نشأ الفقيه الشافعي في ميّافارقين، وتفقه على أبي عبد اللَّه محمد ابن بنان الكازروني (٥)، صاحب الإِبانة، وعلى القاضي أبي منصور الطوسي (٦)، صاحب أبي محمد الجويني (٧)، إلى أن عزل أبو منصور
_________________
(١) "طبقات الشافعية" للأسنوي: ٢/ ٨٦، "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي: ٤/ ٥٧.
(٢) "الأسنوي": ٢/ ٨٦، وفي السبكي الخامس عشر.
(٣) ويقول ابن خلكان: في باب شيراز.
(٤) "وفيات الأعيان": ٣/ ٣٥٦.
(٥) محمد بن بنان الكازروني: هو محمد بن بنان بن محمد الكازروني، نسبة إلى كازرون، مدينة بفارس بين البحر وشيراز، كان من أئمة الشافعية، سكن آمد، وقصده جماعة للاشتغال عليه، منهم: نصر المقدسي، وصاحب البحر، والشاشي صاحب الحلية، وحدَّث بدمشق عند وروده عليها للحجاز، وصنَّف كتابًا في الفقه سماه (الإبانة) ومات سنة خمس وخمسين وأربعمئة (الأسنوي: ٢/ ٣٤٧).
(٦) أبو منصور الطوسي: الإمام نجم الدين أبو منصور، محمد بن أسعد ابن محمد الطوسي، الفقيه الشافعي الأصولي الواعظ، تلميذ محيي السنة البغوي، وراوي كتابيه (شرح السنة) و(معالم التنزيل)، وقد دخل إلى بخاري وتفقه بها، ثم عاد إلى أذربيجان والجزيرة، وبَعُدَ صيته في الوعظ، توفي سنة ٥٧١ هـ. أنظر: "العبر": ٤/ ٢١٣.
(٧) الشيخ أبو محمد الجويني: هو عبد اللَّه بن يوسف بن عبد اللَّه الجويني، تفقه =
[ ١ / ٢٠ ]
عن قضاء ميّافارقين، ورجع إلى طوس، ورحل فخر الإسلام إلى العراق قبل وفاة الكازروني، ودخل بغداد ولازم الشيخ أبا اسحاق الشيرازي، صاحب التنبيه والمهذب وصار معيد درسه.
كانت بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية، ومركز العلم وموطن العلماء، يتوافدون إليها من كل الجهات، ويؤمها الطلاب من كل حدب وصوب، قاصدين طلب العلم، ومنتفعين من مكتباتها، ثم يعودون إلى بلادهم، أو يرتحلون إلى بلد آخر فيه العلماء، ولذا فإن طالب العلم ينتقل من مدينة إلى أخرى حيث توجد العلماء، ولذا فإن العصور السابقة كان العلم يقترن مع الترحال حيث تواجد العلماء، كما هو الشأن في وقتنا الحاضر، فإن طلابنا وأبناءنا يذهبون إلى أوروبا وأمريكا والقاهرة، حيث تتوفر فيها العلماء والمكتبات.
والقفال كبقية العلماء، فقد ارتحل إلى بغداد، وتفقه على يد أبي إسحاق الشيرازي وتفقه أيضًا على أبي نصر بن الصباغ (١) وقرأ كتابه (الشامل) في الفقه عليه، ثم شرحه في عشرين مجلدًا، وسماه (الشافي) ومات وقد بقي منه نحو الخمس (٢).
والإمام فخر الإِسلام قد جد واجتهد، حتى صار الإِمام المشار إليه
_________________
(١) = على أبي يعقوب الأبيوردي، ثم رحل إلى نيسابور، فلازم أبا الطيب الصعلوكي، ثم رحل إلى مرو لقصد القفَّال، فلازمه حتى صار بارعًا في جميع العلوم، ثم عاد إلى نيسابور وجلس للتدريس والفتوى، وكان إمامًا في التفسير والحديث والأدب، وكان الأئمة يعظمونه، يقول القشيري صاحب الرسالة: إن المحققين من أصحابنا يعتقدون في الشيخ أبي محمد من الكمال، أنه لو جاز أن يبعث اللَّه نبيًا لما كان إلا هو، توفي بنيسابور سنة ٤٣٨ هـ. انظر: "طبقات الشافعية للحسيني": ١٤٤ - ١٤٥، والسبكي: ٥/ ٧٣، و"مفتاح السعادة ومصباح السيادة": ٢/ ١٨٤، و"النجوم الزاهرة": ٥/ ٤٢، و"العبر": ٣/ ١٨٨.
