وهو لغةً: القصد. وشرعًا: إيصال التراب إلى الوجه واليدين بشرائط تأتي.
وهو رخصة مطلقًا إلا في العاصي بسفره، فعلى خلاف يأتي، وصح بالتراب المغصوب؛ لأنه آلة للرخصة لا سببها، ومن خصائصنا؛ لخبر: "جعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وتربتها طهورًا"، وفُرض سنة أربع أو خمس أو ست، ويختص بالوجه واليدين وإن كان لحدث اكبر.
(يتيمم المحدث والجنب) والحائض والنفساء ومأمور بطهر مسنون عن غير نجس والميت.
(لفقد الماء، والبرد، والمرض) أي: لواحد منها، ويكفي في كل منها غلبة الظن.
قال في "التحفة": وجعل هذه أسبابًا؛ نظرًا إلى الظاهر أنها المبيحة له، فلا ينافي أن المبيح له هو: العجز عن استعمال الماء حسًا أو شرعًا، وتلك أسباب للعجز.
تنبيه: أراد المصنف بالفقد: الحسيّ فقط، لا ما يشمل الشرعي، وإلاَّ .. كان ذكره السببين بعده تكرارًا.
قال في "التحفة": فالحسي: ما تعذر استعماله حسًا، ويؤيده قولهم في راكب بحر خاف من الاستقاء منه: لا إعادة عليه؛ لأنه عادم للماء.
ويترتب على كون الفقد هنا حسيًا: صحة تيمم العاصي بسفره حينئذٍ؛ لأنه لما عجز عن استعمال الماء حسًا .. لم يكن لتوقف صحة تيممه على التوبة فائدة، بخلاف ما إذا كان مانعه شرعيًا كعطش ومرض.
وعبارة "المجموع": (لا يتيمم لعطشٍ عاص بسفره قبل التوبة اتفاقًا، وكذا من به قروح وخاف من استعمال الماء الهلاك؛ لأنه قادر على التوبة واجد للماء) اهـ
فالفقد في كلام المصنف لم يشمل التيمم لنحو الحاجة إلى الماء أو إلى ثمنه، فيكون قد أخل به فلذا كان تعبير "المنهج" بالعجز عن استعمال الماء -أي: حسًا أو شرعًا-
[ ١٤٧ ]
أولى؛ لأنه شامل لجميع أسباب التيمم، وجعل في "الروضة" كأصلها أسباب العجز المذكورة سبعة، والأولى كونها: خمسة، أحدها: الفقد الحسي، وقد أشار إليه بقوله: (فإن تيقن) من ذكر من المحدث والجنب (فقد الماء) ولو بخبر عدل عند (م ر)، وإن كان الفقد بفعله كأن أتلف الماء، لا إن باعه في الوقت؛ لعدم صحة البيع (.. تيمم بلا طلب)؛ لأنه حينئذٍ عبث.
(وإن توهم) وجود (الماء، أو ظنه، أو شك فيه) .. وجب طلبه لكل تيمم في الوقت ولو بنائبة الثقة، أو من وقع في القلب صدقه وإن أنابه جمع ولو قبل الوقت؛ لآية (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [النساء: ٤٣]؛ إذ لا يقال لمن لم يطلب: لم يجد، ولأنه طهارة ضرورة ولا ضرورة مع إمكان الطهر بالماء، وإنما لم يجب طلب المال للحج والزكاة؛ لأنه شرط للوجوب، وهو لا يجب تحصيله، وما هنا شرط للانتقال عن الواجب إلى بدله، فلزم، كطلب الرقبة في الكفارة، وإنما منعت الإنابة في القبلة؛ لأن مدارها على الاجتهاد، وهو يختلف باختلاف الأشخاص، بخلاف الفقد هنا، فإنه حسي لا يختلف.
