إذا وجد من الماء ما لا يكفيه لجميع الأعضاء، لزمه استعماله في أصح القولين (١)، ويتيمم بعد استعماله لما بقي، في وجهه، ويديه، وبه قال مَعْمَرْ (٢).
والقول الثاني: أنه يقتصر على التيمم، وبه قال أبو حنيفة (٣)،
_________________
(١) أنظر "المهذب" للشيرازي مع "المجموع" ٢/ ٢٩٣، لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهذا واجد للماء، فيجب ألا يتيمم وهو واجد له.
(٢) معمر: العدوي الصحابي، بن عبد اللَّه بن فضله بن عبد العزى. . . ابن عدي ابن كعب، يلتقى مع رسول اللَّه -ﷺ- في كعب، أسلم وهاجر الهجرة الثانية إلى الحبشة، وقدم المدينة عام خيبر مع أصحاب السفينتين، وعاش عمرًا طويلًا، وقيل: إنه الذي حلق شعر رسول اللَّه -ﷺ- في حجة الوداع، وهذه منقبة عظيمة لم يصل إليها غيره، أنظر "تهذيب الأسماء" للنووي ٢/ ١٠٧، ١٠٨.
(٣) أنظر "فتح القدير" ١/ ٩٣.
[ ١ / ٢٥٢ ]
ومالك (١)، وداود (٢)، وهو اختيار المزني.
وعن أحمد (٣): روايتان كالقولين.
وقال عطاء، والحسن البصري: إذا وجد من الماء ما يكفيه لوجهه، ويديه، غسلهما به، وأغناه عن التيمم.
وقال عطاء: قصده (إذا كان معه) (٤) ما يكفي (وجهه) (٥) غسله، ومسح يديه بالتراب، وأجزأه.
فإن كان جنبًا فتيمم لعدم الماء وصلى فريضة، ثم أحدث، ووجد من الماء ما يكفيه لأعضاء وضوئه، فإن قلنا: يلزمه استعماله في الابتداء، بطل تيممه، ولزمه استعماله، والتيمم بعده لما بقي، وإن قلنا: لا يلزمه استعماله، فقد قال أبو العباس بن سريج: إن توضأ (به) (٦) ارتفع حدثه، وعاد إلى ما كان قبله من حكم التيمم، فيصلي النفل، ولا يصلي فريضة، وهذا وضوء يستبيح به النفل دون الفرض.
_________________
(١) أنظر "المنتقى" للباجي ١/ ١١٠.
(٢) وبقوله قالت الظاهرية ويذكر ابن حزم: فلو فضل له من الماء يسير، فلو استعمله في بعض أعضائه ذهب ولم يمكنه أن يعم به سائر أعضائه، ففرضه غسل ما أمكنه والتيمم، "المحلّى" لابن حزم ٢/ ١٣٧.
(٣) الرواية الأولى: يلزمه استعماله، ولأنه قدر على بعض الطهارة بالماء، كما لو كان بعض بدنه صحيحًا، وبعضه جريحًا. الرواية الثانية: لا يلزمه، "المغني" لابن قدامة المقدسي ١/ ١٧٥.
(٤) (إذا كان معه): غير واضحة في أ.
(٥) (وجهه): غير واضحة في أ.
(٦) (به): ساقطة من جـ.
[ ١ / ٢٥٣ ]
(فإن ترك) (١) استعمال هذا الماء، وتيمم للفرض صح تيممه، واستباح به (فريضة وما شاء) (٢) من النوافل.
وإن تيمم للنفل فقد قيل: يصح تيممه.
قال القاضي (أبو الطيب) (٣) ﵀: وهذا ليس بصحيح، بل يجب أن يقال: لا يصح تيممه للنفل، وهذا من الغريب.
فإن لم يجد ماء، ووجد ترابًا لا يكفي وجهه، (ويديه) (٤)، ففي وجوب استعماله القولان.
وقيل: يجب استعماله قولًا واحدًا.
فإن اغتسل الجنب في جميع بدنه إلًا عضوًا منه لم يجد له ماء، فتيمم عنه ثم أحدث، ثم تيمم ثانيًا ليصلي، فوجد ما يكفي (لذلك) (٥) العضو، بني على القولين فيه، إذا لم يجد ابتداء غير ذلك القدر، فإن قلنا: لا يلزمه استعماله غسل به العضو الذي بقي، وتيممه صحيح، وإن قلنا: (لا) (٦) يلزمه استعماله، بطل تيممه هاهنا.
(قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه) (٧): وعندي: أنه يلزمه استعماله في
_________________
(١) (فإن ترك): غير واضحة في أ.