(٢) ترجمة الشيرازي وابن الصباغ في أثناء التحقيق فانظر هناك.
(٣) الأسنوي ٢/ ٨٦.
[ ١ / ٢١ ]
وسمع الحديث من الشيخ محمد بن بنان الكازروني بميافارقين (١)، وأبي إِسحاق الشيرازي، وأبي جعفر بن محمد بن أحمد بن المسلمة (٢)، وأبي بكر الخطيب (٣)، وأبي الغنائم بن المأمون (٤)، وأبي يعلى بن الفراء (٥) وغيرهم ببغداد، وهياج بن محمد الحطيني بمكة (٦).
_________________
(١) قد مرت ترجمته سابقًا.
(٢) أبو جعفر بن محمد بن أحمد بن المسلمة: هو محمد بن محمد بن أحمد ابن المسلمة أبو علي بن أبي جعفر، ولد سنة إحدى وأربعمائة، وروى عن هلال الحفار وغيره، فروى عنه أشياخنا، وتوفي في رمضان سنة ٤٧٩ هـ، ودفن بباب حرب، وكان زاهدًا صموتًا ثقة "المنتظم في تاريخ الملوك والأمم" ٩/ ٣٣.
(٣) أبو بكر الخطيب: هو محمد بن عبد الكريم بن عبيد اللَّه بن محمد بن أحمد أبو بكر الخطيب السجزي ثم البلخي، ولي الخطابة ببلخ، وسمع من أبيه وغيره، وسمع بأصبهان من حمد وغيره بنيسابور من أبي الفتح الطوسي، وبالعراق من عاصم وغيره، وكان فقيهًا فاضلًا وتوفي سنة ٥١١ هـ، انظر "المنتظم في تاريخ الملوك والأمم" ٩/ ١٩٥.
(٤) أبو الغنائم بن المأمون: هو عبد الصمد بن علي بن محمد الهاشمي العباسي البغدادي، قال أبو سعد السمعاني: كان ثقة نبيلًا مهيبًا، تعلوه سكينة ووقار ﵀، توفي سنة ٤٦٥ هـ، وله تسع وثمانون سنة، سمع جده أبا الفضل بن المأمون، والدارقطني، وجماعة، أنظر "شذرات الذهب" ٣/ ٣١٩.
(٥) أبو يعلى بن الفراء: شيخ الحنابلة القاضي الحبر محمد بن الحسين ابن محمد بن خلف البغدادي صاحب التصانيف، وفقيه العصر، كان إمامًا لا يدرك قراره، ولا يشق غباره، عاش ثمانيًا وسبعين سنة، وحدث عن أبي الحربي، وأملى عدة مجالس، وولي قضاء الحريم، وتوفي سنة ٤٥٨ هـ. وتفقه على أبي عبد اللَّه بن حامد وغيره، وجميع الطائفة معترفون بفضله ومغترفون من بحره، أنظر "شذرات الذهب" ٣/ ٣٠٦.
(٦) هياج بن محمد الحطيني: أبو محمد هياج بن عبيد بن الحسين الحطيني، نسبة إلى حطين قرية من قرى الشام بين طبريا وعكا، كان فقيه الحرم في عصره، ورعًا زاهدًا ناسكًا، وكان يعتمر كل يوم ثلاث عمر على رجليه، ويدرس =
[ ١ / ٢٢ ]
وأما من روى عنه من العلماء فهم: أبو معمر الأزجي (١)، وأبو بكر بن النقور (٢) وشهدة الكاتبة (٣)، وأبو طاهر السلفي (٤)، وأبو طالب
_________________
(١) = لأصحابه عدة دروس، وكان يزور قبر النبي -ﷺ- كل سنة مرة من مكة، يمشي ذاهبًا وراجعًا، مات شهيدًا في وقعة وقعت بين أهل السنة والرافضة، فأحضره أمير مكة بن أبي هاشم، وضربه ضربًا شديدًا، وقد نيف على الثمانين سنة، فلما وصل إلى منزله مات في سنة ٤٧٢ هـ. الأسنوي ١/ ٤٢٧ - ٤٢٨.
