إن الناظر في كتاب "حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء" يكاد لا يجد لها مثيلًا بين كتب الفقه الإِسلامي المقارنة المعروفة، فالحلية ليست موجزة إيجازًا شديدًا "كرُحمة الأمة في اختلاف الأئمة" لأبي عبيد اللَّه محمد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني الشافعي من علماء القرن الثامن الهجري، "والميزان الكبرى" للشعراني الشافعي من علماء القرن العاشر الهجري، و"كالإفصاح" لابن أبي هبيرة الحنبلي، وليست مطولة جدًا، ككتاب "المغني" لابن قدامة المقدسي، بل هي وسط بين هذا وذاك، وهي سهلة العبارة قريبة المنال، وتعتبر مرجعًا هامًا للناظر في كتب الفقه، ومن يريد المقارنة بين المذاهب فإنه يجد طلبته في "الحلية"، وقد فصل جميع الأقوال والأراء، وبحق بعد اطلاعي على ما كتب في الفقه المقارن لم أجد للحلية مثيلًا، وقد أعانني هذا المخطوط في كتابة رسالتي (الدكتوراه نظرية الغرر في الشريعة الإِسلامية) فكانت الحلية تضع لي الأساس في المقارنة والإِطار العام، وبعد هذا أرجع إلى
_________________
(١) "حلية العلماء" مخطوطة أ، جـ ١ ورقة ٢٧، وجه ب.
(٢) "حلية العلماء" مخطوطة أ، جـ ١، ورقة ٤٨، وجه أ.
[ ١ / ٤٣ ]
كتب المذاهب، ولا أخرج عن مقارنة القفال لأنه قد وضع جميع الأقوال.
والحلية تتصل اتصالًا ظاهرًا بكتاب "المهذب" للشيرازي، وكتاب "الحاوي" للماوردي، وكتابي الشيخ أبي نصر "الشامل" و"الكامل"، و"الجامع الصغير" و"الكبير" من كتب الحنفية: وقد رأيت كثيرًا من مسائله، قد نقلها الإِمام النووي ﵀ في كتابه "المجموع" شرح "المهذب"، ولا عجب في هذا، فإن القفال تلميذ أبي إسحاق الشيرازي، والنووي شارح "للمهذب"، وكثيرًا ما نجده يقول: قال القفال في الحلية "قال ثقة: ولغ الكلب في هذا الإِناء في وقت بعينه، وقال آخر: كان هذا الكلب في ذلك الوقت في مكان آخر، فوجهان محكيان في "المستظهري" وغيره، أصحهما أنه طاهر للتعارض كما سبق والثاني: نجس لأن الكلاب تشتبه، وقال صاحب "المستظهري" وهذا الوجه ليس بشيء (١).
وأرى بعض الأحيان، أنه ينقل عن المعتمد للشاشي شرح الحلية فيقول: والشاشي في كتابه المعتمد (٢) وقال: قال الإمام وهو اختيار القفال الشاشي (٣) وهكذا قول القفال (٤) وخلاف القفال والجمهور (٥) ويقول: وممن صححه الشاشي في كتابه "المعتمد" "والمستظهري" (٦)
_________________
(١) "المجموع" ١: ٢٣٥.
(٢) "المجموع" ١: ١٥٩.
(٣) "المجموع" ١: ١٧١.
(٤) "المجموع" ١٨١: ١.
(٥) "المجموع" ١: ١٨٢.
(٦) "المجموع" ١: ٢١٦.
[ ١ / ٤٤ ]
ورجحه صاحب "المستظهري" (١) قال: الخامسة: إذا اشتبه الماءان فتوضأ بأحدهما من غير اجتهاد، وقلنا: بالمذهب إنه لا يجوز من غير اجتهاد، فبان الذي توضأ به طاهر، فقد حكى الشاشي في كتابيه "المستظهري" ثم (المعتمد) أنه لا يصح وضوءه، في اختيار الشيخ أبي إسحاق المصنف لأنه متلاعب، فهو كالمصلي إلى جهة بغير اجتهاد، فإنه لا تصح صلاته بالاتفاق، وإن وافق القبلة، وكذا من صلى شاكًا في دخول الوقت بلا اجتهاد، فوافقه، لا تصح صلاته (٢).
وأما صلته بالحاوي، فأمر كثير لا نستطيع إحصاء ما نقله عن الحاوي منها، وذكر في الحاوي أنه إذا أطلع النجدي وقد جد التهامي لم يضم إليه، وإن أطلع النجدي قبل بدو الصلاح في التهامي ضم إليه، وإن أطلع بعد بدو الصلاح في التهامي، وقبل جداده، ففيه وجهان، وفي نفس الصفحة وذكر في الحاوي: أنه يجب زيادة على نصف العشر وإن قل، ويتوقف فيما زاد وليس بشيء (٣).
وأما صلته بالمهذب فهي صلة التلميذ البار بأستاذه، فقد رتب القفال كتابه وفق ترتيب المهذب، من حيث الأبواب، والفصول، إلّا أنه أراه تارةً يقدم تفصيل فرع على فرع، مع ملاحظة أن الشيرازي يكتفي بآراء الشافعية، والقفال يأتي بجميع آراء العلماء في المسألة، ولذا اعتذر عن ذكر نماذج من كتاب الحلية موافقًا للمذهب لكثرتها كما قلت سابقًا.
_________________
(١) "المجموع" ١: ٢٤٨.
(٢) "المجموع" ١: ٢١٦.
(٣) "حلية العلماء" ١: ١٢٤ ب من نسخة أ.
[ ١ / ٤٥ ]
وكتاب الحلية بحق هو حلقة هامة في سلسلة كتب الفقه الإسلامي، فهو واسطة العقد بين كتب السادة الشافعية مما يسبقه وما كتب بعده من كتب الشافعية، ولذا أرى أنه يستوفي آراء الشافعية في المسألة، ويكتفي أن يظهر آراء بقية بذكر أسمائهم فقط فيقول: وقال الحسن وابن سيرين، وقال أبو ثور، وقال عطاء، وقال مالك، وقال أبو يوسف، وقال أحمد، وقال أبو حنيفة، وعنه رواية أخرى إن كانت رواية ثانية لما ذكرتهم، وما ذكرته في صفحة واحدة (١).
أما فقهاء الشافعية فأذكر لك مسألة واحدة، قال القفال: (فأما آخر وقت التكبير، فقد نقل المزني ﵀، أنه يكبر إلى أن يخرج الإمام إلى الصلاة، وقال في رواية البويطي: إلى أن يفتتح الصلاة، وقال في القديم: إلى أن ينصرف الإِمام من الصلاة، وحكى الشيخ أبو حامد: والخطبتين، فمن أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أقوال على ظاهر النقل، ومنهم من قال: المسألة على قول واحد، أنه يكبر إلى أن يفتتح الإِمام الصلاة، وهل يسن التكبير المقيد في عيد الفطر؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه لا يستحب، وقيل: فيه قولان، قوله الجديد: إنه لا يستحب (٢).