ولا يصح التيمم للمكتوبة، قبل دخول وقتها، وبه قال مالك (١)، وأحمد (٢)، وداود، وقال أبو حنيفة (٣): يجوز ذلك.
_________________
(١) ودخول الوقت هو المراعى المشهور من مذهب مالك، والدليل على صحة قوله، قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ. . .﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ المائدة: ٦. وهذا يفيد أن لا يكون التيمم في وقت القيام إلى الصلاة، ولا يكون ذلك إلا بعد دخول الوقت، ودليلهم من جهة القياس: أن هذا مستغن عن التيمم، فلم يجزه التيمم كالواجد للماء، "المنتقى" للباجي ١/ ١١١.
(٢) أنظر "مطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى" ١/ ١٩١.
(٣) وعند الحنفية: إن تيمم أول الوقت جاز، وكذلك قبله لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فشرط عدم الماء فقط، وجعله في حال عدم الماء كالوضوء ثم الوضوء بالماء قبل دخول الوقت لتقرر سببه وهو الحدث، فكذلك التيمم، "المبسوط" للسرخسي ١/ ١٠٩، ١١٠.
[ ١ / ٢٤٢ ]
ومن أصحابنا من قال: إذا لم ينعقد تيممه للفرض قبل دخول الوقت، فهل ينعقد للنفل؟ فيه وجهان، بناء على من أحرم بالظهر قبل الزوال لم ينعقد (الفرض) (١)، وهل تنعقد نافلة؟ فيه قولان، وهذا خلاف نص الشافعي ﵀ في البويطي.
فإن تيمم للصلاة على الميت قبل غسله، فهل يصح (تيممه)؟ (٢) فيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يصح.
ولا يجوز التيمم، إلا للعادم للماء، أو الخائف من استعماله.
وقال أبو حنيفة (٣): يجوز التيمم، مع وجود الماء لصلاة الجنازة، والعيد، (عند) (٤) خوف (فوتهما) (٥). فإن تيمم في أول الوقت، فهل يجوز له تأخير الصلاة إلى آخر الوقت ليصليها به، فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، وهو قول أبي العباس، وأبي سعيد.
فإن تيمم قبل دخول الوقت لفائته، فلم يصلها حتى دخل وقت الحاضرة، فهل يجوز له فعل الحاضرة أم لا؟
قال ابن الحداد: يجوز.
_________________
(١) (الفرض): في أ، جـ، وفي ب: للفرض، والأول أصح.
(٢) (تيممه): في أ، جـ، وفي ب: التيمم.
(٣) أنظر "منحة الخالق على البحر الرائق" لابن عابدين، و"البحر الرائق" لابن نجيم ١/ ١٩٥.
(٤) (عند): في أ.
(٥) (فوتهما): في ب، جـ، وفي أ: فوتها.
[ ١ / ٢٤٣ ]
وقال غيره: لا يجوز.
ويجوز أن يتيمم في أول الوقت.
وحكي عن الزهري أنه قال: لا يجوز أن يتيمم حتى يخاف فوت الوقت.
قال الشافعي ﵀: وإذا تيمم لنافلة في الوقت الذي نهي عن الصلاة فيه، لم يجزه ذلك، يريد (به) (١) أنه لا يصلي به نافلة بعد خروج الوقت، فجعله كالتيمم للفرض قبل دخول وقته.
ومن أصحابنا: من بنى صحة تيممه فيه على (انعقاد نفله) (٢)، وهذا خلاف النص.
ولا يجوز للعادم للماء التيمم، إلّا بعد طلبه في مواضع الطلب في العادة (٣).
_________________
(١) (به): ساقطة من جـ.
(٢) (انعقاد نفله): غير واضحة في أ.
(٣) لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾، قال الشافعي والأصحاب: لا يقال: لم يجد إلا لمن طلب فلم يصب، فأما من لم يطلب فلا يقال: لم يجد، ونقلوا هذا عن أهل اللغة، قالوا: ولهذا لو قال لوكيله: اشتر لي رطبًا فإن لم تجد فعنبًا، لا يجوز أن يشتري العنب قبل طلب الرطب، وبالقياس على الرقبة في الكفارة والهدي في التمتع، فإنه لا ينتقل إلى بدلهما إلا بعد طلبهما في مظانهما، وبالقياس على الحاكم، فإنه لا ينتقل إلى القياس إلا بعد طلب النص في مظانه، ولأنه شرط من شروط الصلاة قد يصادف بالطلب، فوجب طلبه كالقبلة، وأما قياسهم على الرقبة، فرده أصحابنا وقالوا: لا ينتقل إلى الصوم إلا بعد طلب الرقبة في مظانها، واللَّه أعلم "المجموع" ٢/ ٢٧٢.
