والوجوب في هذه الصلوات المؤقتة، متعلق بأول الوقت وجوبًا موسوعًا، على معنى جواز التأخير إلى آخر الوقت، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يتعلق الوجوب بآخر الوقت، إذا بقي من الوقت قدر تكبيرة على قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، وعلى قول زفر: إذا بقي من الوقت قدر فعل الصلاة.
وقال أبو الحسن الكرخي: لا يختلف قولهم: إن الوجوب يتعلق بقدر صلاة الوقت، وما ذكر من قدر التكبيرة، إنما هو في حق المعذورين.
واختلفوا فيمن صلى أول الوقت.
فقال الكرخي: تقع واجبة، فيكون الوجوب عنده متعلقًا بوقت غير معين من الوقت الراتب (ويتعين) (١) بالفعل.
_________________
(١) (ويتعين): في ب، جـ، وفي أ: ومعين.
[ ٢ / ٢٢ ]
ومنهم من قال: تقع موقوفة، فإن أدركه آخر الوقت وهو من أهل الوجوب، وقعت واجبة، وإن لم يكن من أهل الوجوب فيه، وقعت نافلة.
ومنهم من يقول: إنها تقع نافلة بكل حال، غير أنها تمنع توجه الفرض عليه في الوقت، فعلى هذه الطريقة، يخرج من صلى في أول الوقت من الدنيا ولم يتوجه (عليه للَّه) (١) تعالى فريضة في الصلاة بحال.
والأفضل في صلاة الصبح تقديمها في أول وقتها، وبه قال مالك وأحمد وأبو ثور وداود.
وقال أبو حنيفة والثوري: الإسفار بها أفضل، وكذلك التقديم في العصر والمغرب عندنا أفضل.
وقال أبو حنيفة: تقديم العصر في الغيم أفضل، وتأخيرها في الصحو أفضل، ما دامت الشمس بيضاء نقية، والنخعي كان يؤخر العصر، وبه قال الثوري.
وقال أبو حنيفة: تأخير المغرب في الغيم أفضل.
وأما الظهر، فتقديمها عندنا أفضل في غير شدة الحر، (فأما في شدة الحر في البلاد الحارة فتأخيرها أفضل) (٢)، في حق من يقصد
_________________
(١) (عليه للَّه): في أ، ب، وفي جـ: للَّه عليه.
(٢) (فأما في شدة الحر. . . أفضل): في أ، ب، وفي جـ: في البلاد الحارة، وتأخيرها أفضل، ولقوله -ﷺ-: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم" رواه البخاري ومسلم، "المجموع" ٣/ ٦١.
[ ٢ / ٢٣ ]
الصلاة في جماعة من بُعْدٍ، فتؤخر حتى يصير للشخص فيء يمشي (به) (١) القاصد إلى الصلاة.
ومن أصحابنا من قال: التأخير بحكم الإِبراد رخصة، وليس بفضيلة.
ومن أصحابنا من قال: هذه الرخصة، تعم جميع البلاد في شدة الحر.
وفي الإِبراد بالجمعة (وجهان) (٢).
وقال أبو حنيفة: تعجيلها في الشتاء أفضل، وفي الصيف تأخيرها أفضل.
وقال مالك: تؤخر الظهر في الشتاء حتى يصير الفيء قدر ذراع.
وأما العشاء (فقد قال) (٣) في القديم: تقديمها أفضل، وهو الأصح.
وقال في الجديد: تأخيرها أفضل، وهو قول أبي حنيفة.
وذكر في الحاوي عن أبي علي بن أبي هريرة: أنه كان (يمتنع) (٤) من تخريج القولين في ذلك، ويجعلهما على اختلاف (حالين) (٥)، فمن عرف من نفسه الصبر، وأن لا يغلبه النوم، فالتأخير له أفضل، ومن لم يثق من نفسه بذلك فالتقديم له أفضل.
_________________
(١) (به): في جـ، وفي أ: فيه.
(٢) (وجهان): في ب، جـ، وفي أ: وجهين.
(٣) (فقد قال): في ب، جـ، وفي أ: فقال.
(٤) (يمتنع): في أ، جـ، وفي ب: يمنع.
(٥) (حالين): في أ، ب، وفي جـ: الحالين.
[ ٢ / ٢٤ ]
(قال الشيخ الإِمام ﵀) (١): وعندي أن هذا التفصيل يستقيم في المنفرد، وله وجه.
(فأما) (٢) في حال الجماعة، فلا يستقيم لاختلاف أحوالهم، والصحيح أن المسألة على قولين.
والصلاة الوسطى (٣) المذكورة في القرآن، هي صلاة الصبح، وبه قال مالك، وروي عن علي، وابن عباس ﵄.
_________________
(١) في ب: قال الإِمام أبو بكر، وفي جـ: قال الشيخ الإِمام.
(٢) (فأما): في ب، جـ، وفي أوأما.
(٣) وهي آكد الصلوات لقوله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وإليك آراء الأئمة فيها:
(٤) مذهب أبي حنيفة، وأحمد وداود، وابن المنذر: أنها صلاة العصر، واحتجوا لذلك بحديث علي ﵁، أن النبي -ﷺ- قال يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ اللَّه بيوتهم وقبورهم نارًا" رواه مسلم ٥/ ١٢٨، واحتجوا كذلك بما روي عن سمرة بن جندب قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "الصلاة الوسطى، صلاة العصر"، "نيل الأوطار" ١/ ٣٣٩، ولأن النبي -ﷺ- قال: "الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" متفق عليه "فتح الباري" ٢/ ١٦٩ وقال: "من فاتته صلاة العصر حبط عمله" رواه البخاري، أنظر "فتح الباري" ٢/ ١٧١، وقال إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد، يعني النجم. رواه مسلم، انظر "السنن الكبرى" للبيهقي ١/ ٤٤٨، وانظر "المغني" لابن قدامة ١/ ٢٧٦.