وإنما يحصل الطلب إن (فتش) بنفسه أو نائبه (في منزله وعند رفقته) المنسوبين لمنزله عادة إن جوز وجود ماء عندهم، وبذلهم له ولو بأن ينادي: من معه ماء يجود به ولو بالثمن؛ لا كل القافلة إن فحش كِبرُها، ثم نظر حوليه من الجهات الأربع إن كان بمستو، ويمعن نظره في موضع خضرة وطير، وإلا .. صعد مرتفعًا ونظر (و) إن احتاج لنحو شجر إلى تردد .. (تردد) من كل جهة (قدر حد الغوث) وهو: ثلاث مئة ذراع، (فإن لم يجد) الماء فيما ذكر (.. تيمم)؛ لتحقق الفقد حينئذٍ، ولو طلبه لفائتة أو نافلة لو لعطش، فلم يجده، فلما فرغ من الطلب دخل وقت حاضرة .. تيمم بلا طلب، ولو مكث موضعه بعد التيمم ولم يتيقن فقد الماء .. وجب الطلب لكل تيمم يطرأ، ولو خفيت عليه بئر عند تيممه، ثم علمها .. فلا قضاء لما صلاه به قبل علمه بها، كما لو ورث ماء، وتيمم مع عدم علمه به.
(وإن تيقن وجود الماء) أي: وثق به بحسب العادة، أو بخبر ثقة، أو من وقع في قلبه صدقة (.. طلبه) وجوبًا إن كان (في حد القرب) وهو قرب نصف فرسخ (وهو ستة آلاف خطوة)؛ إذ الفرسخ: ثلاثة أميال، والميل: أربعة آلاف خطوة، قال
[ ١٤٨ ]
الشرقاوي: وهو بسير الأثقال: إحدى عشرة درجة وربع؛ وذلك أنهم يقصدون ما ذكر لدنياهم من نحو احتطاب، فلدينهم أولى.
(فإن كان) الماء (فوق حد القرب) ويسمى حد البعد (.. تيمم) أي: جاز له التيمم وان علم وصوله في الوقت للمشقة في قصده.
(و) لكن (الأفضل) لمسافر، ومثله عار وعاجز عن قيام ومنفرد (تأخير الصلاة إن تيقن وصول الماء) أي: القدرة عليه أو على السترة أو القيام أو الجماعة (آخر الوقت) وقد بقي ما يسع جميع الصلاة وطهرها فيه؛ لما في ذلك من مزيد الفضل، وهذا إن لم تقترن بالتقديم فضيلة كالجماعة يخلو عنها التأخير، وإلاَّ .. فهو أفضل.
نعم؛ الأفضل أن يصليها أول الوقت بالتيمم، وآخره بالماء، أمَّا إذا لم يتيقنه .. فالتعجيل أفضل.
نعم؛ يسن تأخير لم يفحش عرفًا لظان جماعة، أو غيرها -مما مر- أثناء الوقت.
ولو علم ذو النوبة من متزاحمين على بئر أو سترة أنها لا تأتيه إلا بعد خروج الوقت .. صلى بلا إعادة؛ لأنه عاجز حالًا حسًا، والقدرة لا تعتبر بعد الوقت، بخلاف من به خبث، وعنده ماء لو غسله به .. خرج الوقت، فيسعى في تطهيره؛ لأنه غير عاجز حالا.
وخرج بتقيدي الأفضلية بـ (المسافر) -وهو من بمحل لا يغلب فيه وجود الماء وإن كان مقيما- المقيم وهو من بمحل يغلب فيه وجوده، وإن كان مسافرًا .. فيجب عليه التأخير جزمًا وإن خرج الوقت.
والثاني من الأسباب: الخوف من طلبه، كما قال:
(ولا يجب طلبه) أي: الماء (في حد الغوث وحد القرب إلا إذا أمن نفسًا) وعضوًا وبضعًا (ومالًا) واختصاصًا محترمات ولو لغيره، نعم إن تيقن وجوده .. لم يعتبر الأمن على الاختصاص، والمال الذي يجب بذله لماء الطاهر ثمنًا أو أجرة؛ لأنه ذاهب على كل تقدير، والاختصاص وإن كثر دانق خير منه.
(و) أمن (انقطاعًا عن الرفقة) وإن لم يستوحش، وفارق الجمعة بأنها لا بدل لها، ولا تتكرر كل يوم.
[ ١٤٩ ]
(وخروج وقت) لصلاة مسافر، وإلاَّ كأن نزل آخره -ولو قصده .. وخاف فوته- تيمم وصلى ولا قضاء، بخلاف من معه ماء لا يحتاج في تحصيله إلى طلب، كأن كان في منزله -ولو فوق حد الغوث- فيستعمله وإن خرج الوقت، وما ليس في منزله ليس في يده، فلا يعد واجدًا له وإن قرب، بل يتيمم -كما في "الايعاب" وغيره- إن كان قصده .. يخرج الوقت، لكن في كلام الشرقاوي، و(ب ج) وغيرهما: أنه لو تيقن الماء في حد الغوث، فإنه كالذي معه الماء، فلا يشترط حينئذٍ الأمن على خروج الوقت.