[ ١ / ٢٤٤ ]
وقال أبو حنيفة (١): (إذا) (٢) كان مسافرًا، ولم يعلم بقربه ماء، جاز له التيمم، إلّا أن يطلع عليه ركب. فإن (بيع) (٣) منه الماء بثمن مثله، وهو واجد للثمن، غير محتاج إليه، لزمه ابتياعه.
قال أبو إسحاق: يعتبر ثمن مثله في موضعه في العرف الجاري، في عامة الأحوال.
قال القاضي أبو الطيب ﵀: (يحتمل) (٤) عندي: أنه إذا كان ما طلب منه في ثمنه، هو ثمن مثله في ذلك الوقت، مع ذلك العارض، لزمه الابتياع به، ولا يجوز له التيمم، وهذا صحيح يقتضيه المعقول، والأصول.
ومن أصحابنا من قال: ليس للماء ثمن، وثمنه أجرة نقله إلى ذلك الموضع، وليس بشيء.
وذكر أيضًا: أنه إذا طلب منه زيادة على ثمن المثل، يعتبر أن (يزيد على ما يُعَدُّ غلا في العادة) (٥)، فأما إذا كان يسيرًا، بحيث لو اشترى به وكيله (سامحه) (٦) ورضي به، لزمه، وإن كان لا يرضى به،
_________________
(١) لأن الغالب عدم الماء في الفلوات، ولا دليل على الوجود فلم يكن واجدًا، "كشف الحقائق" ١/ ٢٣.
(٢) (إذا): في أ، ب، وفي جـ: إن.
(٣) (بيع): في أ، ب، وفي جـ: فإن بنع، وإن نبع، وهذا تصحيف من الناقل.
(٤) (يحتمل) في أ، جـ، وفي ب: يحمل.
(٥) (يزيد على. . . العادة): غير واضحة في أ.
(٦) سامحه: في ب، جـ، وفي أ: مسامحة، والأول أصح.
[ ١ / ٢٤٥ ]
لم يلزمه، وهذا لا يجيء على مذهب الشافعي ﵀ وإنما هو (ميل) (١) إلى قول مالك، (فإنه قال) (٢): إذا طلب منه زيادة لا (يجحف) (٣) لزمه أن يشتري، وإن بذل له الماء بثمن مثله في ذمته، وهو غير واجد للثمن في موضعه، ووجد في موضع آخر.
ذكر الشيخ أبو نصر ﵀: أنه يلزمه.
وذكر (أقضى القضاة) (٤) الماوردي: أنه لا يلزمه.
(قال الشيخ الإمام أيده اللَّه) (٥): وهذا عندي (أصح) (٦).
_________________
(١) (ميل): غير واضحة في أ.
(٢) (فإنه قال): في ب، جـ، وفي أ، (فإنه إذا قال).
(٣) (يجحف): غير واضحة في أ.
(٤) (أقضى القضاة): في ب، جـ، وفي أ: قاضي القضاة. الماوردي: أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري، تفقه على أبي القاسم الصيمري بالبصرة، وارتحل إلى الشيخ أبي حامد الأسفراييني، ودرس بالبصرة وبغداد سنين كثيرة، وله مصنفات كثيرة في الفقه، والتفسير، والفقه، والأدب، وكان حافظًا للمذهب، وتوفي ببغداد سنة ٤٥٠ هـ، وأشهر كتب الفقه له، "الحاوي في أربع وعشرين مجلدًا" وهو مخطوط في دار الكتب المصرية، وأقوال فيه: كل الصيد في جوف الفرا، "طبقات الشافعية الكبرى" لتاج الدين السبكي ٣/ ٣٠٣، و"وفيات الأعيان" لابن خلكان ٢/ ٤٤٢، و"طبقات الشافعية" للشيرازي: ١٣١.
(٥) (قال الشيخ الإمام أيده اللَّه): في أ، وفي ب: قال الإمام أبو بكر، وفي جـ: وقال الإمام فخر الإسلام أبو بكر ﵀.
(٦) (أصح): في أ، ب، وفي جـ: يصح.
