وهي في كلامه بمعنى الأعيان النجسة مجازا، علاقته السببية أو المجاورة.
وحقيقتها: وصف يقوم بالمحل يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص، والضمير في إزالتها للنجاسة بهذا المعنى، ففيه استخدام.
وأزالتها بالماء من خصائصنا، وكانت في بني إسرائيل بقطع موضع النجاسة من غير الحيوان.
وهي هنا لغةً -بمعنى العين- كل مستقذر ولو معنويًا، كالكبر، أو طاهرًا شرعًا كالمني.
وشرعًا: مستقذر يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص.
وعرَّفها المصنف بالعد كالأكثرين؛ لسهولة معرفتها به بقوله: (وهي: الخمر والنبيذ) أي: كل مسكر، أي: شأن نوعه الإسكار، وإن لم يسكر هو بالفعل كقطرة خمر.
و(المسكر) هو: ذو الشدة المطربة، ولا يكون إلا مائعًا أصالة، كالخمر وهي: المتخذة من العنب ولو محترمة وهي التي عصرت لا بقصد الخمرية، فإن عصرت بقصدها .. فغير محترمة فتجب إراقتها، ويعتبر تغيير القصد قبل التخمر، وكالنبيذ وهو المتخذ من عصير غير العنب؛ للإجماع على ما قيل في الخمر، وقيس بها النبيذ.
أمَّا غير المائع كأفيون وحشيش وكثير عنبر وزعفران .. فطاهرات؛ لأنها مخدرة لا مسكرة، ولذا لم يحرم منها إلا القدر المخدر.
قال في "الإمداد": وظاهر كلامهم: أن الخمر المنعقدة نجسة وإن انتفت عنها الشدة المطربة، وهو متجه؛ لأنها لا تطهر إلا بالتخليل ولم يوجد وأن الحشيشة المذابة نجسة إن وجد فيها الإسكار.
[ ١٣٧ ]
(والكلب) ولو معلما؛ لخبر مسلم: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب".
والأصل عدم التعبد، وبقية بدنه كفمة، بل أولى؛ لأنه أطيب الحيوان نكهة؛ لكثرة لهثه.
(والخنزير) -بكسر الخاء- كالكلب، قالوا: لأنه أسوأ حالًا منه؛ إذ لا ينتفع به بحال، ولأنه مندوب قتله لغير ضرر، ولا يجب قتله كالكلب العقور إلا لدفع صياله، ويحرم قتل الكلب المعلَّم اتفاقًا، وكذا ما لا نفع فيه ولا ضرر على الأصح.
(وما تولد من أحدهما) مع حيوان آخر ولو طاهرًا، ولو آدميًا وإن سفل، وكذا إن كان على صورة الآدمي عند (حج)؛ تغليبًا للنجس، لكنه مكلف إن كان عاقلًا، فيعفى عنه كالوشم المتعذر إزالته، فيدخل المسجد، ويمس الناس ولو رطبًا، ويؤمهم، ويتسرى عند الضرورة، وتحرم ذبيحته ومناكحته، ويفطم عن الولايات ولا ينسب للواطئ، ولا يرث، ولا يورث.
(والميتة) -بجميع أجزائها وإن لم تكن لها نفس سائلة- وهي: ما أزيلت حياتها بغير ذكاة شرعية؛ لآية: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣] وتحريم ما ليس محترما، ولا مستقذرًا، ولا ضرر فيه دليل على نجاسته.
فخرج: موت الجنين بذكاة أمه، والصيد بالضغطة أو الجارحة ولم تدرك حياته، والناد بالسهم؛ لأن ذلك ذكاة شرعية لها. (إلا الآدمي) فميتته طاهرة؛ لتكريمه بالنص ولو كافرًا.
ومعنى نجاسته في الآية: أن اعتقادهم نجس، أو أن ذواتهم كالنجس في وجوب الاجتناب، وعند مالك وأبي حنيفة: ميتة الآدمي نجسة إلا الأنبياء، والشهداء، وتطهر بالغسل.
(و) إلا (السمك والجراد) .. فطاهران؛ لخبر ابن عمر: "أحل لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال".