(٥) مذهب مالك والشافعي: الصلاة الوسطى: هي صلاة الصبح، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والقنوت: طول القيام، وهو مختص بالصبح، ولأنها من أثقل الصلاة على المنافقين، ولهذا اختصت بالوصية، وبالمحافظة عليها. واستدل البيهقي على أنها الصبح، وليست العصر، بحديث عائشة ﵂ أنها قالت: لمن يكتب لها مصحفًا "أكتب حافظوا على الصلوات =
[ ٢ / ٢٥ ]
وقد أبو حنيفة: هي صلاة العصر في حكاية الطحاوي عنه.
_________________
(١) = والصلاة الوسطى، وصلاة العصر، وقوموا للَّه قانتين" قالت عائشة "سمعتها من رسول اللَّه -ﷺ-" رواه مسلم ٥/ ١٣٠، والترمذي والنسائي وأبو داود "مختصر سنن أبي داود" ١/ ٢٤٠، قال فعطف العصر على الوسطى يدل على أنها غيرها، وقال النبي -ﷺ-: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون" رواه مسلم ٥/ ١٣٣.
(٢) وقيل: المغرب: لأن الأولى هي الظهر، فتكون المغرب الثالثة، والثالثة من كل خمس هي الوسطى، ولأنها وسطى في عدد الركعات، ووسطى في الأوقات، وليس إلا وقت واحد. وقال النبي -ﷺ-: "لا تزال أمتي -أو قال هذه الأمة- بخير -أو قال على الفطرة- ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم" رواه أبو داود، "مختصر سنن أبي داود" ١/ ٢٤٢.
(٣) وقيل: هي الظهر، واستدل أصحاب هذا الرأي بما روى زيد بن ثابت قال: " كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- منها فنزلت: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" رواه أبو داود، "مختصر سنن أبي داود" ١/ ٢٤٠، وأنظر "المغني" لابن قدامة ١/ ٢٧٤.
(٤) وقيل: هي العشاء: لما روى ابن عمر قال: مكثنا ليلة ننتظر رسول اللَّه -ﷺ- لصلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده وقال: أنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن أشق على أمتي لصليت بهم هذه الساعة" وقال: "إن أثقل الصلاة على المنافقين، صلاة الغداة، وصلاة الآخرة، لو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا" متفق عليه، أنظر "صحيح مسلم" ٥/ ١٣٨، ١٣٩، وأنظر "المغني" لابن قدامة ١/ ٢٧٥، ٢٧٦. والصحيح من هذه المذاهب كما يتضح لي مذهبان: العصر والصبح، والذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة، أنها صلاة العصر، وهذا الذي اختاره، واللَّه أعلم.
[ ٢ / ٢٦ ]
وروي عن زيد بن ثابت (١): أنها الظهر.
وذكر القدوري (٢): أنه مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
وحكي عن قبيصة (٣) بن (ذويب) (٤): أنها المغرب.
_________________
(١) زيد بن ثابت: خزرجي، قال عنه -ﷺ-: أفرضكم زيد، وكان عمر، وعثمان لا يقدمان على زيد بن ثابت أحدًا في القضاء، والفتوى، والفرائض، والقراءة، وأخذ عن زيد عشرة من فقهاء المدينة: سعيد بن المسيب، وأبو سلمة ابن عبد الرحمن، وعبيد اللَّه ابن عبيد اللَّه بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وأبان ابن عثمان، وقبيصة بن ذؤيب ﵃ أجمعين، أنظر "طبقات الفقهاء" للشيرازي: ٤٦، ٤٧.
(٢) القدوري: أحمد بن محمد بن أحمد أبو الحسين البغدادي القدوري بالضم، نسبة إلى قرية من قرى بغداد، يقال لها قدورة، وقيل: نسبة إلى بيع القدور، وهو صاحب المختصر المبارك المتداول بين أيدي الطلبة، أخذ الفقه عن أبي عبد اللَّه الفقيه، محمد بن يحيى الجرجاني عن أحمد الجصاص، انتهت إليه رياسة الحنفية في زمانه، صنف "المختصر" وشرح "مختصر الكرخي"، وكتاب "التجريد"، مشتمل على الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي مجردًا عن الدلائل، مات سنة ٤٢٨ هـ، ببغداد، "الفوائد البهية في تراجم الحنفية": ٣٠.
(٣) قبيصة بن ذؤيب: هو قبيصة بن ذؤيب بن عمر بن كليب الخزاعي أبو سعيد: قال الزهري: كان قبيصة من علماء هذه الأمة، وقال الشعبي: كان قبيصة من أعلم الناس بقضاء زيد بن ثابت، وقال أبو الزناد: كان يعد فقهاء المدينة أربعة: سعيد بن المسيب، وعبد الملك ابن مروان، وعروة بن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب، مات سنة ٨٧ هـ، أنظر "طبقات الفقهاء" للشيرازي: ٦٢.
(٤) (قبيصة بن ذؤيب): في جـ، وهو الصحيح، وفي أ، ب: قبصة بن أبي ذؤيب، أنظر الشيرازي: ٦٢.
[ ٢ / ٢٧ ]