[ ١ / ٢٤٦ ]
فإن كان عنده بئر، وليس معه حبل، ولا دلو، ووجدهما على غيره بثمن المثل، أو أجرة المثل، لزمه الطهارة.
وإن أعير منه دلو، أو حبل، وكان ثمنه بقدر ثمن الماء، لزمه قبول العارية، (وإن كان ثمنه أكثر فهل يلزمه قبول العارية؟) (١) فيه وجهان:
أصحهما عندي: وجوب القبول.
وإن لم يمكنه استقاء الماء، إلّا أن يدلي ثوبًا تنقص قيمته إذا ابتل، فإن كان نقصانه لا يزيد على ثمن الماء، لزمه أن يستقي به، وإن زاد، لم يلزمه.
وإن كان معه ثوب إذا شقه نصفين، وصل إلى الماء، ولكنه ينقص قيمته بالشق.
فقد ذكر القاضي حسين ﵀: أنه إذا كان النقصان، لا يزيد على أجرة الرشا، لزمه فعل ذلك، وإن كان يزيد، لم يلزمه، فاعتبر الأجرة، وفيما ذكرته قبله عن أصحابنا، اعتبار الثمن.
وقد ذكروا أيضًا: أن الرشا إذا بذل له بثمن مثله، لزمه قبوله، وربما كان بينهما تفاوت.
(قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه) (٢): (والصواب) (٣)، أن يقال: ينظر إلى أكثر ذلك إذا لم (ينفق) (٤)، فإذا كان النقص لا يزيد على
_________________
(١) (وإن كان ثمنه. . . العارية؟): غير واضحة في أ.
(٢) في ب: قال الإمام أبو بكر، وفي ب: ﵀.
(٣) (والصواب): في أ، جـ، وفي ب: فالصواب.
(٤) (ينفق) في ب، وفي أ: يتفق.
[ ١ / ٢٤٧ ]
أكثر (واحد منهما، وإن زاد على الأجرتين) (١)، لزمه احتماله. فإن كان معه ماء طاهر، وماء نجس، (وخاف) (٢) العطش.
قال في الحاوي: لا يتيمم، ويستعمل الطاهر، ويشرب النجس إذا كان قد دخل عليه وقت الصلاة.
قال الإمام أبو بكر (٣): وهذا فيه نظر، لأن (ما يحتاج) (٤) إليه للعطش، لا يتعلق به فرض الطهارة، فيشرب الطاهر ويتيمم، ولا يشرب النجس.
فإن لم يكن على ثقة من وجود الماء في آخر الوقت، ولا على (يأس) (٥) من وجوده، فالأفضل أن يصلي بالتيمم في أول الوقت، في أصح القولين، وهو اختيار المزني.
والثاني: أن التأخير أفضل.
_________________
(١) وفي جـ: واحد منهما زاد على الأجرتين.
(٢) (وخاف): في أ، ب، وفي جـ: وذات وهو تصحيف.
(٣) (قال الإمام أبو بكر): ساقطة من أ، وفي جـ: زاد ﵁.
(٤) (ما يحتاج): غير واضحة في أ.
(٥) (يأس): في جـ، وفي أ، ب: إياس وهو الأفصح.
(٦) الوارد عند الحنفية: ويستحب لراجي الماء تأخير الصلاة إلى آخر الوقت في ظاهر الرواية، ليقع الأداء بأكمل الطهارتين، لكن لا يبالغ في التأخير، لئلا تقع الصلاة في وقت الكراهة. وعن الشيخين في غير رواية الأصول: أن التأخير حتم، لأن غالب الرأي كالمتحقق، وجه ظاهر الرواية: أن العجز ثابت حقيقة، فلا يزول حكمه إلا بيقين مثله، وفيه إشارة إلى أنه بدون الرجاء لا يؤخر، هذا هو الصحيح كما في "المحيط"، "مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر"، و"الدر المنتقى" عليه ١/ ٤٣.
[ ١ / ٢٤٨ ]
وعن أبي حنيفة (٦): روايتان كالقولين.
وقال الثوري: التأخير أفضل بكل حال، وبه قال أحمد (١).
وقال مالك (٢): يتيمم المريض، والمسافر في وسط الوقت، (لا يؤخره) (٣) جدًا، ولا يعجله.
وحكي عن علي ﵁ أنه قال في الجنب لا يجد الماء: يتلوم (٤) (ما بينه) (٥) وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء، وإلّا يتيمم.
