وتطهر الخمرة إذا استحالت خلًا بنفسها (١)، وإن خللت بما طُرِحَ يها من ملح، أو خل، لم تطهر، وإن نقلت من الظل إلى الشمس حتى تخللت، طهرت في أحد الوجهين، ولا يجوز إمساكها لتخلل، فإن أمسكها حتى صارت خلًا، طهرت في أحد الوجهين.
وقال أبو حنيفة: تطهر بالتخليل، وكذلك سائر النجاسات عنده، تطهر بالاستحالة.
وفي دخان النجاسة وجهان:
أحدهما: أنه نجس، فعلى هذا حكي في العفو عنه وجهان:
_________________
(١) يطهر بالاستحالة: جلد الميتة، والعلقة، والمضغة، فإنهما يطهران بمصيرهما حيوانًا، والبيضة في جوف الدجاجة الميتة إذا حكمنا بنجاستها، فإنها تطهر بمصيرها فرخًا بلا خوف، والخمر إذا استحالت خلا بنفسها، "المجموع" للنووي ٢/ ٥٨٠.
[ ١ / ٣١٦ ]
أحدهما: يعفي عنه.
وقال (أبو الحسن) ابن المرزبان (١) من أصحابنا: إذا عمل الآجر من طين فيه سرجين فغسل، طهر ظاهره.
ومن أصحابنا من خرج فيه قولًا من قوله القديم في الشمس: أنها تطهر الأرض النجسة وليس بشيء، واختار الشيخ أبو نصر ﵀، قول ابن المرزبان.
ويجوز إمساك ظروف الخمر، والانتفاع بها.
وحكي عن أحمد في إحدى الروايتين عنه: أنه يجب كسر دنانها، وشق أزقاقها.
ويجب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، إحداهن بالتراب (٢).
ومن أصحاب مالك من يقول: العدد مستحب.
وعن مالك رواية أخرى: أنه يغسل ثماني غسلات.
_________________
(١) ابن المرزبان: هو أبو الحسن بن المرزبان البغدادي، صاحب أبي الحسين ابن القطان، حكي عنه أنه قال: ما أعلم أن لأحد عليّ مظلمة، درس ببغداد، وعليه درس الشيخ أبو حامد الأسفراييني، مات سنة ٣٦٦ هـ ابن خلكان ٢/ ٤٤٣، السبكي ٢/ ٢٤٥، الشيرازي: ١١٧، ويقول الشيرازي: اسمه علي بن أحمد.
(٢) لحديث أبي هريرة ﵁ قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا" رواه مسلم والبخاري والنسائي، انظر صحيح مسلم ٣: ١٨٢ وانظر نيل الأوطار ١: ٤٤. أما أواني الخمر فكما ذكر المصنف: إلا آنية الخمر المزفتة فإنها تطهر بالغسل، لأن الزفت يمنع وصول النجاسة إلى جسم الإناء، وغير المزفت، فإنها تتشرب أجزاء النجاسة، "كشاف القناع" ١/ ١٨٨.
[ ١ / ٣١٧ ]
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يغسل حتى يغلب على الظن طهارته، والعدد لا يعتبر.
وإن جعل مكان التراب غيره، من جص، أو أشنان ففيه قولان:
أظهرهما: أنه يجزىء، وفي موضع القولين وجهان:
أحدهما: أن القولين مع عدم التراب، فأما مع وجوده، فلا يجوز قولًا واحدًا.
والثاني: أن القولين في جميع الأحوال.
فإن قلنا: إن غير التراب، لا يقوم مقام التراب في الإِناء، ففي الثوب وجهان، ذكر ذلك في الحاوي، وذكر في قدر التراب وجهين:
أحدهما: ما يقع عليه الاسم.
والثاني: ما يستوعب محل الولوغ.
فإن غسل مكان التراب غسله ثامنة بالماء، لم يجزه في أحد الوجهين.
فإن ولغ في إناء كلبان، أو أكثر، كفي في غسله سبع مرات.
ومن أصحابنا من قال: يغسل لكل كلب سبع غسلات.
وحكي في الحاوي وجهًا ثالثًا: أن الولوغ إن تكرر من كلب واحد، كفاه سبع مرات، وإن كان من كلاب، وجب لكل كلب سبع مرات، وهذا ظاهر الفساد.
فإن أصاب الثوب من ماء الغسلات، كفاه في غسله مرة واحدة في أحد الوجهين.
والثاني: أنه يغسل بقدر ما يقي على المحل من الغسل.
[ ١ / ٣١٨ ]
فإن جمع ماء الغسلات في إناء، كان طاهرًا في أحد الوجهين (١).
والثاني: أنه نجس اعتبارًا بالمحل (٢).
فإن وقع الإِناء الذي ولغ (الكلب فيه) (٣) في ماء يبلغ (قلتين) (٤)، لم ينجس الماء، وهل يطهر الإِناء؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يطهر، ويُعَدُّ ذلك غَسْلَةً واحدة.
وحكم سائر أعضاء الكلب في العدد حكم فيه.
وقال مالك وداود: لا يجب الغسل من غير الولوغ بحال.
وذكر القاضي حسين ﵀: أن بول الكلب إذا لم يزل عن المحل إلَّا بمرتين، فهل يكفيه بعد ذلك خمس غسلات؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكفيه.
والثاني: أنه يستأنف الغسل سبعًا.
فإن أدخل الكلب رأسه في إناء فيه ماء (٥)، وأخرجه، و(لم) (٦)
_________________
(١) لأنه ماء انفصل من الإناء وهو طاهر.
(٢) وهو الصحيح، لأن الغسلة السابعة طاهرة، والباقي نحس، فإذا اختلط ولم يبلغ قلتين وجب أن يكون نجسًا، انظر "المهذب مع المجموع" ٢/ ٥٩١.
(٣) (الكلب فيه): في أ، جـ، وفي ب: (فيه الكلب).
(٤) (قلتين): في أ، ب وفي جـ: القلتين.
(٥) أو مائع.
(٦) (ولم): في أ، جـ، وفي ب: هل.
[ ١ / ٣١٩ ]
يعلم، هل ولغ فيه أم لا؟ وكان على فمه رطوبة، نجس الماء في أظهر الوجهين (١).
_________________
(١) يقول النووي ﵀: فإن لم يكن على فمه رطوبة، فالمائع طاهر، وإن كانت عليه رطوية، فطاهر أيضًا على أصح الوجهين، "المجموع" ٢/ ٥٩٤.
[ ١ / ٣٢٠ ]