(باب) وفي نسخة: كتاب، أي: في بيان وسائل (الطهارة)، ومقاصدها وأحكامها، وما يتعلق بذلك.
والكتاب لغة: الضم والجمع؛ إذ الكاتب يجمع الحروف فتصير كلمة، والكلمات فتصير كلامًا.
والباب لغة: المنفذ والفصل الحاجز، والفرع: ما يبنى على غيره.
وأما عرفًا .. فكل منها: اسم لجملة مختصة من دال العلم.
لكن الكتاب مشتمل على أبواب، وفصول، وفروع، ومسائل غالبًا.
والباب مشتمل على فصول إلخ، والفصل مشتمل على فروع إلخ، والفرع مشتمل على مسائل، فالكتاب كالجنس، والباب كالنوع، والفصل والفرع كالصنف، والمسألة كالشخص، وكل من الكتاب وما بعده -في هذا المحل وغيره- خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ حُذف خبره، أو مفعول لفعل محذوف، أي: هذا الكتاب، أو كتاب الطهارة هذا، أو خذ كتاب الطهارة.
ووسائل الطهارة: الماء، والنجاسة، والاجتهاد، والأواني، وقال (بج): المشهور أن وسائلها الحقيقية: الماء، والتراب، والحجر، والدابغ.
ومقاصدها: الوضوء، والغسل، والتيمم، وإزالة النجاسة.
(والطهارة) -بفتح الطاء-: النظافة، والخلوص من الدنس الحسي كالمخاط، والمعنوي كحسد وكبر.
وشرعًا: تطلق على الفعل الذي هو (التطهير) وهو الوضوء والغسل والتيمم وإزالة النجاسة، وعلى الأثر المترتب على ذلك التطهير الذي هو زوال المنع الناشئ عن الحدث والخبث.
وتعرّف على الأول بأنها فعل ما يتوقف عليه إباحة ولو من بعض الوجوه كالتيمم، أو ثواب مجرد كالغسلة الثانية، وغسل الجمعة.
وعلى الثاني بأنها الأثر المترتب على ذلك الفعل.
[ ٧١ ]
(والطهارة) -بالضم-: بقية الماء.
وقد افتتح الأئمة كتبهم بالطهارة؛ لخبر: "مفتاح الصلاة الطهور"، ولأنها شرط للصلاة، وهو مقدم طبعًا، فيقدم وضعًا.
(لا يصح) ولا يحل (رفع الحدث) أي: الأمر الاعتباري القائم بالأعضاء المانع صحة الصلاة حيث لا مرخص، أو المنع المترتب على ذلك لا الأصغر -وهو ما أوجب الوضوء- ولا الأكبر -وهو حدث الحيض والنفاس- ولا الأوسط، وهو حدث الجنابة والولادة، وفي معناهما الموت.
(ولا إزالة النجس) أي: المستقذر المانع صحة الصلاة حيث لا مرخص، أو المعنى الموصوف به المحل، الملاقي لعين من ذلك مع الرطوبة -لا المخفف وهو بول الصبي ولا المغلظ وهو نجاسة الكلب والخنزير، ولا المتوسط وهو ما عداهما من النجاسة أو الوصف الناشئ عن ملاقاتها كما مر- ولا طهارة لسلس، ولا مسنونة.
(إلا بـ) ماء مطلق ولو ظنًا عن الاشتباه، وهو: (ما يسمى ماء) بلا قيد لازم عند العالم بحاله على أي صفة كان، من أصل الخلقة، وذلك كماء البحر وإن كان متغير الطعم، وما ينعقد منه الملح، وينحل إليه البرد، وما استهلك فيه خليط لم يسلبه اسم الماء، والمترشح من الماء الطهور المغلي، وما جمع من ندىً، والمتغير بمجاور أو بما لا غنى عنه، وماء زمزم.
ودليل حصر ما ذكر في الماء: أن الطهارة ثبتت فيه بالماء دون غيره، ولا مدخل للقياس؛ لاختصاص الماء بمزيد لطافة ورقة لا توجد في غيره.
وخرج بـ (الماء المطلق) غيره من مائع وجامد ولو ترابًا؛ لأنه في التيمم لا يرفع الحدث بمعنى الأمر الاعتباري، وفي غسل نجاسة نحو الكلب، المطهر فيها إنما هو الماء بشرط مزجه بالتراب، ونحو الحجر في الاستنجاء مخفف لا مزيل للنجاسة.
وطهر الجلد بالدبغ، والخمر بالتخلل إحالة لا إزالة، ويستمر التطهير للماء إلى أن يتغير، أو يستعمل، أو ينجس.