ويؤيده قولهم: (ولو انتهى إلى المنزل في آخر الوقت، والماء بحد القرب ولو قصده خرج الوقت .. تيمم ولا قضاء)؛ لأن ظاهره أن قولهم: (والماء بحد القرب) قيد يخرج به ما لو كان بحد الغوث .. فيجب قصده، أمَّا المقيم .. فيقصد الماء وإن خرج الوقت كالعاصي بسفره، قال (سم): ولو فوق حد القرب ما لم يعد قصده سفرا).
(فإن وجد ماء لا يكفيه) لطهره (.. وجب) عليه (استعماله)؛ إذ الميسور لا يسقط بالمعسور، وإنما لم يجب شراء بعض الرقبة في الكفارة؛ لأنه ليس برقبة وبعض الماء ماء، والتراب كالماء. (ثم) بعد استعماله في بعض ما يريد تطهيره (تيمم) عن الباقي؛ إذ لا يتحقق الفقد المجوز للتيمم إلا بعد استعماله.
نعم؛ الترتيب واجبٌ في محدث، سنة في نحو جنب.
ولو كان عليه حدث وخبث، ومعه ما يكفي أحدهما فقط .. قدم الخبث؛ إذ لا بدل له وإن كان مقيما عند (م ر).
(ويجب) بعد دخول الوقت (شراؤه) أي: الماء، وكذا التراب ولو ناقصًا، وبمحل لا يسقط به الفرض، وشراء نحو دلو، واستئجاره، كما يلزمه شراء ساتر العورة فإن امتنع صاحبه من بيعه بثمن مثله ولو تعنتا .. لم يجبر عليه لطهر، وأجبر عليه لعطش محترم إن لم يحتجه مالكه لذلك حالًا، وله حينئذٍ مقاتلته عليه، فإن قتله .. فهدر، وإنما يجب ما ذكر لما يكفي الواجب فقط، و(بثمن) أو أجرة (مثله) وهو ما يرغب به زمانًا ومكانًا ما لم ينته الأمر لسد الرمق؛ إذ قد تساوي الشربة حينئذٍ دنانير ولا يكلف الزيادة على ذلك وإن قلَّت، نعم؛ الزيادة في المؤجل التي لا تعد فيه غبنًا يكلفها، وهذا (إن لم يحتج إليه) أي: الثمن أو الأجرة (لدين) عليه ولو مؤجلًا، و(مستغرقٍ) صفة.
[ ١٥٠ ]
لازمة؛ إذ من لازم الاحتياج إليه لأجله استغراقه (أو مؤنة سفره) المباح ذهابًا وإيابًا على التفصيل في الحج.
ولذا اعتبرت هنا الحاجة للمسكن والخادم أيضًا، ويعتبر في المقيم الفضل عن يومه وليلته كالفطرة (أو نفقة) أي: مؤنة (حيوان) من آدمي وغيره وإن لم يكن له ولا معه؛ لأن هذه الأمور لا بدل لها، بخلاف الماء (محترم) وهو من حرم قتله كذمي وكلب غير عقور، بخلاف نحو مرتد وحربي وتارك صلاة -بشرطه الآتي- وزان محصن وكلب عقور، فلا يجوز لغير محترم شرب الماء، ويتيمم، ويحتمل خلافه؛ إذ لا يجوز له قتل نفسه، واستقربه في "الايعاب"، نعم إن كان إهداره يزول بتوبته كمرتد .. امتنع عليه شربه؛ لقدرته على التوبة المبيحة لترخصه، بخلاف نحو الزاني المحصن.
