ثم يقرأ فاتحة الكتاب، وذلك فرض في الصلاة، وبه قال مالك، وأحمد.
ويحكى عن الحسن بن صالح، والأصم: أن القراءة سنة (في الصلاة) (١).
وقال أبو حنيفة: لا تتعين قراءة (فاتحة الكتاب في الصلاة) (٢)، وتجزئة قراءة آية (٣).
وقال أبو يوسف ومحمد: يجب قراءة ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة كآية (الدين) (٤).
_________________
(١) (في الصلاة): ساقطة من جـ.
(٢) (فاتحة الكتاب في الصلاة): الفاتحة في الصلاة ويجزئه قراءة آية.
(٣) لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ من غير فصل.
(٤) (الدين): في ب، جـ، وفي أ: التين.
[ ٢ / ١٠١ ]
ويبتدىء القراءة ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، وهى آية من الفاتحة، ومن كل سورة ذكرت في فاتحتها (١)، وبه قال أحمد (٢)، وهو قول عطاء، والزهري، وعبد اللَّه بن المبارك (٣)، وكان ابن المبارك يقول: من ترك بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية من القرآن.
وذكر الشيخ أبو حامد ﵀: أن من أصحابنا من قال: للشافعي ﵀ (قول) (٤) آخر في غير الفاتحة، أنها ليست من القرآن.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: هي آية من القرآن في كل موضع ذكرت فيه قطعًا.
_________________
(١) والدليل عليه ما روت أم سلمة ﵂، أن النبي -ﷺ- "قرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فعدها آية" صحيح رواه ابن خزيمة في "صحيحه" بمعناه.
(٢) ولكن يقرأ البسملة سرًّا، لما روى نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ولا الضالين. . . الحديث، ثم قال: والذي نفسي بيده أني لأشبهكم صلاة بالرسول -ﷺ-، رواه النسائي ١/ ١٠٤، وأنظر "كشاف القناع" ١/ ٣٣٥.
(٣) عبد اللَّه بن المبارك: أخذ العلم عن أبي حنيفة، نظر إليه أبو حنيفة وسأله عن بدء أموره فقال: كنت جالسًا مع إخواني في البستان، فأكلنا وشربنا إلى الليل، وكنت مولعًا بضرب العود والطنبور، ونمت سحرًا، فرأيت في منامي طائرًا فوق رأسي على شجرة يقول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ قلت بلى، فانتبهت وكسرت عودي، اجتمع جماعة من أصحابه، فقالوا عنه: جمع العلم والفقه والأدب والنحو واللغة والشعر والزهد والفصاحة والورع وقيام الليل والعبادة، مات سنة ١٨١ هـ، اللكنوى: ١٠٣، "تهذيب الأسماء واللغات" ١/ ٢٨٥، ٢٨٧، "تذكرة الحفاظ" ١/ ٢٥٣، ٢٥٧.
(٤) (قول): في ب، جـ، وفي أ: فعل.
[ ٢ / ١٠٢ ]
وعامة أصحابنا قالوا: نثبتها في أول كل سورة حكمًا (في وجوب قراءتها) (١)، وتعلق صحة الصلاة بها.
وقال أبو حنيفة، ومالك، وداود: ليست من فاتحة الكتاب، ولا من سائر السور غير النمل، وهي بعض آية في النمل.
وقال أبو الحسن الكرخي: ليس عن أصحابنا رواية في ذلك، ومذهبهم إخفاؤها، وذلك يدل على أنها ليست من فاتحة الكتاب، وكان أيضًا يقول: إنها من سورة النمل، ثم نقلت إلى أوائل السور للفصل، كذا حكى أبو بكر الرازي.
(وقال أبو بكر الرازي) (٢): وسمعناه يقول بعد ذلك: إنها آية تامة مفردة في كل موضع أثبتت فيه، وليست من السورة، وهي بعض آية في سورة النمل.
قال الشافعي ﵀: ويجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم قبل أم القرآن، وقبل السورة، وروي ذلك عن عطاء، وطاووس، وسعيد بن جبير، ومجاهد: أنهم كانوا يجهرون ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، ويروى عن عمر ابن الخطاب (٣)، وابن عمر ﵄.
_________________
(١) (في وجوب قراءتها): وسقط من أ: وجوب.
(٢) (وقال أبو بكر الرازي): ساقطة من جـ.
(٣) عمر بن الخطاب: هو أمير المؤمنين أبو حفص بن نفيل بن عبد العزى ابن رباح بن عبد اللَّه بن قرط، مات سنة ٢٣ هـ، قال ابن عمر وهو ابن خمس وخمسين سنة، وكانت ولايته عشر سنين وأشهرًا، روى عبد اللَّه بن عمر أن النبي -ﷺ- قال: "بينما أنا نائم إذ رأيت قدحًا أتيت فيه بلبن فشربت منه حتى أنى لأرى الري يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر، قالوا: ما أولت يا رسول اللَّه قال: "العلم"، ورواية تقول ابن (٦٣)، وروي أن عبد اللَّه بن الحسن مسح =
[ ٢ / ١٠٣ ]
قال ابن المنذر: كان إسحاق بن راهوية، يميل إلى الجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم.
وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد: يسرّ بها.
وقال مالك: المستحب أن لا يقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم، بل يفتتح القراءة بالحمد للَّه رب العالمين.
وقال ابن أبي ليلى: إن جهرت فحسن، وإن أخفيت فحسن.
وكان النخعي يقول: الجهر بها بدعة.
وتجب الموالاة في القراءة، فإن نوى قطع القراءة وسكت، انقطعت.
وذكر في الحاوي: أنه إذا سكت طويلًا، انقطعت، وإن كان قليلًا ففيه وجهان.
أصحهما: أنها تنقطع، والأول أصح.
فإن قال الإمام: آمين، والمأموم لم يفرغ من الفاتحة، فقد ذكر أبو علي في "الإفصاح" أنه يقول: آمين، ولا تنقطع قراءته.
وكان الشيخ أبو حامد ﵀ يقول: يستأنف القراءة، والأول أصح، وهو اختيار القاضي (أبي) (١) الطيب ﵀.
_________________
(١) = على خفيه فقيل له: تمسح قال: نعم، مسح عمر بن الخطاب ومن جعل عمر بن الخطاب بينه وبين اللَّه فقد استوثق، والمتأمل في كتابه إلى أبي موسى الأشعري وجد الفضل والفقه له، "مفتاح السعادة" ٢/ ٨ وتاريخ الفقه الإسلامي للشيخ محمد علي السايس: ٥٣، ٥٤، وأنظر "نظرية الغرر" ٢/ ٣٥٣ للمحقق غفر اللَّه له.
(٢) (أبي): في ب، جـ، وفي أ: أبو.
[ ٢ / ١٠٤ ]
وتجب قراءة الفاتحة في كل ركعة (١).
وقال أبو حنيفة: لا تجب القراءة في أكثر من ركعتين (٢).
وقال مالك: إذا قرأ في أكثر ركعات الصلاة، أجزأه، وروي أيضًا عنه نحو قولنا.
وقال الحسن البصري: إن قرأ في ركعة واحدة أجزأه.
وهل تجب (القراءة على المأموم) (٣) في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة؟ فيه قولان:
أصحهما: أنها تجب.
والثاني: أنها لا تجب، وبه قال مالك، وأحمد، وداود.
وقال أبو حنيفة والثوري: لا يقرأ المأموم بحال.
فإذا قلنا بالثاني: فجهر الإمام بالقراءة فى الصلاة التي يسر فيها، يسقط فرض القراءة عنه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسقط، وبالعكس من هذا، وأسر بالقراءة في صلاة
_________________
(١) وهي فرض من فروض الصلاة، لما روى عبادة بن الصامت ﵁، أن النبى -ﷺ- قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" رواه الجماعة، وفي لفظ: "لا تجزىء صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" رواه الدارقطني وقال: إسناده صحيح، أنظر سنن الدارقطني ١: ٣٢١، وأنظر نيل الأوطار للشوكاني ٢: ٢١٧.
(٢) لأن القراءة عندهم فرض في الركعتين الأوليين، حتى لو تركها في الأوليين وقرأها في الأخريين، يكون قضاء عن الأوليين، وهو الصحيح من مذهب أصحابنا، "تحفة الفقهاء" ١/ ٢٢٣.
(٣) (القراءة على المأموم): في ب، جـ، وفي أ: تجب قراءة المأموم.
[ ٢ / ١٠٥ ]
الجهر، فيه وجهان: وعلى هذا لو كان بعيدًا عن الإمام بحيث لا يسمع، هل يقرأ على وجهين، ذكر ذلك (كله) (١) القاضي حسين.
والصحيح: أن تعتبر حال الصلاة في وضعها، (ولا يتغير) (٢) فرضه بإساءة الإمام بالجهر في موضع الإسرار خاصة.
فإن ترك القراءة ناسيًا، لم تصح صلاته في قوله الجديد.
وقال في القديم: تصح صلاته.
ويجوز أن يقرأ (من) (٣) المصحف في الصلاة ناظرًا، وبه قال مالك، وأبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو حنيفة: تبطل صلاته (٤) إذا قرأ من المصحف، إلا أن يقرأ آية قصيرة.
_________________
(١) (كله): في جـ.
(٢) (ولا يتغير): في ب، جـ، وفي أ: ولا يعتبر.
(٣) (من): في ب، جـ، وفي أ: في.
(٤) لأنه يتلقن من المصحف، فأشبه التلقين من غيره، ويفسده القليل والكثير، "درر الحكام وغنية ذوي الأحكام" عليه ١/ ١٠٣.
[ ٢ / ١٠٦ ]