(٢) أبو معمر الأزجي: أبو المعمر الأنصاري المبارك بن أحمد الأزجي الحافظ، سمع أبا عبد اللَّه النعالي فمن بعده، وكان سريع القراءة، معنيًا بالرواية، وله معجم في مجلد توفي سنة ٥٥٤ هـ، انظر "العبر" ٤/ ١٣٨.
(٣) أبو بكر بن النقور: هو عبد اللَّه بن محمد بن أبي الحسين أحمد بن محمد البغدادي البزاز، ثقة محدث من أولاد الشيوخ، سمع العلاف وأبا الحسين بن الطيوري وطائفة، وطلب بنفسه، مع الدين والورع والتحري، توفي سنة ٥٦٥ هـ، وله اثنتان وثمانون سنة، "العبر" ٤/ ١٩٠.
(٤) شهدة الكاتبة: هي شهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج الدينوري ثم البغدادي الكاتبة المسندة فخر النساء، كانت دينة عابدة صالحة، سمَّعها أبوها الكثير، وصارت مسندة العراق، وكانت ذات بر وخير، توفيت في أربع عشر المحرم، عن نيف وتسعين سنة في عام (٥٧٤) هـ، أنظر "شذرات الذهب" ٤/ ٢٤٨ وأنظر "ضبط الأعلام" لأحمد بن تيمور باشا: ٨٣.
(٥) أبو طاهر السلفي: هو أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سلفة الأصفهاني، وسلفة بكسر السين المهملة وفتح اللام: لفظ أعجمي، ومعناه بالعربي ثلاث شفاه، لأن شفته الواحدة كانت مشقوقة، خرج من بلده إلى بغداد، واشتغل بها في الفقه على الكيا الهراسي، ودخل الاسكندرية واستوطنها، وبنى بها العادل بن سلار وزير الظافر العبيدي مدرسته، ولد بأصبهان سنة ٤٧٢ هـ، وتوفي بالإسكندرية ٥٧٦ هـ، أنظر "الأسنوي" ٢/ ٥٨ - ٥٩، وأنظر "الأعلام" ١/ ٢٠٩، و"العبر" ٤/ ٢٢٧، و"ميزان الاعتدال" ١/ ١٥٥، و"تذكرة الحفاظ" ٤/ ١٢٩٨.
[ ١ / ٢٣ ]
ابن العجمي (١)، وغيرهم.
وفي بغداد، كان فخر الإسلام ﵀، يدرس في مدرسة لطيفة بناها لنفسه في (قراج ظفر)، فلما بنى تاج الملك أبو الغنائم (٢) مدرسة بباب برز، رتبه مدرسًا فيها سنة أربع وخمسمائة إلى حين وفاته سنة خمسمائة وسبع (٣).
والمدرسة النظامية التي بناها تاج الملك قد تولى التدريس بها قبله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وأبو نصر بن الصباغ صاحب الشامل، وأبو سعد المتولي (٤) صاحب تتمة الإبانة، وأبو حامد الغزالي (٥)، ويقول
_________________
(١) أبو طالب بن العجمي: عبد الرحمن بن الحسن الحلبي، الفقيه الشافعي، تفقه ببغداد على الشاشي، وأسعد الميهني، وسمع من ابن بنان، وله بحلب مدرسة كبيرة، عاش إحدى وثمانين سنة، ومات في شعبان سنة ٥٦١ هـ، أنظر "العبر" ٤/ ١٧٤، ١٧٥.
(٢) تاج الملك أبو الغنائم: هو المرزبان بن خسرو أبو الغنائم، المسمى تاج الملك، وهو الذي بنى التاجية ببغداد، وبنى تربة أبي إسحاق، وعمل لقبره ملبنًا، وكان قد زعم ملك شاه أن يستوزره بعد النظام فهلك ملك شاه، فتولى أمر ابنه محمود وخرج ليقاتل بركيا روق فقتل، وقطعه غلمان النظام إربًا إربًا، لما كانوا ينسبون اليه من قتل النظام، ومثلوا به، وذلك في ذي الحجة من سنة ٤٨٥ هـ، انظر "المنتظم" ٩/ ٧٤، وانظر "شذرات الذهب" ٤/ ٣١٩.
(٣) "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي ٤/ ٥٨.