(و) من النجاسة أيضًا: (الدم) -بتخفيف الميم على المشهور- ولو معفوًا عنه وإن تحلب من كبد أو طحال، ومنه ما يبقى على اللحم والعظام، لكن يعفى عنه في الأكل وإن اختلط بماء الطبخ وغيره، وكان واردًا على الماء.
نعم؛ إن لاقاه لغسله .. اشترط زوال أوصافه قبل وضعه في القدر.
[ ١٣٨ ]
واستثني أيضًا من نجاسة الدم: المسك ولو من ميتة إن تجسد وانعقد، والعلقة، والمضغة، ومني أو لبن خرجا بلون الدم، ودم بيضة لم تفسد.
(والقيح) وجدري متغير (والقئ) -بالهمز- ولو صافيًا وصل إلى المعدة، وكذا إن لم يصلها وخرج بعد مجاوزة حرف الباطن عند (م ر).
(والروث والبول) ولو كانا من طائر أو سمك أو جراد، أو مما لا نفس له سائلة، أو من مأكول؛ لأنه ﷺ سمى الروث: ركسًا وهو شرعًا: النجس، وأمر بصب الماء على البول وفي"الفتح": (وما راثه الحيوان أو قاءه من المتصلب كالحب إن تغير عن حاله قبل البلع ولو يسيرًا .. فنجس، وإلاَّ .. فمتنجس) اهـ
ويعفى عن بول بقر الدياسة على الحب، ونسج العنكبوت طاهر.
(والمذي) -بسكون المعجمة على الأفصح- للأمر بغسل الذكر، أي: رأسه منه، وهو ماء أصفر رقيق غالبًا، يخرج عند شهوة ضعيفة، ويقال فيه من المرأة القذى.
(والودي) -بسكون المهملة على الأفصح-: ماء ثخين أبيض غالبًا، يخرج عقب البول إن استمسكت الطبيعة، أو عند حمل شيء ثقيل.
(والماء المتغير السائل من فم النائم) إن تحقق كونه من المعدة، وإلاَّ .. فطاهر، قال في "الفتح": (ولو نتنًا وأصفر).
نعم؛ يندب غسل ما احتمل أنه منها، ولو ابتلي بما علم أنه منها .. عفي عنه، وكذا ما ابتلي به من دم اللثة.
(ومني الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما)؛ لأنه أصلها (ولبن ما لا يؤكل لحمه) ولو من أتان.
وفارق منيَه وبيضه بأنهما أصل حيوان طاهر، فكانا طاهرين مثله، واللبن مرباه، والأصل أقوى من المربى.
(إلا الآدمي) .. فلبنه طاهر ولو من صغير ذكر ميت، وكذا لبن المأكول وأنفحته، وبيض الميتة المتصلب، وبزر القز، ومترشح حيوان طاهر كعرق، ولعاب وبلغم لا من معدة وماء قروح ونفط لم يتغير ومسك وفأرته المنفصلة من حي وزباد وهو عرق سنور بري.
[ ١٣٩ ]
(وأما مني الحيوان غير الكلب والخنزير وما تولد من أحدهما والعلقة) وهي دم غليظ استحال عن المني (والمضغة) وهي لحمة صغيرة استحالت من العلقة (ورطوبة الفرج) -أي: القبل- الخارجة مما يصله ذكر المجامع، وهي: ماء أبيض متردد بين المذي والعرق (.. فطاهرات) من الحيوان الطاهر، أمَّا المني .. فلأنه أصل حيوان طاهر، والعلقة والمضغة كالمني بل أولى؛ لأنها أقرب إلى الحيوانية، والرطوبة كالعرق، لكن قال (سم): (الرطوبة ليس لها قوة الانفصال إلاَّ التي من الباطن، فتكون نجسة) اهـ
ومحل طهارة المني إن كان رأس الذكر والفرج الذي خرج منه المني طاهرًا، وإلاَّ .. كان متنجسًا، وحرم الجماع حينئذٍ كما مر، والغالب أن يسبقه المذي، فينبغي التحرز عنه.
(والجزء المنفصل من الحي كميتته) طهارة ونجاسة، فما انفصل من آدمي أو سمك أو جراد .. طاهر، أو من غيره .. فنجس كميتته، إلا فأرة المسك المنفصلة في الحياة ولو احتمالا .. فطاهرة، وإلا لتنجس بها المسك؛ لرطوبته قبل انعقاده.