(ويجب) في الوقت إن تعين طريقًا، ولم يحتجه مالكه، وجوز بذله ولم يضق الوقت عن طلبه (طلب هبة الماء) وقرضه (واستعارة) نحو (دلو) ورشاء وقبولها إذا عرضت عليه؛ إذ لا تعظم المنة فيها ولم ينظروا لاحتمال تلف المعار، ووجوب غرم ثمنه مع زيادته على ثمن الماء؛ لأن الأصل السلامة، فإن لم يطلب أو يقبل .. أثم، ولم يصح تيممه ما دام الماء بحد القرب (دون اتهاب ثمنه) أي: ما ذكر من الماء، ونحو الدلو وأجرته واقتراض ثمن الماء، ونحو دلو؛ لثقل المنة فيه، وساتر العورة -فيما ذكر- كالدلو.
المبيح الثالث: الجهل بالماء ونسيانه: فإذا نسي بئرًا بمحل نزوله أو ماء في رحلة أو ثمنه أو أضلهما، وتيمم وصلى، ثم تذكره أو وجده .. أعاد الصلاة، وإن أمعن الطلب؛ لوجود الماء مع نسبته إلى تقصير.
فإن أضل رحله الذي فيه نحو الماء في رحال، وأمعن الطلب، أو أُدرج في رحله ولم يعلمه، أو خفيت عليه بئر في موضعه، وتيمم وصلى .. فلا إعادة؛ إذ من شأن مخيم الرفقة أنه أوسع من مخيمه، فكان التقصير فيه أبعد، ولا ينافي وجوب القضاء -فيما مر- كونه مبيحًا لجواز التيمم، بل وجوبه معه على أنه يمكن دخوله في فقد الماء، كما يمكن دخول الثاني في الخامس، فترجع الأسباب إلى ثلاثة كما في "المنهاج".
[ ١٥١ ]
تنبيه: مر عن "التحفة" أن المراد بالفقد الحسي: تعذر استعمال الماء حسًا وإن كان موجودا، كما في راكب سفينة خاف غرقًا من أخذه من البحر، وعليه فهذا السبب من الفقد الحسي أيضًا.
وأما الثاني .. فمنه شرعي كخوف خروج الوقت، والانقطاع عن الرفقة، ومنه: حسي كالخوف من نحو سبع، لكن نقل (ب ج) عن (ق ل)، و(ح ف): أن ذلك من الشرعي، ويمكن أن يقال: إن نحو السبع مانع حسي من حيث أنه مانع له منه، وشرعي؛ لكون الشرع مانعًا له منه.
المبيح الرابع: الحاجة إلى الماء، كما قال:
(ولو كان معه ماء يحتاج إليه لعطش حيوان محترم) بأن يخشى عليه من العطش مرضًا أو غيره مما يأتي، وإن كان غير آدمي، أو لغيره، أو لم يكن معه (ولو في المستقبل) وإن ظن وجود الماء فيه (.. وجب التيمم) وكالاحتياج إليه لعطش الاحتياجُ لبيعه لطعم محترم، أو لنحو دين عليه، أو لغسل نجاسة، ومع الاحتياج إليه لذلك يحرم الطهر به وإن قل ما توهم احتياج محترم في القافلة إليه وإن كبرت جدًا، وكثير يتوهمون أن الطهر به حينئذٍ قربة، وهو من إفراط قبحهم وجهلهم، ولا يكلف الطهر به وجمعه لشرب غير دابة؛ لاستقذاره، ويلزمه ذلك لدابة خشي عليها وكفاها الذي استعمله، وكالمستعمل متغير بمستقذر عرفًا، بخلاف المتغير بنحو عرق سوس، يلزمه شربه إن كان يدفع العطش، والتطهر بالماء.
ولا يجوز شرب نجس ما دام معه ماء طاهر، بل يشربه ويتيمم، ويجوز سقي الدابة النجس، ويتطهر بالطاهر.
وغير المميز كالدابة في اسقائه المستقذر لا النجس، ويجوز لعطشان إيثار عطشان آخر بالماء، ولا يجوز لمحتاج إلى طهر إيثار محتاج آخر إليه بالماء، وإن كان حدثه أغلظ، إذ لا يجوز الإيثار في القرب، لأنها حق لله، بخلاف الشرب فحقه، ومن ظن حاجة غيره إلى الماء مآلًا .. لزمه تزوده له إن قدر، ولا يجوز ادخار ماء ولا استعماله لطبخ، وبلِّ كعك يسهل أكله يابسًا، لكن جوّز (م ر) التيمم لاحتياجه لذلك حالًا، والخطيب: جوّزه مطلقًا.