(٢) (فريضة وما شاء): غير واضحة في أ.
(٣) (أبو الطيب): غير واضحة في أ.
(٤) (ويديه): في ب، جـ، وفي أ: بدنه، والأول أصح.
(٥) (لذلك): في أ، وفي ب، جـ: ذلك.
(٦) (لا يلزمه): في جـ.
(٧) في ب، جـ: قال الإِمام أبو بكر ﵀.
[ ١ / ٢٥٤ ]
العضو الباقي من الجنابة -قولًا واحدًا- لأنه يُتِمُّ به غسله، ولا يؤثر في تيمم حصل بحكم الحدث (١).
فإن عدم المحدث الماء في السفر، فتيمم، ثم أصابته جنابة، ووجد من الماء ما يكفي أعضاء الوضوء، فإن قلنا: لا يدخل الحدث في الجنابة، لزمه أن يتوضأ به عن الحدث، وتيمم عن الجنابة، (ويقدم أيهما شاء) (٢). وإن قلنا: إن الحدث يدخل في الجنابة، سقط حكمه، وكان في استعمال ما وجده من الماء عن الجنابة قولان، فإن قلنا: يلزمه استعماله، قدمه على التيمم.
إذا اجتمع ميت، وحي على بدنه نجاسة، والماء مباح يكفي أحدهما، فالميت أحق به في ظاهر المذهب.
وقيل: استعماله في النجاسة أولى.
وإن اجتمع حائض، وجنب، والماء يكفي أحدهما (٣).
قال أبو إسحاق: الجنب أولى.
وقيل: (الحائض) (٤) أولى.
وإن اجتمع جنب، ومحدث، والماء يكفي المحدث، ويفضل
_________________
(١) وفي جـ: في العضو الباقي من الجنابة، ويقدم أيهما شاء، وإن قلنا إن الحدث يدخل في العضو الباقي عن الجنابة قولًا واحدًا، والصحيح ما ذكرته في الأعلى، أنظر "المجموع" ٢/ ٢٩٩.
(٢) (ويقدم أيهما شاء): ساقطة من ب.
(٣) ففيه وجهان، أنظر "المهذب" مع "المجموع" ٢/ ٢٩٩.
(٤) (الحائض): في أ، ب، وفي جـ: الحيض.
[ ١ / ٢٥٥ ]
منه ما لا يكفي الجنب، ويكفي الجنب ولا يفضل (منه) (١) شيء، فالجنب أولى، وقيل: المحدث أولى، وقيل: هما سواء فيه.
فإن لم يجد ماءً، ولا ترابًا، صلى على حسب حاله وأعاد إذا قدر (٢)، وبه قال أبو يوسف، ومحمد (٣)، وأحمد (٤)، في أصح الروايتين عنه في الإِعادة.
وحكي (عن) (٥) الشافعي ﵀ في القديم: أن الفعل في الوقت مستحب.
_________________
(١) ساقطة من جـ.
(٢) أي صلى الفريضة: "التنبيه" للشيرازي: ١٦، أي إذا قدر على أحدهما، التراب أو الماء.
(٣) وهذه مسألة (المحصور) بأن حبس في مكان نجس، ولا يمكنه إخراج تراب مطهر، وكذا العاجز عنهما لمرض يؤخر الصلاة عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: يتشبه بالمصلين وجوبًا، فيركع ويسجد إن وجد مكانًا يابسًا، وإلا يومىء قائمًا، ثم يعيد، كالصوم للحائض إذا طهرت أثناء النهار، فإنها تمسك بقية اليوم لحرمة الشهر، ثم تقضي. أما مقطوع اليدين والرجلين فوق المرفقين والكعبين إذا كان بوجهه جراحة، يصلي بغير طهارة ولا يتيمم، ولا يعيد على الأصح، "رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار" ١/ ٢٥٢، ٢٥٣.
(٤) جاء في "عمدة الطالب": فإن عدم الماء والتراب، صلى الفرض على حسب حاله، ولا يزيد على ما يجزىء، ولم يعد. وإستدل صاحب هداية الراغب بقول النبي -ﷺ-: "إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم"، "هداية الراغب شرح عمدة الطالب": ٧٥، ٧٦.
(٥) (عن): ساقطة من جـ.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وقال أبو حنيفة (١)، والثوري: لا يجوز أن يصلي في الوقت، ولكنه يقضي إذا قدر.
وقال مالك (٢)، وداود: لا يصلي في الوقت، ولا يلزمه القضاء إذا قدر.
وأما الخائف من استعمال الماء، فإنه إذا كان يخاف الزيادة في المرض، أو إبطاء البرء، فقد اختلف نص الشافعي ﵀ فيه، واختلف أصحابنا فيه على طرق (٣):
فمنهم من قال: لا يجوز له التيمم قولًا واحدًا، وهو قول أحمد (٤).