(٤) أبو سعد المتولي: عبد الرحمن بن مأمون النيسابوري، شيخ الشافعية، تفقه بمرو علي الفوراني، وبمرو الروذ علي القاضي حسين، وتلميذ القاضي حسين، وهو صاحب التتمة، تمم به الإبانة لشيخه أبي القاسم الفوراني، وبرع في الفقه والأصول والخلاف، قال الذهبي: كان فقيهًا محققًا وحبرًا مدققًا، وقال ابن كثير: هو أحد أصحاب الوجوه في المذهب، توفي سنة ٤٧٨ هـ "شذرات الذهب" ٤/ ٣٥٨.
(٥) الغزالي: أبو حامد محمد بن أحمد الغزالي الطوسي، قال الخفاجي في "نسيم =
[ ١ / ٢٤ ]
ابن خلكان: وحكى لي بعض المشايخ من علماء المذهب أنه يوم ذكر الدرس، وضع منديله على عينيه، وبكى كثيرًا وهو جالس على السدة التي جرت عادةً المدرسين بالجلوس عليها، وأنشد:
خلت الديار فسدت غير مسود ومن العناء تفرُّدي بالسؤددِ
وجعل فخر الإسلام يردد هذا البيت ويبكي، وهذا إنصاف منه، واعتراف لمن تقدمه بالفضل والرجحان عليه (١).
قال أبو القاسم الزنجاني (٢): كان أبو بكر الشاشي يتفقه معنا، وكان يسمى الجنيد (٣) لدينه وورعه وعلمه وزهده.
_________________
(١) = الرياض شرح شفاء القاضي عياض" في ترجمته ما نصه: صاحب المؤلفات الجليلة الذي على كاهله فقه الشافعي، ولد بطوس سنة ٤٥٠ هـ، وصار مدرسًا بالمدرسة النظامية في بغداد، وأقام بدمشق عشر سنين، وتعلم على يد إمام الحرمين، والنصر المقدسي، وتوفي سنة ٥٠٥ هـ، عن خمس وخمسين سنة، ودفن بطوس، قال ابن تيمية بضاعته في الحديث مزجاة، ولذا أكثر من إيراد الموضوعات في كتبه، وأثر فيها من مقالات الفلاسفة، حتى قال صاحبه أبو بكر ابن العربي مع شدة تعظيمه له: شيخنا أبو حامد دخل الفلسفة، ثم أراد أن يخرج منها فما قدر، هذا وقد توفي وكتاب صحيح البخاري على صدره، انظر "التاج المكلل" ٣٨٨، ٣٨٩/ "ومفتاح السعادة ومصباح السيادة" ٢/ ٣٣٢، ٣٥٠.
(٢) "وفيات الأعيان" ٣/ ٣٥٦، ٣٥٧.
(٣) أبو القاسم الزنجاني: هو يوسف بن علي بن محمد بن الحسين الزنجاني نسبة إلى (زنجان) بلدة على حد أذربيجان من بلاد الجبل، وكنيته أبو القاسم، كان من أئمة أصحاب الشافعي وفحول النظار، إمامًا في الفقه، مرضي الطريقة، وكان الهراسي يفضله على جميع فقهاء بغداد، ويكتب تحت خطه في الفتاوى ويقول: لو كان بخراسان لرحلوا إليه، ولد سنة ٤٣٩ هـ، وتوفي سنة ٥٠٠ هـ، أنظر "الأسنوي" ٢/ ٦، "والمنتظم" ٩/ ١٥٤، ١٥٥، "والسبكي" ٥/ ٣٦٢.
