فإن كانت الصلاة تزيد على ركعتين، جلس للتشهد الأول في الركعتين مفترضًا يفرش رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمنى، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: يجلس في جميع جلسات الصلاة متوركًا، وإذا التشهد، والجلوس فيه سنة.
وقال أحمد، وداود، أبو ثور: جميع ذلك واجب.
ويضع يده اليسرى على فخذه اليسرى مبسوطة، (فأما) (١) يده اليمنى، فقد ذكر في "الأم": أنه يقبض أصابع يده اليمنى إلّا المسبحة، ويضعها على فخذه اليمنى.
وفي كيفية وضع الإبهام على هذا القول وجهان:
_________________
(١) (فأما): وفي جـ: وأما.
[ ٢ / ١٢٥ ]
أحدهما: أنه يضعها (تحت) (١) المسبحة على حرف راحته، كأنه عاقد ثلاثة وخمسين.
والثاني: (أنه) (٢) يضعها على حرف أصبعه الوسطى، ويشير بالمسبحة للإخلاص في الشهادة.
وقال في "الإملاء": إذا جلس وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وبسطها، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه الثلاث، الخنصر، والبنصر، والوسطى، وبسط المسبحة، والإبهام.
والثالث: أنه يقبض الخنصر، والبنصر، ويحلق بالإبهام مع الوسطى حلقة، ويشير بالمسبحة، والأول هو المشهور، وهل يحركها؟ فيه وجهان:
قال الشيخ أبو نصر: يحركها طوال التشهد.
والثاني: لا يحركها وهو الأظهر.
وأفضل التشهد، تشهد عبد اللَّه بن عباس (٣) ﵄ رواه عن النبي -ﷺ- أنه علمه إياه، وبه قال أحمد، وسفيان، وأبو ثور: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات للَّه سلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته، سلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه".
_________________
(١) (تحت): في ب، وهو الصحيح، أنظر "المهذب" ١/ ٨٥، وفي أ: بجنب.
(٢) (أنه): ساقطة من أ.
(٣) لما روى ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة فيقول: "قولوا التحيات المباركات الصلوات الطيبات" وذكر نحو ما قلناه، رواه مسلم ٣/ ٤٣٥، وانظر "السنن الكبرى" ٢/ ١٤٠، وانظر "المجموع" ٣/ ٤٣٤.
[ ٢ / ١٢٦ ]
وقال مالك: أحب التشهد، تشهد عمر بن الخطاب ﵁ "التحيات للَّه الزاكيات للَّه، الطيبات (الصلوات) (١) للَّه، السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه (وبركاته) (٢)، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه (وحده لا شريك له) (٣)، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وقال أبو حنيفة: أفضل التشهد تشهد عبد اللَّه بن مسعود ﵁ "التحيات (للَّه) (٤) والصلوات والطيبات، والسلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه (وبركاته) (٥)، (السلام) (٦) علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبه قال الثوري.
وقال أبو علي في "الإفصاح": الأفضل أن يقول: "بسم اللَّه وباللَّه، التحيات المباركات الزاكيات، الصلوات، الطيبات" (ليجمع) (٧)
_________________
(١) (الصلوات): أنظر الدسوقي على "الشرح الكبير" ١/ ٢٥١، وفي أ: والصلوات.
(٢) (وبركاته): في الدسوقي على "الشرح الكبير" ١/ ٢٥١، وفي أ: ساقطة.
(٣) (وحده لا شريك له): في الدسوقي على "الشرح الكبير" ١/ ٢٥١.
(٤) (للَّه): في ب، جـ، وهو الصحيح، أنظر "مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر والمنتقى عليه" ١/ ١٠٠.
(٥) (وبركاته): وهو الصحيح، أنظر "مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر والدر المنتقى عليه" ١/ ١٠٠، وساقطة من أ.
(٦) (السلام): في ب، جـ، أنظر المرجع السابق، وفي أ: والسلام.
(٧) (ليجمع): في ب، جـ، وفي أ: ليجتمع.
[ ٢ / ١٢٧ ]
بين الألفاظ، وهذا غير صحيح، (لأن) (١) ذكر التسمية غير صحيح.
(وهل) (٢) يسن فيه الصلاة على رسول اللَّه -ﷺ-؟ فيه قولان:
قال في القديم: لا يسن.
وقال في الجديد: يسن فيه الصلاة على رسول اللَّه -ﷺ- ولا يزيد عليه.
وقال مالك: يدعو فيه بما شاء: كالتشهد الأخير.
ثم يقوم إلى الركعة الثالثة، ويبتدىء بالتكبير من ابتداء القيام ويمده إلى حال استوائه.
وحكي عن مالك أنه قال: لا يكبر حتى يستوي قائمًا.
ويعتمد على يديه في نهوضه، ويكره تقديم إحدى رجليه على الأخرى في نهوضه.