و(إلا شعر المأكول وريشه وصوفه ووبره .. فطاهرات) إن لم يعلم إبانة ذلك بعد الموت، سواء انتف أم جز أم تناثر؛ لآية (وَمِنْ أَصْوَافِهَا) [النحل: ٨٠] وخرج بـ (الشعر) وما بعده: العضو المبان ولو قرنًا أو ظلفًا وعليه شعر أو ريش ولو واحدة، فإنه مع شعره أو ريشه نجس ولا أثر لما بأصلها من الحمرة حيث لا لحم به، ولا لشعر خرج من أصله، بخلافه مع قطعة جلد، وإن قلت لكن يعفى عن ذلك في نحو عباءة إن قل.
ولو شك في شعر، أهو من مأكول أو غيره؟ أو انفصل من حي أو ميت؟ .. فطاهر؛ إذ الأصل فيه الطهارة، ومثله: العظم، بخلاف قطعة لحم جهل تذكية ما هي منه؛ إذ الأصل فيه عدم التذكية.
(ولا يظهر شئ من النجاسات) بغسل مطلقًا ولا باستحالة، وأمَّا ميتة وقعت في ملاحة فصارت ملحًا، أو حرقت فصارت رمادًا، أو سرجين صار طينا .. فباقية على
[ ١٤٠ ]
نجاستها، وليست هذه استحالة؛ إذ هي أن يبقى الشئ بحاله، وإنما تتغير صفاته (إلا ثلاثة أشياء) .. فتطهر بالاستحالة على خلاف يأتي في الثالث.
(الخمر) أي: المسكر ولو نبيذًا؛ لصحة السلم في خل التمر والزبيب المستلزمة لطهارته، ولا يحمل ذلك على خل لا يستحيل عن نبيذ، كما لو صب العصير في دن عتيق أو على خل أكثر منه .. فإنه يتخلل في هذين من غير تنبذ، كما لو جردت حبات العنب عن عناقيدها وملئ بها دن وطين رأسه .. فيتخلل من غير تخمر؛ أخذًا بإطلاقهم، ولأن ذلك نادر، قال بعضهم: بحسب ما كان، وأمَّا الآن .. فغالبه لم يتخمر.
فتطهر الخمر بالتخلل ولو غير محترمة وإن فتح رأسها ونقلت من دن لآخر، ومن شمس لظل، وعكسه، وعَلَت لا بفعل فاعل أو به، ثم غمرت بخمر قبل جفاف ما علا منها، وكذا بعد جفافه، كما في "المغني" (مع إنائها) وغطائه ولو نحو خزف جديد (إذا صارت خلا بنفسها) من غير مصاحبة عين أجنبية؛ لأن علة النجاسة والتحريم الإسكار، وقد زال، ولأن الخل يحل إجماعًا، وهو مسبوق بالتخمر غالبًا فلو لم يطهر .. لتعذر حله وحرم اتخاذه، أمَّا إذا تخللت بمصاحبة عين أجنبية نجسة -وإن نزعت قبل التخلل- أو طاهرة واستمرت إلى التخلل، أو تحلل منها شئ .. فلا تطهر؛ إذ النجس يقبل التنجس في الأولى، ولتنجسها بعد التخلل بالعين أو بما تحلل منها فيما بعدها.
وخرج بـ (بالأجنبية): نحو حبات العناقيد، فلا ينجس به قال الكردي: يعفى عن حبات العناقيد، ونوى التمر وتفله، وشماريخ العناقيد على المنقول؛ وفاقًا لـ (حج)، وخلافًا لشيخ الإسلام و(م ر) والخطيب.
(والجلد المتنجس بالموت) خرج جلد المذكاة والسمك فإنه طاهر قبل الموت وبعده، والمغلظ فإنه نجس قبل الموت فلا يطهر بالدباغ؛ لأنه إنما يطهر النجاسة الحاصلة بالموت من العفونة العارضة به دون الأصلية.
(ويطهر) ولو من غير مأكول (بالدبغ) أو الإندباغ (ظاهره) وهو: ما لاقاه الدابغ (وباطنه) وهو: ما لم يلاقه من أحد الوجهين، أو ما بينهما كذا في "التحفة".
وفي "النهاية": الباطن ما بطن، والظاهر ما ظهر من وجهيه؛ للأخبار الصحيحة
[ ١٤١ ]