وهكذا حكم تأخير الصلاة عن أول الوقت لأجل الجماعة على ما ذكرناه.
وذكر القاضي حسين ﵀: أنه إذا كان على علم من وجود الماء في آخر الوقت، ففي جواز التيمم في أول الوقت قولان، وليس بصحيح.
_________________
(١) قال صاحب "عمدة الطالب": والتيمم آخر الوقت لراجي وجود الماء أولى، لأن الطهارة بالماء فريضة، والصلاة في أول الوقت فضيلة، وانتظار الفريضة أولى، وكذا لو استوى عنده احتمال وجود الماء وعدمه، وأما العالم وجوده فمن باب أولى، والأصل في ذلك قول علي ﵁ فى الجنب: يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء، وإلا تيمم، فإن تيمم وصلى، أجزأه، ولو وجد الماء بعد، ومما تقدم نعلم: أن التقديم لتحقق العدم أو ظانه أولى، "هداية الراغب وعمدة الطالب": ٨٠.
(٢) أنظر "كفاية الطالب الرباني"، و"رسالة أبي زيد القيرواني"، و"حاشية العدوي" عليهما ١/ ١٧٩.
(٣) (لا يؤخره): في أ، ب، وفي جـ: لا يؤخر.
(٤) يتلوم: معناه يتربص في ب.
(٥) (ما بينه): ما ساقطة من جـ.
[ ١ / ٢٤٩ ]
فإن تيمم، ثم علم أن في (رحله) (١) ماء، لزمه إعادة الصلاة، وهو قول أبي يوسف (٢)، وأحمد (٣).
وعن مالك (٤): روايتان.
قال أبو إسحاق: يشبه أن يكون الشافعي ﵀، أجاب بذلك على قوله القديم، إذا نسي القراءة في الصلاة.
وقال غيره: يحتمل أن يكون: أراد مالكًا أو أحمد (٥).
ومن أصحابنا من حكى (طريقة) (٦) أخرى عن أبي علي بن أبي هريرة، وأبي الفياض: أنه اختلاف الرواية، لاختلاف الحال، (فأوجب) (٧) الإعادة إذا كان رحله صغيرًا يمكن الإحاطة به، وحيث قال: (في رحله ماء، قال: لا يعيد) (٨) إذا كان رحله (كبيرًا) (٩) لا يمكن الإحاطة به.
_________________
(١) (رحلة): في ب: جـ، وفي أ: راحلة.
(٢) لأنه واجد للماء حقيقة، لأن الماء في رحله، ورحل المسافر لا يخلو عن الماء عادة فكان مقصرًا، فصار كما إذا كان في رحله ثوب، فنسيه، وصلى عريانًا، "مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر" ١/ ٤٣.
(٣) أنظر "هداية الراغب": ٧٤.
(٤) أنظر "حاشية الصعيدي على كفاية الطالب الرباني" ١/ ١٨٠.
(٥) أو أحمد: في جـ، وفي أ، ب: وأحمد، والأول أصح.
(٦) (طريقة): غير واضحة في أ.
(٧) (فأوجب): في ب، جـ، وفي أ: وواجب.
(٨) ساقطة من أ، ب.
(٩) (كبيرًا): في ب، جـ، وفي أ: كثيرًا.
[ ١ / ٢٥٠ ]
والطريقة الأولى: هي الصحيحة.
وإن كان في رحله ماء، فأفضل رحله، (فطلبه فلم) (١) يجده فتيمم وصلى، لم يلزمه الإِعادة في أحد الوجهين.
قال الشافعي ﵀: إذا تيمم، ثم بان بقربه بئر، حيث يلزمه (الطلب) (٢)، فعليه الإِعادة، نص عليه في البويطي.
وقال في الأم (٣): لا إعادة عليه، (وظاهره) (٤) قولان:
ومن أصحابنا: من جعل ذلك على حالين، فحيث قال: (لا إعادة) (٥) عليه إذا كانت خفية، وحيث قال: يعيد، إذا كان عليها علم ظاهر.
_________________
(١) (فطلبه فلم): في ب، جـ، وفي أ: وطلبه لم.
(٢) (الطلب): في ب، جـ، وفي أ: للطلب.
(٣) "الأم" ١/ ٤٦.
(٤) (وظاهره): في جـ، وفي أ: فظاهره.
(٥) (لا إعادة): في ب، جـ، وفي أ: الإعادة.
[ ١ / ٢٥١ ]