(٤) الجنيد: هو أبو القاسم جنيد محمد بن جنيد النهاوندي، ثم البغدادي، أصله =
[ ١ / ٢٥ ]
ومدحه تلميذه أبو المجد معدان بن كثير البالسي (١) بقصيدة يقول فيها:
يا كعبة الفضل افتنا لِمَ لمْ يجبْ شرعًا على قصادك الإِحرامُ
ولما تضمخ زائريك بطيب ما تلقيه وهو على الحجيج حرامُ
وفخر الإِسلام ﵀ له شعر حسن، ومنه:
لو قيل لي، وهجر الصيف متقد وفي فؤادي جوى للحر يضطرمُ
أهم أحبُّ إليك اليوم تشهدهم أم شربة من زلال الماء قلت: هم (٢)
_________________
(١) = من نهاوند ومولده ومنشؤه ووفاته ببغداد، كان إمامًا عالمًا مبرزًا في العلم والعمل، شيخ الزهاد والسالكين، تفقه على أبي ثور أحد أصحاب الشافعي ببغداد، وكان يفتي على مذهب الشافعي قال ذات يوم: ما أخرج اللَّه إلى الأرض علمًا، وجعل لخلقه إليه سبيلًا، إلا جعل لي فيه حظًا ونصيبًا. توفي ﵀ يوم السبت في شوال سنة ثمان وتسعين ومائتين، وعده العلماء شيخ مذهب التصوف لضبط مذهبه بقواعد الكتاب والسنة، ولكونه مصونًا من العقائد الذميمة، سالمًا من كل ما يوجب اعتراض الشرع، "طبقات الشافعية" لهداية اللَّه الحسيني ٣٩، "ووفيات الأعيان" ١/ ٣٢٣، وانظر "ضبط الأعلام" لأحمد بن تيمور باشا: ٣٢.
(٢) معدان البالسي: أبو المجد معدان بن كثير بن الحسن البالسي، نسبة إلى بالس بلدة بالشام بين حلب والرقة، كان فقيهًا بارعًا، شاعرًا، ورعًا، مسنًا، له معرفة تامة باللغة والأدب، ورد بغداد وتفقه بها على الشاشي صاحب الحلية حتى برع، وسمع بها من جماعة، مدح شيخه الشاشي بقصيدة مطلعها: يا كعبة. . . ثم رجع إلى بلدة بالس وأقام بها إلى أن توفي تقريبًا سنة ٥٤٠ هـ، أنظر "الأسنوي" ١/ ٢٤٨، ٢٥٠.
(٣) "الأسنوي" ٣/ ٨٧.
[ ١ / ٢٦ ]
ومن شعره أيضًا:
تعلَّم يا فتى والعود رطب وطينك لين والطبع قابلْ
فحسبك يا فتى شرفًا وفخرًا سكوت الحاضرين وأنت قائل (١)
ووقع بين فخر الإسلام وبين القاضي الدامغاني (٢)، فأنشأ فيه الشاشي:
حجاب وإعجاب وفرط تصلف ومدُّ يد نحو العُلى بتكلُّف
ولو كان هذا من وراء كفاءة لهان، ولكن من وراء تكلف
_________________
(١) "المنتظم في تاريخ الملوك والأمم" ٩/ ١٧٩.
(٢) القاضي الدامغاني: هو علي بن محمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبد الملك بن حموية الدامفاني، أبو الحسن بن عبد اللَّه قاضي القضاة ابن قاضي القضاة، ولد في رجب سنة ٤٤٩ هـ وشهد عند أبيه أبي عبد اللَّه في سنة ٤٦٦ هـ، وفوض إليه القضاء بباب الطاق، واشتغل بالعلم، فقلده المستظهر قضاء القضاة في سنة ثمان وثمانين، ثم أقره المسترشد، ويروي الأزد: دخل أبو بكر الشاشي على قاضي القضاة الدامغاني زائرًا له، فما قام قاضي القضاة، فرجع الشاشي وما قعد، وكان ذلك في سنة نيف وثمانين، فما اجتمعا إلا بعد سنة خمسمائة في عزاء لابن الفقيه، فسبق الشاشي فجلس، فلما دخل الدامغاني قام الكل سوى الشاشي، فإنه ما تزحزح فكتب قاضي القضاة إلى المستظهر يشكو الشاشي، أنه ما احترم نائب الشرع، فكتب المستظهر ماذا أقول له؟ أكبر منك سنًا، وأفضل منك، وأورع منك، لو قمت له كان يقوم لك، وكتب الشاشي إلى المستظهر يقول: فعل في حقي وصنع، ووضع مرتبة العلم والشيوخة، وكتب في أثناء القصة البيتين: حجاب و. فكتب المستظهر في قصته: يمشي الشاشي إلى الدامغاني ويعتذر، فمضى امتثالًا للمراسم وكنا معه، فقام الدامغاني قيامًا تامًا وعانقه، واعتذر إليه، وجلسا طويلًا يتحدثان، وكان القاضي يقول: تكلم والدي في المسألة الفلانية، توفي سنة ٥١٣ هـ، "المنتظم" ٩/ ٢٠٨، ٢٠٩، وأنظر "شذرات الذهب" ٤/ ٤٠.
[ ١ / ٢٧ ]