وحكي عن مالك أنه قال: لا بأس به.
(وحكي) (٣) عن مجاهد: أنه رخص فيه للشيخ، فإذا بلغ إلى آخر صلاته، يجلس للتشهد الأخير متوركًا، فيخرج رجليه من جانب وركه الأيمن، ويفضي بوركه (إلى) (٤) الأرض، وينصب رجله اليمنى.
_________________
(١) (لأن): ساقطة من ب.
(٢) (وهل): وفي جـ: فهل.
(٣) (وحكى): في أ، ب، وفي جـ: وروى.
(٤) (إلى): في ب، جـ، وساقطة من أ.
[ ٢ / ١٢٨ ]
وقال أبو حنيفة: يجلس مفترشًا في جميع جلسات الصلاة.
وهذا التشهد، والقعود فيه فرض، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: القعود بقدر التشهد واجب (١)، والتشهد فيه غير واجب.
وقال مالك: القعود والتشهد فيه جميعًا سنة، وروي ذلك عن الزهري.
ويصلي على النبي -ﷺ- فيقول: "اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم (٢)، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
والصلاة على النبي -ﷺ- في هذا التشهد واجبة، (وهو) (٣) قول أحمد في إحدى الروايتين عنه.
وقال أبو حنيفة: الصلاة على النبي -ﷺ- في الصلاة غير واجبة (٤)، وبه قال مالك (٥).
_________________
(١) لأن الصلاة على النبي -ﷺ- غير واجبة عندهم: إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك.
(٢) (إنك حميد مجيد): ساقطة من ب فقط، وموجودة في أ، جـ.
(٣) (وهو): في ب، جـ، وساقطة من أ.
(٤) وهي سنة عندهم، أنظر "مجمع الأنهر يشرح ملتقى الأبحر والمنتقى عليه" ١/ ١٠١.
(٥) وعند المالكية: الصلاة على النبي سنة أو فضيلة، الدسوقي على "الشرح الكبير" ١/ ٢٥١.
[ ٢ / ١٢٩ ]
وفي الصلاة على (آل) (١) النبي -ﷺ- وجهان:
أحدهما: لا تجب، وبه قال أحمد.
وآله -ﷺ-: بنو هاشم، وبنو المطلب، وقد نص الشافعي ﵀ على ذلك (٢).
وقيل: آله، أهل دينه وأمته، فإن قال صلى اللَّه على محمد، فقد حكي فيه وجهان، كما لو قال: عليكم السلام.
_________________
(١) (آل): ساقطة من أ، وفي ب، جـ: والصلاة على آله -ﷺ- وجهان.
(٢) آل النبي -ﷺ- المأمور بالصلاة عليهم فيهم ثلاثة أوجه: الأول: وهو الصحيح في مذهب الشافعية أنهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وهو الذي نص عليه الشافعي في حرملة. والثاني: أنهم عترته الذين ينسبون إليه -ﷺ-، وهم أولاد فاطمة ﵂ ونسلهم أبدًا. والثالث: أنهم كل المسلمين التابعين له -ﷺ- إلى يوم القيامة، واحتج أصحاب هذا الرأي:
(٣) بقوله تعالى ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ والمراد جميع أتباعه كلهم.
(٤) ويحتج لهم بقول اللَّه تعالى لنوح -ﷺ- ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ وقال: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ فأخرجه الشرك عن أن يكون من أهل نوح. . .، إلا أن الشافعي ﵁ أجاب عن هذا الرأي فقال: إن معنى الآية: أنه ليس من أهلك الذين أمرناك بحملهم، لأنه تعالى قال: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ فأعلمه أنه أمره أن لا يحمل من أهله من يسبق عليه القول من أهل معصيته بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، "المجموع" ٣/ ٤٤٨، ٤٤٩.
[ ٢ / ١٣٠ ]
ويدعو بما أحبّ من دين ودنيا (١).
وقال أبو حنيفة: لا يجوز له أن يدعو في صلاته إِلا بما يوافق لفظ القرآن والأدعية المأثورة عن النبي -ﷺ-، ولا يدعو بما يشبه كلام الآدميين.
ومن أصحابه من قال: ما لا يطلب إِلا من اللَّه، يجوز الدعاء به، وما يجوز أن يطلب من المخلوقين إِذا سأل اللَّه ذلك في الصلاة، بطلت صلاته.
ويكره أن يقرأ في التشهد، والركوع، والسجود، فإن قرأ، لم تبطل صلاته.
وحكي فيه وجه آخر: أنه إذا قرأ الفاتحة في هذا المحل بطلت صلاته.
_________________
(١) لما روى أبو هريرة: أن النبي -ﷺ- قال: "إذا تشهد أحدكم فليتعوذ من أربع: من عذاب النار، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال" رواه مسلم والبخاري، مسلم ٤/ ٨٧.
[ ٢ / ١٣١ ]