[ ١٥٢ ]
ولو وجد العاصي بسفره الماء، واحتاجه لشربه أو كان به قروح .. لم يتيمم إلا إن تاب.
والخامس: أن يخاف من استعمال الماء محذورًا -مما يأتي- ولو متوقعًا، أو في الحضر؛ لآية (وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى) [النساء: ٤٣] أي: وخفتم من استعمال الماء محذورًا (فَتَيَمَّمُوا) [النساء: ٤٣] بقرينة تفسير ابن عباس المرض بالجرح والجدري ونحوهما، كما قال: (ولا يتيمم للمرض) الحاصل أو المتوقع (إلا إذا خاف من استعمال الماء على نفس، أو) مال أو (منفعة عضو) -بضم أوّله وكسره- أي: خاف ذهاب ذلك أو نقصه، كنقض ضوء عين (أو) خاف (طول) مدة (المرض) وإن لم يزد، أو زيادته وإن لم يبطئ (أو حدوث شين قبيح) أي: فاحش كتغير لون أو نحول أو استحشاف أو ثغرة تبقى أو لحمة تزيد، وإنما يؤثر ذلك (في عضو ظاهر) وهو ما يبدو عند المهنة غالبًا كالوجه واليدين، أو ما لا يعد كشفه هتكًا للمروءة، بخلاف الشين اليسير، كسواد قليل .. وبخلاف العضو الباطن ولو لأمة حسناء تنقص به قيمتها، ثم إن عرف ذلك بالتجربة أو بخبر عدل .. اعتمده، فإن انتفيا، وتوهم شيئا -مما مر- تيمم عند (حج)، وأعاد.
(ولا يتيمم للبرد إلا إذا لم تنفع تدفئة أعضاءه) في دفع المحذور المتقدم (ولم يجد ما يسخن به الماء) من إناء وحطب ونار (وخاف على) شيء -مما مر في المرض- من نفس، أو (منفعة عضو) له (أو حدوث) مرض، أو زيادته، أو بطأه أو (الشين المذكور) في المرض، فحينئذٍ يجوز للضرر، لكن عليه القضاء -كما يأتي- فإن نفعته التدفئة، أو قدر على التسخين، أو لم يخف شيئا مما مر في المرض .. لم يتيمم وإن تألم بالماء؛ إذ مجرد التألم لا يبيح التيمم.
(وإن خاف) شيئًا -مما مر- (من استعمال الماء) في جميع بدنه أو في جميع أعضاء وضوء المحدث .. وجب تيمم واحد، ولا غسل، أو (في بعض بدنه .. غسل الصحيح) ويتلطف بوضع خرقة مبلولة بقرب العليل ليغسل بقطرها ما حواليه من غير أن
[ ١٥٣ ]
يسيل إليه شيء، وهو غسل حقيقي، فإن تعذر .. أمسَّه ماء بلا إفاضة، وهذه رتبة فوق المسح ودون الغسل جوزت للحاجة هنا بدل الغسل للضرورة.
(وتيمم عن الجريح) تيممًا كاملًا (في الوجه واليدين) وإن كان الجرح في غيرهما بدلًا من غسل العليل؛ لئلا يخلو محل العلة عن الطهارة، ويجب أن يمر التراب على محل العلة -حيث لا ضرر إن كان بمحل التيمم- لا مسحه بالماء، لكن يسن، ولا يلزمه وضع ساتر على العليل لكن يسن إن تعذر إمرار التراب على العليل، وإلا .. لم يجز.
(فإن كان) مريد الطهارة (جنبًا) أو نحوه ممن طلب غسل ولو مندوبًا (.. قدم ما شاء) من غسل الصحيح والتيمم؛ إذ لا ترتيب عليه، والأولى تقديم التيمم؛ ليزيل الماء أثره.
(وإن كان محدثًا) حدثًا أصغر (.. تيمم عن الجراحة وقت غسل العليل)؛ رعاية لترتيب الوضوء، فلا ينتقل عن عضو عليل حتى يكمله غسلًا وتيممًا ومسحًا، فإن كان اليد .. وجب تقديم تيممها ومسحها -كغسلها- على مسح الرأس، وتأخيرهما عن غسل الوجه، وله تقديمهما على غسل الصحيح منها، وهو أولى؛ ليزيل الماء أثر التراب، وتأخيرهما عنه، وتوسيطه بينهما؛ إذ لا ترتيب في العضو الواحد، أو وجهه ويديه، فتيممان، فإن عمت الأعضاءَ الأربعة .. فتيمم واحد؛ لسقوط الترتيب.
