة الظاهرة، وظاهر الشعر على الصحيح من المذهب.
ومن أصحابنا من قال (٥): يجب إيصال التراب إلى باطن (الشعور) (٦) الأربعة (٧)، كما يجب في الوضوء، ثم يضرب ضربة أخرى، فيمسح يديه، فيضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور أصابع
_________________
(١) (له): ساقطة من جـ.
(٢) أنظر "المجموع" ٢/ ٢٤٦.
(٣) (ونوى): في ب، جـ، وفي أنوى، والواو ساقطة منها.
(٤) أنظر "إحياء علوم الدين للغزالي" ١/ ١٤١، ويقول النووي: والتسمية مندوبة، ويقول الشبراملسي: ويسن صلاة ركعتين بعد التيمم سنة التيمم، "نهاية المحتاج" للرملي ١/ ٣٠١.
(٥) أنظر "المجموع" ٢/ ٢٥١.
(٦) (الشعور): غير واضحة في أ.
(٧) الشعور الأربعة هي: الحاجبان، الشاربان، العذاران، والعنفقة، وزاد النووي: ولحية المرأة، والخنثى، وأهداب العين، وشعر الخدين، سواء خفت، أم كثفت، وكذا اللحية الخفيفة للرجل، "مجموع" ٢/ ٢٥٢.
[ ١ / ٢٣٨ ]
يده اليمنى، ويمرها على ظهر الكف، فإذا بلغ الكوع، جعل أطراف أصابعه على حرف الذراع، ثم يمرها إلى المرفق، ثم يدير بطن كفه إلى باطن الذراع، ويمره عليه ويرفع إبهامه، فإذا بلغ الكوع، أمرَّ باطن إبهام يده اليسرى على ظاهر إبهام يده اليمنى، ثم يمسح بكفه اليمنى، يده اليسرى كذلك، ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى.
وحكى الحسن بن زياد (١) عن أبي حنيفة (٢): أنه إذا مسح أكثر وجهه، وأكثر (يديه) (٣) أجزأه، فإن أمر غيره حتى يممه ونوى هو، أجزأه (٤).
وقال ابن القاص في التلخيص: لا يجزئه، قلته (٥) (تخريجًا) (٦).
_________________
(١) الحسن بن زياد اللؤلؤي من أصحاب أبي حنيفة، وقد مرت ترجمته.
(٢) أما عند الحنفية فلا بد من الاستيعاب في ظاهر الرواية لقيامه مقام الوضوء، ولهذا قالوا: يخلل الأصابع وينزع الخاتم ليتم المسح، "الهداية" مع "فتح القدير" ١/ ٨٧، ورواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة تقول: إن الأكثر يقوم مقام الكل، لأن في الممسوحات: الاستيعاب ليس بشرط كما في مسح الخف والرأس، "البابرتي على الهداية" ١/ ٨٧.
(٣) (يديه): في ب، جـ، وفي أ: يده.
(٤) جاز تيممه إذا كان معذورًا، كأقطع، ومريض، وغيرهما بلا خلاف، وإن كان قادرًا، فوجهان: الصحيح والمنصوص، جوازه كالوضوء، وبهذا قال جمهور الأصحاب، والثاني: لا يجوز وهو قول ابن القاص، "المجموع" ٢/ ٢٥٦.
(٥) (قلته): وفي أ: قليه، وفي ب: ملته، وفي جـ: قلته وهو الصحيح.
(٦) (تخريجًا): غير واضحة في أ، وفي جـ: تحريمًا، والأول أصح، "المهذب" ١/ ٤١، وقوله: قلته تخريجًا: هو من كلام ابن القاص، وإنما قال =
[ ١ / ٢٣٩ ]
وإن سفت الريح على وجهه (ترابًا عمه) (١)، فأمرَّ يده على وجهه، لم يجزه، وبه قال ابن (القاص) (٢)، وأبو علي الطبري.
وقال القاضي أبو حامد: هذا إذا لم (يصمد) (٣) للريح، (فأما) (٤) إذا (صمد) (٥) للريح، ونوى، أجزأه (٦).
_________________
(١) = هذا، لأن عادته في كتابه التلخيص: أن يذكر المسائل التي نص عليها الشافعي، ويقول عقبة: قاله نصًا، وإذا قال شيئًا غير منصوص، وقد خرجه هو قال: قلته تخريجًا، وهذه المسألة خرجها من التي بعدها، وهي مسألة الريح، "المجموع" ٢/ ٢٥٦.
(٢) (ترابًا عمّه): في أ: ثوبًا، وفي جـ: ترابًا ناعمة، والأول هو الصحيح، ومعنى ترابًا عمه: أي: استوعبه، هذا هو المشهور المعروف، وفسره أبو القاسم بن البزدي بالعين المعجمة، أي: غطاه، وهو صحيح أيضًا، وبمعنى الأول، لكن الأول أجود، "المجموع" ٢/ ٢٥٦، ٢٥٧.
(٣) (القاص): في ب، العاص وهو تصحيف.
(٤) (يصمد): غير واضحة في أ، وفي ب: يعمد، والأول هو الصحيح.
(٥) (فأما): غير واضحة في أ.
(٦) (صمد): غير واضحة في أ، وفي ب: عمد، والأول هو الصحيح، صمد: على وزن قصد وبمعناه واللَّه أعلم، "المجموع" ٢/ ٢٥٧.
(٧) عبارة النووي: إذا ألقت عليه الريح ترابًا استوعب وجهه ثم يديه، فإن لم يقصدها، لم يجزه بلا خلاف، وإن تصدها وصمد لها، ففيه خلاف مشهور حكاه الأصحاب وجهين، وحقيقته قولان: أحدهما: لا يصح وهو الصحيح، نص عليه في "الأم"، وهو قول أكثر أصحابنا المتقدمين، وقطع به جماعات من المتأخرين، وصححه جمهور الباقين، ونقله إمام الحرمين عن الأئمة مطلقًا، قال: والوجه الآخر ليس معدودًا من المذهب. =
[ ١ / ٢٤٠ ]
(والتكرار) (١) في التيمم غير مستحب، فأما إذا أراد تجديد التيمم لنافلة بعد الفريضة: ذكر القفال: أن ذلك لا يتصوّر بحكم العدم، ويتصوّر في الجريح، فيستحب التجديد في المغسول، وهل يستحب في التيمم للنافلة؟ فيه وجهان، وينبغي أن يستحب التجديد بحكم (العدم للنافلة، والنافلة) (٢) أيضًا.
_________________
(١) = والثاني: يصح وهو قول القاضي أبي حامد، واختيار الشيخ أبي حامد الأسفراييني، وصورة المسألة: إذا قصد، ثم وقع عليه التراب، فلو وقع عليه، ثم قصد، لم يجزه بلا خلاف، "المجموع" ٢/ ٢٥٦.
(٢) (والتكرار): في ب، جـ، وفي أفالتكرار.
(٣) (العدم للنافلة): في ب، وفي جـ، والنافلة، وفي أ: وللنافلة، والأول أصح.
[ ١ / ٢٤١ ]