قال الشافعي ﵀: والوقت للصلاة وقتان، وقت مقام ورفاهية ووقت عذر وضرورة، واختلف أصحابنا في ذلك:
فحكي عن أبي علي بن خيران أنه قال: وقت المقام، أول الوقت للمقيم الذي لا يترفه، ووقت الرفاهية، آخر الوقت للمقيم المترفه بالتأخير.
وحكي عن أبي إسحاق، وأبي علي بن أبي هريرة، وعامة أصحابنا: أن وقت المقام، والرفاهية، وقت واحد، وهو ما بين أول الوقت إلى آخره، وقد مضى بيان هذا الوقت.
واختلفوا أيضًا في قوله: وقت عذر وضرورة.
فمنهم من قال: وقت العذر، هو وقت الصلاة في السفر، ووقت الضرورة، في حق الصبي يبلغ، والمجنون يفيق، وقد بقي من الوقت قدر ركعة.
[ ٢ / ٢٨ ]
ومنهم من قال: (العذر والضرورة) (١) وقت واحد، وهو في حق المجنون، والصغير، والحائض، والنفساء، والكافر يسلم، (فاتبع) (٢) أحد اللفظين الآخر، والمقصود بيان حكمهم في هذا الفصل. فإذا زال عذر من هذه الأعذار في شخص، وقد بقي من الوقت قدر ركعة، وجب عليه صلاة الوقت، وإن بقي قدر تكبيرة ففيه قولان:
أحدهما: يجب عليه، وهو قول أبي حنيفة.
والثاني: لا يجب، وهو قول مالك.
وهل يلزمه المغرب بإدراك جزء من (وقت) (٣) العشاء، والظهر، بإدراك جزء من (وقت) (٤) العصر؟
قال في الجديد: تجب الظهر بما تجب به العصر، وتجب المغرب بما تجب به العشاء، وقد حكينا القولين فيما يجبان به.
وذكر في القديم قولين:
أحدهما: أنه يجب عليه الظهر والعصر، بقدر خمس ركعات، أربع للظهر، وركعة للعصر، وتجب المغرب والعشاء بقدر أربع ركعات، ثلاث (ركعات) (٥) للمغرب، وركعة للعشاء، وهو قول مالك، واعتبر مع ذلك إمكان الطهارة.
_________________
(١) (العذر والضرورة): في ب، جـ، وفي أ: العذر في الضرورة.
(٢) (فاتبع): في جـ، وفي أ، ب: واتبع.
(٣) (وقت): ساقطة من جـ.
(٤) (وقت): ساقطة من جـ.
(٥) (ركعات): في جـ، وساقطة من أ، ب.
[ ٢ / ٢٩ ]
ومن (أصحابنا) (١): من اعتبر في النصراني يسلم مثل ذلك.
ومنهم: من لم يعتبر (ذلك) (٢).
وغلط أبو إسحاق وقال: أربع للعصر، وليس بصحيح.
والقول الثاني من القديم: أنه تجب عليه الصلاتان، بقدر ركعة وطهارة، فأما إذا أدرك من أول الوقت، قدر ركعة، ثم طرأ العذر المسقط لفرض الصلاة، كالجنون، والإِغماء، والحيض، والنفاس، واستغرق وقت الصلاة، فإنه لا تجب عليه الصلاة.
وقال أبو يحيى البلخي (٣): تجب عليه صلاة الوقت، بإدراك جزء من أول الوقت، كما تجب بإدراك ذلك من آخره.
وإن طرأ العذر بعد التمكن من فعل الصلاة، استقر فرضها في ذمته.
وحكي فيه وجه آخر: أنه يسقط، وليس بشيء فأما الصلاة التي بعدها، فلا تجب عليه.
وقال أبو يحيى البلخي: تجب الثانية من صلاتي الجمع، بإدراك
_________________
(١) (أصحابنا): في ب، جـ، وفي أ: أصحابه.
(٢) (ذلك): ساقطة من ب.
(٣) أبو يحيى البلخي: زكريا بن أحمد بن يحيى البلخي، فارق وطنه لأجل الدين، ومسح عرض الأرض، وسافر إلى أقاصي الدنيا في طلب الفقه، وكان حسن البيان في النظر، عذب اللسان في الجدل، ولاه المقتدر باللَّه قضاء الشام، وتوفي بدمشق سنة ٣٣٠ هـ، الأسنوي ١/ ١٩٠، ١٩١ والعبادي: ٥٠ والسبكي ٣/ ٥٩٨، والحسيني: ٦٤.
[ ٢ / ٣٠ ]
جزء من وقت الأولى) (١) فإن (فاتته) (٢) صلاة، استحب له قضاؤها على الفور.