ومنهم من قال: يجوز قولًا واحدًا، وهو قول أبي العباس، وأبي سعيد الاصطخري.
ومنهم من قال: فيه قولان، وهو أصح الطرق، وهو قول أبي إِسحاق وعامه أصحابنا.
_________________
(١) أنظر "حاشيه ابن عابدين" ١/ ٢٥٣.
(٢) جاء في متن خليل والشرح الكبير: وتسقط صلاة أي أداها في الوقت وقضاؤها في المستقبل إذا وجد الماء، أو التراب، بعدم ماء وصعيد، كمصلوب أو فوق شجرة، وتحته سبع مثلًا، أو محبوس في حبس بني بالآجر ومفروش به مثلًا، وقال أصبغ: يقضي، أنظر "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير" وتقريرات عليش ١/ ١٦٢.
(٣) وأصح الأقوال: أن يتيمم ولا إعادة عليه، "التنبيه" للشيرازي: ١٦.
(٤) أنظر "هداية الراغب": ٧٣.
[ ١ / ٢٥٧ ]
وأصح القولين: جواز التيمم، وهو قول أبي حنيفة (١)، ومالك (٢).
فإن كان (به) (٣) مرض لا يلحقه معه ضرر من (استعمال) (٤) الماء كالصداع، والحمى، لم يجز له التيمم.
وقال داود: يجوز، ويحكى ذلك عن مالك.
وحكي في الحاوي عن عطاء، والحسن (٦) البصري: أنه لا يجوز التيمم للمرض إلّا عند عدم الماء.
فإن خاف من استعمال الماء (شينا) (٧) في المحل.
قال (أبو العباس) (٨): لا يختلف مذهب الشافعي ﵀: أنه لا يجوز له التيمم.
_________________
(١) أنظر "الهداية" مع "فتح القدير"، والبابرتي، وسعدي جلبي ١/ ٨٥.
(٢) أنظر الدسوقي على "الشرح الكبير" ١/ ١٦٠.
(٣) (به): في أ، ب، وفي جـ: له، وهو تصحيف.
(٤) (استعمال): في أ، ب، وفي جـ: استعماله.
(٥) أنظر "بداية المجتهد" ١/ ٦٧.
(٦) والحسن: وفي جـ: وحسن.
(٧) في أ: شيئًا وهو تصحيف. أنظر "عمدة السالك وعدة الناسك" ١/ ٦١، و"المهذب" ١/ ٤٢، و"النظم المستعذب في شرح غريب المهذب" المهذب، ١/ ٤٢.
(٨) وفي جـ: أبو إسحاق.
[ ١ / ٢٥٨ ]
وقال غيره: إن كان (الشين) (١) كأثر الجدري، والجراحة، لم يجز له التيمم، وإن كان يشوه خلقه، ويسود كثيرًا من وجهه، كان على القولين (٢).
وإن كان في بعض بدنه قرح يخاف من استعمال الماء فيه، غسل الصحيح، وتيمم عن الجريح.
وقال أبو إسحاق: يحتمل قولًا آخر، أنه يقتصر على التيمم، كما لو وجد من الماء ما يكفي بعض الأعضاء (٣).
وقال أبو حنيفة (٤): إن كان أكثر بدنه صحيحًا، اقتصر على غسل الصحيح، وإن كان الأكثر جريحًا، اقتصر على التيمم.
وإن كان في بعض بدنه قرح وهو جنب، غسل الصحيح، وتيمم عن الجريح، وبدأ بأيهما شاء.
ومن أصحابنا من قال: الأولى أن يبدأ بالغسل (٥).
_________________
(١) (الشين): في ب، جـ، وفي أ: الشيء، وهو تصحيف.
(٢) ويقول ابن النقيب: شيئًا فاحشًا في عضو ظاهر، ويعتمد فيه معرفته، أو طبيبًا يقبل فيه خبره، والمراد بالفاحش: أي الكثير، أما اليسير كقليل سواد، وأما العضو الباطن فلا أثر لخوف ذلك، ولو كان هذا في أمة حسناء تنقص قيمتها بذلك نقصًا فاحشًا، لأن حق اللَّه مقدم على حق السيد، "فيض الإله المالك" ١/ ٦١.
(٣) أنظر "المهذب" للشيرازي ١/ ٤٣، والمراد بأبي إسحاق: الشيرازي.
(٤) أنظر "حاشية الدرر على الغرر": ٢٩، و"درر الحكام شرح غرر الأحكام" ١/ ٣٣.