(فإن تغير) ولو بواحد من (طعمه أو لونه أو ريحه) فـ (أو) مانعة خلو، لا جمع (تغيرًا فاحشًا بحيث لا يسمى ماء) بأن يسلب اسم الماء المطلق يقينًا، وإنما
[ ٧٢ ]
يسمى ماء مقيدًا بقيد لازم كماء الورد، أو يحدث له اسم آخر كالمرقة، وكان ذلك التغير (بمخالط) للماء يخالفه في صفاته، أو واحدة منها وهو ما لا يمكن فصله، أو ما لا يتميز في رأي العين (طاهر) أما المتغير بنجس .. فمتنجس مطلقًا (يستغني الماء عنه) يقينًا، أي: لا يشق صونه عنه، كملح جبلي في غير ممره ومقره، وكافور رخو، وقطران رخو لم يوضع لإصلاح الظرف، وثمر وإن كان أصله في الماء.
(.. لم تصح) ولم تحل (الطهارة به)؛ لأن ذلك لا يسمى ماء، حتى لو حلف لا يشرب ماء، أو لا يشتريه .. لم يحنث بشرب متغير، أو شرائه.
نعم؛ لو تنجس نحو دقيق بحكمية .. طهر بصب الماء عليه وإن تغير كثيرًا قبل وصوله لجميع أجزائه للضرورة، بخلاف تغيره بالسدر في غسل الميت؛ إذ لا ضرورة.
(والتغير التقديري كالتغير الحسي) في جميع أحكامه (فلو وقع فيه) أي الماء ما يوافقه في جميع صفاته كماء مستعمل، ولم يبلغا قلتين، أو في بعضها كـ (ماء ورد لا رائحة له) وله لون وطعم، أو أحدهما (.. قدر مخالفًا) له في جميعها في الأول، وكذا في الثاني.
لكن رجح كثير أن الموجود لا يقدر (بأوسط الصفات) كطعم رمان، ولون عصير، وريح لاذن، فيفرض مغير اللون، ومغير الطعم، ومغير الريح، فبأيها حصل التغيير تقديرًا .. انتفت عنه الطهورية؛ وذلك لأنه لموافقته للماء لا يغيره، فاعتبر بغيره كالحكومة.
(و) خرج بـ (التغير الفاحش) اليسير، فـ (لا يضر تغير يسير) وهو ما (لا يمنع اسم الماء) ولو بمخالط مستغنى عنه؛ لأنه ﵊ "توضأ من قصعة فيها أثر عجين".
(و) بالمخاط التغير بما ليس مخالطًا ولا مجاورًا كالمكث أو بمجاور، فـ (لا يضر تغير بمكث) وإن كثر إجماعًا؛ لتعذر الاحتراز عنه.
[ ٧٣ ]
(و) لا (بتراب) ولو مستعملًا عند (م ر)، سواء قلنا: إنه مخالط؛ لأنه مطهر كالماء، أو مجاور ما لم يجر بطبعه كالشربة، ولا يضر التغير بما على أبدان المتطهرين.
قال الشرقاوي: (ومن الخليط الذي لا غنى عنه .. ما يقع من غسل الرجلين في الفساقي كميضأة السيد البدوي أيام المولد) اهـ
(و) لا التغير (بطحلب) لم يطرح إن تفتت؛ لعسر الاحتراز عنه، فإن طرح وصار مخالطًا .. ضر.
(و) لا بـ (ما في مقره وممره) أي: بما هو خلقي فيهما، أو مصنوع يشبه الخلقي من نحو: نوره، وطين، وأثر الدباغ، وكذا قطران ولو رخوًا وضع لإصلاح نحو القرب عند (حج).
(ولا بمجاور) وإن طرح (كعود) لم تنحل منه عين في الماء يقينًا (ودهن) وبخور؛ لأن ما شك في كونه مجاورًا أو مخالطًا له حكم المجاور، ولأنه بفرض أنه مخالط .. لا يسلب اسم الماء.
ومن المجاور ما أغلي فيه نحو بر أو ثمر -ما لم يعلم انفصال عين منه مخالطة له تسلبه اسم الماء- وما طرح فيه، نحو ليمون وإن تغير ريحًا وطعمًا كثيرًا (ولا بملح مائي) وإن طرح؛ لانعقاده من عين الماء كالثلج -بخلاف الجبلي كما مر- وكالملح المائي متغير بخليط لا يؤثر عند (حج)، فلا يضر صبه على غير متغير وإن غيره كثيرًا؛ لانه طهور.
(ولا بورق تناثر) بنفسه (من الشجر) ولو ربيعيًا، فإن طرح وتفتت .. ضر، فإن لم يتفتت .. لم يضر؛ لأنه مجاور.
وخرج بزيادتي (يقينًا): ما لو شك، هل التغير فاحش أو لا؟ أو هل التغير بمخالط أو مجاور؟ أو هل المخالط مستغنى عنه أو لا؟ أو هل بطاهر أو نجس؟ فلا يضر؛ إذ الأصل تيقن طهوريته، فلا تزول بالشك.
ولو شك هل زال التغير المضر .. عاد طهورًا عند (م ر)؛ لأن طهوريته إنما سلبها يقين فحش تغيره، وقد زال.
[ ٧٤ ]