وقال أبو إسحاق المروزي (٣): إن كان قد تركها بغير عذر، وجب عليه قضاؤها على الفور.
وإن (فاتته) (٤) صلوات، استحب قضاؤها مرتبًا.
وقال أبو حنيفة: يجب قضاؤها مرتبًا مع الذكر، إلَّا أن تدخل في حد التكرار، وهو قول مالك.
وإن ذكر فائتة: وقد ضاق وقت الحاضرة، بدأ بالحاضرة.
وقال أبو حنيفة ومالك: يبدأ بالفائتة، وخالف مالكًا بعض أصحابه في ذلك.
وإن ذكر فائتة، وهو في الحاضرة، (قالا) (٥): بطلت الحاضرة، وصلى الفائتة، ثم يصلي الحاضرة.
_________________
(١) (وقت الأولى): غير واضحة في أ.
(٢) (فاتته): في جـ، وفي أ: فاته.
(٣) أبو إسحاق المروزي: إبراهيم بن أحمد، وهو صاحب أبي العباس بن سريج، انتهت إليه رياسة بغداد في العلم، وشرح المختصر، وصنف في الأصول والفروع، وعنه، وعن أصحابه انتشر فقه الشافعي في الأقطار، ويقول النووي: وهو جدنا في التفقه، فإنه أحد أركان سلسلة تفقه الشافعية، توفي سنة ٣٤٠ هـ، أنظر "طبقات الشافعية" للحسيني: ٦٦، ٦٨، والانتقاء: ١١٠.
(٤) (فاتته): في أ، ب، وفي جـ: فاته.
(٥) (قالا): في ب، جـ، وفي جـ: وإلا.
[ ٢ / ٣١ ]
وعندنا: (يتم) (١) الحاضرة، ثم يقضي الفائتة، وبه قال أبو يوسف.
وقال أحمد: يجب أن (يتم) (٢) الحاضرة، ثم يصلي الفائتة، ثم يعيد الحاضرة.
وذكر بعض أصحابة: أنها تكون نافلة.
وإن اجتمع عليه فوائت، وجب عليه فيها الترتيب عنده مع الذكر، ولا فرق بين قليلها وكثيرها، إلَّا أن يضيق الوقت، فعنه روايتان:
وإن كان عليه فوائت لا يعرف عددها، ويعرف مدتها من شهر، وغيره.
قال القفال: يقال له: كم تتحقق أنك تركت من الصلوات؟ فإن قال: عشرة، قضاها دون ما زاد عليها.
قال القاضي حسين ﵀: إن الأمر بالعكس من ذلك، فيقال: كم تتحقق أنك صليت في هذه المدة؟ فيقول: عشرة، فيقضي ما زاد على ذلك.
قال: ويقرب من هذا، إذا شك بعد السلام أنه ترك ركنًا من أركان الصلاة.
فعلى قوله الجديد: إذا لم يطل الفصل، يبني، وإن طال استأنف.
وعلى قوله القديم: لا شيء عليه.
_________________
(١) (يتم): في ب، وفي أ: يتمم.
(٢) (يتم): في ب، وفي أ: يتمم.
[ ٢ / ٣٢ ]
(وقال الشيخ الإِمام أيده اللَّه) (١): وهذا الذي ذكره من حكاية القولين، فيه: إذا شك (في ركن من) (٢) الأركان بعد السلام ليس بصحيح، فإنه لا يختلف المذهب، أن الشك (بعد السلام لا يؤثر) (٣)، وإنما يعتبر طول الفصل، وقصره بعد السلام، إذا تيقن أنه (ترك ركنًا بعد) (٤) السلام.
فإن نسي صلاة ولم يعرف عينها، فإنه يصلي خمس صلوات.
وقال المزني ﵀: يصلي أربع ركعات ينوى الفائتة التي عليه، ويجلس ويتشهد في ركعتين، ثم يجلس في الثالثة، (ثم) (٥) يجلس في الرابعة ويسلم، وهذا فاسد، واللَّه أعلم.
_________________
(١) (وقال الشيخ الإِمام أيده اللَّه) وفي ب: قال الإِمام أبو بكر، وفي جـ: ساقطة والموجود: بل وهذا.
(٢) (في ركن من): غير واضحة في أ.
(٣) (بعد السلام لا يؤثر): غير واضحة في أ.
(٤) (ترك ركنًا بعد): غير واضحة في أ.
(٥) (ثم): ساقطة من جـ، وفي جـ: (يجلس في الثالثة والرابعة) وقد أسقط ثم يجلس في.
[ ٢ / ٣٣ ]