(٥) أنظر "المجموع" ٢/ ٢١٦.
[ ١ / ٢٥٩ ]
وحكي وجه عن بعض أصحابنا الخراسانيين (١): أنه لا يصح التيمم قبل الغسل وليس بشيء.
فأما المحدث إذا كان في وجهه جرح، وفي يده جرح، وفي رجله جرح غسل الصحيح من وجهه، وتيمم عن الجريح فيه في وجهه ويديه، (ثم يغسل الصحيح من يده) (٢) ويتيمم عن الجريح منها في وجهه ويديه، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل الصحيح من رجله، ويتيمم عن الجريح منها في وجهه ويديه (٣).
قال ابن الحداد (٤):
فإن حضر (وقت) (٥) صلاة أخرى فإنه يعيد التيمم دون الغسل.
قال الشيخ أبو نصر ﵀: وهذا يحتاج إلى تفصيل.
فإن كان الجرح في رجله، أعاد التيمم وأجزأه، وإن كان في
_________________
(١) وهذا قول القاضي حسين، وإمام الحرمين، والمتولي، ويقول النووي: وهذا شاذ ضعيف، "المجموع" ٢/ ٣١٧.
(٢) وفي جـ: ويغسل يديه.
(٣) أنظر "المجموع" ٢/ ٣٣٠.
(٤) ابن الحداد: محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر أبو بكر بن الحداد المصري صاحب الفروع، أخذ الفقه عن أبي سعيد محمد بن عقل، ومنصور بن إسماعيل الضرير، وجالس أبا إسحاق المروزي، له كتاب "الباهر في الفقه" وكتاب "أدب القضاء"، وكتاب "جامع الفقه"، وكتاب "الفروع"، توفي بعد عودته من الحج سنة ٣٤٥ هـ، وقيل: ٣٤٤ هـ، وعاش تسعًا وسبعين سنة وشهورًا، ودفن بسطح المقطم عند قبر والدته، السبكي ٢/ ١١٢، ١١٥، و"ذيل طبقات الحنابلة": ١٩٣.
(٥) (وقت): في أ، ب، وفي جـ: في وقت.
[ ١ / ٢٦٠ ]
وجهه، (أو يديه) (١)، فينبغي على الأصل الذي (قدمناه) (٢) أن يعيد التيمم وما بعده من الغسل ليحصل الترتيب.
(قال الشيخ الإمام أيده اللَّه تعالى) (٣): وعندي، أن ما ذكره ابن الحداد أصح.
قال الشافعي ﵀: ولو ألصق على موضع التيمم لصوقًا، ونزع اللصوق وأعاد (٤).
واختلف أصحابنا في صورة ذلك.
فمنهم من قال: صورته: أن يكون القرح على موضع التيمم، لصوقًا، ونزع اللصوق وأعاد.
واختلف أصحابنا في صورة ذلك.
فمنهم من قال: صورته: أن يكون القرح على موضع التيمم، وقد ألصق عليه لصوقًا يمنع وصول التراب إليه، ولا يخاف من نزعه الضرر، وإنما يخاف من إمرار الماء عليه، فإنه يلزمه نزعه، وغسل الصحيح منه، وإمرار التراب على القرح في التيمم عنه، ولا إعادة عليه في الصلاة.
وقوله أعاد: أراد إعادة اللصوق بعد التيمم.
ومنهم من قال: صورة ذلك، أن يخاف من نزع اللصوق الضرر،
_________________
(١) (أو يديه): في جـ، وفي أ، ب: وجهه ويده.
(٢) (قدمناه): في أ، ب، وفي جـ: قدمته.
(٣) في ب، جـ: قال الإمام أبو بكر ﵀.
(٤) انظر "مختصر المزني": ٧.
[ ١ / ٢٦١ ]
فيمسح بالتراب على اللصوق ويغسل الصحيح، ويعيد الصلاة قولًا واحدًا (١).
قال الماوردي: هذا التصوير يبعد، لأنه قال: نزع اللصوق.
وإذا كان يخاف الضرر من نزعه، أو من استعمال التراب فيه، (لم) (٢) يلزمه نزعه.
قال الشيخ أبو نصر ﵀: يحتمل أن يكون أراد نزع اللصوق، إذا (برىء) (٣) وأعاد الصلاة التي صلاها بالمسح.
_________________
(١) أنظر "إعانة الطالبين وفتح المعين"، و"قرة العين بمهمات الدين" ١/ ٥٧، ٥٨.
(٢) (لم): في ب، جـ، وفي أ: أم.
(٣) (بريء): في أ، ب، وفي جـ: بدا.
[ ١ / ٢٦٢ ]