ولا فرق فيما تقرر بين أن يكون على العليل جبيرة، أو لا، (ثم إن كان عليه جبيرة) وهي ألواح تهيأ للكسر أو الانخلاع تجعل على محله، لكن المراد هنا مطلق الساتر؛ ليشمل نحو اللصوق (.. نزعها وجوبًا) إن أمكن غسل الجرح بالماء، أو أخذت بعض الصحيح، أو كانت بمحل التيمم وأمكن مسح العليل بالتراب.
(فإن خاف من نزعها) محذورًا مما مر (.. غسل الصحيح) حتى ما تحت أطرافها منه، ويتلطف -كما مر- (ومسح عليها) كلِّها في كل طهر وقت غسل العليل بماء إلى أن يبرأ بدلًا عما تحتها من الصحيح، فلو لم يكن تحتها منه شيء .. لم يجب مسحها، لا بتراب -لأنه ضعيف لا يؤثر مع الحائل، بخلاف الماء كما في مسح الخف- ولا بالماء؛ لأنه طهر لما تحتها من الصحيح، ولا شئ منه تحتها، ولو ترشح الساتر
[ ١٥٤ ]
بنحو دم .. عفي عن ماء مسحها كما في "التحفة" وغيرها، خلافًا "للشرح" (وتيمم عما تحتها) من الجريح تيممًا كاملًا (في الوجه واليدين) كما مر.
(ويجب عليه) أي: ذي الجبيرة (القضاء) إذا أخذت من الصحيح زائدًا على حاجة الاستمساك وخشي شيئا مما مر من نزعها مطلقًا، أو (إذا) أخذت بقدر حاجة الاستمساك فقط، وقد (وضع الجبيرة على غير طهر) كامل، ولو في غير أعضاء الوضوء -عند (م ر) - وتعذر نزعها؛ لفوات شرط الستر من الوضع على طهر كالخف (أو كانت في الوجه واليدين) وإن وضعت على طهر؛ لنقص البدل والمبدل كما في "الروضة" لكن نقل عن "المجموع" ما يخالفه، ولا يجب القضاء إذا لم تكن بأعضاء التيمم، ولم تأخذ من الصحيح شيئًا مطلقًا، أو أخذت منه بقدر الاستمساك فقط، ووضعت على طهر.
(ويقضي) وجوبًا أيضًا (إذا تيمم للبرد) ولو في السفر؛ لندرة فقد ما يسخن به، أو ما يدثر فيه أعضاءه، وإنما لم يؤمر بالقضاء عمرو بن العاص لما تيمم للبرد؛ لأنه على التراخي، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز.
(أو) إذا (تيمم لفقد الماء في الحضر) أي: في محل يندر فقده فيه، وفيما حواليه من سائر الجوانب إلى حد القرب، والعبرة عند (م ر): بمحل الصلاة، وبمحل التيمم عند (حج)، بخلافه في السفر أي: في محل يغلب فيه فقده، أو يستوي الأمران، فلا قضاء، وكذا لو شك فيه، أهو مما يغلب فيه الفقد، أم لا؟
(و) يقضي أيضًا المتيمم (المسافر العاصي بسفره) كآبق وناشزة في الأصح؛ لأن سقوط الفرض بالتيمم فيه رخصة أيضًا، فلا يناط بمعصية، وإنما يصح تيممه مع القضاء إن فقد الماء حسًا، كحيلولة نحو سبع، فإن فقده شرعًا .. لم يصح تيممه.
وخرج بالعاصي بسفره: العاصي بإقامته بمحل لا يغلب فيه وجود الماء، وتيمم لفقده، والعاصي في سفره كأن سرق في سفره المباح، فلا قضاء عليهما، ومقابل الأصح لا قضاء على العاصي بسفره؛ لأنه لمَّا وجب عليه .. صار عزيمة، وفيه فسحة عظيمة؛ إذ قل مسافر غير عاص بسفره.
قاعدة تشمل التيمم وغيره وهي:
[ ١٥٥ ]