الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد -ﷺ-، وعلى آله، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وجزى اللَّه علماءنا خيرًا عن الإِسلام وأهله لما قدموه وبذلوه.
وبعد: فهذا كتاب (حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء) للشاشي القفال، حققت نسبته إلى صاحبه، وحققت ألفاظه ومعانيه، وحملت عبأه ما يزيد على ثلاث عشرة سنة، قمت فيه بنسخه بنفسي، ثم قارنته بالنسخ الأخرى وحدي، ثم قمت بشرحه، والتعليق عليه، وكان الكتاب يلازمني في كل وقت، وفي كل حال، من حل، وترحال وفي أثناء إجازتي بدون راتب للعمل في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم، كنت أعكف عليه في بيتي ثلاثة أيام من كل أسبوع، لأن الأستاذ في الجامعة يعطي يومًا للراحة من كل أسبوع، وأستفيد من يومي الخميس، والجمعة
[ ١ / ٧ ]
كعطلة رسمية للدولة، وبقية الأيام أستأنف العمل بعد الظهر بما يتسع لي من وقت إلى الفجر.
ثم يسر اللَّه لي إجازة تفرغ علمي من الجامعة الأردنية مدة سنة كاملة، أمضيت أيامها بعمل مستمر بدون كلل ولا ملل، ولست أبالغ إذا قلت: إن معدل اشتغالي بتحقيق هذا الكتاب في اليوم والليلة يزيد على عشر ساعات، جعل اللَّه ذلك في ميزان حسناتي يوم لا ينفع مال ولا بنون، ولا أقصد في ذلك إلا وجهه الكريم، وهو القادر على الجزاء.
أخي القارىء الكريم: عندما حققت الأجزاء الثلاثة الأولى، جعلت لها فهارس شاملة، وذكرت مراجع التحقيق خشية أن يحال بيني وبين إكمال الكتاب بحدوث عارض، أو بوقوع الأجل المحتوم، وعندما يسر اللَّه لي إكمال الكتاب، حذفت منه الفهارس، والمراجع، وزدت فيه، وأنقصت منه، وهذا شأن كل كاتب كما يقول الأصفهاني: (إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر).
والكتاب بين يديك أيها القارىء الكريم، فهو كتاب مقارن بين آراء أعلام الفقه الإِسلامي ومذاهبه، إذ يذكرها مجردة بدون ذكر الدليل، مما اضطرني لذكر أدلتهم النقلية، والعقلية، للأجزاء الخمسة الأخيرة، وأذكر مراجع الأدلة من كتب السنة النبوية المطهرة، وكتب الفقه المعتمدة، وكل ذلك أبينه في الهامش.
وكتاب (حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء) للشاشي القفال، يحقق، وينشر على الناس بكامله لأول مرة بعد تسعة قرون كاملة، ينشره من نذر نفسه لخدمة العلم، الفقير إلى اللَّه تعالى، من لم يجمعه
[ ١ / ٨ ]
بك زمان، ولا مكان، ولا دم، وإنما جمعه بك الإسلام، يخرجه من الظلام إلى النور في آلاف من النسخ، مصححة، مطبوعة، ميسرة سهلة للقارىء، بدلًا من نسخ مخطوطة، معدودة، معيبة غير ميسرة، دلالة على أن العمل الصالح يمكث في الأرض أبدًا، ومهما طال غيابه، واحتجابه عن الناس، فإن نوره يبقى مشعًا عليهم، وأما الزبد فيذهب جفاء.
وإذا كان القفال قد صنف هذا الكتاب، مبتغيًا الأجر والثواب، كما يقول: "استخرت اللَّه تعالى في كتاب جامع لأقاويل العلماء، تقربًا إلى اللَّه تعالى، وينتفع به كل ناظر فيه، فأرزق الأجر فيه، والثواب عليه إن شاء اللَّه تعالى" فإني لأرجو من اللَّه ﷾ أن يذكرك القارىء الكريم ويذكرني بصالح الدعاء، وأن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، فأجده في صحائف أعمالي، وأن يغفر لي ولوالدي ذنوبنا جميعًا، وأن ينزع من قلبي، وقلوب المسلمين العداوة، والبغضاء، والحسد، وأن يرزق من قرأ فيه، أو اطلع على جهدي في التحقيق، خير الدنيا والآخرة، وجزيل المغفرة، إنه الهادي إلى سبيل الرشاد، وهو الغفار الرحيم وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطاهرين آمين.
ذو القعدة ٣/ ١٤٠٧ هـ.
الموافق ٢٨/ ٦/ ١٩٨٧.
المحقق
الأستاذ المساعد: الدكتور ياسين أحمد إبراهيم درادكه
الجامعة الأردنية - كلية الشريعة
[ ١ / ٩ ]
عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إنما الأعمالُ بالنيّات، وإنما لكل امريء ما نوى، فَمَن كانَتْ هجرته إلى اللَّه ورَسوله فهجرَتُه إلى اللَّه ورَسولهِ، ومَنْ كانتْ هجرتُه لدنيا يُصيبها، أو امرأةٍ ينكحِها فهَجرَته إلى ما هاجر إليه".
حديث صحيح متُفَّق على صحته
[ ١ / ١٠ ]
لقد عبّر الجاحظ في كتابه (الحيوان) عن صعوبة إعادة النص، إذ يرى أن مشقة الكتابة الجديدة أيسر وأسهل من التصحيح والتنقيح، فقال: (لربما أراد مؤلف أن يصحح تصحيحًا أو كلمة ساقطة فيكون إنشاء عشر ورقات من حُرّ اللفظ، وشريف المعاني، أيسر عليه من إتمام ذلك النص، حتى يرده إلى موضعه من إتصال الكلام).
[ ١ / ١١ ]