فِي الْقُنُوتِ.
وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ، فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الصُّبْحِ، وَكَذَلِكَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الْوَتْرِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَفْظُهُ: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فَيَمُنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِّي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي، وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكَتْ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ) هَذَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَزَادَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ: (وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ) قَبْلَ (تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ) وَبَعْدَهُ: (فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا قَضَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ) .
[ ١ / ٢٥٣ ]
قُلْتُ: قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا: لَا بَأْسَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ، وَالْبَنْدَنِيجِيُّ، وَآخَرُونَ: مُسْتَحَبَّةٌ، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَغْلِيطِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، فِي إِنْكَارِ (لَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ) وَقَدْ جَاءَتْ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ كَانَ إِمَامًا لَمْ يَخُصَّ نَفْسَهُ، بَلْ يَذَكُرْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَهَلْ تُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَهُ؟ وَجْهَانِ:
الْأَصَحُّ: تُسَنُّ، وَهَلْ تَتَعَيَّنُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ فِي الْقُنُوتِ؟ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَتَعَيَّنُ، كَكَلِمَاتِ التَّشَهُّدِ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجَمَاهِيرُ: لَا تَتَعَيَّنُ.
وَعَلَى هَذَا، لَوْ قَنَتَ بِمَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ ﵁، كَانَ حَسَنًا، وَحُكِيَ وَجْهٌ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ لَا يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ، وَهَذَا غَرِيبٌ، وَغَلَطٌ. أَمَّا غَيْرُ الصُّبْحِ مِنَ الْفَرَائِضِ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
الْمَشْهُورُ: أَنَّهُ إِنْ نَزَلَ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ، كَالْوَبَاءِ وَالْقَحْطِ، قَنَتُوا، وَإِلَّا فَلَا، وَالثَّانِي: يَقْنُتُونَ مُطْلَقًا، وَالثَّالِثُ: لَا يَقْنُتُونَ مُطْلَقًا.
ثُمَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ الْكَلَامَ وَالْخِلَافَ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ، إِنَّمَا هُوَ فِي الْجَوَازِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْعُرُ إِيرَادَهُ بِالِاسْتِحْبَابِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ، اسْتِحْبَابُهُ، وَصَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ (الْعُدَّةِ) وَنَقَلَهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي (الْإِمْلَاءِ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، هَلْ يَجْهَرُ بِالْقُنُوتِ؟ وَجْهَانِ:
أَصَحُّهُمَا: الْجَهْرُ، وَالثَّانِي: لَا، كَالتَّشَهُّدِ، وَالدَّعَوَاتِ وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَيُسِرُّ بِهِ قَطْعًا. ذَكَرَهُ الْبَغَوَيُّ. وَأَمَّا الْمَأْمُومُ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجْهَرُ الْإِمَامُ، قَنَتَ، وَإِنْ قُلْنَا: يَجْهَرُ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُؤْمِنُ، وَلَا يَقْنُتُ.
وَالثَّانِي: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ التَّأْمِينِ وَالْقُنُوتِ. فَعَلَى الْأَصَحِّ: هَلْ يُؤَمِّنُ فِي الْجَمِيعِ؟ وَجْهَانِ:
الْأَصَحُّ، يُؤَمِّنُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي هُوَ دُعَاءٌ، وَأَمَّا الثَّنَاءُ، فَيُشَارِكُهُ فِيهِ، أَوْ يَسْكُتُ.
وَالثَّانِي: يُؤَمِّنُ فِي الْجَمِيعِ. فَإِنْ كَانَ لَا يَسْمَعُ الْإِمَامَ لِبُعْدٍ، أَوْ غَيْرِهِ وَقُلْنَا: لَوْ سَمِعَ لَأَمَّنَ، فَهُنَا وَجْهَانِ:
[ ١ / ٢٥٤ ]
أَحَدُهُمَا: يَقْنُتُ، وَالثَّانِي: يُؤَمِّنُ كَالْوَجْهَيْنِ فِي قِرَاءَةِ السُّورَةِ إِذَا لَمْ يَسْمَعِ الْإِمَامَ، وَأَمَّا غَيْرُ الصُّبْحِ إِذَا قَنَتَ فِيهَا، فَالرَّاجِحُ أَنَّهَا كُلَّهَا كَالصُّبْحِ سِرِّيَّةً كَانَتْ، أَوْ جَهْرِيَّةً.
وَمُقْتَضَى إِيرَادِهِ فِي (الْوَسِيطِ) أَنَّهُ يُسِرُّ فِي السِّرِّيَّةِ، وَفِي الْجَهْرِيَّةِ الْخِلَافُ، وَهَلْ يُسَنُّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الْقُنُوتِ، وَمَسْحُ الْوَجْهِ بِهِمَا إِذَا فَرَغَ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ:
أَصَحُّهَا: يُسْتَحَبُّ الرَّفْعُ، دُونَ الْمَسْحِ.
وَالثَّانِي: يُسْتَحَبَّانِ، وَالثَّالِثُ: لَا يُسْتَحَبَّانِ.
قُلْتُ: لَا يُسْتَحَبُّ مَسْحُ غَيْرِ وَجْهِهِ قَطْعًا.
بَلْ نَصَّ جَمَاعَةٌ عَلَى كَرَاهَتِهِ.
وَلَوْ قَنَتَ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ يَنْوِي بِهَا الْقُنُوتَ، وَقُلْنَا: لَا يَتَعَيَّنُ لَهُ لَفْظٌ، فَإِنْ تَضَمَّنَتِ الْآيَةُ دُعَاءً أَوْ شِبْهَهُ كَانَ قُنُوتًا، وَإِنْ لَمْ تَتَضَمَّنْهُ كَآيَةِ الدَّيْنِ وَ(تَبَّتْ) فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا فِي (الْحَاوِي) الصَّحِيحُ: لَا يَكُونُ قُنُوتًا، وَلَوْ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ، فَإِنْ كَانَ مَالِكِيًّا يَرَى ذَلِكَ أَجْزَأَهُ.
وَإِنْ كَانَ شَافِعِيًّا لَا يَرَاهُ، لَمْ يُحْسَبْ عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ يُعِيدُهُ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ، وَهَلْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؟ وَجْهَانِ:
الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ فِي (الْأُمِّ): يَسْجُدُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.